مقالات إبراهيم السكران

كيف نطبق الشروط الفقهية على الواقع؟

الحمد لله وبعد،،
حين يطالع المرء كتب الفقه فإنه يلاحظ أن أهل العلم يذكرون شروطاً شرعية: للقاضي، والمفتي، وولي الأمر، والشاهد، والوصي، والناظر، ويذكر أهل العلم –أيضاً- مواصفات الزوج الصالح، والزوجة الصالحة، وغير ذلك من الشروط والمواصفات والمؤهلات التي تذكر في كتب العلم في موضوعات كثيرة جداً لها مساس بحياتنا الاجتماعية والسياسية.
حسناً .. ليس البحث هاهنا في (تأصيل) هذه الشروط، بل البحث في المرحلة الثانية بعد التأصيل، وهي مرحلة (التطبيق)، أعني: تطبيق هذه الشروط على الواقع، حيث نلاحظ دوماً أن الواقع لا يفي بكامل المتطلبات والشروط، فيوقع هذا إشكالاً لفريقين:
الطائفة الأولى بعض المتدينين الصادقين الذين يرون في القصور عن بعض الشروط الفقهية نقصاً في الدين، وتقصيراً شرعياً، فيحدث هذا لهم ألواناً من المشاق، ومن أمثلة ذلك الشاب الذي يحرص على العمل بالإسلام في الدول الغربية فتتعذر عليه كثير من التشريعات، ومن أمثلة ذلك أيضاً: أنك تجد فتاة تفكر بالمواصفات التي يذكرها أهل العلم للزوج التقي الصالح، فترفض كثيراً ممن يتقدم لها لأنها تريد تلك الصورة المثالية عن التقوى التي في ذهنها، ثم قد يتسبب ذلك في تقدم عمرها ودخولها مرحلة العنوسة، وتفقد تكوين الأسرة، التي هي من أعظم مقاصد القرآن.
والفريق الثاني هم طائفة من العلمانيين الذين يأخذون الشروط الفقهية المثالية، ويقارنونها بعجز الحركات والتجارب والنماذج الإسلامية عن تطبيقها، فيعيّرونهم بها، ويشوهونهم أمام الناس، وأنهم غير صادقين في تطبيق نموذجهم الإسلامي، ويحاول هؤلاء العلمانيون تمزيق السند الديني الرمزي الذي تتكئ عليه هذه الحركات الإسلامية، وتحكيم الشريعة هو الرأسمال المعنوي لهذه الحركات.
حسناً .. نحن هاهنا بحاجة لعرض مفهوم (تطبيق الشروط الشرعية على الواقع) ونحن نضع أمام ناظرينا هاتين الشريحتين، شريحة المتدين الصادق الذي يتطلب المثال في التطبيق، ويقلق من داخله، ويتألم للعجز عن أي شرط، ويحتار، وتتصدع أحاسيس الانسجام والشرعية في نفسه.
والشريحة الثانية هم طوائف العلمانيين والليبراليين الذين يستغلون المسافة بين الشرط والواقع؛ للتشويه والتنفير، وتأليب الرأي العام ضد الحركات الإسلامية الناشئة التي تحاول الإصلاح قدر الإمكان.
بدايةً .. ما هي صورة الواقع أصلاً في التصور الشرعي؟
دعنا نأخذ هذا التأصيل الكلي العام في واحد من أثمن نصوص ابن تيمية، حيث يقول رحمه الله:
(والعدل المحض في كل شيء متعذر، علماً وعملاً، ولكن الأمثل فالأمثل)[ابن تيمية، الفتاوى 10/99].
لاحظ أن كل تفاصيل الشريعة هي تطبيقات للعدل، فالله أمر بالعدل وذكر لنا بعض تفاصيله، ومع ذلك ينبه ابن تيمية إلى أن (العدل المحض) متعذر، وأن الاجتهاد البشري في تحقيق هذا العدل هو الاقتراب قدر الإمكان من هذا المثال.
ماذا يعني هذا التأصيل؟ هذا يعني أنه ليس هناك تعارض أصلاً بين (الدين) و (الواقعية)، فالتصور الديني البحت واقعي أيضاً.
ولاحظ –بشكل أدق- أن المفهوم الشرعي المباشر الذي ينظم تطبيق الشروط الفقهية على الواقع هو (قاعدة الأمثل فالأمثل) وهي أحد تجليات الكلي العام وهو: أن الواجب إقامة الشرع بحسب القدرة والإمكان. 
