للتسلية والإحماض: من فوائد شيخي بطيحان ومجالسه العامرة

واهاً لشيخي بطيحان ! وما أدراكم ما بطيحان!
أدركته في صغري على شيخوخته وكِبره، بهيّ الطلعة شامخ القامة سليم الحواس ممتّعاً بها، حادّ الذكاء غزير التجربة مُحكم الرأي، يستطرقه حفنة يسيرة من الناس آخذون في الانحسار، ينشدون آراءه في الحكمة وشؤون الحياة وتصاريف الدهر، ولمّا جفاه الناس أدناني وقرّبني حين آنس منّي رُشداً وهُدى؛ حتى صرت رهين مجلسه كأنّي أحد أبنائه يُشبل علي ويتحنّنُ، وأقوم بشؤونه وأحواله.
كنت ألتقط نوادر معارفه ومستجاد علومه بحرص بالغ وعناية شديدة، كالغريب الذي يستوطن بلاداً جديدة فيتفرّس في وجوه أهلها ويمعن في قراءتها، حرصتُ على شيخي غير آبه بمُجافاة الناس له وتنائيهم عن مجلسه، و”قيلهم” فيه و”قالهم” عنه، وإشاعاتهم حوله والتي تتبعه أنّى حل وارتحل كظلّه الظليل!
قال لي يوماً وقد أطال النظر والفِكر والتأمّل: تعلم يا أبا حمّاد! لقد آمنتُ بنظرية داروين في النشوء والارتقاء والانتخاب الطَبَعي، وصرتُ داروينيّاً مُخلصاً.
(أفا وش فيه الشيخ جاب العيد! هكذا حدّثتني نفسي)
قلت له واجماً، والدهشة أخذت منّي كل مأخذ: لمَ يا شيخي؟! إنّا منذ عرفنا العلم على يديك وثنينا الركب بمجلسك ونهلنا من معينك الثرّ وأنت تُقرئنا أنّ نظرية دارون وصاحبه والاس من النظريّات الإلحاديّة المناقضة للدين والمصادمة للفطرة والمعارضة للمنطق السليم، وأنّ هذه النظرية منتقضة بأصل الفطرة وبدهيات المسلّمات التي تشترك فيها الفِطر السليمة والعقول المعتبرة، والقاضية بمُفتتح أمر النشأة الأولى خلقاً مستقلاً تاماً وابتدائه من الصانع المدبّر الجامع للقدرة التامة والإرادة النافذة، ممّا لا يُحتاج في إثباته إلى ذكاء نادر، أو تضلّع من المعارف الفلسفيّة، أو تشبّع بالحُجج، فكل حادث له مُحدث، وكل أثر له مؤثّر، هذه معلومة تتابعت العقول على اعتبارها، ولا ينقضها ناقض البتة.
فماذا غيّرك عفا الله عنك!
(- ما ظنتي – أحسن الله إليك – إنك طلعت بعثة خارجيّة عشان تتأثر بهالمذاهب الوضعيّة! – قلتها في سرّي وقد ارتسمت علي ابتسامة ساخرة)
فقال لي: من عرف طغاة حكام العرب معرفتي بهم وجرّبهم تجربتي، أدرك أنّ نظريّة داروين حق ويقين، وأنّ أصل أولئك الشرذمة هو ما ذكرهُ داروين؛ إنهم – يا أبا حمّاد – لشدّة انطباق النظريّة عليهم، باتتْ أسماءهم كأسماء تلك الأصول التي انحدروا منها، لقد تشابهوا ظاهراً وباطناً، معنويّاً وبيولوجياً، إنّهم شيء واحد؛ خلق مكرور؛ جينات محفورة بإحكام.
هلمّ يا ماجد؛ ادنُ مني، وأقرئني اسم بشّار رئيس سوريا!
ذاكرني به!
افتحْ عليّ فيه!
أليس هو كما يتداول الناس بشّار النعجة!
فهل ترى بينهما بوناً في رداءة التمييز وانحدار الإدراك وسوء المُنقلب؟ إنهما شيء واحد في انعدام البصيرة و انتفاء العقل والسعي إلى الحتف المشؤوم!
(أجل سياسة يا شيخ بطيحان! ناوي تودّينا ورا الشمس الله يثيبك! في داخلي تسري رِعدةٌ ورعشة، التفتُّ معها خلسة يمنة ويسرة، محاذراً رقيباً تسكنُ عيونه في جدار البيت ويسترق السمع من خلالها، أو جاراً ملقوفاً يجتازُ فيوقعنا في المهالك بإشاعة الحديث، قلتُ حينها دون شعور أو وعْي: اللهمّ حوالينا ولا علينا!)
