مقالات إبراهيم السكران

احتجاجات المناوئين للخطاب الشرعي

احتجاجات المناوئين للخطاب الشرعي _ مناقشة علمية

إبراهيم السكران

مدخل:

طوال السنوات السابقة كنت أسمع وأقرأ حزمة من “المقولات النقدية” التي توجه ضد الخطاب الشرعي، وعادة ما تبدأ هذه الجمل بعبارة (مشكلة الإسلاميين أنهم…الخ) أو (مشكلة المشايخ أنهم..الخ) ، وتارة أخرى ألاحظ أن العبارة تبدأ بلغة أكثر انتماءً مثل (مشكلتنا أننا .. الخ).

والذي لفت انتباهي طوال هذه الفترة في هذه المقولات النقدية أن الفكرة تقريباً متشابهة بين هؤلاء النقاد الذين ينتقدون، بل وفي كثير من الأحيان تجد العبارة ذاتها متشابهة، فأسمع وأقرأ ذات المفردة في الحوارات التي تدور في المجالس العامة، وفي المقابلات الإعلامية التي تُجرى مع بعض المنتسبين للثقافة، وفي المنتديات الفكرية الإلكترونية، بل وكثيراً ما أتلقى رسائل على البريد الإلكتروني من بعض الأصدقاء تتضمن الفكرة ذاتها وبالعبارات ذاتها!

هذا التشابه الهائل في تلك الأفكار والعبارات النقدية التي تُشهر في وجه الخطاب الشرعي كان بالنسبة لي سراً غامضاً، حتى أنني وأنا أسمع وأقرأ وألاحظ سعة هذا القدر المشترك بينهم، أقول في نفسي يا ترى هل تَمَاثُل المخرجات يعكس وحدة المصدر؟ أي أن هذا التناسخ التوأمي في الأفكار والعبارات هل يمكن أن يدل على أن المصدر “شخص واحد” وهم ينقلون عنه جميعاً؟!

المهم أنني لاحظت أن أكثر هذه “المقولات النقدية” شيوعاً سبع مقولات تقريباً:

أولها: أن الخطاب الشرعي لا يعتني بالقضايا الحقيقية والفعلية وأسئلة وإشكاليات الناس المدنية، وثانيها: أن الخطاب الشرعي يهتم بالقضايا الشكلية ولا يعتني بقضايا الأخلاق حتى أصبح التدين تديناً مظهرياً وليس تديناً حقيقياً، وثالثها: أن الخطاب الشرعي لا يعتني بالعلوم غير الشرعية بل ويشيع التزهيد فيها وأنه لا ثواب فيها مما أدى إلى تخلفنا في هذه العلوم، ورابعها: أن الخطاب الشرعي لا يعتني بمقاصد الشريعة ومنهج الشاطبي مما تسبب في إغراقه في الحرفية في تفسير النصوص والجزئية في الاهتمامات، وخامسها: أن الخطاب الشرعي منهمك ومشغول في صراعات ومعارك تاريخية طواها الزمن مثل قضايا الصفات والجهمية وخلق القرآن، وسادسها: أن الخطاب الشرعي خلق موقفاً سلبياً ضد الاستفادة من المنجزات المدنية الغربية مما تسبب في تخلفنا المعاصر، وسابعها: أن الخطاب الشرعي مجرد ذيل وتابع للنظام السياسي، وغارق في مديح الولاة والتزلف لهم، فهو أداة يحركها كما يشاء، وليس خطاباً شرعياً مستقلاً.
هذه المقولات السبع أكاد أسمعها في كل مجلس تثور فيه حوارات فكرية حول الواقع المحلي، وأكاد أقرؤها في كل مقابلة إعلامية يتم إجراؤها مع أحد المنتسبين للثقافة حين يتحدث عن رؤيته للخطاب الشرعي.

بل إنه من الطريف أن التشابه المتكرر بين هؤلاء النقاد يصل ليس فقط إلى الفكرة والعبارة، بل إلى أسلوب العرض ذاته، فقد لاحظت شخصياً أنهم كثيراً ما يستخدمون أسلوب السؤالين (أين نحن عن..؟) و (إلى متى ونحن نتحدث عن..؟)

فتراهم يقولون لك بصيغة السؤال الأول: (أين نحن عن مصالح واحتياجات وحقوق الناس؟ أين نحن عن قضايا الأخلاق وقيم العمل؟ أين نحن عن منجزات العلوم المدنية الغربية؟)

ثم يعقبونها بصيغة السؤال الثاني: (إلى متى ونحن نتحدث عن معارك الصفات والجهمية؟ إلى متى ونحن غارقون في القضايا الجزئية الصغيرة؟)

فلا أدري عن سر هذا التطابق في الفكرة، والمفردة، والأسلوب ذاته؟! وهذا التطابق في الحقيقة يمثّل بالنسبة لي ظاهرة طريفة فعلاً.

وهذه “المقولات النقدية” في الحقيقة تحمل أحكاماً ضمنية، بمعنى أنها تقرر أحكاماً عن واقع الخطاب الشرعي (بأنه يهمل قضايا معينة.. ويغالي في الاهتمام بقضايا أخرى)، ولذلك كنت حين أسمع شخصاً يردد بعض هذه المقولات النقدية فإني كنت أفضل دوماً أن أبدأ بالسؤال المنهجي: هل فعلاً أجريت دراسة مسحية أو استطلاعية -ولو كانت عابرة- على منتجات الدروس الشرعية والبحوث التي ينتجها الباحثون الشرعيون؟ وكنت دوماً أتفاجأ بردود مخيبة للآمال.

غالب الشخصيات التي تردد مثل هذه المقولات التقييمية ليس بحوزتها أية دراسة علمية تبرهن هذه الأحكام الضخمة التي يكررونها في مجالسهم بشكل معتاد.

ومن هاهنا فإنني قررت أن أقوم بكتابة ورقة موجزة تتضمن فحصاً لمدى الدقة العلمية في هذه (المقولات النقدية) التي تتداولها بكثرة المجالس العامة، والصوالين الأدبية، والندوات الثقافية، والأعمدة الصحفية، والمشاركات المنتدياتية.

ما مدى موضوعية هذه الأحكام وعلميتها؟ ما الذي يصح منها وما الذي لا يصح؟ أين أخطأ نقاد الخطاب الشرعي وأين أصابوا في هذه الاحتجاجات التي يوجهونها دوماً ضد الخطاب الشرعي؟.

ومثل هذه المناقشات بحكم أنها تدور أساساً حول (واقع الخطاب الشرعي) فإني اضطررت منهجياً في غالب فقرات هذه الورقة إلى التخلي عن التأصيل والتنظير العام، ومحاولة فرز وفحص واقع الخطاب الشرعي ذاته، وأريد أن أصل من هذا الكلام إلى القول بأنني كنت بحاجة إلى (أدلة ملموسة)، بحاجة إلى عرض (منتجات حية) لندرس على أساسها مضامين الخطاب الشرعي ونواقصه، ولذلك أكثرت من ذكر أسماء شخصيات فقهية ودعوية تنتسب للخطاب الشرعي المعاصر، لأنه لا يمكن لي مناقشة واقع الخطاب الشرعي دون عينات مستلة من داخل هذا الخطاب الشرعي ذاته.

