مقالات محمد السعيدي

أحداث مصر بين الفرح والفكر

1 –  الفرح بمصائب الظالمين من علائم الإيمان , وما أصاب رئسي مصر وتونس هو من هذا القبيل الذي يفرح به المؤمنون.
2 –  الإفاقة من آخذة الفرح والعمل بما يصلح الناس هو شأن العلماء والمفكرين والقادة.
3 – علماء الشريعة المتبوعين في مصر وخارجها لم يقوموا بواجبهم المطلوب في توجيه المظاهرات وقيادتها وضمان سلامة مطالبها ونتائجها , وما بُذل من بعض العلماء من جهود قليل بالنسبة للحدث وحجم العلماء .
4-النجاح الحقيقي للمظاهرات هو انتهاؤها إلى تطبيق شرع الله وإقامة العدل بمفهومه الشرعي في الأرض .
5- ما حصل في مصر حتى الآن هو هيمنة الأحزاب العلمانية على تصورات مابعد مرحلة مبارك .
6- لا يزال دور العلماء الذين قدَّموا أنفسهم في التظاهرات الشعبية كدور آحاد الناس ليس فيه ما يناسب علمهم ومقامهم من القيادة والتميز .
7-شرعنة الثورة أمر مطلوب لو أن العلماء قاموا بواجبهم الشرعي فيها , أما إذا لم يفعلوا ذلك فلا مبرر لشرعنتها وهي حينما قامت لم تطلب الفتوى منهم .
8-لا زالت الفرصة قائمة للعلماء المتبوعين كي يبادروا في تتميم ما قصروا فيه من توجيه الثورة وحماية مكاسبها .
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين :
الفرح بما يصيب الطغاة من نكبات, والفرح بانفراج الضيق عن الأمة هو فيما يبدو لي من علائم الإيمان , ومن لم يفرح بزوال طاغية جَثُم على صدر الأمة زمنا يسرق خيراتها ويحاربها في دينها وعِرضها فعليه أن يستغفر الله تعالى ويعيد النظر في إيمانه , هذا هو ما أعتقده , وهذا هو ما فعلته , فقد كنت من أكثر الناس فرحاً بما أصاب اللهُ به رئيسَ تونس الأسبق , كذلك سأفعل لو انتهت ثورة الشباب في مصر إلى زوال طاغيتها .
لكن للفرح أخذَةً تسرق صاحبها وتشغله عن التفكير , كما أن للترح غمَّا يُصيب العقل بالذهول ويُلجئه إلى التوقف , والعاقل هو أسرع الناس إفاقة من فرح أو ترح .
وأحرى الناس بسرعة الإفاقة هم علماء الشريعة المُستَأمَنُون على قول الله تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلم , ويتلوهم في ذلك أهل الفكر والعلم والخبرة من أهل الدين وذوي الإيمان الذين هم ألزم الناس لطاعة الله تعالى في أمره بالتفكر والتدبر والتبصر في غير ما آية من كتاب الله تعالى .
فلا يَشغَلُهُم فرحهُم عن تدبر ما يحل بالأمة من نوازل والمبادرة بما يُصلح أمر الناس في دينهم قبل دنياهم .
ومما يؤسف له أن القياديين وأصحاب الكلمة من علماء الشريعة والمفكرين الإسلاميين كانوا في هذه النازلة هم آخر الناس إفاقة , بل إن منهم من لا يزال في آخِذَة الفرح يسير وراء الناس الذين يجب عليه أن يكون أمامهم ويكتفي بالمناداة عليهم بلزوم مواقعهم دون أن يقدم نفسه كمُوَجِّه لثورتهم نحو مقصدها الذي يجب أن يتبناه أمثاله من أهل العلم .
وحتى يكون الكلام واضحا , ألخص ما أرى أنه لازمٌ على علماء الشريعة والمفكرين المؤمنين : وهو توجيه مطالب هذه المظاهرات بما يضمن نجاحها في إقامة الشرع وإعادة العدل بمفهومه الشرعي الرباني إلى أرض الله وذلك بتقديم حلول ما بعد المرحلة وتقديم البديل للرئيس المطلوب خلعه .
