مقالات محمد السعيدي

قرار تنظيم الفتوى وحديث في الأبعاد

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
وبعد :
بعد عدد من الطوام التي أنتجتها فوضى الفتوى في بلادنا كتبت كغيري عددا من المقالات نشرها ملحق الرسالة وعدد من المواقع الإلكترونية أتحدث فيها عن مخاطر هذه البلوى التي حلت في الأمة الإسلامية وكان مما كتبت :من مخاطر فيه قولان ,والفتوى ومسألة الحرية ,والفتوى والكهنوت, وقالوا هذا ما ندين الله به .
وجاء سريعا ولله الحمد علاج هذا الداء في التوجيه السامي إلى سماحة المفتي والذي لم يعد خافيا على أحد .
تناول العلماء وطلاب العلم والمثقفون هذا التوجيه ما بين مؤيد له ومتحفظ عليه أو على بعض مضامينه ولا شك عندي في جدوى كل من التأييد والتحفظ على حد سواء في خدمة الحقيقة لاسيما حين يكون الأمر مجرد مشروع أو رؤية إلا أنني لا أحبذ الوقوف عندهما تجاه أي قرار بعدما يتم إصداره خاصة إذا كان ذلك على هيئة إرادة سامية حيث لا يعود للتأييد فائدة سوى طمأنة الناس على جدوى القرار أما التحفظ فلعله يؤجج في الناس جذوة الحذر من العواقب , وكلا الأمرين أكثر ما نحتاج إلى إذاعتهما حين تكون القرارات موضع تداول للرأي ولم تصل حد العزيمة السامية على تنفيذها إذ لا ينفع حينذاك إلا الحديث عن الطرق المثلى للتعامل مع هذا القرار والتفتيش عن أبعاده التي يؤدي اكتشافها إلى التعجيل بالوصول إلى آثاره الحميدة والبعد عن أي مغبة يمكن استشعار حدوثها عن قرب أو عن بعد .
إن توقفنا عن الجدل في صواب القرار من عدمه يتيح لنا فرصة التفكير ولو بصوت مسموع فيما يمكن اقتراحه من التدابير على صناع القرار والفاعلين فيه كي نضمن الوصول إلى ما تحمله روح القرار من الرغبة في حماية المؤسسة الدينية من عوامل الضعف وحماية المجتمع من دواعي التفكك , وهي روح لم أجد أن أحدا من الفرقاء المؤيدين والمتحفظين يشكك فيها , لكن شيم الناس في فهم أمثال هذه القرارات أن يغلبوا جانب العموم والإطلاق على التخصيص والتقييد , وهذا في زعمي ما جعل بعض المستهدفين بإصداره أو ربما كلهم يكونون أكثر الناس ترحيبا به لأن شيمة الفهم العام أو المطلق تتيح لهم ابتكار القيود التي تدعوا لحمله على معارضيهم , وهذا بعينه هو ما حدث تجاه هذا التوجيه الملكي , حيث لم نسمع أحدا ممن نظن أنهم معنيين بالنهي فيه قال سمعا وطاعة وعزم على الكف عما نهي عنه بل الكل يعتقد أن غيره هو المراد بما تم إقراره .
وهذه الإشكالية في التفسير تنادينا أن نتوقف عن الجدال حول المشروعية لنتطلع إلى الأبعاد والبواعث فنقترح من خلالها ما يمكن أن يكون بعد ذلك .
