مقالات محمد السعيدي

الصباغ فهم الدرس من الحصة الأولى

مما يثلج صدر كل معلم أن يفهم التلميذ درسه من الشرح الأول , والحمد لله أن هذا ما حدث من الأخ الكريم محمود عبد الغني صباغ عندما أثبت استجابته لما تعلمه مني في الدرس الخصوصي الأول وذلك في أول تجربة كتابية له بعد الدرس الذي أحمد الله على نجاحه وقد نشر محاولته تلك في جريدة الوطن كما وصلني من بعض الإخوة عبر بريدي الإلكتروني تحت عنوان : ومن ساجل السعيدي يكرب .
وهو عنوان يعبر عما أصابه من الكرب بعد ردي عليه مع أنني أخالفه في تسميتها مساجلة .
وسوف أبدأ هنا بذكر مظاهر استفادته من ذلك الدرس قبل أن أبدأ بالحصة الثانية التي آمل أن تنال من الاستفادة حظ سابقتها .
فمما أوصيته به : أن يردف اسم مخالفه بعبارات جميلة , وهذا ما صنعه فعلا في مقاله الجديد , حيث وصفني بالمكرم والفاضل وصاحبنا ومولانا , وهذا الأسلوب في التعاطي مع خصوم الرأي هو الأسمى والذي ينبغي أن يستمر عليه الكاتب وفقه الله تعالى , مع العلم بأنه فشل في الاستمرار عليه في المقالة نفسها وهذا أحد المآخذ وسيأتي بيانه .
كما أوصيته بأن لا ينتقد الناس جزافا بل لا بد من ذكر سبب النقد , وهذا ما صنعه فعلا في مقاله الأخير حيث بين أن تصريحاتي التي تثير الاستياء والكسوف ليست سوى رأيي في الفلسفة اليونانية وقولي إن الانشغال بها في العصور الإسلامية الأولى كان من معوقات التقدم في مجال العلوم التجريبية , وجميل منه أيضا أنه استفاد وبسرعة لأن هناك من زعم أن الأخ الصباغ يمتلك ضدي وثائق تدينني في جرائم قولية كرأي سيء في بعض شعائر الدين لا سمح الله , لا مجرد خلاف في مكانة الفلسفة اليونانية يوافقني فيه الكثيرون ويوافقه على رأيه هو أيضا بعض الكتاب والمثقفين , وسوف أفصل في هذه المسألة بعد أسطر إن شاء الله .
واستفاد الأخ الصباغ أيضا أن يذكر مكان التصريح وزمانه فبين في محاولته الكتابية الأخيرة: أن ما انتقدني عليه لم يكن تصريحا بل جزء من محاضرة ألقيتها في منتدى العمري الثقافي بالرياض وتناقلتها معظم الصحف , وأنا أعذره في كونه لا يفرق جيدا بين التصريحات والمحاضرات لكونه مازال في البدايات واللوم إنما يقع على رئيس تحرير الصحيفة أو كبار الكتاب فيها لكونهم هم من ينبغي أن يوجهه إلى مثل هذه الدقائق , لكن لا بأس لعل الله ساق أجر تعليمه لي وهذا مما أحمد الله عليه ولن أبالي بجحوده الاستفادة مني فإن المعلم الحق من يهتم بإيصال المعرفة أما عرفانها فعند الله تعالى .
وبعد أن ثبت لي سرعة فهم الأخ الصباغ ويسر استجابته فلن أوذيه بكلمة شاطر فقد صرح بأنها تزعجه وهو أمر طبيعي فكثير من التلاميذ يحسبون أن هذه الكلمة لا تقال إلا للأطفال , وسوف أقف عند رغبته وأقول له ممتاز يا بطل ونجمتين على الدفتر .
