مقالات محمد السعيدي

يا دكتور محسن :لا تكسروا حاجز الصوت

العرب ظاهرة صوتية , كانت هذه الكلمة في بداية ظهورها من أبغض الكلمات لدى الساسة العرب والمفكرين والحركيين , لكنها اليوم أصبحت حقيقة يستحي الجميع من إنكارها , وبالرغم من مرارة هذه الحقيقة إلا أنها أصبحت هي أضعف الإيمان الذي نحارب به اليوم عدونا الأزلي اليهودي الصهيوني .     
وبالرغم من أننا كنا نحتقر الصوت كثيرا إلا أنه اليوم يفعل لنا الكثير الكثير من دعم الممانعة الجماهيرية تجاه التطبيع مع العدو ومن تحطيم دعايته الإعلامية التي بناها خلال سبعين عاما , ومن التأثير على القادة العرب للتخفيف من حركة المسارعة نحو التقارب مع العدو ومن الحصار الثقافي للصهاينة في هذا البحر العربي المسلم ومن دعم إخواننا الفلسطينيين في داخل الأرض المحتلة معنويا حين يعز علينا إيصال دعمنا العيني ومن إرهاب المستوطن الإسرائيلي وجعله متوجسا قلقا في كل أوقاته من يقظة قريبة تقبع وراء كل تلك الجعجعات .
ولا يقل عن كل ذلك أهمية : أن الظاهرة الصوتية هي التي مكنتنا من صناعة الشعارات التي يحمل كل منها ملخصا لجانب من قضيتنا مع اليهود ويوقظ الواحد منها في ذهننا الجمعي والفردي سيلا من الذكريات المرة والأحقاد التي نحرص على الاحتفاظ بها في صدورنا ونرضعها أبناءنا على اعتبار أنها هي وقود المعركة القادمة حين تحين المعركة .
واليهود يتذكرون جيدا أن اللبنة الأولى من لبنات كيانهم السرطاني كانت مصنوعة من الصوت , لكنه كان صوتا وحيدا في محيط مليء بالأسماك الخرساء التي لا تعبر عن نفسها إلا بحركات رشيقة من أذيالها .
أما اليوم فقد خلق الله من حولهم أفواها وحناجر كثيرة يغلب صوتها مجتمعة صوتهم القديم ودعاواهم المكرورة , فتيقظ لديهم الخوف على لبنتهم الأولى أن تتحطم تحت فؤوس من الألسنة العربية المسلمة الحادة, هنالك تنوعت خططهم ومؤامراتهم لكتم أصوتنا الحرة والحارة قبل أن تشعل النار في ثيابهم .
ومن آخر هذه المؤامرات ما كشف عنه اثنان من دعاة بلادنا الذين اجتمعت فيهم خصال العلم والفكر والحمية حين ذكرا أن وسطاء لقنوات صهيونية طلبوا منهما الحديث إليهم , وأنهما قابلا هذه العروض بالرفض متمسكين بعدد من الشعارات الرائعة التي أنتجتها ظاهرتنا الصوتية المباركة .
لكن المثير للدهشة والباعث على الألم في آن : أن يتولى نقد هذا الموقف المتمسك والمتماسك أحد أبناء الظاهرة الصوتية والمؤثرين فيها وهو الدكتور الفاضل محسن العواجي , فيما يبدوا أنها محاولة لكسر حاجز الصوت دون تبصر بما يمكن أن يحدثه جدار الصوت عند اختراقه من دوي وانهيارات شنيعة في بيئة تعيش على شفا جرف لا تحتمل أن تميد بها الأرض قيد أنملة .
وكان مما تمسك به لتبرير موقفه من إجازة الظهور على القنوات الصهيونية : أن الرسول صلى الله عليه وسلم غشي الكفار في مجالسهم , وأن ظهورنا في قنواتهم شكل حديث من أشكال غشيان الكفار في المجالس , كما ان هناك الكثير من المصالح المترتبة على طرحنا لرأينا المتصلب تجاههم في عقر دارهم منها إظهار قوة رأينا فيهم وتعظيم أمرنا لدى عامتهم والجهر بصوت الحق الغائب عنهم في ديارهم , ولنا كما قال أسوة بعدد من الناشطين الفلسطينيين في القطاع وداخل الخط الأخضر ممن ظهروا في المحطات الصهيونية وهؤلاء هم أقرب الناس إلى المشكلة وأعرف منا بمواطن حلها .
