مقالات محمد السعيدي

إلى أختي مها فتيحي

إلى أختي مها فتيحي .. الرسالة الأولى


إلى أختي مها بنت أحمد حسن فتيحي وفقها الله تعالى لكل خير وجنبها بتوفيقه كل وزر :

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد :
أكتب لك هذه الرسالة متضمنة نصيحة آمل أن تأخذ من وقتكِ القليل لقراءتها ومن فكركِ الكثير للتأمل بما فيها , وهي وإن كانت موجهة إليكِ فلا تستغربي من نشري إياها على الملأ فإن ذلك كان لأمرين , أولهما : أن ما تقومين به من نشاط في الشأن العام أناصحكِ من أجله أمرٌ معلنٌ فليس في نصيحتي بهذا الشكل ما فيه إساءة لكِ , الثاني: أني كما أرجو من الله أن ينفعكِ بها أطمع منه سبحانه أن ينتفع بها كثيراتٌ وكثيرون غيركِ , ولعل في هذا مجلبة للأجر لك من حيث لم تحتسبي ولم تقدري .
وقد اخترتك لهذا الخطاب وأنا أعلم أن من ورائك من هو في أمر الدنيا أرفع منكِ, ومعكِ من لا يقللن قدراً عنكِ , لظني –والله أعلم -أنكِ أقربهم إلى طلب الخير وأبعدهم عن تعمد الإساءة , لكن ليس كل مجتهد بمصيب ولا كل طالب للخير واصل إليه .
أختي مها : يعلم الله تعالى وحده كم أنا مشفق عليكِ من مغبة هذا الطريق الذي تسيرين فيه بقدر ما أنا مشفق على بنات المسلمين من النتائج التي ستصلين بهن إليها في مسعاك هذا لو قدر لكِ النجاح فيه نسأل الله العافية , معتبرا في هذه الشفقة قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : (((من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا)) فالأمر أيها الأخت الكريمة عظيم, وعظمه يجعل العاقل من أمثالك حرياَ بالوقوف قبل المضي والتأمل في عواقب ما هو مقدم عليه, فإن كان خيراَ استعان الله ومضى وإن كان شرا استخار الله ورجع , وطريقك الذي تسيرين فيه له ما بعده فتوقفي كثيرا وقارني بين حال سلوكك فيه أو انصرافك عنه , وأكثري من سؤال الله مخلصة له أن يدلك على الخير ويجنبك الشر , وأن يجعلك هادية مهدية ويريكِ الحق حقا ويرزقك اتباعه ويريك الباطل باطلا ويرزقك اجتنابه , وصلي له تعالى طلبا لخيرته فقد روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن ، يقول : إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل : اللهم إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ، أو قال : عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه ، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ، أو قال : عاجل أمري وآجله فاصرفه عني ، واصرفني عنه ، واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به ، قال : ويسمي حاجته) .
وحتى لا يكون لحظ النفس فيما تختارين مدخلا , ولا للشيطان في هواك مطمعا , استصحبي وأنت تسألين الله تعالى وتستخيرينه أمورا , أولها : أن ما نحن فيه إنما هو الحياة الدنيا التي وصفها الله تعالى بأبلغ الأوصاف فقال سحانه
وقال : { َ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ }آل عمران185 {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }الأنعام32وقال: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }يونس24وقال سبحانه : {إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ }محمد36.
فحياة الغرور والزوال واللعب واللهو ليست حقيقةً أن يغامر المرء فيها بعمله ودينه وأمته إلا وهو يعلم علم اليقين أنما ما معه إنما هو بضاعة الحق وبذر الخير وكلمة الصلاح , يعلم ذلك يقينا لا وهما ولا ظنا , وما أنتِ مقدمة عليه في هذه المغامرة إنما هو الظن والخرص الذي ذمه الباري في القرآن وبين أن اتباعه في الأمور الجسيمة العظيمة من آكد أسباب الضلال والانصراف عن الحق : {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ }الأنعام116 وقال سبحانه: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ }يونس36 .
فابتعدي عن الظن ولا تصدري فيما أنتِ مقدمة عليه إلا عن يقين .
ثانيها :أي ثاني الأمور التي تستصحبينها عند الدعاء والاستخارة , أن تعلمي أن مما يعمي العين عن اليقين : اتباع الهوى واتباع المُزَينين المُزَخرفين من دعاة الباطل .
أما الهوى وهو انصياع الفكر إلى رغبات النفس وجعلها معياراً للحكم على الأشياء , فلا يذكر في القرآن إلا مذموماً , وما ذلك إلا لخطره على النفس , وسر خطورته أنه خفيٌ متلونٌ لا يميزه عن الحق إلا من وقف أمام نفسه موقفا شجاعا ونفذ إلى دواخلها فخلص الحقَ من شهواتها وميزه عنها تمييز الذهبِ الخالص عما يعلق به من شوائب المعادن التي تشبهه وليست منه في شيء.
ومن عجائب الهوى التي ذم من أجلها أنه يوقد في النفس هياجاً يحركها إليه, يجعلها مشتغلة به الليل والنهار, أعظم من اشتغال أهل الحق بطلب الحق , وهو ما حمل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه على القول في دعئه : اللهم إني أشكو إليك ضعف الثقة وجَلَدَ الفاجر.
كما أن من عجائبه شدة تآلف أهله عليه وتساعيهم فيه إلى درجة تُلحِق الفتنة ببعض أهل الحق إذا رأوا قلة الأعوان وضعف الأتباع .
لهذا حذر الله من الهوى أيما تحذير , ولعلكِ تتأملين في هذه الآيات وتجدين فيها مصداق ما أقول :
قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً }النساء135أرأيتِ كيف أمر الله المؤمنين بالقيام بالقسط والشهادة لله , وحذرهم من الهوى الذي هو سبب الظلم والكذب والإعراض ؟
أرأيت كيف كان الخطاب في هذه الآية للمؤمنين عامة ولأفضل الخلق بعد النبيين من الصحابة خاصة , وما ذلك إلا لأن الهوى جرثومة خطيرة لا يكاد ينجو منها مؤمن أو غيره إلا من رحم الله .
