مقالات كمال المرزوقي

أنقدٌ هو أم نَساء؟!

أنقدٌ هو أم نَساء؟!
ــــــــــــــــــــــــــــ

لا توجد فكرة لا يمكنك أن تدعم بها نظريّة المؤامرة، وحتّى هذه النّظرّية نفسها يمكن بأقلّ جهد ممكن ادّعاء كونها مؤامرة!
::::::::::::::::::::::::::::::::: أوّلًا :::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
أولويّا: مضمون النّقد وقوّته ووثاقته ومتانة الاستدلال فيه والاستخراج لمحزّ الاعتراض وتحريره، أسبق وأهمّ من كيفيّته .
فإذا تزاحم الإخلال بأدب النّقد مع متانة موضوعه احتمل الأوّل للثّاني، وإذا تزاحم مراعاة الأدب مع هشاشة النّقد ووقوعه في الانطباعيّة والتّسطيح المفاهيميّ والانتهاض لمجرّد الاعتراض أهدر الأوّل بالثّاني .
لكنّ عامّة ما ههنا نراه من “نقد” – إن ثبت له الاسم أصلا – منافر للأدب بكلّيته ولا موضوع له أصلا، أو له موضوع لكنّ الكلام فيه تهويل ودفع بالصّدر ومصادرة ومزايدة على الوفاقيّ انتحالا .
فانتفى بحمد الله التّزاحم رأسا !
نعم لم يبق للنّقد أيضا أثر ، لكن من يهتمّ !.. المهمّ أن نقول شيئا ولا نبقى غافلين أو ساكتين لا نقدّم شيئا للأمّة .. حتّى ولو كان “شغتا” من ورك أتان أكتع !

::::::::::::::::::::::::::::::::: ثانيًا ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
طرح فكرة النّقد نفسها للنّقد مهمّ جدّا، فينبغي التّخلّي عن الإغراق في المثاليّة، والتّعاملُ مع الأخذ بعين الاعتبار طبيعة النّفس البشريّة الّتي لا بدّ أن يكون من آثارها في حال الاختلاف بعض التّنازع والظّلم والتّجاوز في العبارة وإيثار حظّ النّفس والجهل المضادّ للحلم وبعض المضادّ للعلم ما لم يتفاحش.
وليكن الهمّ حينئذ تقليل ذلك الشّرّ وتلكم الأخطاء ، لا ردّ كلّ نقد حتّى يكون مثاليّا ، فإنّ النّقد نفسه خاضع للنّقد!
أمّا التّسليم بأنّ الخلاف سنّة قدريّة مرادة كونا، ثمّ يرام أن يكون النّاس جميعا ملتزمين بكلّ آداب الخلاف في صورتها العليا المثاليّة خوفا من النّزاع والتّفرّق، فهذا بعيد جدّا ومتعذّر .
ومجرّد تصوّر النّقد حالة منزّهة عن كلّ شائبة = أمرٌ قد يؤدّي إلى إيقاف العجلة النّقديّة بكلّيّتها ، أو المداهنة، أو استفحال الأمر المرغوب عنه بهذا الفعل أكثر ، حيث ينتقل الصّراع إلى تطويل الطّريق بالجدل حول مفهوم النّقد نفسه وموضوعه وأهمّيّته.
وقد كان من المفترض أن لا يدخل بوّابته أساسا إلاّ مسلِّم بهذه المقدّمات!
::::::::::::::::::::::::::::::::: ثالثًا :::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
ثقافة النّقد واعتماده أسلوب حياة أمر غائب عن مجتمعنا تماما، فالنّقد عندنا هو أعلى صور العداء وأصرحها واقعيّا، مع اعتراف الجميع نظريّا بأنّ أولى خطوات الإصلاح هي تطبيع النّقد سلوكا .
والنّقد في شرعنا هو الجزء الأوسط من شعيرة هي أظهر الشعائر = الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، من حيث هو جزء : ” فإن لم يستطع فبلسانه” .