قلت: يا شيخي؛ دعك – عفا الله عنك – من داروين فقد أصبحت نظريّته أثراً بعد عين، ولحقها نقد وطالها نقض؛ ثم مالنا ولهذا العلج داروين أبعده الله! أقرئنا شيئاً من أصول الآداب وجوامع الأخلاق ورياضة النفوس، فالأرواح معتلّة، والقلوب صدئة، والأذهان في كل واد قاحل هائمة، وهذا فنّك الذي افتنّ فيك الناس بسببه، وجئت إليك مستدبراً مِئيناً من حذّاق المعرفة، المحرّرين لغيره من العلوم، فما هي من مبتغايَ، ولا أولئك الكرام البررة لي بغرض.
فقال لي من فوره دون تفكير أو تلكؤ: استعملِ البخل ما عشت، وإيّاك! إيّاك والكرم ما حييت!
(هذه المرّة همهمتُ بصوت خفيض: بدأ الشيخ يخمبق؛ الله يستر!)
قلت: يا شيخي الملهم وقرّة عيني؛ أين ما كنت تعهد به إلينا من السخاء والجود ومن اصطناع المعروف وبذل الندى وطلاقة الوجه! وأنّا بذلك سوف نشري قلوب الناس ونستعمر أفئدتهم ونَحلّ منهم بالمكان الأرحب في نفوسهم الطيبة.
قال: ذاك زمان مضى وعهد ولى، حين كان متر الأرض بمئة ريال، وإيجار الشقة بخمسة عشر ألف، والمهر عشرة آلاف، والكامري الجراندي بخمسين ألفاً، والنعيمي بستمائة ريال، و”ساهر” في علم الغيب وخبر كان ولم يكن إذّاك شيئاً مذكوراً.
(إيييه يا شيخ شكلك حديث عهد بفيلم مونوبولي! والله قلّبت علينا المواجع ونكأت جراحاً نازفة!)
استرسل شيخي قائلاً: أمّا الآن وفي هذا الزمان ومع التضخّم العالمي والكساد الذي يصيب دول اليورو وبقيّة العالم وارتفاع أسعار الذهب واشتعال أسعار العقارات فلا! أتريدُ أن تكون أكرم من ربّك! ألم يحرمْهم سبحانهُ بمحض عدله فجرتْ مقاديره بذلك! أفتُجاودُ ربّك سبحانه! إنك بحاجة إلى تجديد دينك وإيمانك يا أبا حمّاد!
ثمَّ هل رأيت حُرّاً يحفظ الود في هذا الزمان؟! ويصون عهد الوفاء! ويرعى الذمام!
قلت: يا شيخي والله إنَّ النّاس لن ترحمني ولن تُغضي عنّي هجاءهم المستديم، وستبقى سيرة الذم جارية في عمود نسبي المتصل إلى قيام الساعة!
قال منفعلاً ونِثار ريقه قد انبجس من جوانب فمّه، وتقوّست حاجباه، واتسع منخراه: خلّك من الهياط يا أبا حمّاد! بلا عمود حسب بلا شجرة نسب! الله أكبر يا شجرة عود لاوسي تشيل مائة كيلو بخور من النوع الفاخر! تراها شجرة مصوّرة بريالين من مراكز خدمة الطالب!
(طأطأتُ برأسي والعرق يتصبّب مني، وقلتُ: جبت الكلام لنفسي ولكل الشعب البلوشي الكريم؛ أستاهل! لكن امسحوها بوجهي هالمرة تكفون، لأن الشيخ بصراحة يمون!)
واصل الشيخ قائلاً: إنّ ما أوصيك به لهو خير لك، ماذا يضيرُك إن نشروا ذمّك وشتموك وبلغوا بذلك عنان السماء وأقاصي الأرض! على أن يسلم لك مالك وتبقى دراهمك مدخرة لديك، وتدركك العافية بشمّ عبيرها الأخّاذ، فهو خير من أن يتداولوا مدحك ويّذيعوا مناقبك، ثم يطير منك المال في لحظات من تجلّي الكرم التعيسة، لتعود على مبتدأ الأمر خلو اليدين فلا مال ولا ثناء ولا هم يحزنون.