وقد جمعت حصيلة المناقشات لهذه المقولات النقدية في الأقسام التالية:

-أولاً: وظيفة الخطاب الشرعي

-ثانياً: الخطاب الشرعي والحقول المدنية

-ثالثاً: الخطاب الشرعي وقضايا الأخلاق

-رابعاً: الخطاب الشرعي والعلوم غير الشرعية

-خامساً: الخطاب الشرعي والاستفادة من الغرب

-سادساً: الخطاب الشرعي والاستقلال السياسي

-سابعاً: الخطاب الشرعي ومقاصد الشريعة

-ثامناًً: الخطاب الشرعي ومعارك الصفات

-تاسعاً: خلاصات واستنتاجات

هذه هي محاور هذه الورقة بشكل عام، ولكن ثمة سؤال أساسي يفترض أن يكون الآن يطوف بذهن القارئ الكريم وهو: ما الدافع لكتابة هذه الورقة؟ أو ما الأهمية التي تدفع للقيام بهكذا مناقشة من الأساس؟ الحقيقة أن الإفصاح عن دافعي الجوهري للقيام بهذه المناقشات سأرجئه إلى ختام هذه الورقة، ولنغادر الآن إلى أولى فقرات هذه الورقة وهي تحليل الوظيفة الأساسية للخطاب الشرعي.

أولا: وظيفة العلوم الشرعية

لا يمكننا أن نبدأ باستعراض موضوعات واهتمامات البحث الشرعي المعاصر قبل أن نحدد بالضبط المعيار الذي نجري عملية التقييم على أساسه، أعني بالضبط تعيين (مهمة العلوم الشرعية)، أي أننا يجب أولاً أن نجيب على “سؤال الوظيفة”، فما هي وظيفة الفقيه تجاه قضايا العلوم المدنية وأسئلتها وإشكالياتها؟ فإذا حددنا وظيفة العلوم الشرعية والدور الذي يجب أن تقوم به أمكننا علمياً حينئذٍ أن ننتقل إلى دراسة نمط تعاطي الباحثين الشرعيين مع الأسئلة والإشكاليات المدنية المعاصرة.

في اعتقادي أن “المفتاح الذهبي” لاستيعاب إشكالية (ما وظيفة العلوم الشرعية؟) هو التمييز العلمي الواضح بين محورين: (المحور الموضوعي) و (المحور الفني)، فالمحور الموضوعي هو الذي يدرس الحكم التكليفي الشرعي لمعطيات العلوم المدنية باعتماد الوحي بشكل رئيس، أما المحور الفني فهو الذي يدرس التفاصيل التقنية للعلوم المدنية باعتماد الخبرة البشرية بشكل رئيس.

ومن الواضح أن المحور الموضوعي/التكليفي هو مهمة الفقيه الشرعي، والمحور الفني/التقني هو مهمة الخبير المسلم.

ولذلك إذا كان الفقيه جاهلاً بالتفاصيل الفنية لعلم مدني معين فلا يجوز له شرعاً أن يضلّل الناس، وإنما يجب عليه أن يرجع لكلام الخبراء، فالشريعة أسست مرجعية الخبراء كما أشار لذلك قوله تعالى: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 59] وقوله تعالى: {وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر:14].

ولذلك لو جاءنا فقيه وقال: “هذا العقد فيه جهالة”، وجاءنا اقتصادي أو محاسب موثوق وقال: “هذا العقد ليس فيه جهالة؛ لأننا نستطيع قياس المخاطر بنظريات علمية منضبطة”، فهاهنا تقرير الخبير الموثوق مقدم على رأي الفقيه، تبعاً لمرجعية الخبراء التي أسستها الشريعة.

ولذلك يقول الإمام ابن تيمية:

(وكون “المبيع معلوماً أو غير معلوم” لا يؤخذ عن الفقهاء بخصوصهم، بل يؤخذ عن أهل الخبرة بذلك الشيء، وإنما المأخوذ عنهم ما انفردوا به من معرفة الأحكام بأدلتها، فإذا قال أهل الخبرة أنهم يعلمون ذلك كان المرجع إليهم فى ذلك، دون من لم يشاركهم فى ذلك، وإن كان أعلم بالدين منهم، كما قال النبي r لهم في تأبير النخل: “أنتم أعلم بدنياكم فما كان من أمر دينكم فإلي”، ثم يترتب الحكم الشرعي على ما تعلمه أهل الخبرة) [الفتاوى، 29/493]

وحين تحدث الإمام ابن تيمية عن تفريقات الفقهاء بأنه ينظر في سبب التفريق، فإن فرقوا بين أمرين لسبب شرعي فالقول قول الفقيه، وإن فرقوا بين أمرين لسبب تجريبي فالقول قول أهل الخبرة:

(إن كان سبب الفرق مأخذاً عاديا أو حسيا -ونحو ذلك مما قد يكون أهل الخبرة به أعلم من الفقهاء الذين لم يباشروا ذلك- فهذا في الحقيقة لا يفرق بينهما شرعاً، وإنما هو أمر من أمر الدنيا لم يعلمه العالم) [الفتاوى،29/40]

وهذه القضية، في تقديم رأي الخبير المدني على رأي الفقيه الشرعي فيما يختص به الخبراء المدنيون من التفاصيل الفنية، أكدها الإمام ابن القيم في كتابه الدقيق “إعلام الموقعين” حيث يقول:

(وقول القائل “إن هذا غرر ومجهول” فهذا ليس حظ الفقيه, ولا هو من شأنه, وإنما هذا من شأن أهل الخبرة بذلك, فإن عدُّوه قماراً أو غرراً فهم أعلم بذلك, وإنما حظ الفقيه يحل كذا لأن الله أباحه, ويحرم كذا لأن الله حرمه, وقال الله وقال رسوله وقال الصحابة, وأما أن يرى هذا خطراً وقماراً أو غرراً فليس من شأنه, بل أربابه أخبر بهذا منه, والمرجع إليهم فيه, كما يرجع إليهم في كون هذا الوصف عيباً أم لا؟ وكون هذا البيع مربحاً أم لا؟ وكون هذه السلعة نافقة في وقت كذا وبلد كذا؟ ونحو ذلك من الأوصاف الحسية والأمور العرفية, فالفقهاء بالنسبة إليهم فيها مثلهم بالنسبة إلى ما في الأحكام الشرعية) [إعلام الموقعين، 4/5].

وقد عقد الإمام ابن القيم لتوضيح ذلك فقرة مكثفة في غاية الدقة التنظيرية في كتابه بدائع الفوائد، حيث يقول:

(الفرق بين “دليل مشروعية الحكم” وبين “دليل وقوع الحكم”: فالأول متوقف على الشارع، والثاني يعلم بالحس أو الخبر أو العادة..، فدليل مشروعية الحكم: يرجع فيه إلى أهل العلم بالقرآن والحديث، ودليل وقوع الحكم: يرجع فيه إلى أهل الخبرة) [بدائع الفوائد].