وردّ الفعل العاطفيّة تجاه النّقد تحتاج منّا وقفة سويّة ههنا سأجملها لك في نقاط ، فتحسّسها:
1- النّقد يفيد في المعرفة الحقيقيّة بالنّفس (بالذّات) ، واستشراف المستقبل والخطوات الفاعلة نحوه بوضع الاستراتيجيّة الصّحيحة الشّاملة لتلافي الأخطاء، فلذلك كان هو أسرع طرق تطوير النّفس (الذّات) .
هذه من مواطن الاتّفاق الّتي يردّ الاختلاف إليها حين ينشب فكن منها على ذكر .
2- “التّابو” الذّاتي هو أعظم الجدران العازلة للاستفادة من النّقد الموضوعيّ الحقيقيّ الّذي يساعد على الارتقاء.
وأجلى صور هذا “التّابو” ثقافة = “نحن أبناء الله وأحبّاؤه” ، الّتي أفرزت تصديقا لمن لا ينطق عن الهوى القائل : ” لتتّبعنّ سنن من كان قبلكم ” = ” نحن الفرقة النّاجية ” ، ” نحن الطّائفة المنصورة ” ، ” نحن أهل السّنّة والجماعة ” … الخ (1)
فهذه الدّعاوى إن كان ماصدقها هو الدّعوى المجرّدة ، فنحن ندّعيها ونقول: نحن الطّائفة المنصورة والفرقة النّاجية ….
وإن كان ماصدقها الحجج العلميّة ، فهو المطلوب ، وبه بطل “التّابو” الذّاتي، إذ إنّ الكلام بالحجج العلميّة قاض بأن تكون مائدة البحث : “وإنّا أو إيّاكم لعلى هدى أو في ضلال مبين” ، فبطلت عصمتكم العمليّة الّتي تنكرونها نظريّا .
ولا يصحّ هنا حتّى الاعتراض بكوننا “خير أمّة أخرجت للنّاس” في الجملة، فإنّنا إنّما صرنا كذلك ولم نلعن كما لعن بنو إسرائيل بعد أن كانوا حقّا “شعب الله المختار ” إلاّ بالتّناهي عن المنكر، وتعطيل النّقد تعطيل لسبب الخيريّة.
فمنع النّقد بحجّة خيريّتنا وضع للعربة أمام الحصان، إذ هو منع لسبب الخيريّة الرّئيس نفسه!
3- لم يخلق الله تبارك وتعالى في الإنسان شيئا عبثا، وكره النّقد والنّفور منه فطرة جبلنا عليها، لولاها لما كان للنّقد أصلا قيمة، إذ البقاء على الخطأ لا حرج فيه طالما استوى المدح والذّمّ في النّفس، فتأمّل !
لكنّ ردّة الفعل العاطفيّة هذه برغم ذلك إذا صارت مانعا من قبول النّقد صارت مهدرة تماما، ولأجل ذلك فإنّ أقوى حجج العاطفيّين في هذا الباب هو دفع النّقد بحجّة أنّ الوقت وقت معركة ولا ينبغي الكلام عن الأخطاء في هذا الظّرف = حجّة باطلة شرعا وعقلا!
فأمّا شرعا فإنّ التّنبيه على أخطاء غزوة أحد تلت الغزوة مباشرة، والجرح مفتوح، وقتلى المسلمين السبعون لم يجفّ ثراهم، وشماتة العدوّ الظّاهرة كفّارا ومنافقين حاضرة، وما منع ذلك أن ينزل قرآن من فوق سبع سماوات تسير به الرّكبان وتتسامع به العرب وتتحفّظه : ” أولمّا أصابتكم مّصيبة قد أصبتم مّثليها قلتم أنّى هذا قل هو من عند أنفسكم ” .
وكان عاقبة ذلك أن صبّح المسلمون من الغد قريشا في حمراء الأسد فأظفرهم الله عليهم، لمّا تعلّموا الدّرس وفقهوا عاقبة خطأ المخالفة!
