مقالات إبراهيم السكران

الأساس النظامي لانتقاد مؤسسات الدولة

الحمد لله وبعد،
في أكثر من موقف سمعنا مسؤولاً يرى أن النقد الموجّه لمؤسسته هو من التشويه والتأليب والتهييج.
وفي أكثر من موقف سمعت طالب علم صادق لديه حيرة حول النقد الموجّه لمؤسسات الدولة، وهل فيه حرج شرعي باعتباره منابذة لولي الأمر الواجب طاعته بالمعروف؟
ويعرف الناس اليوم أن شبكات التواصل مليئة بمعرفات مأجورة تستعمل المفاهيم الخماسية (الخروج، معصية ولي الأمر، الفتنة، التأليب، التهييج) وتقذف بها بتعبيرات متنوعة في وجه كل مصلح ينتقد مؤسسة من مؤسسات الدولة، وهي مفاهيم معتبرة شرعاً من حيث الأصل، لكن يتم توظيفها واستغلالها بطريقة غير علمية ضد كل مصلح.
لندع هذه المعطيات السابقة في أحد الضفتين .. ولننتقل إلى الضفة الأخرى من الوطن حيث لدينا اتجاه عام يتنامى ويمتد شعبياً يطالب بالإصلاح، ويوجه نقداً مكثفاً متصاعداً عبر (الإعلام الجديد) تجاه مؤسسات الدولة الإدارية والعدلية والأمنية، ولا تزيده الأيام إلا حماسة وجرأة.
حسناً .. في ظل هذا الإطار السابق، المشار إلى محدداته؛ يتضح فعلاً أننا نحن بحاجة للتأصيل النظامي لما يقوم به اتجاه الإصلاح الشرعي، وهل القنوات التي يقوم بها قنوات نظامية مشروعة؟
فما هو الأساس النظامي الذي يخوّل دعاة الإصلاح الشرعي بنقد مؤسسات الدولة الإدارية والعدلية والأمنية، وخصوصاً عبر الإعلام الجديد؟
قبل أن أستعرض القرارات الملكية التي تعتبر أسساً نظامية لهذه الممارسة الإصلاحية، أود التنويه إلى القوالب النظامية التي يفصح فيها الملك عن إرادته الملزمة، وهي: الأمر الملكي، والمرسوم الملكي، والأمر السامي، والتوجيه الملكي، وقرار مجلس الوزراء، وقد تحدث عن هذه الأنواع وغيرها شرّاح النظام الإداري والدستوري في السعودية.
فـ(الأمر الملكي) يصدر في الموضوعات التي لم يسبق عرضها على مجلسي الوزراء والشورى مثل تعيين الوزراء، و(المرسوم الملكي) يكون في الموضوعات التي تمت الموافقة عليها في مجلسي الوزراء والشورى مثل صدور الأنظمة، و(الأمر السامي) هو الذي يصدر من رئاسة ديوان رئاسة مجلس الوزراء، وقد يحمل توقيع الملك أو نائبه الأول أو الثاني، وأما (التوجيه الملكي) فهو غالباً إرادة شفهية يعبر عنها الملك ويتم إيصالها كتابياً بواسطة ديوان رئاسة مجلس الوزراء، وأما (قرار مجلس الوزراء) فيصدر من الأمانة العامة لمجلس الوزراء، ويمثل إرادة المجلس بكليته ويوقع عليه الملك، بخلاف الأمر السامي الذي يصدر عن رئاسة ديوان رئاسة مجلس الوزراء كما سبق.
وفي هذه الموضوعات تفاصيل تاريخية ومزيد فروق وقيود نظامية وعرفية يمكن مراجعتها في المصادر القانونية التالية: العتيبي، تنظيمات الدولة في عهد الملك عبد العزيز. المطيري، مبادئ الإدارة العامة في السعودية. د.بن شلهوب، النظام الدستوري في السعودية.
وأما (انتقاد مؤسسات الدولة في وسائل الإعلام) فقد صدرت ثلاثة قرارات عليا في تأسيس الشرعية النظامية لذلك، وهي:
1-الأمر الملكي رقم (10245/م ب) وتاريخ 17/8/1426هـ.