أما ما حصل فعلاً فهو عكس ذلك فقد ظهرت الأحزاب العلمانية والحركات النصرانية وهي تعمل بشكل متقن لتتولى إدارة الثورة وكسب نتائجها فألفوا لجنة الحكماء من شخصيات ليس بينها شخصية إسلامية سوى الدكتور أحمد كمال أبو المجد وهو قانوني مصري ووزير سابق والدكتور محمد سليم العوا أما الباقون فهم : احمد زويل, عمرو موسى,ومحمد البرادعي والمهندس نجيب ساويرس الملياردير القبطي الشهير، والدكتور عمرو الشوبكي، والصحافي سلامة أحمد سلامة، والكاتب جميل مطر، والمهندس إبراهيم المعلم ناشر جريدة (الشروق)، والدكتور عمرو حمزاوي، وعبدالعزيز عمر، ونبيل العربي.
وقد أصبح هؤلاء مع أمناء الأحزاب العلمانية هم عمليا القادة الفكريين للمظاهرة وهم من تتحدث وسائل الإعلام بأنبائهم وقراراتهم وما أصدروه من بيانات , وإن كانوا يقولون عن أنفسهم : إنا لا نُمَثل أحداً ,وقد أجرت ال بي بي سي لقاء موسعاً مع أحدهم وهو الدكتور أحمد زويل , ولا يختفي عن الأنظار رفعت السعيد وأيمن نور في مشاهد الإعلام العالمي .
وهؤلاء الآن هم من يتفاوض مع النظام باسم الجماهير باستثناء أيمن نور.إضافة إلى ممثلي الإخوان المسلمين .
ونتج عنها بالأمس قرار الرئيس مبارك تشكيل لجنة لإعادة صياغة الدستور مشكَّلة من عدد من المستشارين وأساتذة القانون في الجامعات المصرية .
اقتصر دور العلماء إذاً على تأييد الثورة والدفع بها إلى الأمام أما توجيهها والحرص على نتائجها فدورهم فيه أقل بمراحل من دور أحد مدوني الإنترنت والمسئول الإقليمي عن شركة جوجل الذي يُنسب إليه فضل كبير في تأجيج هذه الثورة وهو وائل غنيم .
هل هذه مهمة العلماء ؟
لو أن هؤلاء العلماء تحدثوا عن الثورة الشعبية كآحاد المواطنين الناقمين على النظام لما كان عليهم من تثريب أبداً , فأنا لا أشك أنه قد أصابهم الظلم كما أصاب غيرهم من الناس ولهم الحق في التعبير عن نقمتهم وغيظهم ورغبتهم في التغيير, لكنهم حين يستدلون على سلامة موقفهم بنصوص الشريعة فإن من حقنا أن نحسابهم بموجب نصوص الشريعة التي لا تبيح لهم الدعوة إلى غير شرع الله تعالى أو المساهمة في تمكين غير دينه في أعظم بلاد الأسلام أثراً على الأمة في حاضرها وتاريخها .
يقولون : إنهم يدعون إلى أخف الضررين , والجواب : أن أخف الضررين لا يُدعى إليه وإنما يُرضى به في حال تعذر الخير المحض أو الخير الغالب , ولا يُمكن أن نوافقكم على الاكتفاء بأخف الضررين ولم نشهد منكم العمل لقيادة الأمة إلى الخير وتوجيه ثورتها إلى ما فيه صلاحها . م
عالم الشريعة يجب عليه الوقوف قائداً للمطالبة بالشريعة مزاحماً بمنكبه في سبيل تحقيقها ولا يترك الفرصة للعلمانيين والليبراليين ليختطفوا ثورتها تحت شعار أنه يدعوا إلى أخف الضررين .
وإذا كان تطبيق الشرع في ظل الظروف الدولية المحاربة لشرع الله تعالى أمراً صعب المنال فلا أقل من أن يقف العلماء وقفة حماية للمكتسبات التي حققها أسلافهم كالشيخ عبدالقادر عودة الذي يرجع الفضل بعد الله تعالى إليه في رسم المادة الثانية في الدستور المصري , وهي المادة تتداعى اليوم عدد من الأيدي للمحوها .
وكذلك يقفون لتحقيق مكتسبات أخرى غير تلك في ظرف يتناوش الحميع فيه
أما إذا كان جل طموح العالم إزالة النظام وحسب على اعتبار أنه حتماً سيكون أخف الضررين في وقت يتوجب عليه فيه الوقوف في المقدمة لتوجيه الناس وتحقيق المكاسب فليترك الجماهير تطالب بأخف الضررين وحدها , فإن الجماهير قامت بالمظاهرة ولم تستشر سوى آلامها وهمومها ولم تطلب فتوى سوى من طموحاتها وآمالها , فمن كان عاجزاً عن توجيه وعيها وحماية مقاصدها فلا يقحم منصبه كعالم شرعي في دفعها والسير خلفها .
