مقالات كمال المرزوقي

عربي أنا : حديث في السمنة والنحافة

عربيّ أنا :
ــــــــــــــ

هناك جنوح عجيب أراه في أذواق الشّباب هذه الأيّام للمعاير الغربيّة في القدود: ( السّكيني ) خفيفة اللّحم في النّساء.
وهو ما يكلّفهنّ أنواعا من الحمية بعضها قاتل لإرضاء هذه الأذواق العجيبة في نظري!

ووصل الأمر إلى حدود أعجب من العجب، أنّ بعض طلّأب العلم بلغني أنّه طلّق لأجل زيادة 6 كلغ في وزنها! – ولا داعي للتّذاكي في هذه الجزئيّة –

وأمّا العرب فما كانوا يستملحون هذا في النّساء بل يعيبونه أغلبُهم، ولربّما مدحوا الهيفاء لكنّه ليس الغالب فيهم، وما كانوا يستجيدون السّمن في الرّجال بل يكرهونه.
وما كانوا يكرهون الشّحم إلّا إذا صار مفرطًا، وهذا مزاج معتدل لا غرابة فيه.
ففي الصّحيحين من حديث أمّ زرع قالت: ” بنت أبي زرع وما بنت أبي زرع ملء كسائها وغيظ جارتها ” تشير إلى امتلائها بالشّحم، فكنّت عنه بكونها ملء كسائها
وإلى هذا أشار الأعشى في قوله: صفر الوشاح وملء الدّرع بهكنة
وحين وصفت ابن أبي زرع قالت ” مضجعه كمسلّ شطبة، ويشبعه ذراع الجفرة ” تشير لنحافة قدّه حتّى إنّ مسلّ الشّطبة وهي ورقة الجريد تكفيه فراشا، ويشبعه ذراع الشّاة لقلّة أكله.
وما ذلك إلّا أنّهم يطلبون في الرّجال خفّة الحركة لأجل أن يقووا على سرعة النّجدة والحركة، وقوّة النّهضة في القتال، مع ما يعيبونه في السّمن من توريثه بلادة الذّهن في الأغلب، حتّى قال الشّافعيّ: ” ما رأيت سمينا عاقلا قطّ، إلّا محمّد بن الحسن الشّيباني “

وممّا كانوا يصفون به المرأة مدحًا قولهم هي أناة، أي ثقيلة الخطو في مشيتها، وهي صفة المرأة الثّقيلة النّاعمة، ولا تكون كذلك إلّا إذا حملت الشّحم.
وهكذا مدحوا ثقل الأرداف في النّساء وذمّوه في الرّجال.
وقيل لامرىء القيس بن حجر: ما أطيب عيش الدّنيا؟ 
قال: بيضاء رعبوبة، بالشّحم مكروبة، بالمسك مشبوبة. 
وقال بعض أهل اللّغة: السّمينة هي الجميلة، لأنّ الجميلة مشتقّة من الجميل وهو الشّحم!
وبعضهم: يقصد بالبيضاء السّمينة أيضا.
وقال بعضهم يهجو جارية له هزيلة شرهة:
من كان ذا جارية بضّة *** ولحمها عار من الشّحم
فهذه يا إخوتي فاعجبوا *** جاريتي عظم بلا لحم
عظم بلا لحم ولكنّها *** مولعة بالمضغ للّحم
وعن الشّعبي قال: حلي الرّجال العربيّة، وحلي النّساء الشّحم.
وقال بعضهم يتغزّل:
وحالية بالحسن والجيد عاطل *** ومكحولة العينين لم تكتحل قطّ
على رأسها من قرنها الجعد وفرة *** وفي خدّها من صدغها شاهد سبط
وقد أدمجت بالشّحم حتّى كأنّما *** ملاءتها من فرط ما اندمجت قمط

وقال آخر:
ومخملة باللّحم من دون ثوبها *** تطول القصار والطّوال تطولها
كأنّ دمقسا أو فروع غمامة *** على متنها حيث استقرّ جديلها

وممّا يستحسن في المرأة طول الشعر في الرّأس، ودقّة العظم، وصغر القدم، ونعومة الجسد، وقلّة شعر البدن، في أمور أخرى يطول ذكرها، غير أنّنا ههنا عنينا بالشّحم دون غيره.
وعمومًا كلّ خلق الله حسن، ومن كان عارفًا، وجد الملاحة في كلٍّ، لكنّ عين السّخط تبدي المساوي.
ربّ يسّر وأعن!
اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.