مقالات كمال المرزوقي

تقييم العلماء

تقييم العلماء:
ـــــــــــــــــــــ

“فلان أعلم من فلان”
اسمع يا صديقي الحَكَم!
قبل أن تنْصِبَ نفسك ميزانا ترفع وتخفض وتقضي بالأعلميّة لهذا وعدمها أو نقصانها لذاك،اعلم أنّ المسألة تحتاج – بعد تجرّدٍ للحقّ ثقيلٍ على هوى النّفس عند الزّهّاد، ووقوفٍ بمشهد مراقبةٍ في هجير الغفلة أعيى العبّاد – إلى علمٍ دقيق ومعرفة واسعة وتتبّع كافٍ، لو أنصفت من نفسك علمتَ أنّك منه براء، وأنّ ما تلوكه بلسانك مدحا وذمّا محض افتراء، وأنّ أغلب قضاياك الّتي قضيت بها في أضيق من بياض الميم وأسرع من عدو الظّليم عين الاجتراء.
فتقويم العالم يكون بالنّظر لمنهجه بعد تتبّعه على هذا النّحو الّذي ما أُراه بلغ إليه فهمك، ولا أدركه علمك:
1- ينظر في الأدلّة الّتي يُعملها ويُهملها ابتداء لئلّا تحاكمه غصبًا لما هو فيه لك منازع، فتكون مستدلّا بمحلّ نزاع.
2- ثمّ ينظر في منهجه العامّ في الاستقراء والتّحليل والتّركيب والتّفكيك والوصف والاعتراض والرّدّ والتّفريق والتّمييز والحدّ والاصطلاح ونحوها …
3- ثمّ ينظر لصفة إعماله لهذه من جهة التّرتيب والعرض والتّنظيم والتّحقيق والتّدقيق والوضوح ومتانة الاحتجاج في محلّه برهانيّا كان أو خطابيّا وأسلوبه في الصّياغة وصدقه في النّقل وعدله مع المخالف …
4- ثمّ ينظر في نهجه في الاستدلال المخصوص:
أ- بالوحيين: في طريق سوقه للنّصوص وتمييزه لما بين المرويّ بالمعنى والمرويّ بلفظه، وتتبّعه للألفاظ ما أثّر منها في الحكم، واعتماده في المصادر، وطريق تعامله مع الأسانيد وحكمه على الأحاديث صحّة وضعفا، ومسلك احتجاجه بالضّعيف ( هل بطريقة المحدّثين أو الأصوليّين أو الفقهاء؟)، وطريقة نقله وترجيحه في التّفسير، وطريقة تعامله مع شروحات الحديث، وطريقة إعماله للقواعد الأصوليّة وأخصّها ما تعلّق بالألفاظ، ثمّ المقاصد الكلّيّة …
ب- الإجماع: نهجه فيه من مفهومه عنده إلى مصادره في الاستمداد إلى عبارته في حكايته وحتّى اختياره في ذكر مستنده ونوعه وقوّته وحجّيّة الحجّيّ منه …
ج- نهجه فيما بقي من الخلافيّ من الأدلّة: وينبغي أن ينظر في كلّ واحد منها فيما يخصّه من مفهومه ومواطن العمل به ومراتبه وقيوده وضوابطه والتّرجيح بينه وبين غيره من الأدلّة قوّة وضعفا وذكر قرائن التّرجيح …
د- نهجه في درء التّعارض: بترتيب الجمع والتّرجيح والنّسخ عنده
(…)
فإن استممت هذا، ثمّ عرفت متى يصحّ لك الحكم بالخطأ، ثمّ كيف توازن خطأ هذا بخطأ غيره، وليس ثَمَّ من لا يخطئ، وعرفت معايير تقييم الأخطاء في نفسها كبيرها وصغيرها ثمّ عرفت كثرتها عند المخطئ وقلّتها، فقل حينئذ بعلم وعدل، إن تعيّن عليك وجوبا وإن لم يتعيّن ندبا، وليلزمك ورع من وقف على حفرة النّار الّتي وقف عليها الحكّام ونقدة الرّجال. 
وقد يقول فاهم هذا نقد الأصوليّ، وأصاب، فإنّما ذكرناه تمثيلا، وعلى مثله يقاس، والباب باب تحذير، فراعه!
وأمّا ديباجة من غثّ قول لا يسمن وارتماء في بحر لجّيّ ما كلّفك الله به، تقيم به نفسك حكما على نخالة أهل العلم، خلّ عنك كبارهم وأعلامهم وفحولهم، فأنت بنفسك أبصر، فقد قرّعتك حتّى زهدتُ في لومك، وأيقنتُ أنّك – إلّا أن يشاء ربّي شيئا – لا ينصلح حالك، وها أنت قد أقمتُ لك ما تحاكم له نفسك كما حاكمت الجماعة، فخذه بلا منّةٍ وليس مثلك من يحفظها، وعُدْ للقديم الّذي لا ينقضه شيء، فهو الخير كلّ الخير.
ربّ يسّر وأعن!
اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.