مقالة العوني تصب في ما أدعو اليه ولا تعارضها

* سأل الشريف قراءه بالله هل تكرر على مسامعنا أن من سد الذريعة تحليل الحرام كما أن من سد الذريعة تحريم الحلال فإنني أقول : اللهم لا لم نسمع
أخي الدكتور عبدالعزيز قاسم وفقه الله تعالى :
خطؤك في فهم مقالة الدكتور عادل الماجد يتكرر مرة أخرى في فهم مقالة الدكتور الشريف حاتم العوني وفقه الله تعالى حين قلت شرعي مقابل شرعي .
والحقيقة أن مقالة الأخ الكريم الشريف حاتم إنما تصب فيما أدعو إليه ولم أجد فيها أي اعتراض على ما أقول وفيها حقا تصحيح لبعض المسارات الخاطئة في فهم قوله تعالى (ومعذرة إلى ربكم )فأنا أشكر أخي الكريم وصديقي العزيز الشريف حاتم العوني على هذه المقالة الموفقة , وليعلم الدكتور عبد العزيز قاسم أن موضوع هذه المقالة قد كان محل حوارات كثيرة بيني وبين الشريف الفاضل من جهة وبين بعض الإخوة من جهة أخرى , أي أنني وأخي الدكتور من حيث التنظير نقف موقفا واحدا في هذا الشأن .
ولتسمح لي وليأذن لي أخي الشريف الدكتور حاتم أن أجلي هذا التوافق سعيا لإتمام الفائدة بمقالة أخي الدكتور حاتم .
يتلخص ما أفاده أخي الشريف فيما يلي :
1- أن الإعذار في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتحقق إلا باستفراغ الوسع فيهما , ولا يكون بمطلق الأمر ومطلق النهي .
2- أن استفراغ الوسع لا يحقق الإعذار مالم يكن عن علم وبصيرة بالواقع والمآلات .
3- وأنه ينبغي في هاتين الشعيرتين مراعاة السنن الكونية واعتبار المصالح والمفاسد فلا نلقي بأيدينا إلى التهلكة بحجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ولا نلقي بأمتنا في المصائب بحجة القيام بهذه الشعيرة.
4- أن هناك شعارات صحيحة لا ينبغي استخدامها في تطبيقات تضر بالأمة .
5- أن تحريم المباحات بحجة سد الذرائع لا يكون بظن فردي بعيد عن الواقع في إفضائها إلى محرم بل لا بد فيه من علم ويقين وبصيرة حتى لا ينقلب مأثما وتحريما لما أحل الله لأن تحريم ما أحل الله كتحليل ما حرم الله .
6- أننا في هذه الظروف العصيبة كما أننا محتاجون لسد الذرائع فيما هو مفض إلى الحرام محتاجون أيضا إلى فتح الذرائع, وسماه الشريف (إباحة المحرمات) واتخاذ البدائل من المباحات وسماه الشريف (التوسع في المباحات)وقد أدخل الشريف هذين الأمرين الأخيرين في سد الذرائع وهو إدخال مقبول على اعتبار أن فتح الذرائع والإتيان بالبدائل المباحة يمنع من المحرمات .
7- أن من الفقه النظر في تقليل الخسائر وليس منعها فقط .
8- ليس من الفقه ولا من الإعذار أن ينظر المرؤ إلى قوله دون أن ينظر إلى ما سيفضي إليه هذا القول .
أحسن الله إلى الدكتور الشريف حاتم وأجزل مثوبته في الدارين , فلا يخالفه في هذه القواعد النفيسة إلا جاهل أو معاند , وأنا شخصيا لا أعرف من علمائنا أو طلبة العلم المعروفين بالتمكن والدراية من يخالف في شيء مما تقدم والحمد لله .
وليأذن لي الدكتور الشريف أن أضيف إلى ما قاله ما يلي ولعله يكون تتميما للفائدة:
أولا : أن العلماء الأفذاذ من لدن نشأة الفقه حتى يومنا هذا يختلفون في استنباط الأحكام من الآيات الكريمات الواضحات البينات والأحاديث الصحيحات المرشدات , كما اختلفوا في قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ )فمن العلماء من استدل بها على فرضية الترتيب والموالاة بين أركان الوضوء ومن العلماء من لم ير فيها دليلا على ذلك , وكذلك قوله صلى الله عليه عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) استدل به بعض الفقهاء على أن النية في العبادات شرط صحة واستدل آخرون به على أنها شرط كمال .
كما اختلفوا في تطبيق النصوص على الوقائع الحادثة في كل زمان ومكان ومن أمثلة ذلك اختلافهم المشهور والذي يصل إلى حد التباين في تحديد علة الربا استنادا إلى حديث الأصناف الستة المشهور .