ونص ابن القيم السابق أطول من ذلك، وفيه روعة أصولية في تصوير هذه القضية، أعني التمييز بين حدود سلطة الفقيه الشرعي وسلطة الخبير المدني، لكني لجأت لاختصاره لضرورة الإيجاز في مثل هذه الورقة.

ولما حاول بعض متأخري الفقهاء أن يحدد نسبةً معينة للغبن في العقود التجارية، انتقد الإمام ابن عثيمين ذلك وجعل المرجع فيه أهل الخبرة المهنية، كما يقول:

(وقال بعض العلماء: إن الغبن الذي يخرج عن العادة هو واحد من خمسة، ونسبة واحد من خمسة إلى المائة عشرون في المائة، ولكن في القلب من هذا شيء، بل يقال: إذا جعلنا الأمر مرتبطاً بالعادة فهو أحسن، فإن اختلفنا نرجع إلى أهل الخبرة، إلى الدلالين المعتبرين في البلد) [الشرح الممتع، 8/296]

ويلاحظ الدارس لعلم الفقه الإسلامي في شتى أبواب الفقه – كجزاء الصيد الذي يحكم به ذوا عدل منكم، وخرص الثمار، وتقويم العيوب، وتقدير الشجاج، والقيافة، وضابط الغرر والغبن والحرز، واختلاف المتبايعين في الجودة والرداءة، وتعيين أنواع الأضرار الطبية التي تسبب الحرج، ومعيار التفريط في يد الأمانة كالوديعة والمضاربة ونحوها،..الخ – يجد أن المحققين من الفقهاء يحيلون الأمر دوماً إلى مرجعية الخبراء من أطباء ومهندسين واقتصاديين وغيرهم، ولذلك فأي دارس للفقه الإسلامي يلاحظ تكريس الفقهاء لـ”سلطة الخبير” في التفاصيل الفنية والتقنية والإجرائية والتجريبية للعلوم المدنية.

والمراد أن هذا أصل شرعي معتبر، وهو التمييز بين وظيفة الخبير المسلم (الطبيب، الاقتصادي، المهندس، الإعلامي، الخ) المختص بالتفاصيل الفنية للعلوم المدنية، ووظيفة الفقيه الشرعي المختص ببيان حكم الله ورسوله في الوقائع، والذي يعتمد على ما يقرره الخبراء المدنيون في حقولهم، كما يقول ابن تيمية: (ثم يترتب الحكم الشرعي على ما تعلمه أهل الخبرة). [الفتاوى،29/493]

ومما يلفت الانتباه في هذه القضية أن الشريعة حين أسست مرجعية الخبير فهذا يعني أن له حقاً وعليه واجباً، بمعنى أن هذه القضية تتضمن معطيين متقابلين، فحق الخبير أن يكون هو المرجع في التفاصيل الفنية، وواجبه أن يرجع إلى أهل العلم في معرفة الحكم الشرعي، بمعنى أنه لايفتي نفسه ولايفتي غيره.

حسناً، يبدو لي أننا الآن انتهينا من تعيين وظيفة الفقيه الشرعي (المختص ببيان الحكم التكليفي في الإشكاليات المدنية) وتمييزها عن وظيفة الخبير المسلم (المختص بالتفاصيل الفنية في العلوم المدنية)، ولننتقل الآن إلى استعراض واقع الخطاب الشرعي في علاقته بالعلوم والأسئلة والمستجدات والإشكاليات المدنية المعاصرة، وبطبيعة الحال لا يمكننا استعراض كافة الدراسات الشرعية لكن سننتقي عينات كاشفة في بعض الحقول المدنية محل النقد والاحتجاج.

ثانياً: الخطاب الشرعي والحقول المدنية

سبقت الإشارة إلى أن جزءاً من الاحتجاجات الشائعة تجاه الخطاب الشرعي تدور حول موقف الخطاب الشرعي من إشكاليات الحقول المدنية المعاصرة، وقد سمعت وقرأت الكثير الكثير من العبارات التي تدور حول هذا المعنى، فبعضهم يقول (مشكلة الخطاب الشرعي هي الغياب المدني) وبعضهم يقول (الخطاب الشرعي يعاني من جهل خطير بالأسئلة الحديثة والاشكاليات المعاصرة) وبعضهم يقول (الخطاب الشرعي ليس له أي مساهمة في فهم ومعالجة المتغيرات الاقتصادية والقانونية والسياسية والتكنولوجية المعاصرة).

وبعضهم يصل بالموضوع إلى نهايات فكرية فيقول: (أزمة أزمة انفصال العلوم الشرعية عن الأسئلة والإشكاليات المعاصرة هو في حقيقته نوع من العلمانية المقنّعة والتي هي أشد مما يتهمون به الناس)، وبعضهم يزيد اللغة حدة فيقول: (أفيقوا أيها الشرعيون، العالم اليوم لم يعد قضايا الحيض والسواك)، بل وقد قرأت لأحدهم يوماً يقول: (هؤلاء الباحثون الشرعيون أكثرهم دكاترة في أحكام الاستجمار!). وعبارات كثيرة جداً تؤكد هذا المضمون وتعلن التذمر من غياب البحث الشرعي المعاصر عن دراسة المستجدات والإشكاليات المدنية المعاصرة.

حسناً، نحن هاهنا بحاجة إلى التحليل العلمي الموضوعي لهذه الإشكالية، بمعنى أننا معنيون بفحص واقع الباحثين الشرعيين المعاصرين، وهل هم غائبون –فعلاً- عن الأسئلة المعاصرة والمستجدات المدنية في الاقتصاد والقانون والإدارة والاجتماع والعلاقات الدولية والقضايا الطبية والتكنولوجية والأفكار الحديثة ونحوها، أم أن هذه صورة غير دقيقة عن الباحثين الشرعيين المعاصرين؟

-نماذج من الرموز الكبرى:

لن نستطيع استعراض كل نتاج رموز الخطاب الشرعي فيما يتعلق بالمستجدات المعاصرة، ولكننا سنأخذ عينتين لعالمين كبيرين ينتميان للجيل السابق، ثم عينات أخرى تنتمي لجيل العلماء الشباب وطلاب العلوم الشرعية والباحثين الشرعيين.

فأما جيل العلماء الكبار فنلاحظ أنهم يأخذون مسارين في إنتاج الخطاب الشرعي، أولهما: مسار التدريس والتربية، وثانيهما مسار التأليف والبحث.

