مقالات محمد السعيدي

ماذا يحفظ التاريخ

ذاكرة التاريخ ليست صلبة بالقدر الذي يتصوره الكثيرون , فكم نسيت من أمم عظيمة وأحداث جسيمة , وهي أيضا ليست عادلة بالقدر الذي يتمناه آخرون , فكم وضعت من رفعاء ورفعت من وضعاء , وربما صح القول إنها كذاكرة أحدنا , التي تحتفظ بما يؤثر في نفوسنا , و تحكم على الأشخاص من خلال رؤيتنا لهم لا من خلال حقائقهم التي قد تختلف كليا عما نصورهم عليه .
فإذا أردت من التاريخ حفظ شئء فتمثله أمامك تلميذا خاملا قابعا في إحدى جنبات الفصل ,وتحتاج ليبقى درسك في مخيلته إلى اجتهاد كبير في استخدام مؤثرات الصوت والبدن ووسائل الإيضاح , وتنميق العرض وغير ذلك من المهارات التي يعرفها المدرسون الأكفاء , تمثل التاريخ أمامك هذا التلميذ , وعلى قدر مهارتك في لفت انتباهه والاحتفاظ بتركيزه سيعطيك حتما شيئا من ذاكرته . 
واستصحب دائما أنه ليس تلميذا نجيبا يميز بين حقك وباطلك , بل هو من السذاجة بحيث ينقل كل شيء , ومن الغفلة بحيث يتحدث عن كل شيء .
وليس هذا الساذج البليد هو من يخدع الناس ويزور الماضي ويخفي الإنجازات , بل المخادع الظالم حقا هم أصحاب الأقلام ممن نسميهم بالمؤرخين , والذين يروون كل شيء , فلا يَعدُون أن يكونوا كتبة لهذا التلميذ المغفل , أو أصحاب أهواء يأخذون عنه ما يوافق ميلهم , يعلمون أو يجهلون أنهم الجناة الأوائل على مستقبل الأمم وعلى هذا التلميذ البسيط والذي يسمونه التاريخ .
وفئة ثالثة قليلة في الأولين والآخرين تقف أمام ما حفظه التاريخ ومعها موازين النقد ومكاييل البصيرة , فينثرون الزَبَد ليذهب جُفاء , ويقبضون على ما ينفع الناس ليمكث في الأرض .
خلد التاريخ كلاما كثيرا منه الحق ومنه الباطل , وضيع أيضا الكثير من الحق ومن الباطل , فليس الحق وليس الباطل معيارا لما يحفظه التاريخ وما ينساه .
ولنتجاوز ضرب الأمثال بالكتب المقدسة وما أضاع منها من حق وما أبقى باسمها من باطل , ولنُجِل القرآن والسنة عن اتخاذهما مثالاً إذ مِنََة المولى بالتكفل بحفظهما تسموا بهما عمن صنع التاريخ ومن كتب التاريخ ومن قرأ التاريخ .
ولنقتصر بالمثال على أقوال الرجال :
فمما حفظ التاريخ من الحق قولة عمر رضي الله عنه : نحن قوم أعزنا الله بالقرآن ومتى ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله .
وليس مِشهد الحق من هذه العبارة تجليتها لقدر كوني يلازم هذه الأمة خاصة , بل هي قاعدة من فقه التاريخ صدََقها من جاءوا بعد عمر: إن الأمة حين يرتبط مجدُها بأمرٍ وجودًا ,فإنه يرتبط بذلك الأمر لاشك عدما , وهو ما عبر عنه ابن خلدون بالعصبية , وبسطه الدكتور عبد الحليم عويس في كتابه النفيس : دراسة ثلاثين دولة إسلامية .
وحين تقرأ تواريخ أمم الشرق والغرب لا تزداد إلا يقينا أن حفاظ أمة ما على عزها مرهون بقدرتها على الحفاظ على منشئه , ومن تتبع التاريخ يدرك كم هي مهمة صعبة أن تحافظ الأمة على الفكرة التي نشأت عليها , ذلك لأن مر العصور يُوَلِد أجيالاً لا تقدر فكرة النشأة حق قدرها , ولديها من الأنانية الثقافية ما تؤثر معه إظهار أفكارها الجديدة وإن كان في ذلك تهديد أمتها في أسباب عزها وعناصر قوتها .
كانت الدولة الأموية عربية نزارية جهادية سلفية , وبالرغم من أن منهجها النزاري كان خاطئاً إلا أن محاولة انتقالها عنه إلى التعصب للقحطانية كان أحد عوامل ضعفها منضافا إلى محاولتها التحول عن المنهج السلفي إلى مذهب الجهمية والقدرية .
والدولة العباسية أيضا نشأت شعوبية فارسية سلفية , والقول في خطئها في سلوك الشعوبية كالقول في خطأ الأمويين في مع التعصب للنزارية , وكذلك كان الأمر حين حاولوا الانتقال من التعصب للفرس إلى التعصب للترك كان من عوامل تدهورهم , وقد صاحب هذا العامل بداية زهدهم السلفية كمنطلق فكري لدولتهم .
أما ما حفظه التاريخ من الباطل فلعل أقرب أمثلته إلى ذاكرتي بيت زهير بن أبي سُلمى :
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم

2010

اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.