وبما أنني مهتم بتقويم الأخ الصباغ من خلال محاولته الأخيرة التي خصصها في الرد علي فلا يفوتني أن أقول إن هناك أيضا أشياء فهمها الأخ الصباغ من الدرس الماضي لكنه للأسف لم يعتن بتطبيقها فتسببت بخلل كبير في محاولته المشار إليها , ومن ذلك أنني أوصيته أن يهتم قبل الرد على أية فكرة بأن يلم بها جيدا وهو مالم يصنعه مع الأسف حين ناقش رأيي في الفلسفة , وذلك أن خلاصة ما ذكرته في المحاضرة التي يشير إليها الأستاذ : أن الفلسفة اليونانية كانت مشتملة على الكثير من العلوم كما وراء الطبيعة والفلك والرياضيات والجيلوجيا والهندسة وعلم النفس وعلم الاجتماع , وعند بروز المنهج التجريبي على أيدي علماء المسلمين بدأت هذه العلوم الناشئة في ظل الفلسفة تأخذ طريقها إلى الاستقلال حتى أصبحت في عصرنا الحاضر علوما مستقلة ليس لها بالفلسفة سوى العلاقة التاريخية , ولم يبق اليوم في حوزة الفلسفة سوى الميتافيزيقا التي تشتمل على محاولات للمعرفة الظنية بعالم الغيب والإجابة عن الأسئلة الخمسة القديمة (من ومتى وكيف ولماذا وأين )والمسلمون ولله الحمد لديهم الإجابات القطعية عن هذه الأسئلة التي تشكل صلب الميتافيزيقا أو ما وراء الطبيعة , فإذا صح هذا الأمر فلا حاجة لنا بالفلسفة التي كما يقول عنها أصحابها لا تنتج الحقائق بل يجب أن يكون القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه هو مرجعنا الأوحد في هذه القضايا , وذهبت في تلك المحاضرة إلى أن انشغال الفلاسفة المسلمين بالميتافيزيقا عن المنهج التجريبي كان أحد أسباب تأخر المسلمين , وأن عناية الأوربيين بهذا المنهج كان سببا لتقدمهم .
http://www.alfekar.net/news.php?action=view&id=132
وأنا أثق بالقارئ الكريم وأريد منه أن ينصفني وينصف الأخ الصباغ هل رأيي هذا يجلب الكسوف والاستياء ويدلل على أنني أنموذج سيء لمخرجات الجامعات السعودية وأن تسنمي لمنصب في جامعة أم القرى باعث على الأسف والغيرة على مؤسساتنا التعليمية وأن حصول أمثالي على شهادات علمية يدعوا إلى إعادة النظر في الجامعة التي خرجتني وفتح ملفاتها القديمة وأنني أنموذج للاستبداد الأوربي في القرن التاسع عشر وأن هذه التصريحات أنموذج متردي يصلح مدخلا لنقد العمل الأكاديمي في بلادنا …وأنه نكوص معرفي واستلاب لتواريخ الحضارة الإسلامية …إلى غير ذلك من الشتائم التي أرسلها الأخ الصباغ كفقاعات الصابون التي تنطلق من أفواه الصبيان , هل هذا الرأي يستحق كل هذه الشتائم ؟ بالطبع لا يستحق لكن لا بأس فالصباغ رغم مقالاته الكثيرة إلا أنه مهنيا مازال في طور التدريب في جريدة الوطن وهي جريدة تحب الإرهاب الفكري وتقتات عليه كما تمتهن الإثارة المجردة عن الهدف السامي وتشجع على أمثال هذه التجاوزات ولن يستطيع الصباغ أن يثبت قدمه فيها دون أن ينتهج مثل هذا الأسلوب .