فأما أصحاب التدريس والتربية فمعالجاتهم للمسائل المعاصرة مبثوثة في ثنايا دروسهم، ولذلك أفضّل هاهنا أن نأخذ نموذجين من فريق التأليف البحث، وليكن هذان النموذجان هما فضيلة الشيخ العلامة المتفنن بكر بن عبدالله أبو زيد، وفضيلة الشيخ عبدالله بن منيع، وسنرى أن “جزءاً” من أبحاثهما ودراساتهما كان معنياً بإشكاليات الواقع والقضايا المعاصرة والحديثة:

فمن بحوث فضيلة الشيخ بكر بن عبدالله أبو زيد:

بحث بعنوان (أجهزة الإنعاش وعلامة الوفاة)، وبحث بعنوان (طفل الأنابيب)، وبحث بعنوان (التشريح وزراعة الأعضاء)، وبحث بعنوان (طرق الإنجاب في الطب الحديث)، وبحث بعنوان (خطاب الضمان البنكي)، وبحث بعنوان (بطاقه الائتمان المصرفية)، وبحث بعنوان (بطاقة التخفيض التسويقية)، وبحث بعنوان (التأمين)، وبحث بعنوان (التقنين والإلزام)، وبحث بعنوان (البوصلة)، وبحث بعنوان (الرقابة على التراث)، وبحث بعنوان (أدب الهاتف)، وبحث بعنوان (التحول المذهبي)، وبحث بعنوان (الرد على المخالف)، وبحث بعنوان (خصائص جزيرة العرب)، وبحث بعنوان (نظرية الخلط بين الإسلام وبقية الأديان)، وبحث بعنوان (المدارس العالمية الأجنبية الاستعمارية)، وبحث بعنوان (عيد اليوبيل)، وبحث بعنوان (حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية).

وغيرها كثير، وتلاحظ في النماذج السابقة اهتمام الشيخ د.بكر ابوزيد ببحوث الفقه الطبي، والفقه الاقتصادي، والقضايا الفكرية المعاصرة له.

وأما فضيلة الشيخ عبدالله بن منيع فمن بحوثه:

بحث بعنوان (الورق النقدي: حقيقته، تاريخه، قيمته، حكمه)، وبحث بعنوان (قبض الشيك: هل هو قبض لمحتواه؟) ، وبحث بعنوان (ربط الحقوق والالتزامات المؤجلة بمستوى الأسعار)، وبحث بعنوان (حكم تداول أسهم الشركات المساهمة)، وبحث عن (حكم الإلزام بالوعد في العقود)، وبحث عن (العقوبة المالية للماطل في السداد)، وبحث عن (خصائص الذهب) ، وبحث بعنوان (سندات الاستثمار وسندات المقارضة)، وبحث عن (العربون في عقود البيع والإجارة)، وأما (التأمين) فقد نشر الشيخ عدة أوراق وأبحاث حوله، وغيرها من الفتاوى والتعقيبات المتناثرة حول مسائل وتفاصيل الصيغ الاستثمارية والتمويلية المعاصرة.

ومن الملاحظ أن الشيخ ابن منيع برغم عنايته الشديدة بفقه المستجدات المالية المعاصرة، إلا أنه أيضاً مشاركٌ في الإنتاج العقدي (انظر: كتابه حوار مع المالكي في رد منكراته وضلالاته، رده على من أفتى بجواز أعياد الميلاد).

حسناً، هذان نموذجان لعالمين كبيرين لهما وزنهما المرجعي في الخطاب الشرعي المعاصر، ولا يمكن الجدال في كونهما ممثلين نموذجيين لهذا الخطاب الشرعي، ويتضح من عرض جزء من أبحاثهما عنايتهما بالإشكاليات المعاصرة لهم.

حسناً لننتقل الآن لاستعراض الدراسات والأبحاث التخصصية لعدد من العلماء الشباب، والباحثين الشرعيين، وطلاب العلوم الشرعية بشكل عام، في قضايا ومسائل العلوم المدنية المعاصرة. (مع الاعتذار المسبق بأنني في سائر النماذج القادمة حذفت من أسماء الباحثين الشرعيين كلمة “الشيخ” و كلمة “الدكتور” مراعاة للاختصار).

-الخطاب الشرعي والظواهر المالية العامة:

من أكثر وأشهر الإطلاقات التي يثيرها مناوئو الخطاب الشرعي ما يتعلق بتعقيدات الظاهرة المالية والاستثمارية والاقتصادية الحديثة، وكثرة مستجداتها، وأن العقل الشرعي المعاصر لا زال يفكر في البيوع التقليدية، بل إنني في حوارات فكرية كثيرة جداً سمعت الإشارة على سبيل السخرية بالقول: (الاقتصاد الحديث بحر لا ساحل له وأنتم إلى الآن تفكرون بتلقي الركبان وبيع الحصاة). أؤؤكد مجدداً أننا لن نتعرض هاهنا إلى المخاطر العقدية للسخرية بألفاظ حديثين نبويين شريفين، وسنتجاوز ذلك إلى اختبار مدى علمية هذا النقد، وهل البحث الشرعي المعاصر لا يعرف الظواهر المالية الحديثة؟

طالع معي هذه النماذج المنتقاة من الأبحاث والدراسات التي طرحها الباحثون الشرعيون في هذا المجال:

(الخدمات الاستثمارية في المصارف) يوسف الشبيلي، (الحوافز التسويقية) خالد بن عبدالله المصلح، (التضخم النقدي) خالد بن عبدالله المصلح، (الإغراق السلعي: دراسة فقهية مقارنة) مساعد بن عبدالعزيز العقيلي، (التسويق الشبكي: تكييفه وأحكامه الفقهية) بندر بن صقر الذيابي، (الصراف الألي، وحجية الأوراق الصادرة منه: بحث فقهي مقارن) شايف بن محمد العمراني، (خدمات ما بعد البيع: دراسة فقهية) بدر بن عبدالله الجدوع، (مدة الصلاحية في الأطعمة، وآثارها في البيوع) نبيل بن عبدالرحمن الجبرين، (حماية المعلومات التجارية السرية: دراسة فقهية مقارنة) محمد بن صالح بن المطوع، (اندماج الشركات) أحمد بن عبدالله الغامدي، (المنافسة غير المشروعة: بحث فقهي مقارن) صويان بن شايع الهاجري، (قروض البنك الزراعي: دراسة فقهية مقارنة) حمود بن عواض السالمي، (قروض بنك التسليف السعودي: بحث فقهي مقارن) إبراهيم بن عبدالرحمن الحميضي، (الأحكام الفقهية لخدمات المكاتب العقارية) زياد بن عبدالمحسن العجيان.

وهذه الدراسات الطريفة -التي تناولت أسئلة ذكية وتنم عن وعي واضح بالظواهر المالية المعاصرة- إنما هي مجرد نماذج فقط، أما الدراسات والأبحاث والأوراق والمناقشات الفقهية التي أنجزها طلاب العلوم الشرعية في قضايا (بيع التقسيط) و (التورق المصرفي) و (الأسهم) و (التأمين) و (البطاقات الائتمانية) ونحوها من المسائل الشائعة فهي كثيرة جداً ومتناثرة، وبعضها محفوظ في أعمال المؤتمرات الفقهية، وبعضها مبثوث على شبكة الإنترنت، وبعضهما مبحوث ضمناً في ثنايا كتب مطولة، بحيث يشق حصرها أصلاً، بل إنني لاحظت شخصياً أن الفتاوى والمناقشات والجدل الفقهي الذي كتب عن (أسهم الشركات) من حيث جواز المساهمة، أو زكاة الأسهم، أو الاكتتابات، ونحوها، يفوق كل ما كتبه الفقهاء المعاصرون من دراسات وبحوث عن اللحية أو الإسبال أو السواك أو الحيض والنفاس ونحوها.