وقال تعالى : {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ }ص26
آه من الهوى حتى نبي الله داود يحذره الله منه ؟
بل حتى نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم حذره الله من أهواء الناس التي لا تقبل الانصياع إلى حكم الله مقدمةً الهوى على الحق
{وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ }المائدة49.
ومن هذه الآية نعلم أيضا : أن الانصراف عن الحق بلاء قد يصيب العبد بسبب بعض ذنوبه , ولهذا فإن الإكثار من الاستغفار والتوبة باب من أبواب الاستهداء إلى الحق دلنا الله وإياك إليه ولا حرمنا منه وعامة المسلمين .
ولهذا كان ثواب العبد الشجاع في مواجهة نفسه الصبور في مقاومة هواها أعظم ثوابٍ وأجزلَة , يقول ربنا عز وجل : {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}النازعات 40-41
فتأملي في الآية كيف أن خوف مقام الرب لم يَكف لنيل الوعد بالجنة حتى انضاف إليه نهي النفس عن الهوى , ما أعظم علم الله بدخائل النفوس وأسرارها .
أما اتباع المزينين المزخرفين من دعاة الباطل, فذلك إما أن يكون لما عندهم من موافقة هوى النفس , وهؤلاء قد حذر الله من صحبتهم في غير موضع من كتابه ومن ذلك قوله تعالى : {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً }الكهف28
وإما أن يكون اتباع الإنسان لهؤلاء لما عندهم من زخرفة القول وتلبيس الباطل لباس الحق فحذر الله منهم بقوله تعالى : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ إِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ }البقرة204-205-206
فتأملي في هؤلاء الذين ذمهم الله تعالى, تُعجِبُنا أقوالهم ويُشهدون الله على ما في قلوبهم لكنهم عند المخاصمة يظهر لونهم وتبدوا دخائلهم فهم ألداء أشداء , وحين يَصِلُون إلى مآربهم الدنيوية ومناط أهوائهم تكون عاقبة أمورهم إفساد الأرض وإهلاك الحرث والنسل .
هذان الأمران كما قدمتُ أختي الكريمة – اتباع هوى النفس واتباع المزخرفين – يطمسان على البصيرة ويُبعدان عن الحق ,واستصحابُ البعد عنهما ضرورة ملحة لمن أراد سؤال الله هداه واستمداده خيرته .
ثالث الأمور التي تستصحبينها عند دعاء الله وسؤال الخيرة : أن تعلمي أن من ثمار الهوى عمى البصيرة فيرى الإنسانُ سيء عمله حسنا {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ }محمد14.
فإذا استصحبت ما تقدم فاسألي الله واطلبي خيرته وأنتِ ضارعة مضطرة مخلصة في طلب الحق تسألين الله أن لا يفتنك وأن لا يجعلك فتنة كما تأسيا بسلفنا من المؤمنين الذين حكى الله تعالى لنا دعاءهم إياه حين قال : {فَقَالُواْ عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }يونس85
أختي الكريمة : لا تمري على ما تقدم مرور الكرام وتكتفي بقراءتها قراءة المتعجل , بل قفي نفسك واستجمعي فكرك وبصرك وأكثري من التأمل والتبصر في الماضي والحاضر والمستقبل , فإن الأمر الذي أنتِ بصدده من الجسامة والعظم والخطر بحيث لا يسع ذات عقل مثلك إلا أن تُخلي قلبها لطلب الحق وحده نافية عنها العجلة والإقدام والعناد وطاعة الأتباع والمتبوعين .
وقد سبقكِ إلى ما أنت بصدده نساء كثيرات في العراق والشام والمغرب وغيرها من البلاد في أزمان قبل زمنك , وما هذا إلا من الخير لكِ حتى تقرأي تاريخهن وتنظري اليوم في واقع شعوبهن وماذا كانت آثار صنعهن على من جاء بعدهن من أهلهن فتعتبري بمن سبق وتستفيدي من تجارب الآخرين , وليكن ذلك امتثالا لأمر الله تعالى عباده بالتفكر والاعتبار بالماضين حين قال سبحانه بعد أن قص علينا خبر من جاءته الآيات فانسلخ منها : {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }الأعراف176وتأملي كيف لخص الله عز وجل في هذه الآية أسباب الضلال بأمرين : الإخلاد إلى الأرض , وهو كناية عن تقديم الرغبة في العلو في الأرض على متابعة أهل الحق , واتباع الهوى ومراعاة حظوظ النفس أجارنا الله وإياك من ذلك .
وسوف أكتفي بذكر امرأتين تولتا قبلك كِبَر الجناية على المرأة المصرية ومِن بعدها سائرِ الشعوب العربية , وهما صفية زغلول وهدى شعراوي ولا أظن سيرتهما تخفى مثلك , وكانتا أيضا زوجتين لوزيرين نافذين في عصرهما , لكنني أُذَكر بأن مطلبهما الأعظم والذي نالتا به الصيت والاشتهار كان مجرد نزع الغطاء عن الوجه , وهو الأمر الذي سُميَ في زمانهما تحريرًا ووُسم الميدان الذي تحركتا فيه بميدان التحرير من أجل ما تم فيه من نزع الحجاب عن الوجه , الوجه فقط , الوجه لا غير , وهي المرحلة التي تجاوزتيها أنتِ من زمن مع الأسف الشديد , ثم إن بقية مطالبهما لا تخرج عما تعلنينه اليوم قيد أنملة .
مشهد معاصر من ميدان التحرير
فإذا تأملتِ فيما فعلن وبماذا طالبن فلعلك تقفين وقفة لتنظري فيما صار إليه ميدان التحرير الذي يُعد حتى اليوم رمزا للنضال النسائي من أجل الحرية .
مشهد واحد في ضحى يوم صائف من أيامنا للمرأة في هذا الميدان كفيلٌ بأن يدعوك للتأمل فيما أنت عليه من حال حيث ستبصرين عواقب ما دعت إليه تلكما السيدان اللتان تهرولين أنت ومن معك من النساء حيث مشتا .