ومع ذلك لم تهدر العاطفة فقد جاءت الآيات المصبّرة والمثبّتة للمؤمنين، لكن لم يكن فيها شيء من العنتريّات الجوفاء أو التغاضي عن الأخطاء، فضلا عن تصيير الأخطاء صوابا.
وأمّا عقلا، فإنّ تلافي الأخطاء وقت المعركة فتح لاحتمال النّصر، وأمّا التّمادي في الخطأ الّذي هو لازم عدم الاعتراف به أصلا لإرجاء النّقد إلى ما بعد المعركة، يحيله نقدا تاريخيّا غير مؤثّر في الحاضر ولا المستقبل القريب الدّاخل في دائرة الاستشراف .
4- عدم التّمييز بين النّقد الأيديولوجيّ والنّقد المعرفيّ أثمر حساسيّة عامّة من النّقد، ووطّأ أكناف الحيل الدّفاعيّة النّفسيّة ( التّنميط، التّصنيف، الهروب إلى الماضي، المزايدة على العامّ المتّفق عليه … ).
فالهروب من كلّ نقد لجهاديّ مثلا يكون باتّهام الخصم بالإرجاء، والهروب من النّقد للنّهضاويّ يكون باتّهام الخصم بالفقر المعرفيّ بالسّياسة، والهروب من النّقد للمدخليّ يكون باتّهام الخصم بكره السّنّة، والهروب من النّقد للتّحريريّ يكون باتّهام الخصم بكره مشروع الخلافة … وهذا كاف للضّرب صفحا عن كلّ حجّة يجيء بها، والانتقال من الحجاج للمنابزة الصّرفة!
وسبب هذا أنّ النّقد أيضا في عامّته أيديولوجيّ انطباعيّ ، ممّا أدّى إلى معارضة النّقد المعرفيّ الخافت صوته بما لا يصلح أن يعارض به إلاّ النّوع الأوّل .
::::::::::::::::::::::::::::::::: رابعًا ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
ثقافة النّقد واعتماده أسلوب حياة أمر غائب عن مجتمعنا تماما، فالنّقد عندنا هو أعلى صور العداء وأصرحها واقعيّا، مع اعتراف الجميع نظريّا بأنّ أولى خطوات الإصلاح هي تطبيع النّقد سلوكا .
والنّقد في شرعنا هو الجزء الأوسط من شعيرة هي أظهر الشعائر = الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، من حيث هو جزء : ” فإن لم يستطع فبلسانه” .
وردّ الفعل العاطفيّة تجاه النّقد تحتاج منّا وقفة سويّة ههنا سأجملها لك في نقاط ، فتحسّسها:
1- النّقد يفيد في المعرفة الحقيقيّة بالنّفس (بالذّات) ، واستشراف المستقبل والخطوات الفاعلة نحوه بوضع الاستراتيجيّة الصّحيحة الشّاملة لتلافي الأخطاء، فلذلك كان هو أسرع طرق تطوير النّفس (الذّات) .
هذه من مواطن الاتّفاق الّتي يردّ الاختلاف إليها حين ينشب فكن منها على ذكر .
2- “التّابو” الذّاتي هو أعظم الجدران العازلة للاستفادة من النّقد الموضوعيّ الحقيقيّ الّذي يساعد على الارتقاء.
وأجلى صور هذا “التّابو” ثقافة = “نحن أبناء الله وأحبّاؤه” ، الّتي أفرزت تصديقا لمن لا ينطق عن الهوى القائل : ” لتتّبعنّ سنن من كان قبلكم ” = ” نحن الفرقة النّاجية ” ، ” نحن الطّائفة المنصورة ” ، ” نحن أهل السّنّة والجماعة ” … الخ (1)
فهذه الدّعاوى إن كان ماصدقها هو الدّعوى المجرّدة ، فنحن ندّعيها ونقول: نحن الطّائفة المنصورة والفرقة النّاجية ….
