مقالات سلطان العميري

كيف تعامل أئمة السلف مع صفة اليد لله تعالى ؟

جاءت نصوص كثيرة في إثبات صفة اليد لله تعالى , وإثبات هذه الصفة من الأمور المستقرة عند أئمة السلف , وقد تتابعت أقوالهم ومقالاتهم في تأكيد إثباتها , وتضمنت أقوالهم المقررة لهذه الصفة أوصافا متعددة تكشف عن حقيقة اعتقادهم في هذه الصفة , وتكشف أيضا عن طبيعة إثباتهم لها ولغيرها من الصفات المتفقة معها في الطبيعة والجنس , كصفة القدم والوجه وغيرها .
وأقوال أئمة السلف الواردة في هذه الصفة كثيرة جدا سنقتصر منها على ما يدل على المعنى الأساسي دلالة مباشرة (وكل الآثار المنقولة هنا مأخوذة من كتاب إثبات اليد , للذهبي , وتخريجها موجود هناك ) .
وهي تتضمن أمورا تدل على أنهم يعتقدون أن صفة اليدين لله صفة حقيقية يحصل بها ما يحصل باليد الحقيقة , ومن تلك الأمور :
الأمر الأول : أن يد الله يحصل بها الطي والقبض والأخذ والإعطاء , يقول عكرمة :” كلتا يدي الله يمينان , فيطوي السموات , فيأخذهن بيده , ثم يقول : أن الملك , ثم يأخذ الأرضين بيده الأخرى” .
وعن وهب بن منبه قال :”ما الخلق في قبضة الرحمن إلا كخردلة ها هنا في يد أحدكم” , فهذا القول يدل على أن ابن منبه يعتقد أن اليد الثابتة لله يدل حقيقة يمكن أن يقع به القبض , كما أن اليد الحقيقية يقع بها القبض , ولهذا ذكر الخردلة وموقعها من اليد .
الأمر الثاني : أن يد الله يقع بها الجمع والضم , فقد صح عن سلمان الفارسي أنه قال :”خمر الله طينة آدم أربعين ليلة , ثم جمعه بيده – وأشار حماد بن سلمة بيده- فخرج طيبه بيمينه وخبيثه بشماله” قال : هكذا , ومسح حماد إحدى يديه على الأخرى , وهكذا فعل حجاج الأعور .
فصرح الصحابي الجليل سلمان الفارسي بأن الله جمع بيده , فاليد حصل به الجمع إذن .
الأمر الثالث : أنه يد الله يقع بها المسح , فقد صح عن عبدالله بن سلام أنه قال في قصة خلق آدم عليه السلام :”ثم مسح بيديه , فأخرج فيهما من هو خالق من ذريته إلى أن تقوم الساعة , ثم قبض يديه , ثم قال : اختر يا آدم , فقال : اختار يمينك يا رب , وكلتا يديك يمين , فبسطها , فإذا فيها ذريته من أهل الجنة” .
فهذا الأثر من أقوى ما يبين حقيقة ما يعتقده أئمة السلف في صفة اليد الإلهية , ففيه أن يدي الله تعالى وقع بهما المسح , وأنه خرج فيهما ذرية آدم جميعهم , ثم حصل بهما بعد ذلك القبض , ثم حصل بهما بعد ذلك البسط , فهذه الأوصاف مجتمعة تدل على أن ذلك الصحابي كان يعتقد أن لله يدين حقيقيتين يحصل بهما كل تلك الأمور المخصوصة . 
وصح عن ابن عباس أنه قال :” مسح الله ظهر آدم , فأخرج في يمينه كل طيب , وأخرج في يده الأخرى كل خبيث” , وهذا الأثر لا يختلف عن سابقه في الدلالة , فقد رتب الأفعال فيها ترتيبا يدل على أنه يعتقد أن يد الله يد حقيقية , فالله تعالى مسح بيديه أولا , ثم أخرج في يديه بعد المسح صنفين من الناس , فلو كانت يد الله ليست بمعنى اليد الحقيقية , فيكف يصح أن تقع بها تلك الأفعال المخصوصة؟!