2-الأمر الملكي رقم (42283) وتاريخ 27/9/1432هـ.
3-قرار مجلس الوزراء رقم (209) وتاريخ 30/6/1433هـ
وسنحاول أن نستعرض المعطيات التي تضمنتها هذه القرارات الثلاثة، ونحلل شيئاً من مضامينها ودلالاتها.
-أولاً: الأمر الملكي رقم (10245/م ب) وتاريخ 17/8/1426هـ:
حيث تضمن هذا الأمر الملكي ما يلي:
(لقد لاحظنا أنّ كثيرا مما يكتب في الصحف والمجلات، أو ما ينشر في وسائل الإعلام الأخرى، عن بعض الجهات الحكومية، وما تقدمه من خدمات للمواطنين؛ يفتقر إلى الدقة والموضوعية، والمنهجية العلمية في الطرح..، وقد تتأخر الجهة المعنية في الرد على ذلك، وإيضاح الحقيقة، ولما لذلك من آثار سلبية، نرغب إليكم التأكيد على الجهات المعنية كل فيما يخصه: بالرد على ما ينشر في وسائل الإعلام، من مغالطات، أو غيره، في وقته، لإيضاح الحقائق).
وهذا النص فيه إشارة في غاية الطرافة، وهي أن هذا الأمر الملكي لا يبدي مرونة فقط تجاه النقد الموضوعي الدقيق، بل حتى النقد المبني على مغالطات وعدم موضوعية يطالب الجهات الحكومية بالرد عليه وعدم إهماله وتجاهله، كما أن هذا الأمر الملكي لمّح بتحميل المسؤولية على الجهة الحكومية المتجاهلة للنقد وذكر أن تأخر الجهة الحكومية في الرد يسبب آثاراً سلبية.
كما أن هذا الأمر الملكي يشجع ضمناً النقد المبني على الدقة والموضوعية والمنهجية العلمية في الطرح.
كما يلاحظ في الأمر الملكي تعميمه مراعاة النقد في جميع وسائل الإعلام، لا الصحافة فقط، حيث نص الأمر الملكي على (الصحف والمجلات، أو وسائل الإعلام الأخرى) ويدخل في هذا العموم قطعاً (الإعلام الجديد)، لأن هذا الإعلام الجديد كما أنه داخل في عموم جرائم النشر، فالنقد الذي فيه داخل أيضاً في الاعتبار والاهتمام، فالغنم بالغرم، والخراج بالضمان.
حسناً .. هذا الأمر الملكي كان –كما ترى- في عام 1426هـ، ثم بعده بست سنوات لاحظ الملك استمرار الجهات الحكومية بتجاهل النقد تجاهها، وخصوصاً مع انتشار وسائل الإعلام الجديد، فأعاد الكرّة بأمر ملكي جديد يكرس الإلحاح على الجهات الحكومية بالتفاعل والرد على ما يطرح من نقد تجاهها، كما في الأمر الملكي التالي:
-ثانياً: الأمر الملكي رقم (42283) وتاريخ 27/9/1432هـ.
حيث تضمن هذا الأمر الملكي ما يلي:
(لقد لاحظنا كثرة ما ينشر في وسائل الإعلام من انتقادات للأجهزة الحكومية، وما تقدمه من خدمات للمواطنين، ويتعدى بعضها حدود النقد البنّاء إلى التجريح والتشهير بقصد الإثارة الإعلامية، بعيداً عن المصداقية والموضوعية، وحيث سبق أن أصدرنا أمرنا بتاريخ 17/8/1426هـ القاضي بالتأكيد على الجهات المعنية بالرد على ما ينشر في وسائل الإعلام..، ولأن السكوت من قبل الأجهزة الحكومية يعني الإقرار بما ذكر في تلك الوسائل، وتأكيد له، وعلى ذلك نرغب إليكم حالاً التالي:
1-على كل جهة حكومية، كُتب عنها أمر ينافي الحقيقة؛ المبادرة فوراً بالرد وفق ما لديها من معلومات.
