مقالات كمال المرزوقي

الاستدلال العقلي في الأصول

س: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحسن الله إليكم شيخنا هل يجوز الاستدلال بالعقل في الاصول ؟ وهل هناك خلاف بين العلماء في هذا ؟
وهل من قال ان تقسيم الاصول والفروع بدعة خالف اجماع العلماء فقد قال لنا دكتور في (…..) ان ابن تيمية خالف الاجماع على هذاارجو الجواب والتفصيل وجزاكم الله خيرا
::::::::::
ج: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الجواب بعون الملك الوهّاب :
الحمد للّه وبه أعتصم، وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمّد النّبيّ الخاتم، وعلى آله وسلّم .
أوّل ما أحبّ أن أنبّه إليه – وفّقك الله تعالى – أنّ نسبة الأقوال للعلماء وتحرير مذاهبهم ومرادهم أمر دقيق زلّت فيه أقدام كثيرة، وقد بيّنت الأمر ههنا فانظره :
وثاني ما ينبغي بيانه أنّ مذهب الشّيخ وقع فيه خطأ كثير من مريديه ونقّاده في هذه المسألة وغيرها ، فمن نسب إليه قولا بلا تفصيل فيها فقد أخطأ، ومن وقف على نصوصه الّتي ظاهرها التّعارض فحكم بتناقضه فإنّما دُخل عليه من قلّة فهمه لمذهب الشّيخ وكلامه أو للعلم جملة .
فالشّيخ لا ينفي التّقسيم باعتبار جنس الأدلّة ولا باعتبار القطعيّة والظّنّيّة فيها، وإنّما مذهبه أنّ تقسيم الدّين إلى أصول وفروع بالنّظر لقطعيّة بعض المسائل وظنّيّة أخرى، أو تواتر بعض وانتفائه عن بعض، أو بلوغ بعضها في العلم رتبة الاضطرار وقصور بعضها عنه، أو ركنيّة بعض قواعده العمليّة أو الخبريّة وتأخّر بعضها عن هذا الرّتبة إلى ما هو أدنى ، كلّ ذلك مسلّم لا إشكال فيه ألبتّة .
وإنّما المنكر من هذا التّقسيم والّذي يعدّ بدعة أوّل من أحدثها المعتزلة جريا على أصولهم وتبعهم عليها من تمعزل من أهل السّنّة = اعتبار هذا التّقسيم في إثبات الأسماء والأحكام بجعل التّكفير أو التّبديع أو التّفسيق أو اعتبار عارض الجهل والتّأوّل خاصّة والإعذار عامّة متوقّفا عليه !
هذا هو مذهب شيخ الإسلام إن شاء الله.
انظر مجموع الفتاوى (5/56،57)، (13/125،126)، (19/230)، (23/346)الفتاوى المصريّة (1/60)، منهاج السنة (5/48،49).
وأمّا جواب أصل سؤالك فللنّاس في هذا مذاهب أربعة :
1- استقلال العقل بالاستدلال مطلقا وهو قول الشّيرازي وأبي الخطّاب والسمرقندي وابن جزي .
2- منع الاستدلال بالعقل مطلقا وهو قول نسبه شيخ الإسلام لبعض المتصوّفة وغلّطهم فيه ونفى أن يكون مذهبا لأهل السّنّة وبيّن وجه اشتباههم فيه وعذرهم في انتحاله .
3- استقلال العقل في بعض المسائل دون بعض، وهو قول الباقلّاني وأبي المعالي الجويني والغزالي والزّركشي 
4- جواز الاستدلال بأدلّة العقل الّتي تضمّنها السّمع ، وهو قول ابن تيمية وابن القيّم.
التّرجيح:
ــــــــــــ
أ- أقوى أدلّة أصحاب القول الأوّل : 
1- دلالة السّمعيّات اللّفظيّة لا تفيد يقينا . 
2- الاستدلال على حجّيّة الكتاب والسّنّة بالسّمع دور ومصادرة على المطلوب . 