سترين جل النساء يلبسن ما لا تختلفين معنا على تحريم لبسه على المرأة عند خروجها من ضيق وقصير وخليع , والأدهى من لبسهن له أنهن يسرن به دون أن يعبأن بشيء فقد ماتت القلوب وقُتل الحياء من التعري وخف الخوف من وعيد الله للكاسيات العاريات بأن لا يدخلن الجنة ولا يرحن ريحها .
وترين على وجوههن ترتسم أعباء الحياة ومشكلاتها , الكل منهن تسير وهي تفكر في لقمة عيشها وأجرة بيتها وسداد دينها وجهاز عرسها الذي أصبح من واجبها , قَتلت أعباء الحياة نضارة وجهها وصِدقَ بِشرها , تحاول أن تُقاوم تلك المشاعر بنِكات متكلفة وضحكاتٍ صارخة , تطلقها عالية من حين لآخر ضحكات حقيقتها صورة مقلوبة من صور البكاء والأنين بل من صور الصراخ والعويل .
أقصى أمانيهن أن يبقين في البيوت معززات مكرمات يحمل عنهن الرجال كرب الصباحات ومشاق المهمات , ويبقين منشغلات بتربية الأبناء وإعداد الأجيال بدلا من قتل الآمال وحمل الأثقال .
سترين منهن في هذا المشهد نساءً يركضن كركض الولدان ليلحقن بالباص المكتظ بالركاب ويتعلقن به تعلق الكلاب حتى إذا تكرم السائق بالوقوف وركبن فيه واندسسن بين الصفوف واقفاتٍ على الأرجل متعلقاتٍ في السقف بالأيدي مغمضاتٍ الأعينَ عما يحاك بهن من جميع الجهات فقد أصبح الإعلان فضيح والصمت مريح .
وسترين عشرات منهن أيديهن في آباط أصدقائهن يقودونهن إلى حيث يقودونهن شيء بمسمى الحب وهو الكرب , وشيء بمسمى الخطوبة وهي الخطب , ليس لناصح طريق ولا لمنكر سبيل .
وأرسلي نظرك في المعارض والدكاكين فستجدين الشابات البائعات وسليهن واستحلفيهن عن تحرش الزملاء وابتزاز المدراء وطلبات الزبناء .
وقد ترين منهن ممتدات الأعين في المارين يبحثن عن زائر عربي أو سائح غربي تبيعه حبها بما يملأ جيبها ولا يفضح غيبها .
وسترين معلقاً على بعض البنايات صورًا لفتيات تحت مبرر الدعايات, للترويج لبعض المنتجات ,أو الأفلام السينمائيات ,أو المقاهي الليليات .
ويمر بك هناك بين الحين والآخر نساء سئمن من السفور وما يجلبه لهن من استهتار المارين وتطفل العابثين فلجأن إلى الحجاب وكن منه على موقفين , فبعضهن أخذن منه ما يُدِرنه على النحور ومؤخر الشعور وتركن التضاريس فخاخا لأعين المتاعيس .
وأخريات عرفن الحق عن تجربة فرجعن إلى النقاب والجلباب يبتغين العزة بالطاعة والعفاف بالستر .
كل هذه المشاهد لا تخفى على أحد ممن يقف ساعة من نهار صائف في ميدان التحرير بالقاهرة , كما لا يخفى على أحد أنها صورة مكررة يجدها السائر في حواضر مصر طولا وعرضا.
لكن الذي قد يخفى :هو أن بداية ما آلت إليه حال المرأة في مصر كان في هذا الميدان وهو عبارة عن نزع الحجاب عن وجه صفية زغلول وهدى شعراوي وعدد من النساء المغرورات عام 1919م ليلقين به تحت أقدامهن في خطوة كانت بداية ما حل بالمرأة من شرور في سائر أنحاء العالم العربي .
كان حديث هؤلاء النسوة آنذاك إنما هو عن حقوق النساء وعن التنمية وعن كل ما تتحدثين به الآن فماذا كانت النتيجة ؟
النتجية أختي الكريمة هي ما يشاهده الأعمى من تردي حال المرأة في مصر بمستوى لم تكن عليه في أحلك عصور التاريخ ومن أقربها عصر الاحتلال البغيض , تَرَدٍ في حال المرأة المصرية كان من نتاجه تردي حال الرجل والأسرة والثقافة والاقتصاد , إن المرأة هي عمود البيت فحين يتبدل موضع العمود يتهاوى كل شيء .
تَرَدٍ تُعَبِر عنه الأفلام المصرية والكتابات المصرية والأبحاث المصرية والقرارات المصرية .
لا أريد أن أثقل هذه الكتابة بالإحصاءات التي أعلم يقينا أنها في متناول يدك ومتناول يد أي قارئ ,لكنني سأذكر شيئا منها للبرهنة على ما أقول ولكِ أن ترجعي لاستكمال ما تريدين إلى المركز القومي للدراسات الاجتماعية والجنائية , و التقرير المسمى تطوير إحصاءات النوع الاجتماعي في مصر ,والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء , والمركز الوطني(أمان) للمصادر والمعلومات للعنف ضد المرأة .
11.5مليون أمية لا تقرأ ولا تكتب في مصر وهي تعادل نسبة 27.4% من إجمالي عدد النساء المصريات , كما تعادل 61% من إجمالي عدد الأميين في مصر .
البطالة بين النساء ثلاثة أضعافها بين الرجال حيث تبلغ بطالة المرأة 19.5% من عدد النساء , فترين أنه بالرغم من هذا الانفتاح الذي تعيشه مصر في مجال العمل وعدم وجود موانع نظامية تحول دون العمل المختلط إلا أن المشكلة تتفاقم كل يوم , فلم يكن العمل المختلط في يوم من الأيام حلا .
صاحبات الأعمال من النساء المصريات لا يتجاوزن 3.3% من إجمالي النساء العاملات وباقي النساء ألعاملات أجيرات في مقابل أكثر من 16% من الرجال أصحاب الأعمال , فلم ترتفع نسبة سيدات الأعمال رغم دعاوى التنمية .