2-إذا تجاوزت الوسيلة الإعلامية في انتقاداتها معايير النقد البنّاء؛ فعلى الجهة الحكومية اللجوء للجهة المعنية في الفصل في مثل هذه القضايا.
3-يعتبر هذا قاعدة يتم العمل بموجبها اعتباراً من تاريخه.
فأكملوا ما يلزم كلٌ فيما يخصه).
واضحٌ طبعاً في لغة هذا الأمر الملكي مرارة الامتعاض من استمرار تجاهل الجهات الحكومية للنقد الكثيف الموجّه ضدها في وسائل الإعلام، وتبرز حواجب الاستغراب عند الإشارة إلى الأمر الملكي السابق، والإلماح إلى أن هناك تهاون في تطبيقه، كما أن هذا الأمر الملكي أشار ثلاث مرات إلى تثمين واحترام (النقد البناء) الذي ينشر في وسائل الإعلام، ويتكرر عجبي من أن الأمر الملكي يصور أسوأ أنواع النقد وهو (التجريح والتشهير وفقد المصداقية والموضوعية) ثم يوصي بالتعامل معه بكل مرونة، فيوجّه بالتفاعل معه ومناقشته، أو لجوء الجهة الحكومية إلى الجهات القضائية، وهذا غاية العدل، وهو الاحتكام إلى القضاء في مدى علمية النقد الموجه إلى الجهة الحكومية، ولا يطلب الناس والمصلحون أكثر من ذلك.
ومن أجمل ما في هذا الأمر الملكي أنه ألقى باللائمة على الأجهزة الحكومية كما يقول الأمر (السكوت من قبل الأجهزة الحكومية يعني الإقرار بما ذكر في تلك الوسائل) فلم يجعل المصلح الناقد هو الضحية كما عودتنا بعض الأجهزة.
ويلاحظ في الأمرين الملكيين كليهما، هذا والذي سبقه، التنبيه على (عامل الزمن) في التفاعل مع المصلحين نقاد الأجهزة الحكومية، فلا يكفي أن ترد الجهة الحكومية لاحقاً، بل يجب أن يكون في نفس المحيط الزمني للحدث، حيث جاء في الأمر الملكي الأول (الرد على ما ينشر في وسائل الإعلام في وقته) وجاء في الأمر الملكي الثاني (المبادرة فوراً بالرد).
ثم ختم الأمر الملكي هذه الإجراءات بطلب كونها (قاعدة) !
هذا الأمر الملكي الثاني كان في شهر رمضان لعام 1432هـ ثم بعده بأقل من سنة عاد الأمر من جديد، وأصدر الملك قراراً ثالثاً يعزز مضمون الأمرين السابقين، وبدهي أن صدور أمر ثالث تأكيدي برغم أنه لم يمض على السابق إلا تسعة أشهر يعني أن الملك مازال منزعجاً من غياب الأجهزة الحكومية عن (النقد الإصلاحي المتعاظم) الموجّه لها، حيث جاء الأمر الثالث كالتالي.
-ثالثاً: قرار مجلس الوزراء رقم (209) وتاريخ 30/6/1433هـ
وهذا الأمر أكثر تفصيلاً وإسهاباً من سابقيه، حيث جاء في أربع صفحات، وصادر من مجلس الوزراء ووقع عليه الملك بصفته رئيس المجلس، وفيه:
(إن مجلس الوزراء بعد الاطلاع على المعاملة الواردة بخطاب معالي رئيس هيئة الخبراء، في شأن تجاوز بعض الكتّاب والصحفيين غير المتخصصين في انتقاد أعمال بعض الوزارات..، يقرر ما يلي:
أولاً: قيام الوزارات والهيئات والمؤسسات العامة، والأجهزة الحكومية الأخرى، بتعيين متحدثين رسميين في مقراتها الرئيسة، على أن تكون المهمة الرئيسة للمتحدث إحاطة وسائل الإعلام بما لدى جهته من بيانات أو إيضاحات، وكذلك التجاوب مع مايرد إليها من تساؤلات، والرد عليها، وما ينشر عنها من أخبار أو معلومات تهم الشأن العام.