وإن كان ماصدقها الحجج العلميّة ، فهو المطلوب ، وبه بطل “التّابو” الذّاتي، إذ إنّ الكلام بالحجج العلميّة قاض بأن تكون مائدة البحث : “وإنّا أو إيّاكم لعلى هدى أو في ضلال مبين” ، فبطلت عصمتكم العمليّة الّتي تنكرونها نظريّا .
ولا يصحّ هنا حتّى الاعتراض بكوننا “خير أمّة أخرجت للنّاس” في الجملة، فإنّنا إنّما صرنا كذلك ولم نلعن كما لعن بنو إسرائيل بعد أن كانوا حقّا “شعب الله المختار ” إلاّ بالتّناهي عن المنكر، وتعطيل النّقد تعطيل لسبب الخيريّة.
فمنع النّقد بحجّة خيريّتنا وضع للعربة أمام الحصان، إذ هو منع لسبب الخيريّة الرّئيس نفسه!
3- لم يخلق الله تبارك وتعالى في الإنسان شيئا عبثا، وكره النّقد والنّفور منه فطرة جبلنا عليها، لولاها لما كان للنّقد أصلا قيمة، إذ البقاء على الخطأ لا حرج فيه طالما استوى المدح والذّمّ في النّفس، فتأمّل !
لكنّ ردّة الفعل العاطفيّة هذه برغم ذلك إذا صارت مانعا من قبول النّقد صارت مهدرة تماما، ولأجل ذلك فإنّ أقوى حجج العاطفيّين في هذا الباب هو دفع النّقد بحجّة أنّ الوقت وقت معركة ولا ينبغي الكلام عن الأخطاء في هذا الظّرف = حجّة باطلة شرعا وعقلا!
فأمّا شرعا فإنّ التّنبيه على أخطاء غزوة أحد تلت الغزوة مباشرة، والجرح مفتوح، وقتلى المسلمين السبعون لم يجفّ ثراهم، وشماتة العدوّ الظّاهرة كفّارا ومنافقين حاضرة، وما منع ذلك أن ينزل قرآن من فوق سبع سماوات تسير به الرّكبان وتتسامع به العرب وتتحفّظه : ” أولمّا أصابتكم مّصيبة قد أصبتم مّثليها قلتم أنّى هذا قل هو من عند أنفسكم ” .
وكان عاقبة ذلك أن صبّح المسلمون من الغد قريشا في حمراء الأسد فأظفرهم الله عليهم، لمّا تعلّموا الدّرس وفقهوا عاقبة خطأ المخالفة!
ومع ذلك لم تهدر العاطفة فقد جاءت الآيات المصبّرة والمثبّتة للمؤمنين، لكن لم يكن فيها شيء من العنتريّات الجوفاء أو التغاضي عن الأخطاء، فضلا عن تصيير الأخطاء صوابا.
وأمّا عقلا، فإنّ تلافي الأخطاء وقت المعركة فتح لاحتمال النّصر، وأمّا التّمادي في الخطأ الّذي هو لازم عدم الاعتراف به أصلا لإرجاء النّقد إلى ما بعد المعركة، يحيله نقدا تاريخيّا غير مؤثّر في الحاضر ولا المستقبل القريب الدّاخل في دائرة الاستشراف .
4- عدم التّمييز بين النّقد الأيديولوجيّ والنّقد المعرفيّ أثمر حساسيّة عامّة من النّقد، ووطّأ أكناف الحيل الدّفاعيّة النّفسيّة ( التّنميط، التّصنيف، الهروب إلى الماضي، المزايدة على العامّ المتّفق عليه … ).
فالهروب من كلّ نقد لجهاديّ مثلا يكون باتّهام الخصم بالإرجاء، والهروب من النّقد للنّهضاويّ يكون باتّهام الخصم بالفقر المعرفيّ بالسّياسة، والهروب من النّقد للمدخليّ يكون باتّهام الخصم بكره السّنّة، والهروب من النّقد للتّحريريّ يكون باتّهام الخصم بكره مشروع الخلافة … وهذا كاف للضّرب صفحا عن كلّ حجّة يجيء بها، والانتقال من الحجاج للمنابزة الصّرفة!