يبدو أننا بحاجة لأمثلة تطبيقية، حسناً .. خذ بعض الأمثلة:
يذكر أهل العلم شروطاً للولايات والمناصب، ولكن إذا جئنا نطبقها على الواقع فنعتبر الأمثل فالأمثل، قال ابن تيمية  (فلهذا يجب على كل ولي أمر أن يستعين بأهل الصدق والعدل، وإذا تعذر ذلك استعان بالأمثل فالأمثل، وإن كان فيه كذب وظلم، فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم، والواجب إنما هو فعل المقدور)[ابن تيمية، الفتاوى، 28/67]
ويذكر أهل العلم شروطاً شرعية لشخصية القاضي، وهي شروط ومواصفات دقيقة وعالية جداً، لكن إذا جئنا نطبقها على الواقع فنعتبر الأمثل فالأمثل، قال ابن تيمية: (وشروط القضاء تعتبر حسب الإمكان، ويجب تولية الأمثل فالأمثل، وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره، فيولى لعدمٍ أنفع الفاسقين، وأقلهما شرا، وأعدل المقلدين، وأعرفهما بالتقليد)[ابن تيمية، الاختيارات، تحقيق د.الخليل، ص 481].
ويذكر أهل العلم شروطاً للشاهد، لكن إذا جئنا نطبقها على الواقع فنعتبر الأمثل فالأمثل، قال ابن تيمية (وشهادة الفاسق مردودة بنص القرآن واتفاق المسلمين، وقد يجيز بعضهم الأمثل فالأمثل من الفساق عند الضرورة، إذا لم يوجد عدول ونحو ذلك)[ابن تيمية، مختصر الفتاوى المصرية، ص 604]
وهكذا –أيضاً- في مسألة الزواج، وتطلب مواصفات الدين والخلق والصفات الرفيعة في الزوج أو الزوجة، فإذا جئنا نطبق هذه المواصفات فنراعي الواقع، ونطبق الشروط والمواصفات حسب الإمكان، على قاعدة الأمثل فالأمثل، قال ابن تيمية: (وكما قلنا في ولاة الأمر من القضاة، وولاة الحرب، والمال، والإمامة، وغيرهم: يولى الأصلح فالأصلح؛ كذلك نقول في تزويج النساء تزوّج بالأمثل فالأمثل ممن يخطبها) [ابن تيمية، قاعدة في العقود المطبوعة باسم نظرية العقد، ص 199].
هذه طائفة من الأمثلة في أبواب فقهية متعددة ينبّه فيها أبو العباس ابن تيمية ببراعة على مفهوم (تطبيق الشروط الفقهية على الواقع).
ونستخلص من هذه الأمثلة أننا عندما نريد تطبيق تطبيق الشروط الفقهية على الواقع فإن العمل الذهني لا يبحث عن (المطابقة) بين الشرط والواقع، بل يبحث عن (التقريب) بين الشرط الفقهي وأقرب النماذج الواقعية له، وهذا يعني أن العمل على (تحكيم الشريعة) هو عمل (واقعي) يدور على مفهوم (الأقرب) لا مفهوم (المطابقة) لأن العدل المحض في كل شيء متعذر علماً وعملاً.
وهذا المفهوم لتطبيق الشروط الفقهية على الواقع نبّه عليه كتاب الله، ومن ذلك قول الله تعالى (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ)[النساء:129].
فلاحظ كيف أكدت الشريعة على وجوب العدل بين الزوجات، وجاء فيه الوعيد الشديد، وفي نفس الوقت ينبه القرآن أن العدل في كل شيء بين الزوجات متعذر، وخارج عن الاستطاعة! فإذا جمع الباحث هذين النصين استخلص أن الشارع نبّه على (عدل مستطاع) و (عدل غير مستطاع) فأمر بالمستطاع وعفا عن غير المستطاع.
وكذلك يجمع الله في مواضع بين الأمر بالعدل والتنبيه على العفو عن العجز وعدم الوسع، كقول الله (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)[الأنعام:152]
بل إن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- نبّه على أن العمل بالشرع ليس (مطابقة) بل (تقريب قدر الإمكان) بتأصيل شرعي عام، ومن ذلك ما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (قاربوا وسددوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله)[البخاري 5376، مسلم 2816].
فالنبي يبين أنه العمل البشري لا يمكن أن يطابق المطلوب الإلهي، ولكن يقارب الإنسان ويسدد.
ومع ذلك كله، فيجب اليقظة من التقصير في القدرة والإمكان، فكثيراً ما تتخذ بعض الحركات الإسلامية قرارات مخالفة للشريعة، وتدّعي أن هذا غاية قدرتها وإمكانها، وتكون هذه الدعوى غير دقيقة، بل في الإمكان ما هو خير من ذلك، ويكون الدافع لمثل هذا القرار التوسع الشديد في البراجماتية السياسية للأسف.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
أبو عمر
صفر 1434هـ
اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.