مقالات كمال المرزوقي

مشكلة معياريّة – كمال المرزوقي

مشكلة معياريّة – كمال المرزوقي

مشكلة معياريّة:

بمناسبة المعارض وأحيانا بلا مناسبة تتناثر النّصائح بكتب معيّنة، روايات غالبا وفكريّة بقدر أقلّ، من غير محترفي القراءة.

وعامّة يكون النّصح بكتب “مؤثّرة “، أو ” أكثر تأثيرا “! 

والسّؤال الأوّليّ المفترض هو : ما المقصود بالتّأثير ؟

هل هو الانفعال الوجداني أم الإضافة الفكريّة أم كلاهما ؟

إن كان هو الانفعال الوجدانيّ فهل هناك معيار ثابت أم المعتبر تأثيره في نفس قارئه لوحده ؟

فإن كان معيارا ثابتا – وهو موجود مغيّب – فما هو ليسير الجميع عليه ؟

وإن كان باعتبار قارئه فما فائدته، وهو لن يخرج عن كونه تقييما انطباعيّا كمذهب الـ: (Impressionist) منهج الطّائفة الإحساسيّة، وهو منهج قائم على رسم أثر الكتاب في نفس قارئه ووقعه في ذوقه ثمّ لا يبالي بعده بمقياس معلوم يمكن القياس عليه والاحتكام في المسائل المتشابهة إليه.

وإن كان الإضافة الفكريّة، فهذا أمر نسبيّ جدّا وينبغي عليه أن يكون كلّ كتاب مؤثّرا، إذ ليس كتاب إلّا وهو يضيف لك معلوما إمّا سلبا أو إيجابا، فإن قسنا التّأثير كمّيّا فقد يكون التّأثير السّلبيّ أكبر فيجوز حينئذ أن يذكر المشارك كتبا هي الأكثر مللا أو قرفا عند قراءتها.

فيمكنني مثلا ذكر روايتيْ: (في قلبي أنثى عبريّة) و (الرّجل ذو اللّحية السّوداء) كأشدّ “روايتين” ملَلًا وسخفا وضعفا في كلّ جانب، ابتداء من الشّخصيّات أحاديّة البعد كأبطال الكارتون إلى الأسلوب والحبكة إلى تقنية السّرد إلى المعجم اللّسانيّ المستعمل، إلى ما شاء الله… حتّى إنّ اسم الرّواية في نظري مجازفة في حقّ هذين الحكايتين. 

ويمكنني مثلًا على الضّدّ من هذا ذكر روايتي (أوقات عصيبة) و (ديفيد كوبرفيلد) كأعقد قصّتين مليئتين بالأسماء على نحو كأنّ المقصود منه البرهنة على ضمور ذاكرة القارئ، وتأثير هذا كان بالنّسبة لي فاحشا .

ويمكنني ذكر كتاب (كاماسوترا) وتأثيره مؤكّد ومفهوم !

ويمكنني ذكر رواية : ( Cette aveuglante absence de lumière ) رواية أدب السّجون الكئيبة وهي من قراءاتي الحديثة والّتي كاد يصيبني القيئ في بعض أجزائها لقوّة الإيحاء العنيفة.

وهكذا …

وإن كان المقصد فقط التّأثير الإيجابيّ فهذا تدخله نسبيّة فاحشة فما أفاد (الأزرق) – كما يقول الفرنسيّون – قد يكون من ضمنه قصّة جحا والمسمار، وقد تكون الفائدة هنا أكبر بمراحل من إفادته من كتاب الأشباه والنّظائر للسّيوطيّ في مرحلة أخرى مثلا، ولذلك فإنّي أرى أنّ المقروء في الطّفولة لا يمكن لأيّ كتابة أن تتجاوز تأثيرها فيما بعدها من المراحل العمريّة ، وذلك أنّ القدرة على الانبهار مثلها مثل كلّ قوانا تشيب معنا إلى أن تهرم .

وقصّة أمّي سيسي مثلا كانت من ضمن القصص التّأسيسيّة هي وقصّة عمر المختار ، في حياتي كلّها .

وما استفدته من أخبار الحمقى والمغفّلين لابن الجوزي بقراءتي المبكّرة جدّا له ، حتّى إنّي أحفظ الكتاب كلّه تقريبا منذ سنّ العاشرة دون قصد، أفادني جدّا فيما بعد عند اكتشافي للأهمّيّة الملحّة لمعرفة الحمق لاكتساب العقل .

وهكذا …

وإن كان كلاهما فالأمر سيكون مركّبا من المشكلتين، مع إضافة إشكال جديد مساو للمفاضلة بين الارتواء بعد العطش والشّبع بعد الجوع، فالفكريّات والوجدانيّات كلاهما حاجة، فكيف يمكن المفاضلة بينهما حتّى يمكن بعد ذلك المفاضلة بين رواية وكتاب تحليليّ أو نقديّ مثلا ؟!

ثمّ بعد هذا، هناك في هذا الموضوع قضيّة مهمّة وهي عدم قدرة غالب النّاس على التّقييم الخارجيّ، بل عامّة تقييماتهم ستكون راجعة لنرجسيّة عالية لا يلقون لها بالا ولا ينتبهون إليها، فهم يقيّمون نفسيّاتهم لا ما يقرؤون، وأنت ما تكاد تظفر إلّا بمن هو إذا وصف رواية بأنّها جيّدة مثلا فهو يصف مقدار ما وجد من نفسه فيها، فهو لا يحبّها إلّا إذا حرّكت عقله أو علّمته جديدا أو أنهكته فكريّا ووجدانيّا، وهؤلاء لا يصفون موجودا في الخارج بقدر ما يصفون وجودا داخليّا ذهنيّا .

ولأجل هذا نجد فوق مستوى الكتابات المبتذلة الّتي تباع على الأرصفة ، كتابات أولئك الّذين يعتبرون أقصى نجاح يمكن تحقيقه هو الوصول بالقارئ لمرحلةالاقتناع أنّ الكاتب أكثر دراية به منه، وأكثر دراية بنفسه من قارئه، وأن ينجح في جعله غير محايد تجاه ما يقرأ حين يوجعه به ويفجعه من حقيقته حين يقرؤها ويفصّل له تضاريسه على الورق.

فشعوره بالتّفاعل قائم على الإسقاطات المهولة بشكل جزئيّ على ذاته الحقيقيّة ، وبقدر ما تزيد ملامسته له على هذا النّحو بقدر ما يعتبره أكثر نجاحا .. 

((((( فالمحصّلة قارئ كسول جدّا يعشق أن يجد من يقول له ما يريد هو قوله بطريقة فنّيّة وأدبيّة يعجز عنها ويرضاها لا غير ! )))))

وعامّة الأدب النّسوي كالّذي تكتبه السّمّان ومستغانمي والنّشمي ونظائرهنّ هو على هذه الشّاكلة، ولذلك يشعر بعض أولئك الّذين يكتبون لأنفسهم خارج المطلوب العامّ للقطيع بأنانية مفزعة، إلى جانب الشّعور الأزليّ الأكيد للخفّة الّتي يعين عليها الجيب الخالي والمعدة الجائعة الّتي هي لازم انخفاض إيرادات التّوزيع !

(…)

ربّ يسّر وأعن!

03/2015

اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.