وسبب هذا أنّ النّقد أيضا في عامّته أيديولوجيّ انطباعيّ ، ممّا أدّى إلى معارضة النّقد المعرفيّ الخافت صوته بما لا يصلح أن يعارض به إلاّ النّوع الأوّل .
::::::::::::::::::::::::::::::::: خامسًا :::::::::::::::::::::::::::::::::::
المؤرّخ الانجليزي (آرنولد تويمبي) ذو الباع الطّويل في دراسة الحضارات، له كتاب مهمّ جدّا عنوانه : ( التّحدّي والاستجابة ) ، تكلّم فيه عن نظريّة كنت أظنّها من بنيّات أفكاره، حتّى تبيّن لي أنّها مستلّة من نظريّة علم النّفس السّلوكي لـ : (كارل يونغ) .
وهذه النّظريّة ملخّصها – للّذين ظاهروا من القراءة وآلوا منها وطلّقوها وصارت قراءة ورقة بحثيّة عندهم نوعا من جرد المطوّلات – ملخّصها الآتي في الذّكر :
حين يتعرّض الفرد لصدمة معرفيّة يفقد توازنه لمدّة معيّنة ثمّ يستجيب إحدى استجابتين:
1- استجابة إيجابية تجعله يتقبّل الصّدمة، ويبحث عن حلول لدرء التّعارض، ويجتهد في التّغلّب عليها .
2- استجابة سلبيّة بالنّكوص ورجوع القهقرى والهروب إلى الماضي، في محاولة لاستعادة التّوازن النّفسي بعيدا عن مرارة الواقع .
فهما استجابتان سمّى الأولى استجابة انطوائيّة، والثّانية انبساطيّة .
والرّجّة العاطفيّة الّتي يحدثها النّقد العلميّ الجادّ المدعوم بالحجّة وحدها، وقوّة الدّفع الرّباعيّة للحقيقة، لا شكّ محدث صدمة خاصّة عند الجماعات الّتي تعطّلت ملكاتها الفكريّة تماما، وصارت مجرّد آلات تسجيل مردّدة ، أو ببغاءات على أحسن الأحوال تحاكي اجتهاد الإنسان في الكلام وما هو به .
ولذلك فهي تستجيب في مجموعها استجابة انطوائيّة بامتياز ، بل وتصطنع لنفسها درعا واقيا من التّصنيفات الجاهزة، للتشويش على الإرسال المخالف، وهي طريقة قديمة تطوّرت مع التكنولوجيا الحديثة 
::::::::::::::::::::::::::::::::: سادسا ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
من جملة العلوم الحديثة الأساسيّة الّتي يدرسها الإعلاميّون في كلّيّات الإعلام = علم النّفس الإدراكي أو علم النّفس المعرفي.
وهذا العلم يجيب عن السّؤال الخطير : كيف نستقبل المعلومة ؟
ومعرفة جواب هذا السّؤال من أهمّ المهمّات للمرسل للمعلومة ( الأستاذ، الإعلامي، المحامي … ).
وفي هذا العلم نظريّة مهمّة تسمّى : نظريّة التنافر المعرفي أو التّنافر الإدراكي (Cognitive Dissononce ) ، وهي نظريّة حديثة جدّا لأحد الباحثين يدعى (ليون فستنغر) نشرها سنة (1957)، وقد صارت ركنا مهمّا من أركان علم النّفس الاجتماعي.
وهي تعالج طريقة طرح المعلومة على شخص له منظومة قيم أو أخلاق معيّنة، تتنافر فيها هذه المعلومة مع منظومته القيميّة والأخلاقيّة .
وهذا التّنافر يؤدّي إلى عمليّة نفسيّة سايكولوجيّة بامتياز، يحاول فيها المتلقّي التّعامل مع المعلومة .