وكنت أتمنى أن يرد في مقاله الأخير على رأيي بما يدل على أنه استوعب الفكرة جيدا , لكنه أدلى بما يفيد أنه لا يدري ماذا يقول , فأنا في محاضرتي أتحدث عن الميتافيزيقا , وهي علم ما وراء الطبيعة , أما هو في رده فيقول (فالإمام الغزالي في المشرق والفقيه ابن حزم في المغرب تزعما مشروعا مرموقا متزامنا لتبيئة المنطلق الأرسطي في الوعي الإسلامي )فأنا أتحدث عن الميتافيزيقا وهو يتحدث عن المنطق الأرسطي , أنا في واد وهو في واد آخر , أليس هذا مبررا كافيا لأن أقول له يا بابا يا شاطر , حين لا تعرف الفرق بين الميتافيزيقا والنمطق لا ينبغي لك أن تتحدث معي في هذا الشأن الذي لا تحسنه , يا بابا المنطق شئ والميتافيزيقا شئ آخر , ولعلمك فالمنطق يدرس في كليات الشريعة وأنا ممن درسه ودرسه بفتح الراء في الأولى وتشديد الراء في الثانية ولو أنك قرأت محاضرتي لعلمت أنها قائمة من أولها على المنطق حين بدأت بتقسيم المعارف إلى تصورات وتصديقات , يا بابا كيف تقول :(مما يجلب الاستياء هو ما يجري خلاله من ممارسات استلاب لتواريخ العقل في الحضارة الإسلامية )من يستلب تاريخ العقل في الحضارة الإسلامية , أهو الذي ينتقد الميتافيزيقا أم من لا يعرف الفرق بين المنطق والميتافيزيقا ثم يتجرأ على الحديث فيما لا يعرف ؟ سؤال للقارئ الكريم ؟
وبما أنك تعرضت للمنطق الأرسطي أحب أن أفيدك أن المناطقة يقسمون الجهل إلى قسمين : بسيط ومركب , ويعرفون الجاهل المركب بأنه من لا يدري ولا يدري أنه لا يدري , ويمكن أن نمثل لهذا النوع من الجهال بأنه من يعتقد أنه يعرف الفلسفة ويتبنى موقف الدفاع عنها مع أنه في الحقيقة لا يفرق بين ما وراء الطبيعة وبين المنطق , وبما أننا عرفنا الجاهل المركب وذكرنا مثاله الواضح البين , نعود لنسأل القراء : من أحق بالأوصاف الهجائية التي نقلتها قبل قليل عن محاولة الأخ الصباح الكتابية , أليس هو المثال الذي ثبتت صحته للجهل المركب ؟.
مما يثبت للقارئ أن الأخ الصباغ يمكن أن يصلح مثالا جيدا لما عرف في المنطق الأرسطي بالجهل المركب , هو استدلال الأخ الكريم بكتاب تهافت الفلاسفة كمثال على ما يزعمه من تبني الفقهاء المسلمين للفلسفة , ولو أنه فقط استوعب عنوان كتاب الغزالي رحمه الله لعرف أنه رحمه الله يقف الموقف نفسه الذي أقفه أنا الآن من الفلسفة , لكن لعل كلمة تهافت كانت عصية على فهم الأخ الصباغ , وأن مجرد وجود كلمة فلاسفة في العنوان كافية لإقناع الكاتب بأن الغزالي مع الفلاسفة وليس ضدهم , وهنا أنتهزها فرصة للتأكيد للأخ على ضرورة أن تقرأ الكتاب قبل الحكم عليه وأن لا تكتفي بالعنوان جريا على المثل القائل : الكتاب باين من عنوانه , نعم قد يكون العنوان دالا على مضمون الكتاب لكن عند أولئك الذين يعرفون معنى العناوين , ولو أنك يا أخي قرأت مقدمة الكتاب فقط لوجدته يشنع على فلاسفة المسلمين تشنيعا لم أبلغ في محاضرتي القول بمعشار معشاره , استمع إليه يقول في أول صفحات الكتاب :(أما بعد فإني قد رأيت طائفة يعتقدون في أنفسهم التميز عن الأتراب والنظراء بمزيد الفطنة والذكاء قد رفضوا وظائف الإسلام من العبادات واستحقروا شعائر الدين من وظائف الصلوات والتوقي عن المحظورات واستهانوا بتعبدات الشرع وحدوده ولم يقفوا عند توقيفاته وقيوده بل خلعوا بالكلية ربقة الدين بفنون من الظنون ….)إلى أن يقول: (وإنما مصدر كفرهم سماعهم أسماء هائلة كسقراط وأبقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس وأمثالهم …) يا لطيف يالطيف , هذا كلام الغزالي رحمه الله عن الفلاسفة , فيا ويل الغزالي من محمود صباغ , فإذا كنت أنا المسكين قد أصبحت مثالا للمخرجات السيئة لجامعة أم القرى لكوني قلت ما قلت في محاضرتي عن الفلاسفة , فكيف سيصنع الصباغ بالغزالي وقد كفرهم وضللهم بأبشع الأوصاف مما نقلت ومما لم أنقل , طبعا الغزالي أبو حامد رحمه الله لم يتخرج من جامعة أم القرى ولم يعمل فيها .
