مقالات إبراهيم السكران

التجنس باسم السلالة الحاكمة

ما معنى أن يقال لك في مؤسسة أو مطار: ما هي جنسيتك؟ فتقول: (أنا سعودي). ما مغزى هذا الانتساب؟
وما معنى أن تجد نموذج (أبلكيشن) للتعبئة في مؤسسة أو بنك، وفيه خانة “الجنسية” فتكتب فيها بخط يدك: سعودي؟
ومامعنى أن يقول موظفٌ ما:”السعوديون” يأتون هنا. فيتحرك مجموعةمن الناس،باعتبار أنهم ينظرون لأنفسهم أنهم”سعوديون”
 إلى أي مدى تمثل هذه العبارة (أنا سعودي) عن هويتك؟ وهل سبق أن تأملت إلى أي شيء نسبت نفسك حين قلت: أنا “سعودي” ؟
 وهل سبق أن تأملت الإطار الذي تنفي فيه الآخرين حين تقول عنهم: هذا ليس “سعودي”؟ ما هي النسبة التي جردتهم منها؟
 حسنا..دعنا نتناول جوهر مفهوم الجنسية، ومنزلته في الفكر البشري اليوم، وعلاقته بمفهوم (رؤية العالم) worldview
 صحيح أن الجنسية مفهوم قانوني لكن له صلة جوهرية –في نظري- بمفهوم(رؤية العالم) الذي كرس الاهتمام به همبولت 1835م
 فالجنسية(أفق دلالي خصب)يفسر الإنسان من خلاله ذاته،والآخرين من حوله ويستمد مشاعر جاذبة،ومشاعر طاردة،وهو ينطق به
 والجنسية في نظري (طوق تفسيري) له مسامات، يتحكم في تلوين التصورات النافذة إليك، والتصورات الصادرة عنك
 ماسبق يدحض أطروحة ترى أن (صيغة الجنسية) مسألة شكلية هامشية. لا، الجنسية مسألة رمزية موحية لها صلة بـ(الكرامة)
 ولأن الجنسية مشحونة بمحتوى عاطفي فإن “فاليري 1945م” أسس منع ازدواج الجنسية باعتبار حب الوطن لا يحتمل الاقتسام!
 حسنا..أين يقع يا ترى مفهوم (الجنسية) في العلوم الحقوقية المعاصرة؟ أو بمعنى آخر ما هو نسبه القانوني؟
 في التصنيف الفرنسي يدخل قانون الجنسية في فرع من فروع القانون يسمى (القانون الدولي الخاص)
 بينما بأكثر النظم القانونيةيفصلون بينهما، ويكرسون القانون الدولي الخاص لحقل(تنازع القوانين) CONFLICT OF LAWS
 القانون إذا لم يكن يتعامل مع عنصر أجنبي foreign element فإنه لا يكون قانون دولي، بل يكون قانون محلي
 وإذا كان في القانون عنصر أجنبي: فإن تعامل مع منظمات فهو قانون دولي عام وإن كان ينظم الأفراد فهو قانون دولي خاص
 وقد اختلف خبراء القانون في “تكييف” الجنسية، هل هي: عقد أم اختصاص؟ وينبني على كل تكييف آثار وفروع وجدل طويل
 وقد توسع مفهوم الجنسية من استخدامه في الأشخاص الطبيعيين،إلى وسائل النقل، فيقال: سفينة مصرية، وطائرة هندية، الخ
 وفي السعودية هناك نظام يرتب مسائل الجنسية سأتعرض بعد قليل لسلسلة هذه الأنظمة، وتطوراتها، وصولاً للنظام الأخير
 وفي المسألة تفاصيل قانونيةليس هذا موضعها،لكن دعنا نعود الآن لمفهوم الجنسية السعودية، ودلالاته على(رؤية العالم)
 لعلك تلاحظ وحدة الأصل الاشتقاقي اللغوي لكلمة (جنس) أي عرق معين، وبين (الجنسية) وهي النظام القانوني للانتماء
 وهذه الوحدةالاشتقاقية موجودة في اللغات الأجنبية، ففي الانجليزية: (nation) تعني أمة، (nationality) تعني الجنسية
 ماذا يعني اتحاد الأصل الاشتقاقي في اللغات؟ هذا يعني أن صيغة(الجنسية) يستمد من اسم (الجنس) أو الأمة نفسها
 وقد يكون هذا الاشتقاق (national/nationality) مرتبط بمفهوم الدولة/الأمة أو الدولة القومية، وهي مسألة فيلولوجية
 حسناً.. لدينا هنا ثلاثة أركان: (الفرد، الأرض، الدولة) ففي النظم الطبيعية يستمد اسم الفرد والدولة بالنسبة للأرض
 لكن الذي نلاحظه في مفهوم الجنسية في السعودية أن الأمر مقلوب على رأسه. فالأرض والفرد كلاهما نسبا لسلالة الحاكم
 ذكر الله (مصر) في القرآن في مواضع، وجنسية أهلها اليوم مشتقة من اسم أرضهم (مصري)، وهكذا بقية الدول العربية
 وأشد حكام الدول العربية السابقين استبدادا واستعلاء (كالقذافي وبن علي والأسد) كل بلدانهم جنسيتهم منسوبة لأرضهم
 في ليبيا لم يكن أهلها يسمون قذافيون. وفي سوريا لا يسمى أهلها أسديون. وفي العراق لا يسمى أهلها صداميون. وهكذا