ولست أشك لحظة في صدق الدكتور محسن في نيته لكن النية لا تكفي وحدها لعذر المرء أو السكوت على موضع الخطأ في كلامه .
أما استدلاله بموقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فيرد عليه من وجهين :
أحدهما : أن القياس حين لا تكون المماثلة تامة بين الأصل والفرع يكون قياسا فاسدا , وهذا وللأسف هو حال القياس الذي استخدمه الدكتور محسن , فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يغشى مجالس كفار مكة والطائف لتبليغهم دعوة الإسلام , ولم يكن لهم غير الشرك صفة تمنع الرسول من مجالستهم فلم يكونوا مغتصبين للأرض والعرض ولا معتدين على الأهل والمال , كما لم يكن للرسول صلى الله عليه وسلم غذ ذاك دولة ولا مآل , وحين اختلف الحال وجمع أهل مكة إلى شركهم صفة الكبر وبطر الحق وغمط الناس وإخراج المؤمنين من ديارهم وأكل أموالهم لم يكن له معهم سوى السيف وصوت حسان بن ثابت رضي الله عنه وهو يقول :
عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء
يبارين الأسنة مصعدات على أكتافها الأسل الضماء
الآخر: أما يهود المدينة فكانوا مواطنين في دولته صلى الله عليه وسلم وعاملهم بما يليق أن يعامل به الراعي رعيته , لكنهم لما نقضوا وتنكروا لدولة الإسلام لم يغش مجالسهم ولم يكن بينه وبينهم إلا ما حكته سورة الحشر .
ولا يمكن أن يعزب عن ذهن أحد أن السلوكيات المعاصرة للإعلام والسياسة لها أعرافها الخاصة بها في تقييم المواقف ولا يمكن العدول عنها إلى قياسات غير صحيحة على مواقف لرسول الله صلى الله عليه وسلم تختلف عما نحن بصدده من حيث الصفة والظرف الذي وجدت فيه , هذا بالإضافة إلى أن السنة الفعلية ليس لها صفة العموم كما يقول ذلك علماء الأصول , وهذه النقطة مما ينبغي الوقوف عنده قبل الاستعجال في الاستدلال بالسنة المشرفة , أعني ك أنه ينبغي علينا معرفة طرائق الأصوليين في كيفية الاستدلال بالكتاب أو السنة قبل أن نقتحم غمارها .
ومن أعراف السياسة والإعلام في عصرنا أن قبول الاستضافة في وسائل الإعلام العدوة هو اعتراف بشرعية هذه الوسيلة وهي الرسالة التي تريد الصحافة الصهيونية إيصالها للعالم .
فظهور عالم أو داعية سعودي يعني في الذهنية الغربية تمكن الآلة الإعلامية الصهيونية من كسر الجمود في موقف المؤسسة الدينية في المملكة العربية السعودية من جهة الكيان الدخيل مما سوف يستغله الإعلام اليهودي في الدعاية لنفسه والتبرير لوجوده بل ولعدوانه والتسويق لكونه يحضى برضى لدى بعض رجال الدين في الدائرة السلفية التي يعتبرونها أضيق الدوائر الدينية عطنا وأبعدها عن إمكان قبولهم .
فحين يفكر شيخ مسلم في التعاطي مع وسيلة إعلامية صهيونية فليضع في حسابه أنه لا ينبغي أن يفكر فقط بما ينبغي أن يفعله بل يجب أن يفكر بما سوف يفعل الآخرون به .