ولعل من ذلك شيء من المقارنة بين تاريخ المملكة مع الفتوى وتاريخ غيرها من الدول الإسلامية دفعني إلى التفكير فيه طريقة وكالات الأنباء العالمية في التعامل مع هذا التوجيه حيث تلقته ودبجته بالكثير من التعريض بالمملكة العربية السعودية وما أصابها من اختلال في مفهوم الفتوى وضعف لنفوذها في المجتمع السعودي مع أن الحق الذي يثبته التاريخ والواقع أن المملكة العربية السعودية ليست هي البلد الوحيد من بين بلاد المسلمين الذي ابتلي بعض أهله بالتطاول على منصب الفتوى والتقدم بين يدي الله تعالى ورسوله جرأة على الحق وبعدا عن الورع سواء من متجرئة أهل العلم أم من الورقيين من كتاب الصحافة , لكن المشكلة في السعودية لها مرارتها الخاصة التي لا يتوقف أثرها عند الفم واللسان بل يتعداهما إلى الكبد والطحال والأمعاء ليحدث في كل زاوية من تكوين الجوف السعودي التهابا من نوع خاص لا يوجد مثله في أي بقعة من بقاع العالم الإسلامي .
وأجزم أن السبب في ذلك يرجع إلى كون المملكة تكاد تكون هي البلد الوحيد من بين بلاد المسلمين الذي ظلت الفتوى فيه أكثر نأيا عن التأثر بضغط الواقع الثقافي والاجتماعي والأخلاقي والسياسي الذي فرضته الحضارة الأوربية على بلاد المسلمين , فالواقع عندنا في كل تلك المناحي لا زال محافظا على نفسه من السقوط تحت سنابك خيل التغريب التي احتشدت عليه بعد فراغها من بقية أقطار المسلمين وكانت الفتوى سندا قويا له في هذه الممانعة الرائدة التي لم يشهد مثلها بلد من البلاد التي اجتاحتها خيل الغريب في وقت مبكر بأسباب عدة لعل من أبرزها انهيار الفتوى الشرعية أمام دعايات التوافق الحضاري ومجارات المجتمعات الأخرى , الأمر الذي صير الفتاوى الشرعية دون قصد من أهلها بابا من أبواب الاستغراب الحضاري في البلاد التي حولنا .
فمن باب الفتوى دخل نزع الحجاب والاختلاط بين الجنسين في التعليم والحياة العامة والتعاون مع المحتلين في كل شيء وتحكيم العقل في نصوص الشرع وتأويل النصوص فيما يتعارض مع مخرجات الحضارة الأوربية من الدراما والمسرح والنحت , بل تجاوز الأمر التأويل إلى إهمال النصوص بالكلية فيما يتعارض مع المثل المزعومة للحضارة الأوربية كعقوبة الجلد والرجم والقتل , وكان ذلك منذ أكثر من مائة سنة أيام محمد عبده وعبدالعزيز جاويش وقاسم أمين وطنطاوي جوهري ومحمد مصطفى المراغي وغيرهم ممن تتابعوا على تقريب المسلمين من الغرب المستعمر بمثل هذه الفتاوى التي ساعدت في إجهاض الممانعة المجتمعية ضد المنتج الأخلاقي الأوربي وصناعة واقع جديد الأصل فيه الاختلاط الموغل في الحرمة والتعدي على الكثير من حدود الله تعالى في جانب المرأة والاجتماع والاقتصاد والسياسة , ومما يؤسف له أنه واقع وجد له آنذاك سندا من فقهاء عصره الذين ساهموا في تشكيله وتبعهم آخرون اتخذوا ذلك الواقع أصلا يحكمون عليه بالإباحة ويصمون الرجوع عنه إلى ماضيهم تشددا وتزمتا وحرورية .
ولم تكن المملكة العربية السعودية في طور نشأتها مبتلاة بمثل هذه التيارات المنحرفة بالفقه عن أصوله , وهذا باعتراف المستشرق هـ أ ر جب , المستشار في وزارتي المستعمرات والخارجية البريطانية في كتابه : إلى أين يتجه الإسلام , والذي أثنى فيه بشكل كبير على هذه التيارات التجديدية بزعمه في الفقه الإسلامي ودعا إلى دعمها وتشجيعها في عدد من المواضع في كتابه هذا , ونص على أنها تيارات فاعلة في جميع بلاد المسلمين ما عدا جزيرة العرب ,وكان الكتاب قد ظهر في عام 1930 للميلاد .