لنواصل نماذج أخرى في محاور أخرى.

-البحث الشرعي والعقود الحديثة:

من العبارات التي يرددها المحتجون ضد الخطاب الشرعي المعاصر قولهم: (عالم المدنية المعاصر أفرز العديد من أنماط وصيغ العقود الحديثة، بينما الباحثون الشرعيون المعاصرون لا زالوا يعيدون اجترار بنت لبون وبنت مخاض الخ)، طبعاً بعيداً عن بشاعة الاستهتار بألفاظ النبي r الواردة في مقادير الزكاة، لكن دعونا نتجاوز ذلك، وننظر في مدى “الواقعية العلمية” لهذا الاحتجاج، هل البحث الشرعي المعاصر لا يعرف –فعلاً- العقود المعاصرة؟

سأستعرض هاهنا نماذج مختارة لبعض “دراسات العقود الحديثة” التي أجراها باحثون شرعيون، والتي تكشف حدود اهتماماتهم، والمناطق المدنية التي تماسوا معها، فمن نماذج تلك الدراسات التي أجراها المشايخ وطلاب العلوم الشرعية والباحثون الشرعيون المعاصرون في العقود الحديثة ما يلي:

(عقد نقل التكنولوجيا:دراسة فقهية مقارنة) محمد بن عبدالمحسن العبيكان، (عقد الحراسة الأمنية الخاصة في الشريعة والنظام السعودي) بندر بن عيسى النعمي، (عقد إيجار الخزائن الحديدية: دراسة فقهية مقارنة) إبراهيم بن فرج الفرج، (عقد استضافة المواقع على شبكة الإنترنت: دراسة فقهية مقارنة) سطام بن صالح النمي، (أحكام إبرام العقود التجارية عبر الإنترنت) سامي بن عبدالعزيز القاسم، (عقد الامتياز: دراسة فقهية مقارنة) خالد بن محمد الزومان، (عقد العمل البحري: دراسة فقهية مقارنة) سعد بن علي القرني، (عقد الصيانة الإداري في الفقه الإسلامي) محمد بن صقر القحطاني، (العقد الفندقي: دراسة فقهية مقارنة) فهد بن عبدالعزيز الداود، (عقد مقاولات البناء والمنشآت الثابتة في ضوء الشريعة الإسلامية) سالم بن خويتم الراشدي، (عقد الإذعان: بحث فقهي مقارن) أنس بن عبدالله العيسى، (عقد التأجير التمويلي: دراسة فقهية مقارنة) ماجد بن قينان النتيفات، (عقد التوريد الإداري: فقهاً ونظاماً) عبدالمجيد بن عبدالعزيز الزاحم، (عقد البوت “البناء والتشغيل”: دراسة فقهية مقارنة) عبدالعزيز بن عايض العتيبي، (أحكام عقد المقاولة من الباطن) محمد بن عبدالعزيز الماجد، (عقد السمسرة: دراسة فقهية مقارنة) محمد بن صالح المقبل، (أحكام عقد تأجير عقارات البلدية) محمد بن عايض العتيبي، (عقد العمل تحت الاختبار والتجربة: دراسة فقهية مقارنة) خالد بن محمد الشمراني، (عقد إيجار السفينة: دراسة فقهية مقارنة) محمد بن موسى الفيفي، (عقد العلاج الطبي: في الفقه والنظم المعاصرة) خالد بن محمد الزامل، (عقد النقل الجوي: بحث فقهي مقارن) عبدالعزيز بن علي الطويلعي.

والمراد أن هذه كلها مجرد نماذج لدراسات في صيغ العقود الحديثة ومسائلها، طرحها وتساءل في مداها باحثون شرعيون، مما يعني أن المؤسسة البحثية الشرعية ليست غائبة عن العقود الحديثة، وقد كان لدي في مسودة هذه الورقة أضعاف هذه النماذج، لكنني حذفتها لأنني شعرت أن طول سردها قد يكون باعثاً لسآمة القارئ، وعلى أية حال إذا رغب القارئ الكريم المزيد من دراسات الباحثين الشرعيين وطلاب العلوم الشرعية في قضايا العقود الحديثة فما عليه إلا أن يزور مكتبة الملك فهد الوطنية، ومكتبة الملك فيصل، ومكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود، ومكتبة المعهد العالي للقضاء، ونحوها من المكتبات المتخصصة، وسيجد أكداساً غزيرة من الدراسات الشرعية الممتعة في العقود الحديثة.

هذا فيما يختص بهذا النموذج، أعني دراسات العقود الحديثة، لننتقل الآن إلى مظاهر أخرى يتم طرح الاحتجاج حولها.

-البحث الشرعي والمسؤوليات الحديثة:

من العبارات التي يكثر تردادها بين المحتجين ضد الخطاب الشرعي قولهم إن (الأنماط المهنية والوظيفية الحديثة في حياتنا المعاصرة ولّدت أشكالاً جديدة من المسؤوليات المدنية والمهنية والإدارية والجنائية، وكل هذه المسؤوليات لا يعلم البحث الشرعي المعاصر عنها شيئاً لأنه لا زال يفكر في مسؤولية الفلاح وصاحب الحانوت في القرن الخامس!)، وربط الفقه الإسلامي بمشكلات الفلاح وحوانيت بغداد على سبيل التهكم سمعتها وقرأتها مراتٍ عديدة، وحاصل هذا النقد هو الإشارة إلى تطور فكرة “المسؤولية المدنية والمهنية والإدارية والجنائية” وأن البحث الشرعي المعاصر لا يعرف عنها شيئاً.