وأهمّ شيء فيها أنّه عند مواجهة المرء بمعلومة متنافرة مع منظومته المعرفيّة والقيميّة والأخلاقيّة، يمرّ بأطوار محدّدة:
1- الإنكار، والتّأزّم والقلق النّفسيّ، والرّفض القاطع .
2- الزّعزعة ووقوع الاحتمال في نفسه .
3- الشّكّ ، ثمّ التّرقّي فيه حتّى حصول ظنّ راجح معاكس لمنظومته الأولى .
4- حالة القبول والاقتناع التّامّ .
فالوعي بهذه المراحل ، وبكون المتلقّي يمكن أن يعزل نفسه وينقطع في المرحلة الأولى عن سماع ما يؤثّر على نفسيّته حفاظا على أمنه الدّاخليّ الّذي يشغب عليه فيه التّعارض، وبكونه يمكن أن تطول الفواصل بين هذه المراحل عنده فينبغي حينئذ معالجة كيفيّة تسريعها .
ومن أنفع شيء للدّعاة إلى الله استيعاب هذه المراحل الأربعة ومعرفة أنّ حالة الرّفض الأولى الّتي هي أوّل الاستجابات ليست دائمة، وإنّما هي صدمة معرفيّة لازمة للمرور لما بعدها، مثلها مثل ألم المخاض الّذي لا بدّ منه لدفع الرّحم للجنين !
::::::::::::::::::::::::::::::::: سابعا :::::::::::::::::::::::::::::::::::::
أكبر مقاتل طلاّب العلم تربيتهم على النّقد قبل التّحصيل الحقيقيّ المثمر، فهو فوق كونه تعويدا لكلّ أحد على الانتهاض لمجرّد الاعتراض الّذي هو من جملة الأمراض، فيه تضييع معرفيّ خطير جدّا لقيمة النّقد، وتكثير لأمثلة النّقد الخطأ الّتي يتعلّق بها الفارّون من النّقد العلميّ الصّحيح القائم بالعلم والعدل والحلم، مع الأخذ بالاعتبار أنّ غاية ما يمكن أن يصل إليه حديد الذّهن من الطّلبة الّذين لم يحصّلوا بعد الحدّ الكافي لدخول سوق النّقد، لا يبلغون أكثر من نقل النّقد، وتكراره لا فعله!
ثمّ هو مع سقوطه في نفسه – النّقد أعني – لعدم قيامه على دعائم منهجيّة صحيحة فضلا عن دعائم جزئيّة في الموضوع المنتقد، لا يرتكز على مرجعيّة أصلا يرجع إليها عند وقوع التّعارض الّذي لا بدّ كائن خاصّة في مثل هذه الحال.
فذاك حين يصير النّقد ونقده، وانتقاد المنتقد للنّقد = دورة مفضية لتسلسل تضيع فيه الأعمار، فلست ترى غير عمل واحد مثمر منتج وبقيّة الخلق جميعا نقّاد على الدّرج!
وحين نستبعد الهجاء، والذّمّ، والعتب بجهالة، والقصف المتواصل، والاعتراض الّذي يصير طبعا غالبا، وبعضا من السّبّ الّذي لا بدّ منه (ملحًا وتوابل)، لا تكاد تجد في جواب سؤال : ( ما هو الدّور الإيجابي الخادم أو المساعد في البناء الّذي تمارسه في حياتك ؟ ) شيئا مذكورا !
ثمّ أطمّ من كلّ ذلك أنّ من تكردس في هذه الحمْأة الوبيلة ما يكاد يُستنقذ بعد في مجرى العادات، وسبب ذلك أنّ نقد النّاقد – النّاقد بلا علم صحيح – قلّما ينتج شيئا، فهو مندفع بروح الاحتساب والإيمان والحماس المبالغ به فيما يراه ويحسبه الحقّ الّذي لا حقّ سواه.