والأمثلة على اختلافهم في الاستدلال بالنصوص الواضحة كثيرة لا تخفى على أحد , فإذا ساغ الاختلاف في استنباط الأحكام من النصوص الظاهرات وساغ الاختلاف في تطبيق النصوص على الوقائع الحادثات , فمن باب أولى أن يسوغ الاختلاف في تحديد الذارئع الموصلات , فما كان ذريعة إلى مفسدة عند مجتهد قد لا يكون ذريعة عند آخر , وهنا لا ينبغي أن يثرب المختلفون بعضهم على بعض , بل يجب على كليهما أن يستدل على من يخالفه في كون أمر ما ذريعة إلى محرم أو ليس كذلك , ويستخدم كل منهما الأسلوب العلمي الحديث في تحديد ما هو ذريعة وما ليس كذلك , كاعتماد الإحصائيات العلمية الصادرة من جهات مختصة وتكثيف البحوث الميدانية الموصلة إلى نتائج تقريبية والاعتبار بوقائع التاريخ وتجارب الأمم للتحقق من السنن الكونية , فإذا التزم كل منهم بمثل هذا الأمر فما الضير في أن يختلفوا فيما هو ذريعة يسد بحكم الكراهة وما هو ذريعة يسد بحكم التحريم وما هو ذريعة ينبغي أن تفتح ولا تسد , بل لعل خلافهم في مثل هذا الأمر أسوغ من خلافهم في ظاهر القرآن وظاهر السنة .
وإن ظهر لنا من العلماء من يحرم مباح الأصل لظن مجرد عن نتاج البحث والاستقصاء أنه موصل إلى محرم فليس لنا أن نقبل فتواه مهما بلغ من العلم , كما لو أفتانا مفت بتحريم عمل المرأة مطلقا لكونه مفض إلى ترك النساء بيوتهن وإهمالهن رعاية أبنائهن , فإننا سنلجئه إلى الواقع الذي يثبت أن هذه مفسدة غير غالبة بدلالة أن المرأة كانت تعمل منذ سالف العصور وحتى يومنا هذا وما زالت تربي وتوفق بين بيتها وعملها .
لكن حين يأتينا عالم يفتي بتحريم عمل المرأة في بيئة مختلطة ويقدم لنا أبحاثا ودراسات من الشرق والغرب تفيد خطورة العمل المختلط على عفاف كل من المرأة والرجل وعلى مستوى الإنتاجية لديهما , ورأينا أن الضرورة ليست ملحة لهذا العمل المختلط لسهولة إيجاد بيئة عمل مستقلة لكل من الجنسين لا سيما في مجتمع لا يزال عدم الاختلاط هو الأصل في حياته العملية والاجتماعية ورأينا هذا العالم ينظر بعين الاعتبار إلى تجارب الأمم المجاورة والتي لم تجن من الاختلاط ما يمكن أن يكون منفعة تغلب على مخاطره .
إذا رأينا العالم يفتي بهذه الطريقة فيمكننا أن نخالفه الرأي باعتبار دراسات أخر ونظرة أخرى إلى التاريخ والواقع لكننا حتما لا يمكن أن نزهد أو نزهد -بفتح النون في الأولى وضمها في الثانية- بفتواه هذه ونعتبرها بعيدة عن صحيح النظر .
ثانيا : حين يفتي المفتي بالتحريم استنادا إلى سد الذرائع بالصفة التي أشارت إليها آنفا فلا بد أن تسد حاجة المجتمع , وذلك بإيجاد البدائل المناسبة لما تم تحريمه سدا للذريعة , وأظن أن هذا هو ما عناه الشريف الدكتور بتكثير المباحات , وهذا الأمر ليس مسؤلية خاصة بالفقيه , بل لا بد أن يشاركه فيها المتخصصون في اتجاهات العلوم الأخرى لأنهم أقدر على إيجاد البدائل وابتكارها من الفقيه , وحين توجد البدائل ونجد أن المطالبين بهذا الأمر الذي قرر الفقهاء أنه ذريعة مصرين عليه محجمين عن قبول هذه البدائل أو عن دراستها بل عن الكتابة عنها , حينها لا بد أن يقع في النفس أن وراء الأكمة ما وراءها , إذ لو لم تكن هذه الذريعة مطلوبة لما هي ذريعة إليه لذاتها , لو لم يكن ذلك لما أحجم المطالبون بها عن النظر إلى بدائلها .
ومن أمثلة ذلك توظيف بضعة عشر امرأة محصلات في محل تجاري , فقد تحدث الكثيرون عن البدائل المتاحة والفرص الصحيحة لسد حاجة المرأة إن كان الباعث على طلبها العمل هو الحاجة وعن فرص أخر أجدى وأوفى لتلبية رغبتها في التزيد ومشاركتها في التنمية إن كان الغرض من طلبها للعمل هو ذلك , لكننا للأسف وجدنا إصرارا منقطع النظير على وظيفة الكاشير وإغفالا تاما للحديث عن هذه البدائل التي نجحت في بلاد الله الأخرى ولم يكتب عنها مقال واحد , بل زاد الطين بلة أن نسمع من رجل في مكانة جمال خاشقجي القول بأن المرأة الكاشير هي رمز لتحرر المرأة السعودية .