قلت له: فمن جاءني مضطراً في حاجة وفاقة! ماذا أصنع به، وهل يجمل بي ردّهُ وهو في ضيق وكرب! إنّي إذن لمن الضالّين! تالله لأغلبنَ إبليس حينها في اللؤم والبخل ورداءة الطبع! تكفى يا شيخ بطيحان دبّرني!
قال: لا تُعطه شيئاً على سبيل الهبة والمعروف! بل أقرضهُ وسلّفهُ، وإن أنت أقرضت رجلاً مالاً فلا تقرضه حتى تجعله يقبّل رأسك ويديك.
قلت: وش دعوى عاد! أستغفر اللهَ يا شيخ، والله ما هقيتها منك وأنت أبو الإنسانية وروح النقاء ورمز المرجلة! هل من سجايا الكرام وأخلاق أهل الإيمان أن أهين من جاءني في حاجة طالباً أو في كربة مُضطراً!
قال لي: افعلْ ما آمرُك به مسلّماً لرأيي منقاداً إليه، فإنّكَ إن جئتهُ لسداد الدين الذي عليه، فستقبّل رجليه، وترجوه رجاء الذليل المنكسر حتى يعيد إليك مالك؛ فلتنلْ منهُ مالك وتقبيلاً موزّعاً على جسدك الشريف، قبل أن يفوز منك بالمال ويبتزّك بالقُبَل، فترجع أنت صاغراً بالمال وسوء الحال، هذا إن أعطاكه ولم يماطلك.
قلت: الله يخلّي المحاكم! والذي جمّلك بالحكمة، ورزقك الدهاء، وعلّمك الحيلة، وحسّن ألفاظك، وكساك عقلاً وافراً، وآتاك ذكاءً متوقّداً لأقعدن له بكل صراط وسبيل، ولأغدون به إلى المحاكم وأروح، ولأجعلنه عبرة لكل معتبر، وعِظة وآية ومُزدجراً، ولأنكلنّ به وأفعلنّ وأفعلنّ، ولن تمضي أيام معدودة إلا ومالي في رصيدي، وللمماطل الخزي والعار وسوء المنقلب، وعليه أجرة المحامي ينقدها نقداً.
قهقه شيخي بضحكة مدويّة بدّدتْ تخاشعي بين يديه وخضوعي لمعارفه وأحكامه، ثم قال: عادك إلا صغير يا ولدي! يا حليلك حليلاه والله، أجل تبي تمرمطه بالمحكمة.
(أتبع قهقهته بأخرى مدمدمة أشد من الأولى وأنا أتميّز من الغيظ الدفين!)
قال: يقولون في الحجاز: مُص حُمَر! هذا وجهي لو أخذت منه ريالاً واحداً إن رفعت الموضوع للمحكمة وقاضيته إليهم.
قلتُ : ثمّ ماذا! (رغبتُ في تصريف الموضوع؛ لا يخش بنا في الغويط ويستلم المحاكم، والحديث في المحاكم من نوع: حرّك تبلش! فالسلامة السلامة!)
قال: أسئ الظنَّ بالنّاس ففيه النجاة، وحُسن الظن بالنّاس سذاجة مفرطة، فالسِّمَنُ أغلبهُ ورم وهرمونات وكروش موجوعة بالفاست فود، والجيف النتنة دائماً تطفو وتعلو، والجواهر والكنوز تسفل وتدنو، وإياك والقناعة فإنّها حجّة الكسول وبُغيةُ الخمول وغاية المكدود ووصايا الأجداد الغابرين المطفّرين، واحذرْ من السكوت ولو كان من ذهب، فما وراء السكوت إلا الموت والذّلّة، وكنْ مهذاراً في استخراج حقّك وقِحاً في أخذ مُستحقك، سفيهاً دون النيل من عرضك بخيلاً دون انتهاب مالك، بليداً متراخياً في الشراء ذكيّاً مبادراً في البيع، كريماً على خِزانتك بخيلاً على جيبك، متأنّياً في الصرف مستعجلاً في الأخذ.
قلت: فما هو أفضل علم يورث ويورّث بعد علم الديانة وضبْط الفرائض والإلمام بجملة من علوم الآلة العاصمة للذهن من الخطأ والاستنباط من الأغاليط؟!
قال: علم الدهاء والمكر وحسن الاحتيال في غير حرام ولا إثم!
قلت: وهل يُطلب في مجالس العلماء، ويُستخرج من بطون الكتب؟!