الفجوة بين دخل المرأة العاملة ودخل الرجل يساوي 20.3%لصالح الرجال بالرغم من أن القانون المصري ينص على وجوب المساواة في الأجور بين الجنسين .
17%من الأسر تعولها النساء في ظل غياب الرجال وتخليهم عن مسؤلياتهم .
متوسط جرائم الآداب التي يتم ضبطها 52ألف جريمة في العام
أعضاء مجلس الشعب المصري من النساء يتجاوزن العشر نسوة أي بنسبة1.8%من إجمالي أعضاء المجلس مع التنويه إلى أن البرلمان المصري أنشئ في عام 1866م الأمر الذي أضطر الرجال الذين يدفعون بالمرأة دائما للخوض فيما ليس من شأنها إلى المطالبة بنظام الكوتا فيما يتعلق بالمرأة أي أن تكون المرأة مستثناة من النظام الديمقراطي ويتم تعيينها دون انتخاب , وهو نظام مطبق عالميا في حق النساء حيث إن تردي نسبة نجاحهن انتخابيا تعد مشكلة عالمية .
عدد أطفال الشوارع في مصر تجاوز المليوني طفل .
وهناك ظاهرة أمهات الشوارع , وأعدادهن تصل إلى مآت الآلاف ولا يوجد لهن إحصاء دقيق بالرغم من وجود دراسات حكومية بشأنهن وقيامِ المنظماتِ الخيرية بإنشاء ملاجئ مخصصة لهن.
60 % من النساء يتعرضن للتحرش الجنسي هذا مع أن نسبة 96% من حالات التحرش في مصر غير مسجلة فكيف لو سُجلت .
يرتكب النساء 5 % من الجرائم سنويا وهي نسبة عالية إذا ما قورنت بغيرها من البلاد العربية كالجزائر مثلا حيث هناك جريمة نسائية واحدة مقابل كل 2744.
وهذه النسبة مستثنى منها الأعمال التي لا يُجَرمها القانون المصري كالرقص والخلوة بالأجنبية وحالات معينة من الزنى وشرب الخمور..
هذا أنموذج من الإحصاءات التي تعلمين ويعلم الجميع أن واقع المرأة المصرية الذي يظهر للقادم إلى مصر والذي يبرزه الإعلام المصري بجميع وسائله أوضح من أن تعبر عنه الإحصائيات .
بل إن باحثا مصريا وهو فهمي هويدي يرى أن المجتمع المصري مصاب حاليا بمرض الأنومي وهو مصطلح يستخدمه علماء الاجتماع للتعبير عن الحالة التي يتراجع فيها الدور الإيجابي للقيم، بحيث تكرس التراجع والتخلف بدلا من أن تكون رافعة للنهوض والتقدم.
وحتى أكون منصفا أختي الكريمة فإن مجتمعنا السعودي بدأ يلحق بالركب منذ أن ظهرت الأطروحات التحررية على السطح ومنذ أن بدأ الإعلام الفضائحي يدخل كل بيت وكل غرفة نوم , وهي في اطراد متسارع بقدر التسارع المريب في حركة تحرير المرأة السعودية .
أعظم ما جنته مصر من حركة التحرر النسائي هو خروج المرأة من البيت والتهتك في الحجاب وما جرته هاتان العلتان من مصائب على التربية والأخلاق والأمن .
أما ما سوى ذلك فلا تزال شكاوى المرأة في مصر التي أطلقتها صفية زغلول هي نفسها مطالب ناشطات المرأة اليوم في مصر وكأن مائة سنة من عمر التحرر النسائي لم تقدم شيئا .
ففي مجال الأعمال يقول تقرير للبنك الدولي بعنوان: «بيئة تنظيم العمل الحر في منطقة الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا»صدر في 2007م .( إن النساء يتمتعن بحقوق اقتصادية قوية في ظل مبادئ الشريعة الإسلامية، إلا أن الأعراف والتقاليد الأخري السارية تؤدي إلي تعزيز الأدوار النمطية للجنسين، وتنظر إلي الرجال مثلاً علي أنهم عائلو أسرهم الرئيسيين.).
انظري إلى هذا التقرير الدولي , ما تزال الأعراف والتقاليد عائقا يحول دون تطور المرأة المصرية , إلى ماذا يريدون أن يصلوا ؟ ماذا يريدون من المرأة المصرية بعدما قدمت لهم كل ما يطلبون وخسرت من أجل ذلك الكثير ؟
نعم إن مطالبهم لن تتوقف أبدا حتى يقضون على الأسرة التقليدية كما توصي بذلك مؤتمرات المرأة العالمية , مؤتمر القاهرة ومؤتمر بكين .
أختي مها فتيحي : إن المشهد الذي سيكون في بلادنا لو تحققت أطروحاتك لن يكون أقل قتامة من المشهد الذي وصفته لك في مصر .
ولن تكونين في نظر التاريخ أحسن حالاً من تلكما المرأتين صفية وهدى .
وقد تقولين : لماذا جعلت مصر هي الأنموذج الوحيد, ألا يوجد أمثلة أخرى نجحت المرأة فيها في تحقيق ما نطرحه اليوم مع تجاوز السلبيات التي وقعت فيها مصر ؟
والجواب أنني آسف جدا حين أقول : إنه لا يوجد بلد عربي تحررت المرأة فيه وكانت أحسن حالا من مصر , لكن هناك دولاً لا توجد فيها التغطية الإحصائية الموجودة في مصر كسوريا والأردن ولبنان وليبيا وتونس , ودول أخرى يغطي المستوى المادي مضافا إلى ضعف التغطية الإحصائية على كثير من العيوب التي يعرفها المجتمع من داخله معرفة جيدة كالكويت .
الخلاصة : أنه لم يسجل التاريخ من عهد اليونان حتى يومنا هذا مجتمعاً كان الاختلاط والتبرج فيه سببا لعلو المرأة ورفع الظلم عنها لا أستثني من ذلك شرقاً ولا غرباً , فهل نحن في حصانة من تجارب الأمم ومن سنن الله في الكون ؟ أجيبي .