هذا التفاوت بين المجتمع في المملكة وبين غيره من المجتمعات هو ما يجعل فوضى الفتوى أكثر إزعاجا وأخطر أثرا في السعودية منها في غيرها من البلاد الإسلامية , ففيما تعتبر فتوى كالقول بإباحة الاختلاط مجاراة للواقع المعاش فعليا في بلد مثل مصر, نجد أنها تعد دعوة للانقلاب على الواقع المعاش في السعودية , وقل مثل ذلك في عدد من الفتاوى المتعلقة بالنساء , كتجويز سفر المرأة بغير محرم وإسقاط وجوب تغطية الوجه , وعمل المرأة في المراكز التجارية وممارستها لمهنة التمثيل .
صحيح أن هناك ممارسات في المجتمع تخالف الفتوى في المملكة وتتفق كليا أو جزئيا مع المفتى به في غيرها من البلاد , إلا أن الأصل عندنا هو النظر إليها كمخالفات جديرة مهما كثرت بالنهي عنها وليست واقعا تسعى الفتوى إلى ترسيخه.
كما أن هناك بعض الممارسات في جانب الاقتصاد والإدارة والإعلام تتبناها بعض الأجهزة الرسمية بالرغم من مخالفتها للمفتى به داخليا إلا أنها هي أيضا تحظى فعليا بالإنكار المعلن حينا كالجزم بتحريم البنوك الربوية وغير المعلن أحيانا أخرى من قبل المفتين المعتمدين من قبل الدولة والعاملين في مؤسساتها الرسمية .
فليس إقرار ما يخالف الفتوى من بعض الجهات الرسمية داعيا أبدا إلى تغيير الفتوى من أجله مهما كانت مكانة الجهة التي تقر تلك الممارسة الخاطئة .
وهذه المحافظة من قبل مؤسسة الفتوى على القول بما تدين الله به لا ما يلائم الوضع القائم اجتماعيا ورسميا , أكسبها قوة وصدقية لا في الداخل وحسب بل في الخارج أيضا حيث وجدنا الكثير الكثير من أبناء العالم الإسلامي والجاليات المسلمة في الخارج يعتنون بما يقوله المفتون في بلادنا ويسعون لمعرفته والعمل به رغم ما قد يكلفهم ذلك من مضاعفة أعباء الغربة الاجتماعية والوطنية , حين يلتزمون العمل بفتاوى تخالف ما عليه أعراف أهلهم وسوائرهم , معرضين عن أقوال علماء آخرين تزين لهم مجارات تلك الأعراف والسوائر .
كما أن احترام الدولة لمؤسسة الفتوى رغم مخالفتها لها في بعض الممارسات أكسبها هي الأخرى مزيدا من الاحترام بين شعوب العالم الإسلامي الذين يعيش علماؤهم الصادقون في كثير من الأحيان أزمة مع حكوماتهم وانفصاما لا تعرفهما العلاقة بين الطرفين عندنا حيث يلتزم العلماء في إنكارهم بعض ممارسات الأجهزة الرسمية حد الإبراء إلى الله لا يتجاوزون ذلك إلى ما يعقب الفتنة والاختلال , كما لا تهيمن الدولة على قرار العلماء وتحول دون إبدائهم ما يدينون الله به لاسيما وأن هيئة كبار العلماء حتى وقت قريب لم تكن تخضع في تشكيلها والإعفاء منها إلى الأنظمة التقليدية كسائر الهيئات الرسمية .