ثانياً: تفعيل دور إدارات العلاقات العامة في الوزارات..
ثالثاً:ضرورة فتح قنوات التواصل والتعاون مع وسائل الإعلام، والرد على جميع أسئلتها واستفساراتها، وتوظيف مواقعها الإلكترونية في ذلك، والتجاوب بشكل فوري مع ما ينشر، ومراعاة الدقة والوضوح فيما ينشر من ردود..
رابعاً: إذا ظهر لأي من الجهات المعنية أن إحدى الوسائل الإعلامية قد تجاوزت في انتقاداتها معايير النقد البنّاء، أو نشرت أخباراً غير صحيحة، ولم تتجاوب بالشكل المناسب مع ردود تلك الجهة، فعليها سرعة اللجوء إلى الجهة المعنية بالفصل في مثل هذه القضايا..).
تلاحظ في هذا القرار الثالث تغير خريطة العلاقة بين المؤسسات الحكومية والنقد الإصلاحي عبر بروز إحداثيات جديدة، من أهمها أنه من الواضح أن انتفاخ بالون النقد الإصلاحي عبر وسائل النشر أصبح مقلقاً بشكل رسمي فعلاً، حتى أن هيئة الخبراء قدمت تقريراً يعرض المشكلة والحلول، وهو الذي أشارت إليه ديباجة قرار مجلس الوزراء هذا الذي نحن بصدده.
ومن المثير هاهنا أن الأمر تجاوز التشديد على الرد على النقد الإصلاحي إلى تعيين (متحدث رسمي) عن كل مؤسسة حكومية ليتولى متابعة هذا الملف فقط!
كما طوّر القرار سبل التواصل بين المؤسسات الحكومية ونقّاد الإصلاح، حيث أدخل تقنية الانترنت، فأوصى المؤسسات الحكومية بـ(توظيف مواقعها الإلكترونية في ذلك).
ومن العجيب فعلاً تكرار مسألة (عامل الزمن) في التفاعل للمرة الثالثة، حيث جاء في هذا القرار أيضاً (والتجاوب بشكل فوري)،كما أن هاهنا إشارة رابعة لمفهوم (النقد البنّاء) الذي ذكره القرار الملكي ثلاث مرات فيما سبق، وجعله هو الفيصل والحكم بين الأجهزة والمصلحين.
حسناً .. انتهت القرارات الثلاث ومن المهم هاهنا أن نستعرض بعض الخلاصات والنتائج:
1-نظامية النقد الإصلاحي لمؤسسات الدولة: تثبت هذه القرارات الثلاث، الأمران الملكيان، وقرار مجلس الوزراء؛ أن النقد الإصلاحي العلني في وسائل الإعلام، التقليدية والجديدة، هو من القنوات النظامية المشروعة، فمن ينتقد مؤسسات الدولة في الصحف أو الفضائيات أو تويتر أو يوتيوب أو فيسبوك أو الكيك الخ  فهو يمارس عملاً نظامياً مشروعاً أسسته ثلاثة قرارات نظامية عليا توالت على تأكيد هذه الشرعية.
2-ليس للمسؤول إلا الرد أو المقاضاة: قد يطال النقد الإصلاحي جهة إدارية أو عدلية أو أمنية، مثل هيئة التحقيق والإدعاء العام، أو جهاز المباحث العامة، أو شخصية اعتبارية نافذة، أو غيرها، فليس لهذا الجهاز أن يقبض على الناقد، بل أمامه وسيلتان نظاميتان فقط حددهما الملك بثلاثة قرارات، وهي: إما الرد على الناقد، أو أن ترفع دعوى عليه، كما يقول الأمر الملكي الثاني (إذا تجاوزت الوسيلة الإعلامية في انتقاداتها معايير النقد البناء؛ فعلى الجهة الحكومية اللجوء للجهة المعنية في الفصل في مثل هذه القضايا، ورفع دعوى ضدها وفقاً للأنظمة).