ولا شك أن الدقائق العشر أو العشرين التي ستتيحها المحطة التلفزيونية الصهيونية لهذا الشيخ أو ذاك سوف تلاقي من الترويج لها باعتبارها تنازلا سلفيا أو اختراقا صهيونيا ما يجعل الضرر الحاصل بها أعظم بمراحل مما يتوقعه ذلك الشيخ من مصلحة تأتي عبر كلمات ساخنة يلقيها في تلك القناة لا تلبث أن تبرد بمجرد أن يتعقبها المقدم بتعليق لاذع لا يتمكن الشيخ من الرد عليه .
كما أن هذا الشيخ مهما كانت مقدرته لن يتحدث بغير العربية أو الإنجليزية وبذلك لن يكون قادرا على التحكم بترجمة ما يقول إلى العبرية ولن يدرك كيف سينقل المترجم وجهة نظره للجمهور وعلى الأرجح فإن الترجمة ستكون مثيرة للسخرية لا من المترجم بل من هذا الشيخ المتحمس لتغيير مواقف المستوطنين بلقاء في دقائق عشر أو عشرين .
وقد أعجب العالم بمغنية مصرية رفضت بيع البومها الغنائي لمؤسسة إسرائيلية حتى لا تكون شريكة في التطبيع الثقافي فماذا سيقول العالم لشيخ من بلاد الحرمين يظهر في قنواتهم ولو كان ظهوره ليصرخ في وجوههم لا ليغني لهم .
وأنا أعرف أن بعض المشايخ ربما استطاعوا تحقيق شيء من المصالح التي ذكرها الدكتور محسن لما يملكونه من براعة ودهاء وقوة حجة , لكنني لا أشك أن المفاسد التي ستنتج عن هذا الظهور أبلغ من تلك المصالح التي لا يمكن أن تتحقق دائما على يد الشيوخ الراسخين فما بالك بمن نعرفهم من الدعاة البسطاء في فهمهم لواقعهم وتقديرهم لمآلات الخطاب ممن قد ينفتحون على مثل تلك القنوات ليكونوا فريسة سهلة للإعلاميين الدهاة الذين لن يدخروا وسعا للإيقاع بهم , لكن للأسف لن يقعوا هم وحدهم بل ربما يوقعوا معهم توجها دينيا كاملا بل ربما وصل الحرج الناتج عن حدديثهم إلى الدين والدولة .
يقول الدكتور محسن إن هذه القنوات لا تقل صهونية عن الكثير من المحطات التي لا نجد أحدا من الدعاة يلام في المشاركة فيها غير أنها ليست إسرائلية .
والحق أننا لا نرفع اللوم عن كل داعية يتحدث في قضايا الأمة العامة إلى تلك المحطات وهو غير مؤهل لمثل هذا الحديث , وندعوا كل داعية وشيخ إلى إحسان تقييم نفسه قبل أن يقع في فخ الحوارات السريعة , ومع ذلك يبقى الحديث على قنوات صهيونية صرفة أكثر شرا لأنها إسرائيلية نسبا وصهرا , أما تلك فتشارك الصهاينة في شئ من الفكر ولا يمكن أن يقال إنها صهيونية صرفة , كما لا يمكن أن يقال إن مخاطر الحديث فيها يقارب مخاطر الحديث في قنوات العدو الصهيوني الناطقة باسمه الحامية لذماره .
كما أن كل مصلحة محتملة من الحديث إلى القنوات الصهيونية متحققة بشكل أكبر في الحديث إلى القنوات العالمية التي لا يستمع إليها اليهود في داخل الأرض المحتلة وحسب , بل يستمعها ويشاهدها شعوب أوربا وأمريكا وهي في معيار الأوليات أحرى بتوجيه الحديث إليها من المستوطنين الحاملين لداء لا يرجى برؤه .
وحين يقال إننا ينبغي أن نثق بالله ونصره وتمكينه ونثق بقوة الحق الذي معنا , فكل ذلك صحيح لكنه لا يعني بحال أن نتخبط في تعاملنا مع عدونا ونترك من شاء ليخترق ماشاء من حواجز هي أعظم ما بين أيدينا اليوم من وسائل ردع عدونا .
أعود إلى الدكتور محسن وأقول له إنني أربأ بك أن تسيء الريادة لأهلك , فقف حيث أنت فالأمر أخطر مما تتصور .

2010

اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.