 وحتى لو وصلنا للخليج حيث البيئة المفاهيمية متقاربة: فأهل قطر لا يسمون ثانيّون، وأهل الإمارات لا يسمون نهيانيون
 بل حتى البحرين، وهي دولة (خليجية)، وأيضاً أصبحت (مملكة)، أي اقتربت من حالة السعودية، فلا يسمى أهلها: خليفيون
 وأما في السعودية فجنسيةالأفراد، والأرض، كلاهما؛ منسوب إلى السلالةالحاكمة (سعودي، السعودية)، عكس الدول المعاصرة
 حسنا..هل لهذا سابقة؟ هل هناك دولة تنسب مواطنيها لحكامها؟ نعم يوجد،وأعتقد أن السابقة مفتاح لفهم حالتنا السعودية
 هذه السابقة هي (قانون الجنسية العثمانية) الصادر عام 1869م. وسأنقل بعض مواد هذا القانون كمثال لتحليل العلاقة
 في المادة2 منه(يجوز لمن ولد بأرض المملكةالعثمانية من أبوين أجنبيين طلب اعتباره عثمانيا بعد 3سنوات لبلوغ الرشد)
 وفيه أيضا(م3/كل أجنبي بالغ أقام في بلاد المملكةالعثمانية خمس سنين متوالية يجوز له أن ينال التابعية العثمانية)
 بينما كنت أتأمل(قانون الجنسيةالعثمانية) وأقارنه بتطور مفهوم التابعيةوالجنسية بالسعودية،خطر ببالي أن هناك تأثر!
 تأمل معي مثلاً: سلسلة الأنظمة السعودية التي صدرت لتنظيم مسألة الجنسية، وسأذكرها الآن ملخصة
 في 1345صدر أول نظام(نظام التابعيةالحجازية) وينظم الجنسيةالحجازية ومتى يعتبر حجازيا؟ وحكم زواج الأجنبية بحجازي؟
 ومماجاء بالنظام السابق(م4/يجوز لكل مسلم بالغ سن الرشد أقام بالبلادالحجازية 3سنوات،أن يتحصل على الجنسيةالحجازية)
 ثم في 1349 صدر (نظام التابعية الحجازيةالنجدية) ويحدد من يعتبر حجازي؟ ومن يعتبر نجدي؟ وحكم زواج الأجنبية بهما؟
 ثم في عام 1357هـ صدر (نظام الجنسية العربية السعودية) وهو أول نظام نص على جنسية (سعودي)،وهي أول لحظة لهذا اللقب
 ثم في عام 1357هـ صدر (نظام الجنسية العربية السعودية) وهو أول نظام نص على جنسية (سعودي)،وهي أول لحظة لهذا اللقب
 ثم في عام 1374 صدر نظام ألغى السابق وهو بنفس الاسم (نظام الجنسية العربية السعودية) وهو المعمول به، مع تعديلاته
 هذا النظام المعمول به الآن فيه مواد طريفة!مثل: (السعوديون هم من كانت تابعيته عثمانية عام 1332 من سكان المملكة)
 كيف يكون نظام سعودي معمول به، وفيه مثل هذه المادة التي تتحدث عن رعايا الخلافة العثمانية؟!  رحم الله التحديث!
 نأتي إلى الدلالات السلبية لمفهوم جنسية (سعودي)، فكيف عرّف النظام المعمول به إلى الآن من هو (السعودي) ؟
 يعرف نظام الجنسية “السعودي” كالتالي: (المادة3: السعودي هو من كان تابعا لحكومة حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم)
 وفي التعريف السابق إشكال نظامي وفقهي، فالمسلم على هذه الأرض لا يسوغ فقها ولانظاما أن يعرف بتبعيته لملك معين!
 حسناً..ما هو المطلوب؟ المطلوب: أن يطرح مجلس الشورى، وهيئة الخبراء، دراسة مقترحات لتعديل مفهوم الجنسية السعودية
 وتطرح المبتكرات لبدائل اسم الجنسية(السعودية) المنسوبة لسلالة وتكون البدائل مستوحاة من اسم الجزيرة العربية مثلا
 وقد يقول قائل: إن هذه مسألة “تاريخية” وتلاشى واضمحل البعد الشخصي في لقب (سعودي،السعودية). وأرى أن هذا غير دقيق
 بل إنني واجهت أكثر من شخص عربي في الخارج يستغرب أننا منسوبون إلى عائلة حكّامنا،ولسنا منسوبين مثلهم إلى أراضيهم
 وقد يقال(الناس لاتعنيهم هذه المسألةالرمزية) وأقول:الناس متفاوتون،فبعضهم تعنيه المعيشةفقط،وبعضهم تلهمه الرمزيات
 وقد لاحظت أن بعض المنتسبين لمناصب حكومية يتشنج ويتوتر عند بحث هذه المسألة، وكأن الدولة ستسقط لبحث مسألة رمزية!
 وأرى أن مسألة (صيغة الجنسية) هي مسألة يحق لكل معني بالشأن العام طرحها، واقتراح البدائل لها، بهدوء، ودون انفعال
 ختاما..هذه مسألة مطروحة للنقاش، وأراها مسألة مهمة لاتصالها بالهوية الوطنية، ودلالاتها الرمزية.

2013

اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.