ماذا كان عليك أن تفعلي :
معاناة المرأة السعودية يا أختي الكريمة ليست في عدم وجود العمل المختلط ولا في البعد عن مراكز اتخاذ القرار , إن معاناة المرأة السعودية بعيدة عن ذلك جدا , وكم كنت أتمنى لو أنك صرفت كل هذه الجهود لمعالجة المشاكل الحقيقية للمرأة في المملكة , وكان بإمكانك أن تتعرفي على هذه المشاكل من خلال مراكز بحثية موجودة على أرض الواقع , كمركز باحثات والذي يعنى بشؤون المرأة وكرسي عبدالرحمن الراجحي لأبحاث المرأة ودورها في تنمية المجتمع , وكذلك مركز الأبحاث في جامعة الأمير نايف للعلوم الأمنية , مضافا إليه العديد من البحوث الميدانية والمتعلقة بالمرأة في جامعات المملكة .
إن المرأة في بلادنا أختي الكريمة بحاجة ماسة وعاجلة إلى نظام منضبط وصارم للحقوق الاجتماعية , حيث إن الفقر والحاجة إلى العمل التي يعاني منها بعض النساء في بلادنا مردها إلى تخلف أصحاب الواجبات في إعالة المرأة عن أداء واجباتهم , ومن هؤلاء وزارة الشؤون الاجتماعية التي يفترض أن يكون هذا النظام برعايتها .
حين يقوم أصحاب الواجبات تجاه المرأة من أولياء وأزواج وأفراد عائلة وقبيلة وجهات حكومية بواجباتهم , فإننا في ظرف عام واحد سنجد أن ظاهرة المرأة التي تطلب العمل للحاجة المادية قد اختفت تماما .
وللعلم فإن نسبة النساء اللاتي يعملن لإعالة أسرهن في المملكة العربية السعودية هي 24% من عدد العاملات السعوديات حسب دراسة الدكتور إبراهيم الجوير أستاذ علم الاجتماع في جامعة الإمام محمد بن سعود , وهذه النسبة تكشف مدى المبالغة في دعاوى اضطرار المرأة للعمل بدافع الحاجة , كما يتضح أنها نسبة من السهل تغطية حاجتها المادية إما من قبل الدولة أو من قبل من تلزمهم نفقتهن سواء أكانوا من أوليائهم أو من عليهم واجب النفقة كعصبتهم الأقربين .
وعند إنهاء مشكلة حاجة المرأة هناك نبدأ بمراجعة مشكلة المرأة التي تريد العمل لزيادة الدخل أو قضاء وقت الفراغ أو التعبير عن مكنونات النفس من مواهب وقدرات .
وليس الحل لمشكلة العمل هذه هو تشريع الاختلاط , لأن الشاب الذي لا يعاني من هذه المشكلة تصادمه مشكلة عدم توفر العمل أيضا , ولو كان الاختلاط هو العائق أمام عمل المرأة لم نجد بطالة عالية أمام الشباب , بلغت حسب بعض التقارير أكثر من أربعمائة ألف شاب, فهل عائق هؤلاء الشباب عن العمل هو الاختلاط أيضا ؟
أختي الكريمة أستميحك عذراً في أن أتوقف في رسالتي هذه عند هذا الموقف , واعداً باستئناف الخطاب إليك في رسالة قادمة , يكون موضوعها الحديث عن عدد من المفاهيم التي نختلف وإياكِ فيها , سائلا المولى عز وجل : أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه , ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه .
أخوك المشفق : محمد بن إبراهيم السعيدي
27/12/1431هـ

إلى أختي مها فتيحي مفاهيم في التنمية : الرسالة الثانية
أختي مها بنت أحمد حسن فتيحي وفقها الله تعالى :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
هذه هي رسالتي الثانية إليك والتي وعدت ُ أن أضمنها تصويبا لبعض ما نختلف عليه مفاهيم , وأفضل أن تكون بدايتي منطلقة من توصيات المنتدى الأحد عشر والتي تناقلتها الصحافة الورقية بالكثير من البشر والإكبار .
وأولى هذه الملاحظات أن تلك التوصيات لم تتضمن بيان مفهومكن لتنمية وبالتالي لمشاركة المرأة فيها , والأعجب من ذلك أن مفهوم التنمية لديكن لم توضحه حتى أوراق العمل التي ألقيت في هذا المنتدى .
تصحيح مفهوم التنمية :
مشاركة المرأة في التنمية من أكثر المصطلحات رواجا في خطابكِ وخطاب من يسير على وفق المنهج الذي أنتِ عليه , ولعلك لا تشعرين أنكم تستخدمونه أداة دعائية أكثر من كونه أُمنية تسعون من أجلها وشاهد ذلك ما قدمتُ من غياب مفهوم التنمية عن توصيات المنتدى وأوراقه .
مشتركات :
أمهد لحديثي إليك عن مفهوم التنمية بأمور أعتقد أنها مشتركات بيني وبينك وأنكِ لا تخالفينني فيها , فالتنمية وإن كانت مصطلحا مستوردا من الغرب إلا أنه يقارب في المصطلح القرآني كما يبدوا لي معنى إعمار الأرض , الذي يعد تهييئاً إلهياً لبني الإنسان ,حيث أسكنهم سبحانه في الأرض وسخرها من أجله لهم , قال تعالى : {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ }هود61, وبما أن كل البشر مستعمرين في الأرض مؤمنهم وكافرهم فقد جعل الله تعالى للمؤمنين خصائص في هذا الاستعمار تخرج به عن كونه تهيئاً فطريا إلى كونه تكليفاً ربانياً وعزيمة إلهية , ومن هذه الخصائص :
1- الإصلاح المستمر في الأرض والبعد عن الإفساد: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ }الأعراف56 وذلك إنما يكون ببناء الإنسان السوي المستعبد لله اختيارا بالامتثال المطلق لأمره المتضمن الانكفاف عن مناهيه سبحانه وتعالى , إذ إن البعد عن الامتثال في الحالين مدعاة الفساد قطعا , وهو ما فهمه الملائكة الكرام حين أخبرهم المولى عز وجل باستخلاف آدم في الأرض {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }البقرة30وأخبر سبحانه أن معرفة الفساد إنما تكون بمعايير الشرع الحكيم لا بمقاييس الأهواء والعقول , التي قد تزين السوء وتقبح الحسن قال تعالى : {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً } الكهف 103 – 104{أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ }فاطر8 {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ }محمد14
ومن خصائص الإعمار المشروع أيضا :
2- أن لا يكون مقصودًا لذاته بل لا بد من وجود غاية من هذا الإعمار تربطه بالله عز وجل وطلب ثوابه والحذر من عقابه , فما كان من أنواع الإعمار مقصودا لذاته دون أن يَلحظ فيه القائم به المعنى الأخروي , فإن ذلك مذموم في الإسلام , وهو من الأمور التي عابها المولى عز وجل على قوم عاد , وحكى ذلك لنا على لسان نبيهم هود عليه السلام , قال تعالى : {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ }الشعراء , أي وإنما تفعلون ذلك عبثا لا للأحتياج إليه بل لمجرد اللعب وإظهار القوة ولهذا أنكر عليهم نبيهم عليه السلام ذلك لانه تضييع للزمان وإتعاب للأبدان في غير فائدة واشتغال بما لا يجدي في الدنيا ولا في الآخرة, هذا ما قاله ابن كثير في تفسيره للآية ج 3/342 .