فما مدى “الواقعية العلمية” لهذا النقد؟ هل الباحثون الشرعيون المعاصرون لا يعرفون فعلاً صيغ وأنماط المسؤولية المدنية والجنائية للمهن والأعمال الحديثة؟

حسناً، بهدف فحص علمية هذا النقد سأضطر مجدداً لعرض نماذج من دراسات أشكال المسؤولية المعاصرة وصورها التي طرحها طلاب العلوم الشرعية والباحثون الشرعيون المعاصرون، فمن ذلك:

(مسؤولية الطبيب المهنية: بين الشريعة والأنظمة المعاصرة) عبدالله سالم الغامدي، (مسؤولية الصيدلي: بحث فقهي مقارن) عبدالله بن صالح العبداللطيف، (مسؤولية البنك عن الأخطاء الإلكترونية: بحث فقهي مقارن) سلطان بن عبدالرحمن النويصر، (مسؤولية المحاسب القانوني: دراسة فقهية مقارنة) ملحم بن ناصر الملحم، (مسؤولية القاضي: دراسة مقارنة بين الفقه والأنظمة) محمد بن إبراهيم الخنين، (المسؤولية التقصيرية لمصممي برامج الحاسوب: دراسة فقهية مقارنة) أحمد بن عبدالله العمران، (مسؤولية وكالات السفر والسياحة في الفقه الإسلامي) بكر بن عبداللطيف الهبوب، (المسؤولية الجنائية لصانع الدواء: بحث فقهي مقارن) خالد بن عبدالعزيز آل حسين، (مسؤولية الناقل البري: بحث فقهي مقارن) إبراهيم بن عبدالعزيز الدهيش، (مسؤولية المؤسسات الطبية الخاصة عن أخطاء الطبيب ومساعديه: دراسة فقهية مقارنة) أديب بن عبدالعزيز الدبيخي، (المسؤولية الجنائية لمهندس البناء: بين الشريعة والنظام) سلمان بن رضي السهلي، (مسؤولية الإدارة عن أخطاء موظفيها: بحث فقهي مقارن) مروان بن عبدالعزيز الشعلان، (مسؤولية مشيد البناء الجنائية: بين الفقه والأنظمة) طارق بن عبدالله العيدان، (المسؤولية التأديبية للموظف في النظام السعودي في ضوء الفقه الإسلامي) أحمد بن إبراهيم الشهراني، (مسؤولية المدير الإداري: بين الفقه والأنظمة) خالد بن ناصر الهياف، (مسؤولية الإدارة عن الإنظمة والقرارات المؤثرة على العقد الإداري: دراسة فقهية مقارنة) داود بن ناصر الداود، (مسؤولية الشركاء في الشركة المساهمة: في النظام السعودي والفقه الإسلامي) عبدالمحسن بن عبدالله الزكري، (دفع المسؤولية المدنية في حوادث المرور: دراسة فقهية مقارنة) سعد بن محمد السليمان، (مسؤولية الإدارة على أساس المخاطر: دراسة مقارنة بين القضاء الإداري والفقه الإسلامي) علي بن محمد السلطان.

والقائمة تطول وتطول من الدراسات والأبحاث التي فكّر فيها طلاب العلوم الشرعية، وتدور حول المسؤوليات المدنية والمهنية والإدارية والجنائية التي تثيرها الحياة المعاصرة، مما يعني أن القول بأن البحث الشرعي المعاصر، أو أن المؤسسة البحثية الشرعية المعاصرة، لا يعرفان هذه المسؤوليات؛ كلام غير علمي ولا موضوعي.

الخطاب الشرعي والفكر القانوني:

ومن الاحتجاجات الشائعة أن البعض يقول: (الباحثون الشرعيون جاهلون بأسئلة وإشكاليات الفكر القانوني المعاصر)، وهذه أيضاً شائعة غير علمية كلياً، فإن الباحثين الشرعيين طرحوا دراسات كثيرة جداً في القضايا القانونية المعاصرة، ومن ذلك مثلاً:

(سن الأنظمة: أسسه و ضوابطه) لشيخنا الفاضل يوسف بن عبدالله الخضير، (أصول تفسير النظام: دراسة فقهية مقارنة) معمر بن عبدالرحمن العمر، (عيوب صياغة القاعدة النظامية: بحث فقهي مقارن) عزمي بن عبدالعزيز المزروع، (قاعدة لا عذر بالجهل بالنظام بعد إعلانه: دراسة فقهية) عيد بن سليم البلوي، (التقنين الملزم وآثاره) محمد بن عبدالعزيز الموسى، (الشخصية الاعتبارية في الفقه الإسلامي) عبدالله بن فهد الهديب، (اكتساب الجنسية: دراسة فقهية مقارنة) حافظ بن علي الفيفي، (فقد الجنسية وآثاره: بحث فقهي مقارن) خالد بن عبدالعزيز التركي، (تملك الثروات الطبيعية البرية: بين الفقه الإسلامي والنظام السعودي) ماجد بن عبدالله الطريف، (المؤسسات العامة: دراسة فقهية مقارنة) ماجد بن سليمان الخليفة، (ضوابط سير المرافق العامة: بحث فقهي مقارن) يونس بن أحمد المشيقح، (ترقية الموظف العام: بين الفقه والنظام) عمر بن محمد الصمعاني.

ويزعجني أن أكرر أنني حذفت –أيضاً- نماذج أخرى كثيرة كانت في مسودة هذه الورقة تحاشياً لملل القارئ، ولاعتقادي أن هذه العينات البحثية تبقى شواهد دالة على مسارات البحث الشرعي ومناطق التفكير التي طرقها في الأسئلة القانونية الحديثة، ولنواصل الفحص في محاور أخرى يشيع فيها الاحتجاج حولها.

-الخطاب الشرعي والجريمة المعاصرة:

من الأمور التي يكثر إثارتها أيضاً بين نقاد الخطاب الشرعي قولهم أن (الحياة الحديثة خلقت أشكالاً جديدة من الجرائم، بينما الباحثون الشرعيون لا زالوا يفكرون في مسائل الديات وتغريب الزاني)، وهذه أيضاً صورة غير علمية وليست موضوعية، فإن الباحثين الشرعيين طرحوا الكثير من الدراسات الفقهية في مجال الجريمة المعاصرة، ومن ذلك مثلاً:

(جريمة خطف الطائرات: دراسة فقهية مقارنة) فهد بن عبدالله الغامدي، (جريمة إخلال الموظف بواجباته استجابة للواسطة: دراسة فقهية مقارنة) عبدالعزيز بن عبدالرحمن السالم، (جريمة غسل الأموال: دراسة مقارنة) عبدالله بن ثنيان الثنيان، (الجرائم الضارة بالبيئة: بحث فقهي مقارن) عبدالرحمن بن عبدالعزيز العثمان، (جريمة انتحال صفة رجل السلطة العامة: في الفقه والنظام) عبدالعزيز بن سالم العوفي، (جريمة البلاغ الكاذب: بين الشريعة والأنظمة) حبيب بن مجري القحطاني، (جريمة الهرب من السجن: فقهاً ونظاماً) فهد بن عطية المطيري، (جرائم الشيكات: بحث فقهي مقارن) يوسف بن سليمان القرزعي، (الجريمة الصحفية: بحث شرعي مقارن) مهدي بن عماش الشمري، (جريمة التلاعب والتضليل في السوق المالية: دراسة فقهية مقارنة) محمد بن عبدالله المرزوق، (جرائم المعلومات الداخلية في السوق المالية: بحث فقهي مقارن) عبدالعزيز بن أحمد المزيني، (جريمة تزوير بطاقة الائتمان: دراسة شرعية مقارنة) فهد بن عبدالله العرفج، (جريمة خيانة الأمانة في الشبكة العالمية: دراسة فقهية مقارنة) محمد بن عبدالكريم المطوع، (الجريمة المستحيلة: بحث فقهي مقارن) عبداللطيف بن عبدالله الجريان، (جريمة السب والقذف على شبكة الإنترنت: دراسة فقهية مقارنة) عبدالمجيد بن محمد اللحيدان، (تعدد الجريمة والمجرمين بين الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية) محمد عيسى عسيري، (جريمة العرض المرفوض للرشوة: دراسة فقهية مقارنة) عبدالعزيز بن عبدالله الناصر، (إثبات الجرائم بالتصوير والتسجيل الصوتي: دراسة فقهية وتطبيقية) عبدالرحمن بن شائع العريني، (إثبات الجرائم بالبصمة الوراثية: دراسة فقهية وتطبيقية) عبدالله بن مبارك الأحمري.