قال: بل تعرفه بكثرة ملازمة المال ومناغاته والتلذّذ بعدّ نقده وفكّ مغّاطه وإعادة تركيبه، والبعد عن الزوج والأهل والعيال وطلباتهم المتوالية، وطول الجوع وقلة الهجوع، ومزاملة الجشع وملازمة الطمع، والصبرِ على نفاق النّاس وكثرة تملقهم وعدم الخضوع لهم، والانتباه لخبيث احتيالهم.
قلت: إذاً – والله – هجرني الناس! ولازمني القلق والشك والوسواس! وسرَتِ المسبّةُ في عيالي من بعدُ!
قال: وما عليك إذ شُتمت ووقعوا فيك! كم نبيّاً كريماً ورسولاً عظيماً ناله ذلك؟! أليس مالُك حاضراً! ودهاؤك واحتيالك وافراً! الحيلة والمكْرُ صنعتان في الذهن تقيانك الفقر ما امتدت حياتك!
ثمَّ استرخى الشيخُ واتكأ على جانبه وقد تنفّس بعمق، وابتسم ابتسامة الواثق كأنّما يقرأ من لوح مستقبله المحفوظ! وأدركته تجلّيات من نوع خاص، فانتشى مفتتحاً حديثاً بمسار آخر مباين لما مضى ومنافر له؛ قائلاً:
إيّاكَ يا أبا حمّاد وحيَل الأزواج وإن كنّ متبعّلات فاضلات، حتى لو جملنَ وبلغن الغاية في الخِلقة والبهاء، فإنّهنّ داء مُستطير ولو كرمْنَ، ولا تُطعْ منهنّ أحداً، ولو كنَّ في ديانة عائشةَ وحُسن الزبّاء ومُلك بلقيسَ ودهاء شجرة الدُّرِّ وشُهرة كيم (خرّبها الشيخ عفا الله عنه؛ أجل كيم!)، فهنَّ إلى المال أسرع من دبيب النمل إلى حبة السكر، وفي الإفساد أسرع من أعرابيّ دُعيَ إلى طعام، وفي الشكوى أبلغ من قُس بن ساعدة والجاحظ وأبي حيّان التوحيدي وسائر بُلغاء العرب والعجم والعلوج، وفي الجحود أشدُّ من أبي مرّة.
عاملهن بصلف! ردّ عليهنَّ بعنجهيّة! أشحْ بوجهك عنهنَّ! قابلهنَّ بالتجهّم شامخاً بأنفك ثانياً لعِطْفك! إن نادوك فلا تُجبهن إلا بعد مطال وإعراض! إياك واللين في الخطاب معهنَّ! أمسك عنهنّ المال! الهيبة الهيبة فإياك والتبسّط إليهنّ! لا تخفض لهنّ جناح التودد! انبذ إليهنّ على سواء!
قال كلاماً كثيراً كثيراً؛ كأنّما يمتح من بئرٍ لا قرارَ لها ولا قاع، من كثرة ما نزف فمه بالحديث المتوالي، الغليظ القسمات؛ حفظت بعضه ونسيتُ بعضاً وأعرضتُ عن كثيرٍ منه لقسوته الشديدة!
وبينما الشيخُ في حديثه يهدر كالسيل، ويهتزُّ كأوراق الخريف المتساقطة، ويشق طريقه كالمرسيدس البانوراما في انسيابية وثبات، إذ سمع خشخشة نعل زوجه: أمِّ سميحان، ونحنحتها الخشنة المشوبة بطبقات البلغم الحبيس في صدرها الهرِم، تتوكأ على عصا المكنسة الغليظة كسواحر أفلام كرتون، فما إن علا صوتها بالنداء عليه بنبرة حادّة تتقرّى فيها زئير لبوة حانقة، حتى اضطرب وارتجف، وابتدر الجدار بوجهه، وعكف يدعو ربّه النجاة والسلامة، ثم مسح عن وجهه أثر النصيحة والحجج الفصيحة، وقام إلى زوجه يرتعد ويخطو خطو المرعوب وهو يتعوّذُ بالله من شرّها ويسأله النجاة والسلامة والمعافاة! وهو بين هذا وذلك يناديها بأرق الأسماء وألطف العبارات ويبالغ في التودّد والتدليل!
أمّا أنا فقد قمت أجرُّ ردائي متعثراً به تارة وراكضاً أخرى، نافذاً بجلدي ومستنقذاً لنفسي من وقْع الغضبة المضريّة لسيّدتنا الكريمة أم بطيحان متّعها الله بالصحة والعافية!
وإلى مسردٍ آخر من مجالس شيخنا العامرة!

2011

اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.