3- أن يكون الإعمار لصالح كل مكونات المجتمع فلا تعطى فيه فئةٌ الفرصة لاستغلال فئةٍ أخرى إلا ما كان داخل التسخير الطبيعي الذي جعله الله تعالى وسيلة من وسائل إعمار الأرض كما قال سبحانه {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }الزخرف32, ولهذا حارب الإسلام كل وسائل استغلال البشر لبعضهم خارج هذا النطاق الطبيعي , ففرض سبحانه الزكاة والإرث وقسم الفيء , كوسائل تمنع احتجان المال في يد طائفة معينة {مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }الحشر7.
4- توزيع المسؤولية في إعمار الأرض على مكونات المجتمع من الرجال والنساء والأطفال فلا يأخذ أحد منهم دور الآخر من حيث الحكم الإجمالي الذي يعتبر الحالات الخاصة ويراعيها , فإذا أخذتِ المرأة دور الرجل أو أخذ الرجل دور المرأة تطرق الخلل للإعمار ودخله الفساد , (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى )آل عمران36 {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً }النساء32 (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ)النساء 34
وبذلك يمكن أن نجمل معنى التنيمة الصحيحة في تهيئة الأرض لأن تكون مجالا صالحا لعبادة الله بما أباح وما أوجب , فيدخل فيه بناؤها وتزيينها والاتجار فيها والتفتيش عن كنوزها والكشف عن مكنون علومها , كما يدخل فيه إشاعة الأمن فيها من الفتن سواء منها تلك التي تذهب بالأرواح والأموال أم تلك التي تذهب بالدين وبالأخلاق والأعراض..
ما بعد المشتركات :
البيت وتنمية الإنسان :
لن أطيل في تفصيل القول بأننا لا نرفض عمل المرأة خارج بيتها وإنما نرفض أن يكون العمل خارج البيت هو الأصل كما نرفض القول بأن عملها خارج بيتها شرط للتنمية أو لتصحيح مسار التنمية , لكنني سأطيل قليلا في الأسباب التي تدفعنا إلى الإصرار على كون البيت هو المكان الصحيح لعمل المرأة وهو الشرط اللازم إذا أردنا تنمية صحيحة ,وأن ما بعده يعد مباحا عند تيسره للنساء .
فالتنمية في نظرنا تبدأ بالإنسان لأنه هو الآلة الأولى لإعمار الأرض بما لا يعود عليها بالفساد ولابد لذلك من أن يكون هذا الإنسان مَرعِيا في تنشئته من لدن إنسان آخر قادرٍ على أن يغرس فيه قيم الخير بكل ما تتطلبه مهمة الغِراس من رفق وتؤدة وحنو وحب وحدب وعطف ومصابرة ومثابرة وشفقة ودقة ملاحظة ولا تكون هذه الصفات مجتمعة إلا في المرأة بوصفها أما .
ولا يخفى عليكِ وأنت أمٌ أن الأمومة عمل جبار وأن كل عمل تقدمه المرأة خارج بيتها قل أو كثر لا بد أن يكون على حساب مهمتها الأصلية وهي الأمومة .
نعم قد يصح التغاضي عن بعض التقصير في هذا الدور بإسناد بعض المهام إلى من يُعِين المرأة في بعض مهامها لتلبية حاجة طبيعية إلى الاستكثار من المال عن طريق المؤاجرة أو التجارة لكن ذلك ينبغي أن يبقى عملا إضافيا للمرأة تتوقف مشروعيته عند توقف القدرة على التوفيق بينه وبين العمل الأصل الذي هو تنمية الإنسان .
ولهذا فإننا نرفض وبشكل قاطع تسوية المرأة بالرجل في تعريف البطالة , فالمرأة العاملة في إدارة بيتها لا ينبغي أن تصنف في إحصائيات البطالة النسائية لأن عملها في بيتها أكثر حركة وأعظم نفعا من أي عمل آخر تقوم به خارج البيت .
بل إننا حين نُقَوم عمل المرأة في بيتها ماديا فسوف يذهلنا مقدار ما تستحقه من مال لقاء ما تقوم به من مهام , ففي دراسة أجراها مكتب خدمات أدلمان المالية في فيرفاكس في فرجينيا) ونشرتها وكالة رويترز وصلت قيمة عمل الأم مبلغا ضخما إذا تم حساب أجور وظائفها المختلفة من تربية وطبخ وإدارة مالية ودورها في العلاج النفسي للأسرة ,إلى ما يصل إلى 508 ألف دولار سنويا وهي تعمل 24 ساعة.
ومع أننا لسنا بحاجة كي نقدر عمل المرأة في بيتها لمثل هذه الدراسة التي هي نتاج مجتمع آخر بعيد كل البعد عنا إلا أننا نجد أن إظهار المفارقة نافع جدا بين الدراسات الأمريكية التي تنفي وصف البطالة عن المرأة العاملة في بيتها وبين دراساتنا التي لا تزال تصر على معايير غربية رأسمالية ثبت بالتجربة بطلانها .