وهذه أيضاً مجرد نماذج منتقاة من الدراسات والمحاولات الفقهية لمعالجة مستجدات ظواهر الجريمة في عالم اليوم، ولنواصل فحص محاور أخرى.

الخطاب الشرعي والفقه الطبي:

ومن صور النقد التي يثيرها المحتجون ضد الخطاب الشرعي قولهم (الطب الحديث تطور وتعقدت إشكالياته، والباحثون الشرعيون لا زالوا يفكرون في الطب النبوي لابن القيم، والحبة السوداء وأبوال الإبل، وأساطير حار في الأولى يابس في الثانية، إلخ). وعلى أية حال هذا التهكم الذي يخلط مفاهيم نص عليها الوحي بتجارب تراثية من قبيل الخبرة البشرية غير الملزمة، ثم يسقطها على واقع الخطاب الشرعي المعاصر، كل ذلك غير علمي ويفتقد للموضوعية، ذلك أن معالجات الباحثين الشرعيين للمسائل الطبية كثيرة ومتنوعة ومنها:

(أحكام الجراحة الطبية) محمد بن محمد المختار الشنقيطي، (تحديد جنس الجنين: بحث شرعي) خالد بن عبدالله المصلح، (زراعة الاعضاء) يوسف الأحمد، (الهندسة الوراثية) سعد الشويرخ، (الاستنساخ الحيوي، وآراء الفقهاء فيه) أحلام بنت محمد العقيل، (الترقيع الجلدي: دراسة فقهية) أحمد بن عبدالرحمن الحمد، (العمليات الجراحية: دراسة فقهية) يوسف بن عبداللطيف الجبر، (الفحص الطبي وتطبيقاته القضائية) محمد بن فرحان الفيفي، (الإجهاض وأحكامه الفقهية) عبدالله بن محمد الداود، (الأخطاء الطبية في الفقه والنظام) عبدالله بن ناصر الجربوع، (التلقيح الصناعي وأطفال الأنابيب: دراسة فقهية مقارنة) فهد بن محمد الداود، (واجبات الطبيب نحو المريض) إبراهيم بن عبدالعزيز الحيدر، وغيرها كثير.

-الخطاب الشرعي والفكر الحقوقي:

من القضايا التي يرددها بكثرة نقاد الخطاب الشرعي قولهم أن الخطاب الشرعي يهمل كلياً دراسة “الحقوق”، ولذلك فالناس تجهل حقوقها بسبب غياب الخطاب الشرعي عن “البحث الحقوقي” وأن عالم اليوم تتنامى فيه الدراسات الحقوقية بينما لا يزال الخطاب الشرعي المعاصر يجهل هذه الحقوق جذرياً، ويرددون دوماً (قولوا لنا بالله عليكم أين دراساتكم الشرعية حول حقوق المرأة والطفل والمتهم والعمال.. إلخ؟).

وهذه أيضاً صورة غير علمية عن واقع الخطاب الشرعي، فمن نماذج الدراسات الحقوقية التي نفذها باحثون شرعيون مقارنين ذلك بالفقه الإسلامي ما يلي:

(حقوق وواجبات المرأة في نظام الخدمة المدنية السعودي: دراسة مقارنة بالفقه الإسلامي) خالد بن عبدالعزيز الجريد، (حقوق الزوجة في الفقه الإسلامي) عبدالعزيز بن صالح الجوعي، (حقوق المرأة المتوفى عنها زوجها في الفقه الإسلامي) عبدالله بن محمد العيسى، (الحقوق غير المالية الناشئة عن عقد الزواج) خالد بن عبدالله الحقباني، (حقوق الجنين في الفقه الإسلامي) عبدالله بن عبدالرحمن الدويش، (حقوق الأولاد في الفقه الإسلامي) مسفر بن دخيل العتيبي، (حقوق الأحداث في الإجراءات الجزائية: دراسة مقارنة بالفقه الإسلامي) محمد بن معيض الشهراني، (حقوق العمال وواجباتهم في الشريعة الإسلامية) علي بن عبدالله الغامدي، (حقوق الجند وواجباتهم: دراسة فقهية مقارنة) فهد بن محمد الرفاعي، (حقوق المحامي وواجباته: بحث شرعي مقارن) هلال بن علي الراحلة، (حقوق الأجنبي وواجباته في نظام الإقامة السعودي: دراسة مقارنة بالفقه الإسلامي) عبدالرحمن بن عياض السلمي، (حقوق المخترِع: دراسة فقهية مقارنة) منصور بن عبدالعزيز المنصور، (المتهم وحقوقه في الفقه الإسلامي) فهد بن سليمان الخليفة، (حقوق المتهم في الشريعة الإسلامية) صالح العقيل، (ضمانات حرية المتهم في مرحلة الاستدلال: دراسة فقهية مقارنة) عبدالله بن مشبب القحطاني، (ضمانات المتهم في مرحلة التحقيق الجنائي: بحث شرعي مقارن) عبدالمحسن بن علي الفقيه، (حقوق المتهم في مرحلة المحاكمة: دراسة فقهية مقارنة) عادل بن عبدالرحمن المنيع، (ضمانات التحقيق الجنائي مع المرأة: دراسة فقهية مقارنة) عبدالله بن عبدالعزيز الشتوي، (انتزاع الاعتراف من المتهم بالتعذيب، والآثار المترتبة عليه، وتطبيقاته القضائية) عبدالله بن فيصل الفيصل، (أحكام تفتيش المساكن في نظام الإجراءات الجزائية: بحث شرعي مقارن) طالب بن عبدالله بن طالب، (تفتيش الأشخاص في نظام الإجراءات الجزائية: دراسة مقارنة بالفقه الإسلامي) أحمد بن عبدالكريم العثمان، (أحكام التفتيش الجنائي: بحث فقهي مقارن) عبدالعزيز بن ناصر الفريدي، (حقوق المدعى عليه في مجلس القضاء) بدر بن عبدالله الغامدي، (حقوق الجاني: دراسة فقهية مقارنة) فواز بن ذعار العتيبي، (بدائل السجن: دراسة فقهية مقارنة) حجاب عائض الذيابي، (التعويض عن أضرار سجن الخطأ: بحث فقهي مقارن) إبراهيم بن محمد الحيدر.