ويقول قرار مجلس الوزراء (إذا ظهر لأي من الجهات المعنية أن إحدى الوسائل الإعلامية قد تجاوزت في انتقاداتها معايير النقد البنّاء، فعليها سرعة اللجوء إلى الجهة المعنية بالفصل في مثل هذه القضايا، ورفع دعوى ضد المؤسسة الإعلامية، والصحفي، وفقاً للأنظمة).
وهذا يعني ضمناً أنه ليس من حق أي مسؤول في جهة حكومية إدارية أو عدلية أو أمنية الاعتراض على النقد، بل يجب عليه الرد على النقد طبقاً لتوجيه الأوامر الثلاثة العليا، أو حق المقاضاة.
3-ارتفاع محل الخلاف في مسألة الإنكار العلني: يتحرج بعض المنتسبين للعلم من نقد الجهات الحكومية، ويخشى أن يكون هذا من الإنكار العلني، وهو يختار في هذه المسألة عدم الإنكار، وهذه المسألة من حيث الفقه وعمل السلف لها محل بحث آخر سأفرده لاحقاً بإذن الله، ولكن بغض النظر عن الخلاف في المسألة فالحقيقة أن المسألة ارتفعت من أصلها، وأصبحت غير مفروضة هنا أساساً، ذلك أن ولي الأمر نفسه أذِن بنقد الجهات الحكومية في ثلاث قرارات عليا متوالية، وأكّد على معيار (النقد البناء) وأوجب وشدد على الجهات الحكومية بأن ترد على النقد الإصلاحي، ووضع سبلاً نظامية لحل مشكلة النقد غير البنّاء.
والله ورسوله أوجبا طاعة ولي الأمر بالمعروف كما في صحيح البخاري من حديث علي أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال (لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف)[7257]. وهذه القرارات الثلاث من الأمر بالمعروف فهي واجبة الطاعة شرعاً، ونواب ولي الأمر من وزراء وغيرهم يجب عليهم طاعته في هذا المعروف. 
وطاعة ولي الأمر بالمعروف، وتحريم الخروج فيما دون الكفر؛ ليست من أبواب التملق والتزلف، بل هي ديانة وتوقير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدم التقدم بين يديه، وأن لا يكون في الصدر حرج مما جاء به؛ إذ أنهما شريعتان متواترتان قطعيتان، يجزم القلب بأن صاحب الشرع نطق بها، وقد أسهبت في بيان قطعيتهماوتواترهما في موضع آخر ونقلت نصوص أهل العلم في ذلك.
وعلى ذلك فإن من يوظف المنظومة الخماسية (الخروج، ومعصية ولي الأمر، والفتنة، والتأليب، والتهييج) ليطعن بها المصلحين النقاد للأجهزة للحكومية لاوجه لكلامه لا شرعاً ولا نظاماً، لأن ولي الأمر أصلاً رخّص في نقد الجهات الحكومية وأوجب عليها الرد والتفاعل.
4-مخالفة بعض قضاة المحكمة الجزائية المتخصصة لمضمون القرارات الملكية:
اطلعت على عدد من الأحكام ولوائح الادعاء المرفوعة لدى المحكمة الجزائية المتخصصة، واندهشت كثيراً لكون القاضي –هداه الله- يسبب حكمه بمسألة الإنكار العلني، ويحكم بالسجن لسنوات لمن ثبت عليه الإنكار العلني!
وهذه مخالفة فادحة جسيمة للنظام الذي سنّه ولي الأمر في أمرين ملكيين، وقرار من مجلس الوزراء، كلها تتضمن حماية الحق في (النقد العلني لمؤسسات الدولة) ووجوب الرد على نقد المصلحين، حيث جاء في الأمر الملكي الأول (نرغب إليكم التأكيد على الجهات المعنية كل فيما يخصه: بالرد على ما ينشر في وسائل الإعلام) وجاء في الأمر الملكي الثاني (على كل جهة حكومية، كُتب عنها أمر ينافي الحقيقة؛ المبادرة فوراً بالرد) وجاء في قرار مجلس الوزارء (والتجاوب بشكل فوري مع ما ينشر).