البيت يقضي على الرأسمالية
لعلكِ أختي حين قرأين الأسطر التالية تحسين معي بحجم الجناية التي ارتكبتها البشرية على نفسها حين أخرجت المرأة من بيتها , لن أتكلم عن الجناية الأخلاقية فذلك باب آخر أيضا بل سأتحدث عن الجناية الاقتصادية , الجناية على التنمية التي تدافعين عنها وتدعين إلى مشاركة المرأة فيها .
فلا يخفاك أن النظام الاقتصادي الرأسمالي أدى بالبشرية إلى كثير من المصائب التي يقدر كثير من الباحثين أنها أعظم بكثير من تلك المصائب التي تؤدي إليها الشيوعية لو طُبقت .
فالأسعار التي لا تتوقف عن الارتفاع , والعملات العالمية التي تضعف قوتها الشرائية كل يوم , والعملات المحلية التي تهوي قيمتها في مقابل العملات الصعبة كل ساعة ,والبطالة التي تزيد ولا تنقص , والفقر الذي يفتك بثلاثة أرباع البشر , وأموال الكرة الأرضية التي تذهب تباعا لتصب في أرصدة فئة محدودة من البشر , كل هذه الأوبئة إنما هي بعض ثمار الاقتصاد الراسمالي الذي نراه يقتحم بلادنا هذه الأيام دون أن نفطن لتبعاته المهلكة .
والجدير بالاهتمام أن بداية سيطرة هذا النظام على المجتمعات جاءت من تنحية البيت عن أن يكون مركزا من مراكز الإنتاج .
ذلك أن البيت كان على مدى آلاف السنين هو مركز الإنتاج الأعظم في كل أنحاء الدنيا , فعليه وحده يقع العبء الأكبر في إنتاج الغذاء واللباس والأثاث بل والدواء أيضاً, وكانت علاقة البيت مباشرة أو شبه مباشرة مع مراكز إنتاج المواد الأولية من الفلاحين والحطابين والملاحين وأيضا مع التجار الذين تقع عليهم مسؤولية جلب ما يحتاجه الناس من منتجات البلاد الأخرى .
كل ذلك أدى إلى أن يكون البيت هو الذي يقرر حاجاته الاستهلاكية لأنه لا ينتج إلا ما يريد أن يستهلكه , كما أنه لا يستهلك إلا ما ينتجه أو ينتجه جاره أو البيت القريب منه , وربما احتاجت البيوت إلى خدمات الصانع أو الحائك لكن ذلك كان في ظروف ضيقة وغير متكررة طيلة العام .
هذه الدائرة الصغيرة في علاقة المُنتِج بالمستهلِك نتج عنها مناخات اقتصادية ممتازة منها تنظيم الاستهلاك وانتظامه , ومنها محدودية الحاجة إلى استخدام العملة كوسيط في عملية الاستهلاك , الأمر الذي يحافظ على استمرار قوتها الشرائية , ومنها انعدام هيمنة القلة على الإنتاج , فالبيوت كلها تنتج معظم ما يحتاجه المجتمع بمواد أولية قريبة المصدر , وهذه الخصيصة انعدمت تقريبا مع هيمنة النظام الرأسمالي على العالم المتحضر حيث ُأبعدت البيوت عن الإنتاج وذلك بخروج المرأة منها , وحل محل البيوت شركات قليلة لم تقتصر مهامها على الإنتاج بل تجاوزته إلى التوزيع أيضا الأمر الذي جعل البيوت مستهلكة فقط لا للمنتجات وحسب بل للخدمات التي أصبحت ذات ثمن بعد أن كانت من متممات المروءة .
مع ابتعاد البيت عن الإنتاج وُجدت المسافة بين المُنتِج والمستهلك , وكثر الوسطاء في هذه العملية التي أصبحت معقدة جدا بعد أن كانت يسيرة وتلقائية , ومع ازدياد الوسطاء ازدادت الأسعار .
كما أصبحت الحاجة بقتل الإنتاج في البيوت حين خرجت المرأة منه ملحة للعملة كي تصبح هي الثمن الوحيد لكل المنتجات , الأمر الذي جعل العملة سلعة في ذاتها تتعرض لكل ما تتعرض له السلع من عوامل العرض والطلب وهذا أحد الأسباب التي جعلت أساطين الاقتصاد يبتكرون عملة جديدة غير الذهب والفضة لا تكتسب قيمتها من مادتها الأصلية كما هو الحال في النقدين , بل تكتسب هذه القيمة من قوة الدولة المنتجة لها ومدى هيمنتها الاقتصادية والعسكرية .
ولم تتوقف المشكلة عند هذا الحد, فحتى العملة الورقية القوية أصبحت تعاني من الندرة نتيجة كونها هي الثمن الوحيد لكل السلع التي يتحكم في إنتاجها شركات محدودة بعد أن كانت تنتج داخل بيوتنا .
المرأة المنتجة داخل البيت كانت هي التي تُملي على المجتمع ثقافته الاستهلاكية وكانت جميع المجتمعات سعيدة بهذه الثقافة الصادرة من بيوتها , فهي ثقافة متوائمة بشكل مطرد ومنعكس مع الحاجات الحقيقية للناس .
وبخروج البيت من مراكز الإنتاج أصبحت المرأة لاهثة وراء الشركات المنتجة التي تجاوز دورها الإنتاج إلى صناعة الثقافة الاستهلاكية للأمم عن طريق تنافس هذه الشركات على التسارع في تنويع المنتجات والدعاية لها وبثها في الأسواق , وهي عوامل رفعت من سقف الحاجيات أو بالأحرى خلعت سقف الحاجيات وأصبح الناس لا حدود لما يريدون , حتى إن ما يحتاجونه لم تعد تفي به مداخليلهم الشهرية .
