مقالات سلطان العميري

ابن رشد الفيلسوف العقلاني ومعاناة الاستلاب المعرفي

يصدّرُ ابن رشد على أنه الفيلسوف العقلاني في التراث الإسلامي , ولكن عقلانية ابن رشد تتبدد أمام آراء أرسطو , وتخور قواه العقلانية أمام مقالاته , فهو لأرسطو مجرد مقلد يحاول أو يفهم ما يقوله معلمه فقط , لأنه أقنع نفسه بأن الحق لا يخرج عما قاله أرسطو .
فهو يرى أن أرسطو أبرزته العناية الإلهية , وأنه بلغ أقصى الكمال الإنساني حيث يقول عنه : “ما أعجب شأن هذا الرجل , وما أشد مباينة فطرته للفطر الإنسانية , حتى كأنه الذي أبرزته العناية الإلهية لتوقفنا معشر الناس على وجود الكمال الأقصى في النوع الإنساني”([1]) .
ويرى أنه ليس للبشر مجال إلا الاختلاف في فهم أراه فقط فيقول: ” أرسطو هو أصل كل فلسفة، ولا يمكن الاختلاف في غير تفسير أقوله، وفي النتائج التي تستخرج منها “([2])،
ويؤكد على أن أقوال أرسطو تمثل الحقيقة المطلقة , حيث يقول : ” إن مذهب أرسطو هو الحقيقة المطلقة، وذلك لبلوغ عقله أقصى حدود العقل البشري، ولذا فإن الحق أن يقال عنه: إن العناية الإلهية أنعمت به علينا لتعليمنا ما يمكن أن نتعلمه “([3]) .
ولأجل هذا خطأ الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة في أكثر من ثلاثين موطنا وكانت حجته هو أن الغزالي خالف أرسطو .
ويدعو إلى تسميته بالرجل الإلهي لا بالرجل البشري , فانظر إليه يقول في معرض مدحه لأرسطو: ” والواقـع أن جميع هـذا اجتـمع في رجل واحد، وهـذا أمـر عجيب خارق للعادة، وهـو إذا امـتاز على هذا الـوجه يستـحق أن يُـدعى إلهياً أكثر من أن يدعى بشرياً “([4]) .
ويحمد الله على أن أنعم على البشرية بأن أوجد فيهم رجلا مثل أرسطو , بل يذكر أن الله أشار إليه في القرآن فيقول في تعبيره عن غلوه فيه : ” نحمد حمداً لا حد له ذاك الذي اختار هذا الرجل (أرسطو) للكمال، فوضعه في أعلى درجات الفضل البشري، التي لم يستطع أن يبلغها أي رجل في أي عصر كان، وأرسطو هو الذي أشار الله إليه بقوله: ” ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء” “([5]).
فهذه الصور من الغلو تبين لنا مدى الاستلاب المعرفي الذي كان يعيشه ابن رشد الفيلسوف , ويظهر مقدار الخلل المنهجي الذي كان يعيشه في فلسفته التي تصدر على أنها مثال العقلانية العربية !!
وهذا ما دعى طه عبدالرحمن على أن يحكم على مؤلفات أرسطو الفلسفية بأنها محرقة للفكر الفلسفي العربي .
([1]) تلخيص كتاب البرهان , لابن رشد (213)
([2]) ابن رشد والرشدية، لرينان (71).
([3]) المرجع السابق، نفس الصفحة.
([4]) المرجع السابق، نفس السابق.
([5]) المرجع السابق، نفس السابق.

2010

اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.