وهذه العمومات النظامية يدخل فيها سائر أوجه النقد البنّاء، ويدخل فيها سائر أوجه الإعلام، القديم والجديد.
وأمامي الآن بعض صكوك حُكِم فيها بالسجن على المدعى عليه لأنه أنكر علناً، لكني أختار عدم ذكرها، وعدم ذكر القاضي، لأن الهدف الإصلاح وليس التشهير بشخص معين، ولأني أخشى أن يكون ذكر اسمه سبباً في تمسكه وتعنته، ولأني أرجو أن يستبعد هذا التسبيب الخاطئ من أقضية المحكمة الجزائية المتخصصة، لأنه تسبيب مخالف صراحة للنظام وللأوامر الملكية وقرار مجلس الوزراء، فضلاً عن كونه تسبيب محرج للدولة لو ظهر لوسائل الإعلام، في عصر الربيع العربي.
5-سعة القنوات النظامية للإصلاح، وعدم الحاجة للفوضى: من يتأمل في الوسائل النظامية التي نصّت عليها الأنظمة للإصلاح والنصيحة مثل: النقد العلني في وسائل الإعلام التقليدية والجديدة كما نصت على ذلك القرارات الملكية وقرار مجلس الوزراء السابق إيضاحها، وزيارة وفود الناصحين والمحتسبين لولاة الأمر كما نص عليها المادة 43 من النظام الأساسي للحكم، أو المكاتبة والمخاطبة وبعث البرقيات كما نص عليها أيضاً المادة 43 من النظام الأساسي للحكم، أو استعمال حق التقاضي والتظلم لدى القضاء كما نصت عليه أنظمة كثيرة، وغيرها من وسائل الإصلاح والنصيحة؛ فمن تأملها أدرك أن لدينا ولله الحمد قنوات مشروعة ونظامية واسعة للإصلاح، فالواجب علينا عدم التقليل من جدواها وأهميتها، والإلحاح على تفعيلها، واستثمارها حت نهاية الطريق.
وأرجو -إن شاء الله- أن الداعية وطالب العلم والمصلح إذا اجتهد في استعمال القنوات النظامية فإنه تبرأ ذمته بإذن الله، ذلك أن “إقامة الشرع منوط بالوسع والاستطاعة” وهذا أصل كلي شرعي عام منبث في عمومات الشريعة وأفرادها، كما قال الله (لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا)[البقرة:233] وقال الله (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)[البقرة:286] وقال الله (لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)[الأنعام:152] وقال الله (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ)[هود:88]. وقال الله (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)[التغابن:16]. وفي البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)[البخاري:7288]. ففي هذه العمومات الشرعية أناط الله التكليف بالوسع والاستطاعة.
وهذه القنوات النظامية للإصلاح هي غاية الوسع والاستطاعة، ولا يعجبني منهج من يقلل من جدوى هذه القنوات النظامية، ويحبط العاملين فيها، ويزايد عليهم وهو خلف أقنعة مستعارة.
كما أنني أنتهز الفرصة وأبعث برسالة للمسؤولين، خادم الحرمين، وولي العهد، ووزير الداخلية، بضرورة حماية وصيانة القنوات النظامية للإصلاح والتغيير: كالنقد العلني لمؤسسات الدولة، وزيارة الوفود الاحتسابية للمسؤولين، واستعمال حقوق المتهم كالمحاماة والأوامر المسببة ونحوها في الدفاع عن الموقوفين الخ. حيث أثبتت التجارب أن كل تضييق على القنوات النظامية المشروعة هو سند معنوي ودعم غير مباشر للقنوات غير المشروعة للتغيير.
أسأل الله أن يعمر قلوبنا بالصدق في طلب الإصلاح، وقد قال الله سبحانه وتعالى (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ)[المائدة:119].
وروى ابن عساكر بسنده عن أبي حاتم الرازي قال (قلت لأحمد بن حنبل: كيف نجوت من سيف الواثق وعصا المعتصم؟ فقال لي: يا أبا حاتم لو وضع الصدق على جرح لبرئ)[تاريخ دمشق: 5/320].
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
أبو عمر
ربيع الأول 1434هـ
اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.