هذه المقارنة التاريخية السريعة تجعلنا نفكر في بعد آخر لقرار الملك وهو إنقاذنا من هاوية التغريب تحت سطوة الفتوى المتراخية مع الاستغراب والتي نجد لها أقلاما شديدة الوقع بين فئات من الكتاب المعتدين على منصب الإفتاء بحجة حرية التعبير , وأيضا بين طلبة العلم الذين غلب عليهم تجاوز النصوص إلى المقاصد أو التأثر بالفقه الظاهري في رد القول بسد الذرائع والقياس , ومدرستهم لا تبتعد كثيرا عن مدرسة محمد عبده قبل مائة عام والتي قدمنا ثناء المسترق هـ أ ر جب عليها في كتابه إلى أين يتجه الإسلام , والعجيب أن ثناء هذا المستشرق على مدرستهم قبل ثمانين عاما يتوافق مع ثناء ثقرير راند على هذه المدرسة قبل عشر سوات , حيث أوصى التقرير في نسخته الصادرة عام 2003 بتشجيع هذه المدرسة بعد أن قسم الشرعيين في المملكة العربية السعودية إلى ثلاثة أقسام : متشددين وتقليديين وإصلاحيين , وأثنى على الأخيرين واقترح السعي للحيلولة دون تقاربهم مع التقليديين أو المتشددين , زاعما أن الفريقين الأولين هما من يحول دون هيمنة الإسلام الذي يقبل الغرب وحضارته في الجزيرة العربية .
بل إنك لتشعر أن مراعاة معطيات وقيم الحضارة الغربية في الفتوى ليست هما سياسيا لدول الغرب وحسب بل أضحت هاجسا لدى كثير من المفكرين الأوربيين الذين يلخص همومهم تجاه الإسلام أوليفيه روا في كتابه عولمة الإسلام الذي نشرته دار الساقي باللغة العربية , حيث لا ينفك المؤلف في سائر الكتاب يمجد الإصلاح الديني – كما يسميه – في العالم الإسلامي والذي من محاسنه أنه يكفل شيوع القيم الغربية بين المسلمين حتى يصعب عليك أن تلاحظا فارقا فكريا بين المسلم وغيره , وهو – أي المؤلف : دائم النعي على ما تتصف به المملكة العربية السعودية من تشدد يجعل نفوذ القيم الغربية فيها عسيرا إلا مع غلبة دعوات الإصلاح الديني التي ستتكفل بعولمة الإسلام كما هو اسم كتابه .
هذا البعد الذي أراه: يدعم التوجه إليه كون هيئة كبار العلماء في تشكيلتها الحالية وبالرغم من تعدديتها السنية لا يزال معظم أعضائها إن لم نقل جميعهم داعمين للأحكام الفقهية المحافظة متبنين المنهج الأصولي المتقدم وهما الركيزتان الأساس في السد الشرعي في وجه التأثر الفقهي بالاستغراب .
ولا ينتظر أن تسعى القيادة إلى إحداث تشكيل آخر للهيئة يعتمد غير تلك الركيزتين ممن تسميهم التقارير الغربية بالإصلاحيين أو التنويريين أو التجديديين لأسباب عدة لعل من أبرزها عدم الثقة بشعبيتهم وأهم من ذلك عدم وضوح رؤيتهم في أمور تتعلق بمشروعية الدولة كالمنهج السلفي الذي هو أساس مشروعيتها , وعدد من البنود الهامة في النظام الأساسي للحكم .
صحيح أن هؤلاء التجديديين من المشايخ والدعاة ألين في إقرار بعض التنظيمات المقترحة لدى بعض المؤسسات من إخوانهم ممن يسمون بالمحافظين أو التقليديين إلا أن القيادة تعلم أنها مهما اختلفت مع المحافظين في فروع نظامية فهي تتفق معهم في رؤية واحدة لما هو أهم وأكثر مساسا بسلامة المستقبل .
لذلك لا أشعر بشيء من القلق تجاه حصر الفتوى العامة بهيئة كبار العلماء ومن يرشحه المفتي من أهل العلم والكفاية لأنني على يقين أن هؤلاء المرشحين لن يخرجوا عن المحافظ وهو الخط الذي أجد أنه الأقدر على مقاومة حملات التغريب والإذابة فيما يعرف بالدعوة إلى مجتمع مدني ديمقراطي .

2010

اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.