3- الأصول حاجة عامّة للمكلّفين فيجب أن تكون أدلّتها مشتركة بينهم ولا يقع الاشتراك إلّا في العقل وطلب السّمع مع إمكانه شاقّ وعسير.
والجواب عنها : 
1- يكون بمنع تعميم الظّنّيّة في السّمع ، وبجواز بناء القطعيّ على ظنّي ، وبإثبات الظّنّيّ في العقليّات، وبإثبات رجحان دلالة الظّاهر مع ظنّيّته ما لم يصرفه صارف معتبر.
2- يكون بإثبات تعدّد وجوه العلم بصدق الرّسول وحجّيّة السّمع كدلالة الأحوال والمعجزة وإعجاز السّمع في نفسه في أحكامه وألفاظه وبلاغته وبيانه وأخباره وعدم تناقضه واختلافه، ويكون بإبطال لزوم عموم دلالة العقل من مجرّد صحّة دلالته في بعض المسائل، ويكون بإثبات الاكتفاء بدلالة العقل على صحّة السّمع دلالة عامّة فيبطل لزوم الدّور وتمتنع المصادرة .
3- إثبات كون بعض أدلّة العقل أشدّ خفاء من أدلّة السّمع، وإثبات كون أدلّة السّمع محصورة وأدلّة العقل غير محصورة وطلب غير المحصور أعسر وأشقّ.
ويمكن أن يعترض أيضا على هذا المذهب بأنّه يلزم على القول باستقلال العقل مطلقا شناعات كإثبات اللّغو في السّمعيّات أو بطلانها وهو كفر، ولزوم أن يكون عدم ورود السّمع خيرا من وروده، ويلزم أن يكون وجوده شرّا على الخلق .
ب- وأقوى أدلّة القول الثّاني : 
1- النّظر في الأصول نظر في الشّرع والعقل لا يشرّع. 
2- قصور العقل ومحدوديّته. 
3- مدخلات العقل يدخلها الخطأ كالحسّ والهوى مثلا. 
4- دلالات العقل لا تنضبط. 
5- الشّرع نفى العذاب حتّى تبعث الرّسل ولم يعلّق الأمر بوجود العقل فقال: ” حتّى نبعث رسولا ” ولم يقل حتّى نخلق عقولا .
6- السّلف أعرف النّاس بالأصول لم يستدلّوا بالعقل .
والجواب: 
عن (1،2،3،4) : لا مانع من ذلك ما دام الشّرع معينا وهاديا للعقل فيكون هذا من باب تعاضد الأدلّة .
وعن (5): يكون ببيان فرق ما بين صحّة دلالة الشّيء وبين جعله حجّة على النّاس، وببيان الفرق المؤثّر الواقع بين الاستدلال والحجّيّة، فقد تكون دلالة الشّيء صحيحة وليست حجّة، فمثلا الفطرة دليل صحيح لكن لا حجّة فيه .
وعن (6) يكون ببيان علاقة الإثبات والتّفويض .
ج- وأصحاب القول الثّالث ليس لهم استدلال عامّ على قولهم بل يستدلّون في كلّ مسألة بعينها .
ويعترض عليهم باعتراضين: 
1- اختلافهم في المسائل الّتي يستقلّ بها العقل. 
2- تضمّن السّمع لجميع ما يحتاج إليه المكلّف من أدلّة العقل وعدم صحّة العكس .
فرجح الرّابع بخلوّه عن هذه الاعتراضات جميعا ، ويبقى له :
1- دليل الاستقراء لأدلّة الشّرع. 
2- مجيئ الشّريعة بالحثّ على التّدبّر والتّفكّر والنّظر. 
3- دلالة الشّرع على الاعتبار والقياس وضرب الأمثال. 
4- اقتران السّمع والعقل في الدّلالة واشتراك حجّة التّنزيل والإدراك في النّجاة. 
5- شمول الشّرع وكماله وتمامه. 
6- استعمال السّلف للقياس العقليّ وللسّمع. 
7- عدم اختلاف صريح المنقول مع صحيح المعقول .
فيكون هذا هو الرّاجح إن شاء الله .
اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.