مقالات محمد السعيدي

ثم قالوا :هذا ما ندين الله به

تمييز مقاصد التشريع واستخدامها في الفتوى وإتقان طرق استنباط الأحكام من النصوص وتقدير المآلات وفهم الظروف المحيطة بالنازلة وبالسائل عنها , كل ذلك من أهم المهارات التي تميز الفقيه المؤهل للفتوى عن غيره من حملة العلم الشرعي .
والصحابة عليهم رضوان الله تعالى كانوا أشد الناس وعيا بهذا الأمر , لذلك قلت فيهم الفتيا رغم كثرة عددهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقد أحصى ابن حزم رحمه الله تعالى عدد من عرفوا بالفتوى فلم يزيدوا على سبعة وعشرين صحابيا سماهم رحمه الله تعالى بأسمائهم ونقل ذلك عنه ابن قيم الجوزية في أوائل كتابه إعلام الموقعين .
ثم ذكر ما يزيد على المائة من الصحابة بأسمائهم وأشار إلى أن فتاواهم لو جمعت جمع استقصاء وتمحيص لم تبلغ في حجمها جزأ يسيرا .
أما سوى هؤلاء وهم ينيفون على المائة ألف فلم تحفظ عن أحد منهم الفتيا , ومنهم الآلاف ممن كانوا في المدينة حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا أحرص الناس على تتبع أخباره ومذاكرتها بينهم والتأسي بأفعاله وأقواله وجميع شمائله , فلم تكن تنقصهم المعرفة بنصوص القر آن , أو تفاصيل سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ,أو دلالات اللغة العربية وهم أهلها وأبناء بجدتها , ولكنهم توقفوا عن المشاركة في شرف الفتيا لشرف آخر رأوه أليق بهم وبقدراتهم الذاتية ألا وهو التورع عن التقدم بين يدي الله تعالى ورسوله امتثالا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الدارمي وغيره : (عن عبيد الله بن أبي جعفر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار ) وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد عن زيد بن ثابت رضي الله عنه سمعت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول( نَضَّرَ الله أمرأ سمع مِنَّا حَدِيثاً فَحَفِظَهُ حتى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ فإنه رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ ليس بِفَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلى من هو أَفْقَهُ منه)فكانوا رضوان الله عليهم يروون ن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يتركون الفتيا لمن يرون أنهم أهل الفقه , كما روى مالك بن سنان الأشجعي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى بأن لها مهر نسائها , وترك الفتيا في ذلك لعبدالله بن مسعود ولم يفت هو رضي الله عنهم جميعا .
بل إن هؤلاء السبعة والعشرون رغم قلتهم بالنسبة لعدد الصحابة رضي الله عنهم وامتداد رقعة بلاد الإسلام في حياتهم كانوا هم أيضا يتدافعون الفتوى أي يصرفها كل منهم عن نفسه إلى صاحبه وبعضهم يطلب من الناس عدم سؤاله مادام من يظنه أعلم منه حيا , كما جاء مثل ذلك في صحيح البخاري عن أبي موسى أنه قال لأهل الكوفة : لا تسألوني مادام هذا الحبر فيكم , يعني عبدالله بن مسعود رضي الله عن كليهما .
ومثله ما رواه ابن عبدالبر بسنده في كتاب جامع بيان العلم وفضله عن عبدالله بن عياش أنه كان جالسا عند عبدالله بن الزبير وعاصم بن عمر فجاءهما محمد بن إياس وقال لهما : إن رجلا من أهل البادية طلق امرأته ثلاثا فما تريان ؟ فقالا : إن هذا الأمر مالنا فيه قول , فاذهب إلى عبدالله بن عباس وأبي هريرة فهما عند عائشة , فجاءهما فسأل ابن باس , فقال : أفته يا أبا هريرة فقد جاءتك معضلة .
وعن أبي المنهال قال: سألت زيد بن أرقم والبراء بن عازب عن الصرف فجعل كل منهما إلى الآخر ويقول إنه خير مني وأعلم .
ورى الترمذي عن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال : أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منهم رجل يسأل –بضم الياء- عن شئ إلا ود أن أخاه كفاه , ولا يحدث حديثا إلا يود أن أخاه كفاه .
أما التابعون الذين جمعوا ما عند صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من علم , فلهم عجائب من الأقوال والأفعال تدل على حذرهم من الفتيا , ومن ذلك : ما رواه ابن عبد البر بسنده عن شيخ من أهل المدينة قال : كنت أرى الرجل في ذلك الزمان وإنه ليدخل المسجد يسأل عن الشئ فيدفعه الناس من مجلس إلى مجلس حتى يدفع إلى مجلس سعيد بن المسيب , كراهية الفتيا , وكانوا يدعون سعيد بن المسيب : الجريء .
وعن عطاء بن السائب قال : ادركت اقوام يسأل احدهم عن الشي فيتكلم وهو يرعد .
وعن الشعبي والحسن وابي حصين قالوا : ان احدكم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر .
هذه الروح التي تعامل بها الصحابة وتابعوهم ومن تبعهم مع الفتيا هي التي كونت نفسية الأمة الواثقة بمصادر دينها , وهي التي أدت إلى حفظ النص الشرعي من الضياع وغلو الغالين وعبث العابثين .
وهي روح أنشأها الشعور بأن الفتيا ليست رأيا مجردا , بل هي عبادة محضة لله عز وجل متعد أثرها إلى خلقه , ومن شيم العابد أن لا يؤدي العبادة إلا بعد أن يستكمل أسبابها وشرائطها .
أقدم هذا الكلام بين يدي واقع مؤلم أصبحنا نرى فيه من ليس بذاك ولم يسأله أحد ومن كفاه الله مؤنة الإفتاء بغيره يعمد إلى القضية المشكلة فينصب نفسه للقول فيها أمام وسائل الإعلام بترجيح المذهب الضعيف , أو المخالف لما عليه كبار أهل العلم قاطعا به مناهضا به أهل الشأن بل والمجتمع بأسره , مناديا على نفسه بأن هذا ما أدين الله به .
ولو أنه دان الله حقا لسكت عما لا يعنيه عملا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن علي ابن أبي طالب :(من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه ) .
2010
اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.