لا يخفى على أحد أن القوى الداخلة في هذا الصراع كثيرة وقوية منها ما هو خارجي ومنها ما هو داخلي وتضامن العلماء في السعي إلى أخذ مكانهم الصحيح في هذه الثورة هو ما يكفل تحجيم أمثال هذه القوى أو تقليل شرها .
أما القول بأن إزالة النظام مقصدٌ في ذاته فصحيح ,لكن لا باعتبار كونه نظاماً بل باعتبار مقدار ما يقوم به من ظلم وخيانة ونأي عن شرع الله تعالى ولذلك فلابد لإزالته من تدبير الأسباب التي تضمن أو تُغلِّب على الظن إقامة العدل والأمانة والعدل في مكانه , والحاصل إن الأسباب إلى ذلك لم تُبذَل حتى الساعة سوى من قبل العلمانيين الذين لا يبتعدون عن النظام في عدائهم للشريعة والحركيين الإسلاميين الذين لا أشك في صدق شعارهم – الإسلام هو الحل – لكنهم يفاوضون من موقف ضعف كبير حيث لا سند لهم من علماء الأمة , وقد بلغ من شعورهم بضعف موقفهم أنهم سارعوا إلى إعلان عدم عزمهم تقديمَ مرشحٍ في الانتخابات القادمة حرصاً منهم فيما يظنون على عدم التأليب الدولي على ثورة الشباب هذه .
كما أن القول بأن زوال مفسدة متيقنة أولى من بقائها خشية مفسدة مظنونة ,يمكن قبوله مبرراً لهذه الثورة لكنه غير مقبول أبداً لتسويغ اكتفاء العلماء بدفع الناس للثورة دون توجيهها والمبادرة بإيجاد بدائل لرأس النظام القائم لظمان حصول الأمة على مطالبها في شرع الله تعالى والقيام بالعدل على وفقه .
هذا بالإضافة إلى أن استشراف المستقبل والنظر في جميع المعطيات المعينة على استشرافه أمر قصر فيه كُل من كتب في الدفع إلى هذه الثورة فلم يتحدث أحد عمَّا بعد مبارك , بل إن من يدعوا إلى استشراف المستقبل ومناقشة معطياته في هذا الظرف يُنسب إلى التخذيل والجمود والبعد عن الإحاطة بالسياسة ومناصرة الطغاة والوقوف معهم ويرمى بمختلف السِباب والشتائم التي لا يليق أن تصدر من مثقف يزعم أنه من دعاة الحرية , وهو ما حدث معي في جوابي لإحدى اصحف الإلكترونية وحين كتبت مقالتي : لا تخونوا الأمة باسم الحرية , وفي كلا الموضعين لم أتحدث فيها سوى عن أمرين هما نقد من يدفع إلى الثورة من العلماء دون أن يتحدث عن البديل و مطالبة المفكرين بدراسة جميع جوانب الموقف ولو على سبيل كونه احتمالا , ومع أن هذين المطلبين عِلميان لا يُخالف فيهما عاقل أو لا ينبغي أن يخالف فيهما عاقل , إلا أن الفرح بالثورة قد أخذ بالعقول فلا يستطيع أحد أن يقرأ أو يسمع إلا الدفع إليها والثناء على القائمين بها .
وبما أن الثورة لازالت محتفظة بقوتها فإنني أعتقد أن الفرصة ما زالت مواتية لأن ينهض العلماء المتبوعين بما قصروا فيه , وأعني بالمتبوعين من لهم ثقل شعبي وقبول بين الناس يجعل لكلمتهم من المضي والنفاذ بين أفواج الثائرين ما يضمن تلبية المطالب وتحقيق ما يمكن من المكاسب للدعوة والدين والعدل .
وما كتبت لا يعني غفلتي عن جهود علماء رأيناهم مع الجماهير أو تناسيِ لبيانات صدرت من جماعات إسلامية وهيئات علمية , فهي جهود محمودة لاسيما وأن أصحابها لم يُعرف عنهم الدفع المجرد باتجاه الثورة , لكنها جهود أقل ما توصف به أنها أكثر تواضعا من قوة الحدث .

2011

اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.