يا أخي يا محمود الصباغ وفقك الله , هل بلغت استهانتك بالقراء إلى هذه الدرجة , تذكر اسم عالم وكتاب وأنت لا تعرف رأي العالم ولا فحوى الكتاب , تظن أن مجرد ذكر هذه الأسماء الرنانة سيوحي للقارئ أنك عالم زمانك .
أعود لأمور ينبغي أن لا ينتهي المقال دون أن أفيد أخي الصباغ بها , وهي مهمة له إذا وفقه الله وغادر جريدة الوطن إلى صحيفة محترمة .
أحدها :
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم
انتقدتني بكوني كنت بذيئا سفيها متعاليا , ولم تذكر مثالا لسفاهتي سوى قولي لك يا بابا يا شاطر , ثم تجعل ما يزيد على نصف مقالتك سبا وشتما لم أذكر قبل قليل إلأ أنموذجا منه وللقارئ الرجوع إلى محاولتك الكتابية إن كان مغرما بالهجائيات , وليكن في معلومك أن الكل قادر على السباب من حيث استحضار المعجم الشوارعي لكننا لا نستطيع ذلك من حيث المكانة العلمية والأدبية لنا , ويكفي أن أقول إن أوصافك التي وصفتني بها ستكون أنت أحق بها وأهلها لكونها مبنية على فرضية جهلي وعلمكم وقد تبين من خلال مقالي هذا عكس هذه الفرضية , وذلك باستخدام المنطق الأرسطي الذي زعمت تبنيك له .
كما أنصحك حين تهاجي شخصا أن لا تتعرض لأبيه وأسرته كما فعلت معي حيث وصفت أخلاقي السيئة في نظرك بأنها ناتجة عن تربية تراتبية ….مع أن هجاءك لوالدي رحمه الله قد يكون مفتاحا لباب أجر يصله ووزر يقع عليك , وأعود إلى القارئ الكريم لأسأله عن أي علمية ومنطقية يتحدث رجل يترك خصمه الفكري وينتقل إلى أسرته ومحيطه ومن رباه ؟
أتغضبك بابا وشاطر وأنت مالك قاموس الهجاء يا حطيئة زمانك , مع التنويه بأنك تختلف عن الحطيئة كونه يعرف معنى تهافت وأنت لا تعرف, الأمر الذي أوقعك في مصيبة علمية , تغضبك بابا وشاطر وأنت من وصفت أعضاء مجلس جامعة أم القرى بالأنذال لمجرد أنهم خالفوا معالي الدكتور سهيل قاضي وأصروا على اشتراط حفظ القرآن ,ما هذا الإرهاب أنذال لأنهم مارسوا حقهم النظامي , يا أخي قل لي بابا وشاطر ولا تقل لي نذل ولا باقي قاموسك الشتائمي .
أما قولك بأنني أعايرك بصغر سنك , فأعتقد أنك تقصد أعيرك لا أعايرك , وأنصحك بأن لا يغلب القاموس العامي عليك حتى لا تفتقد التمييز بين فصيح اللغة وعاميها , أقول : قولك هذا غير صحيح لأنني أعلم أنك لا تباعدني سنا , غير أنك تختار للصحف صورا أخذت لك عام الرغامة , وهذا مما لا تحمد عليه .
على أي حال لدي الكثير مما يمكن أن أفيدك به لكن الجرس قد رن وأنت لا تستوعب أثناء الفسحة فتوكل على الله , وآمل أن لا تحتاج إلى درس قادم ولا وسائل إيضاح .

2010

اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.