وثبت عن أبي هريرة أنه قال : قال الله لآدم ويداه مفتوحتان : اختر أيها شئت , فقال اخترت يمين ربي … ” الحديث .
الأمر الرابع : أن يد الله يحصل بها المس واللمس , فعن عكرمة أنه قال :”إن الله لم يمس بيديه شيئا إلا ثلاثا , خلق آدم بيده , وغرس الجنة بيده , وكتب التوراة بيده” , وعن خالد بن معاد قال :”إن الله لم يمس بيده إلا آدم..” , فهذان الأثران وغيرهما يفسران معنى خلق الله تعالى لآدم بيده , وأن ذلك الخلق كان بمس اليد , وليس بمجرد القدرة فقط , كما يقول المؤولة .
الأمر الخامس : أن يد الله يحصل بها الكتابة , فقد روي عند عدد من أئمة السلف بأن الله كتب التوراة بيده , فقد صح عن زيد بن أسلم أنه قال :”إن الله لما كتب التوراة بيده , قال : بسم الله , هذا كتاب الله بيده لعبده موسى” .
وعن حكيم بن جابر قال :”أخبرت أن ربكم لم يمس بيده إلا ثلاثة أشياء : غرس الجنة بيده , وخلق آدم بيده , وكتب التوراة بيده” , فهذه الأثر وغيره بين معنى كتابة الله تعالى التوراة بيده , وأنها كانت بمس اليد .
ثم إن تخصيص السلف لهذه الأمور دون غيرها بمس اليد أو بالخلق باليد , دليل على أنه يرون أن اليد ليس هي القدرة ولا النعمة لأن قدرة الله ونعمته عامة لكل الأشياء , وليست خاصة بهذه الأشياء الثلاثة .
فهذه الأمور تدل دلالة ظاهرة على أن أئمة السلف كانوا يعتقدون أن يدي الله يدان حقيقيتان , يتحقق بهما اللمس والمسح والكتابة والقبض والبسط والأخذ والإعطاء وغير ذلك من الأفعال التي تقع باليدين الحقيقيتين .
وقد أقر بذلك عدد من علماء الكلام , فإنهم يذكرون كثيرا بأن نسبة تلك الأوصاف إلى صفة اليدين لله تعالى يستلزم أنهما يدان حقيقيتان , وهذا الاستلزام يقتضي إثبات الجسمية المشابهة للمخلوقات كما يزعمون , ولهذا لجؤوا إلى تأويلها وصرفها عن ظاهرها .
وثبوت استعمال أئمة السلف لتلك الأوصاف يدل على أن مشكلة أولئك ليست مع النصوص الشرعية فقط – وكفى بذلك إشكالا- وإنما مشكلتهم أيضا مع أئمة السلف , من الصحابة من جاء بعدهم .
((فإنا لو سلمنا بأن النصوص الشرعية إنما استعملت تلك الألفاظ والأوصاف لأجل البيان وتقريب الصورة للأفعال , فما الذي دعا أئمة السلف إلى استعمالها , فيما لو كانت تدل على معاني لا تليق بكمال الله ؟!!))
وبناء على تقريرهم , فإنه يلزمهم أن يصفوا أئمة السلف بأنهم مجسمة ومشبهة , لأنهم استعملوا الألفاظ التي تدل على ذلك , وقرروا المعاني التي حكموا عليها بأنها داخلة في التجسيم والتشبيه .
ويدل ثبوت ذلك أيضا على أن إثبات اليدين لله تعالى بتلك الحقيقة التي يحصل بها القبض والبسط المس واللمس والكتابة وغيرها , ليس خاصا بابن تيمية , وإنما هو عقيدة مستقرة عند أئمة السلف جميعا .
وقد أخذ بعض المنتسبين إلى علم الكلام من السابقين والمعاصرين يصور للناس بأن المشكلة إنما هي في استعمال عبارة “أجزاء وأبعاض وأقسام” , بحجة أن هذه الألفاظ تتضمن إثبات التجسيم لله تعالى , ولو سلمنا لهم بذلك جدلا , فإن المشكلة لا تنتهي , لأنهم يعتقدون أيضا أن استعمال لفظ ” القبض والبسط والأخذ والإعطاء والمسح واللمس وغيرها” يقتضي التشبيه والتجسيم , وهذه الألفاظ مستعملة بكثرة عند أئمة السلف .
ويدل استعمال أئمة السلف لتلك الأوصاف في يدي الله تعالى على أنهم لم يكونوا مفوضة في صفة اليد , لأنهم استعملوا ألفاظ تدل على أنه كانوا يدركون معنى تلك الصفة ومقتضياتها .
والعجب ممن ينسب إلى أئمة السلف التفويض في صفة اليد , ثم يحكم على الألفاظ التي كانوا يستعملونها في أثناء حديثهم عن تلك الصفة بأنه تقتضي التشبه والتجسيم!!

03/2015

اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.