المشكلة الأكبر أن الشركات التي أخذت مكان المرأة المنتجة في بيتها ليست محلية في عالمنا الإسلامي بل أجنبية تقع وراء البحار بين البيت المستهلك وبينها مالا يقل عن عشرة من الوسطاء وأصبح البيت يتحمل قيمة السلعة مضافا إليها أرباح كل هؤلاء الوسطاء كما يتحمل البيت مصاريف الدعاية لهذا المنتج وتكاليف تسويقه .
وأصبحت هذه الشركات ودولها تهدد سيادة الأمم في أوطانها بحكم كونها المصدر لما يأكلون وما يشربون وما يلبسون وما يركبون , فكل دولة نامية مهددة بأن تُعاقب في غذائها ودوائها حين تخالف الجادة التي تنصبها لها الدول المنتجة لما نأكل وما نشرب .
من الذي وضع الحليب في العلب ؟
لم تغب عني يوما من الأيام صورة الأطفال في العراق أيام الحصار الاقتصادي عليه وهم يحملون علب الحليب الفارغة , وكنت أقول من الذي وضع الحليب في العلب ؟ أليست العراق بلد الفراتين وبلد الأغنام والأبقار والإبل والجواميس ؟ فلماذا تستورد العراق حليبا لأطفالها ؟.
يالها من مظاهرة كان يُقصد بها فضيحة الغرب المتسلط , لكنها والله كانت فضيحة للشرق كله , هذا الشرق الذي أفرغ البيوت من النساء ليبقى فيما يأكله ويشربه مرتهنا لما يريده الغرب منه .
المرأة أهم أم الرجل ؟
حين تكون المرأة منتجة في بيتها فهي أهم من الرجل لأن الإنتاج البيتي لا يستطيعه إلا النساء سواء منه ما كان تكاثريا متمثلا في الحمل والولادة , أو تربويا متمثلا في صياغة الإنسان كي يكون عبدا صالحا أو الإنتاج المادي المتمثل في إعداد ما نأكل وما نلبس .
كل ذلك لا يطيقه إلا المرأة , بل إنها تطيق مضافا إليه الكثير مما يطيقه الرجال من أعمال خارج البيت وتستطيع مزاحمتهم عليها , لكنها حين تفعل ذلك تهوي بالمجتمع إلى المجهول حيث يضل مكانها في البيت شاغرا لا يستطيع أحد أن يملأه بينما مكان الرجل لن يكون شاغرا أبدا .
ما قدمته هو بعض المضار التي حدثت حين تناست المرأة أنها في بيتها هي المنتج وهي المحرك الصحيح لعجلة الاقتصاد المنظم الهادئ , الاقتصاد الذي لا يحارب احتكار الإنتاج كما يحارب احتكار السلع , وهو أيضا الاقتصاد الخالي من داء البطالة وداء التضخم وداء شراهة الاستهلاك .
وهو الاقتصاد الذي يطالب الأمة أن تكون عزيزة لا تخضع في طعامها وشرابها لأهواء أعدائها .
المرأة في بيتها هل تكون عالة ؟
لعلكِ أختي تعيدين لي ما قاله أحد الإخوة عندما ناقشته في هذه الأفكار حيث سأل مستنكرا :ما هذا التسطيح للأمور ؟ هل تريد أن تقنعنا أن كل مشاكل العالم الاقتصادية حلها في عودة المرأة إلى البيت ؟ وهل هذا ممكن ؟ هل يُعقل أن تطلب منا العودة إلى نظام اقتصادي قديم يعتمد على تبادل السلع والإنتاج البيتي المحدود متناسيا ما نحن فيه من تقدم وحياة حضارية سِمَتُها التَرَفُه والحيوية والجمال والنعومة ؟
كل هذه الأسئلة طرحها صاحبي فقلت له : نعم :إن حل مشكلات العالم الاقتصادية يبدأ من عودة المرأة إلى بيتها لا لتكون عالة تأكل وتشرب ولكن لتكون منتجة لطعامنا وشرابنا ولباسنا , ولتكون هي التي تملي علينا حاجاتنا وتنمي أنفسنا وأرواحنا .
ومالنا لا نعود إلى هذا العصر الذي كانت المرأة فيه هي محركة الاقتصاد ومصدر الإنتاج وهو عصر لا يبعد عن بلادنا إلا سنوات معدودات , أليس لنا في الغرب عبرة وقد عادوا إلى النظام الديمقراطي من تاريخهم السحيق وهو يبعد عنهم أربعة آلاف عام .
ألسنا أولى بالعودة إلى ما ضينا القريب منهم حين عادوا لماضيهم البعيد ؟
عودة إلى المشتركات
بعد هذا العرض لمفهومنا عن مشاركة المرأة في التنمية أسألك : أي المفهومين ترينه أقرب إلى ما قدرتُ أنه مشتركات بيننا ؟
هل هو مفهومي الذي يريد العودة بالبيت إلى مراكز الإنتاج كي يتخلص المجتمع من آفات الرأسمالية , أم هو مفهومك الذي يدعو إلى إفراغ البيوت من النساء ومشاركتهن الرجال فيما أوكله الله إليهم من الضرب في الأرض لتصبح البيوت مراكز استهلاك وحسب وينحصر الإنتاج في يد القلة القليلة ليكون المال دولة بين الأغنياء ؟
هل هو مفهومنا الذي يعتني بالهدف والغاية , أم هو مفهومك الذي يعتني بالظهور والبهرجة والتمرد على الواقع ؟
هل هو مفهومنا الذي يعتني بمصلحة جميع فئات المجتمع أم مفهومك الذي يعتني بالطبقة الرأسمالية ويسعى لأن يفرغ البيوت من النساء ليبقى الجميع مستهلكا خادما لهذه الفئة التي تعودت أن تبيعنا وتشتري من غيرنا ؟
هل هو مفهومنا الذي يوزع المسؤوليات على أفراد المجتمع ليعمل كل فيما خلقه الله له أم هو مفهومكِ الذي يسعى لأن تحل النساء محل الرجال فيما يعجز الرجال أن يأخذوا مكان النساء .
آمل مراجعة نفسكِ ومحاسبتها قبل أن تحاسبي
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
13/1/1432هـ
اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.