وكلّ ما تفعله في نقدك أو تقدّمه له، إنّما سببه (فقط!) ضعفك وجبنك وخورك، أو غرورك وجنونك وحماسك!
هل ترانا نلتقي؟! 
::::::::::::::::::::::::::::::::: ثامنًا ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
أكبر مقاتل طلاّب العلم تربيتهم على النّقد قبل التّحصيل الحقيقيّ المثمر، فهو فوق كونه تعويدا لكلّ أحد على الانتهاض لمجرّد الاعتراض الّذي هو من جملة الأمراض، فيه تضييع معرفيّ خطير جدّا لقيمة النّقد، وتكثير لأمثلة النّقد الخطأ الّتي يتعلّق بها الفارّون من النّقد العلميّ الصّحيح القائم بالعلم والعدل والحلم، مع الأخذ بالاعتبار أنّ غاية ما يمكن أن يصل إليه حديد الذّهن من الطّلبة الّذين لم يحصّلوا بعد الحدّ الكافي لدخول سوق النّقد، لا يبلغون أكثر من نقل النّقد، وتكراره لا فعله!
ثمّ هو مع سقوطه في نفسه – النّقد أعني – لعدم قيامه على دعائم منهجيّة صحيحة فضلا عن دعائم جزئيّة في الموضوع المنتقد، لا يرتكز على مرجعيّة أصلا يرجع إليها عند وقوع التّعارض الّذي لا بدّ كائن خاصّة في مثل هذه الحال.
فذاك حين يصير النّقد ونقده، وانتقاد المنتقد للنّقد = دورة مفضية لتسلسل تضيع فيه الأعمار، فلست ترى غير عمل واحد مثمر منتج وبقيّة الخلق جميعا نقّاد على الدّرج!
وحين نستبعد الهجاء، والذّمّ، والعتب بجهالة، والقصف المتواصل، والاعتراض الّذي يصير طبعا غالبا، وبعضا من السّبّ الّذي لا بدّ منه (ملحًا وتوابل)، لا تكاد تجد في جواب سؤال : ( ما هو الدّور الإيجابي الخادم أو المساعد في البناء الّذي تمارسه في حياتك ؟ ) شيئا مذكورا !
ثمّ أطمّ من كلّ ذلك أنّ من تكردس في هذه الحمْأة الوبيلة ما يكاد يُستنقذ بعد في مجرى العادات، وسبب ذلك أنّ نقد النّاقد – النّاقد بلا علم صحيح – قلّما ينتج شيئا، فهو مندفع بروح الاحتساب والإيمان والحماس المبالغ به فيما يراه ويحسبه الحقّ الّذي لا حقّ سواه.
وكلّ ما تفعله في نقدك أو تقدّمه له، إنّما سببه (فقط!) ضعفك وجبنك وخورك، أو غرورك وجنونك وحماسك!
هل ترانا نلتقي؟! 
::::::::::::::::::::::::::::::::: تاسعًا :::::::::::::::::::::::::::::::::::::
في ظلّ تعوّد النّاس على الأسلوب التّبشيريّ وتوأمه الأسلوب الأيديولوجيّ في النّقد والخطاب، صار النّقد والخطاب الاستدلاليّ البرهانيّ مستهجنا .
ووقع أن تحوّلت المدرسة المعاصرة المجدّدة لفقه الاستدلال إلى مدرسة قائمة على الأذواق والمواجيد والإقناع الخطابيّ بلا خلفيّة برهانيّة!
::::::::::::::::::::::::::::: عاشرًا ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
لا توجد فكرة لا يمكنك أن تدعم بها نظريّة المؤامرة، وحتّى هذه النّظرّية نفسها يمكن بأقلّ جهد ممكن ادّعاء كونها مؤامرة!
وأسهل وأقدم وسائل الدّفاع أمام النّقد المدعوم بالحجج تسميم اليئر ولعن المصدر الأصليّ وإسقاط القائل دون القول.
ربّ يسّر وأعن!
اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.