ثالثا : الذرائع المحرمة في زمان ومكان قد لا تكون محرمة في زمان ومكان آخرين , وهذا أمر تفترق به المسائل التي يستدل عليها بقاعدة سد الذرائع عن الأمور التي يستدل عليها بالنص أو الإجماع وهذا أمر ينبغي أن يلحظه المتلقي لينقضي عجبه عندما يجد أمرا كان محرما في زمن وأصبح مباحا في زمن آخر .
رابعا :سأل الشريف قراءه بالله هل تكرر على مسامعنا أن من سد الذريعة تحليل الحرام كما أن من سد الذريعة تحريم الحلال , وبما أنني أحد من قرأ مقالته وأتيحت لي فرصة التعقيب , فإنني أقول : اللهم لا لم نسمع , ولعل ذلك لكون الشائع في كتب أصول الفقه تسمية الحكم بإباحة بعض وسائل المحرمات فتح الذرائع لا سدها , وفتح الذرائع مطلوب في الشريعة كما قال القرافي : (فليس كل ذريعة يجب سدها بل الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها وتكره وتندب وتباح بل قد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة كالتوسل إلى فداء الأسارى بدفع المال للكفار)
ومن الناحية العملية فقد شهدت نماذج كثيرة جدا من فتح الذرائع في فتاوى علمائنا , ومنها ماهم متفقون عليه ومنها ماهم مختلفون فيه
– إباحة الاستعانة بالكفار في دفع العدو المحقق الضرر كما حدث إبان أزمة الخليج بالرغم من تحريمه في الأصل .
– إباحة إيداع الأموال في البنوك الربوية إذا لم يوجد غيرها تقديما للمصلحة بالرغم مما فيه من معاونتهم على الإثم .
-إباحة ابتعاث الطلاب للدراسة في الخارج بضوابطهم بالرغم مما في ذلك من مظنة الفتنة .
-إباحة ظهور العلماء في القنوات المشبوهة لنشر الخير فيها بالرغم مما في ذلك من كونه قد يكون مدعاة لإضفاء مشروعية على تلك القناة .
-إباحة استقدام الخادمات للعمل في المنازل لما فيه من سد الحاجة التي تقع أحيانا موقع الضرورة بالرغم من أصلها المحرم .
-إباحة كشف الطبيب على المرأة بضوابطه إذا لم يوجد سواه .
-إباحة الانترنت والتلفاز بالرغم مما فيهما من مظنة مشاهدة المحرم والوقوع فيه.
خامسا : أما التأكيد على التفسح بالمباحات , فالذي يظهر لي أنه ما من أمر حرمه العلماء في هذه الأزمان سدا للذرائع إلا وظهرت أصوات تنادي بالبدائل المتاحة له , ومن أمثلة ذلك :
– لما حرم العلماء قيادة المرأة للسيارة في بلادنا ظهرت بدائل متميزة إلا أنها للأسف لم تحظ من الضجيج الإعلامي بقدر ما حظيت قيادة المرأة , ولو تمت المناداة بهذه البدائل في وسائل الإعلام بالمستوى نفسه الذي نودي فيه بقيادة المرأة للسيارة لقلة الحاجة إلى قيادة الرجل فضلا عن قيادة المرأة , فقد نودي كثيرا بأن الحل لكل المشكلات التي تستدعي قيادة المرأة هو التوسع في وسائل النقل العام والتي تعد بلادنا وللأسف من أردأ بلاد الله فيها , فلا خطوط ترام فوق الأرض ولا خطوط مترو تحت الأرض ولا نقل جماعي منتظم ولا نقل عائلي سريع الاستجابة مأمون ومضبوط , ولو تحققت هذه الأمور في مدننا لخفت حاجة الرجال والنساء إلى القيادة ولأمكننا تصور عيشا مريحا دون تملك سيارة , كما هو الحال في بريطانيا ودول أوربا , ولو تكرم كتاب الصحف بالكتابة في المطالبة بهذه الأمور بالقوة نفسها التي طالبوا فيها بقيادة السيارة لكان ذلك لتحركت الدولة نحو هذا الأمر بخطى أكثر سرعة ونفعا .
وكذلك عندما حرموا التعامل مع البنوك الربوية مع وجود غيرها , ظهرت بدائل المصرفية الإسلامية والتي حققت نجاحا ظهر أثره في تغيير كثير من البنوك الربوية لسياساتها , أقول هذا مع رؤيتي للكثير من السلبيات التي تكتنف هذه التجربة .
وكذلك عندما حرموا العمل المختلط كان لذلك الكثير من البدائل من فرص العمل غير المختلط وهكذا .
وختاما هذه إضافة على إفادات الدكتور حاتم وفقه الله تعالى قد يتفق معي فيها وقد يختلف معي لكن يبقى أن أساس مقاله لم يكن كما توقعت يا دعبدالعزيز قاسم .
21 ذو الحجة 1431

اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.