وغيرها كثير كثير جداً، وحين اطلعت على هذا الكم الهائل من الدراسات والأبحاث الفقهية في موضوع “الحقوق الشرعية” سواء حقوق المرأة أو الطفل أو المتهم أو غيرهم، شعرت بأمرين، أولهما أنني شعرت بالضعف العلمي الفظيع لمن يردد مسلمات تلقاها من المجالس العامة بأنه لا يوجد بحوث فقهية في مجال الحقوق، والشعور الثاني الذي استولى علي هو أنني شعرت بالرثاء والأسى لمن يتوهم أن سبب ضياع حقوق الناس هو عدم وجود بحوث فقهية في مجال الحقوق! كم هو تحليل ساذج بكل ما تعنيه الكلمة! هذه المكتبة الفقهية مكتظة بالبحوث الشرعية عن الحقوق، فلماذا غابت الحقوق إذن؟ الجواب بسيط جداً لمن أراد أن يفتح عينيه.

على أية حال، دعونا نواصل مع محاور أخرى يكثر الحديث عنها أيضاً.

-الخطاب الشرعي والفقه السياسي:

يردد كثيراً المعنيون بالقضايا السياسية أن الخطاب الشرعي المعاصر لم يعالج كلياً قضايا الفقه السياسي، كنظام الحكم والانتخابات والمال العام واستقلال القضاء والعلاقات الدولية ونحوها، ومن أكثر ما يرددونه من المقارنات قولهم (أنتم مشغولون بدار الحرب ودار الإسلام وأحكام أهل الذمة، ولا تعرفون شيئاً عن قضايا الفكر السياسي الحديث)، وهذه أيضاً صورة غير علمية، وسأعرض هاهنا جزءاً من دراسات الباحثين الشرعيين في قضايا الفقه السياسي الداخلي والدولي:

(أحكام الانتخابات في الفقه الإسلامي) فهد بن صالح العجلان، (الحملات الانتخابية البلدية: دراسة فقهية مقارنة) محمد بن سعد الغامدي، (الشورى في الشريعة الإسلامية) صالح بن عبدالعزيز بن عبدالله العامر، (الحكومة الإسلامية بين نظم الحكم الأخرى) عبدالله بن ابراهيم الطريقي، (الرئيس الأعلى للدولة الإسلامية: دراسة فقهية مقارنة) طنف بن محمد الدعجاني، (تولية الإمام بين النظرية والتطبيق عبر تاريخ الإسلام السياسي) علي بن فهيد السرباتي، (طرق تولية الإمام الأعظم عند أهل السنة) محمد بن عبدالله المعلا، (أركان الدولة: بحث فقهي مقارن) صالح بن علي المري، (البيعة في نظام الحكم الشرعي) عبدالعزيز بن عبدالله المزروع، (البيعة والنص في الفقه السياسي) عبدالعزيز بن فهد العجلان، (ولاية المرأة في الفقه الإسلامي) فؤاد بن عبدالكريم العبدالكريم، (العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الفقه الإسلامي والنظم الديمقراطية: دراسة مقارنة) محمد بن عبدالرحمن الحقيل، (الوزارة والأمارة: بحث فقهي تاريخي) ناصر بن أحمد الراشد، (ضوابط التصرف في المال العام في الفقه الإسلامي) خالد بن محمد الماجد، (الحماية الإدارية للمال العام: بحث فقهي مقارن) فيصل بن رميان الرميان، (الحماية الجنائية للمال العام: دراسة فقهية مقارنة) مبارك بن عبدالله بن هقشة، (مصارف بيت مال الدولة الإسلامية) عبدالله بن سليمان المطلق، (ضمانات العدالة في القضاء) أحمد بن عبدالمجيد الغامدي، (مدى استقلال السلطة القضائية في الفقه الإسلامي) فهد بن إبراهيم المشيقح، (استقلال عضو هيئة التحقيق والإدعاء العام: دراسة فقهية مقارنة) ياسر بن سليم القرشي، (حقوق عضو مجلس الشورى وواجباته: دراسة مقارنة بالفقه الإسلامي) نايف بن عبدالله المحيميد، (الحريات العامة في الفقه الإسلامي) عبدالله بن إبراهيم العريني، (التدرج في تطبيق الشريعة وعلاقته بالسياسة الشرعية) زياد بن عبدالله الفواز، (العلاقات الدولية في الفقه الإسلامي) عبدالله بن إبراهيم العريني، (البحر الإقليمي للدولة: بحث فقهي مقارن) فهد بن محمد المهيزع، (بعثة التمثيل السياسي: بين الشريعة والأنظمة) سلمان بن جابر المجلهم، (العرف الدولي: دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الدولي) قاسم بن مساعد الفالح، (المقاطعة الاقتصادية وأحكامها في الفقه الإسلامي) تركي بن عبدالله الرشودي، (الحياد الدولي: دراسة تأصيلية مقارنة) صالح بن محمد التابعي، (التحفظ على المعاهدات الدولية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي) فيصل بن عبدالمجيد الحصين، (المنازعات الدولية وتسويتها بالطرق السلمية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي) أسامة بن عبدالله الموسى، (التمثيل السياسي في ضوء الفقه الإسلامي) عبدالله بن صالح الصرامي، (معاهدات التحالف العسكري في الفقه الإسلامي مقارنة بالقانون الدولي) سعد بن مطر العتيبي، (فقه المتغيّرات في علائق الدولة الإسلامية بغير المسلمين) سعد مطر العتيبي، (نقض المعاهدات في الفقه الإسلامي والقانون الدولي) عبدالله بن محمد الشهري، (أعمال السيادة في الفقه الإسلامي) فهد بن محمد الجوعي، (أحكام اللجوء في الفقه الإسلامي والقانون الدولي) محمد المورقي، (حصانات وامتيازات الممثلين السياسيين في الفقه الإسلامي والقانون الدولي) عبد المجيد بن علي البلوي، (تسليم المطلوبين بين الدول وأحكامه في الفقه الإسلامي) زياد عابد المشوخي، (أحكام الأسرى في الفقه الإسلامي والنظام الوضعي) صالح بن عبدالعزيز التويجري، (قواعد الحرب بين الشريعة والقانون) عواض بن محمد الوذيناني.

الخطاب الشرعي والأفكار الحديثة:

ومن صور النقد الشائعة أيضاً قولهم: (عالم اليوم يموج بأنواع التيارات والأفكار والمدارس والتحولات الفكرية، بينما الخطاب الشرعي لا يعرف عنها شيئاً ولا زال يصارع الجهمية والكلابية). وهذا الكلام غير علمي ولا يمثل دراسة موضوعية لواقع الخطاب الشرعي، فمن دراسات الخطاب الشرعية حول الأفكار والتيارات والتحولات الحديثة:

(موقف الاتجاه الفلسفي المعاصر من النص الشرعي) حسن بن محمد الأسمري، (نظرية المعرفة في الفلسفة الأوربية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر) صالح بن عبد الرحمن الشريدة، (نظرية الواجب الأخلاقي عند كانط: دراسة ونقد) أحمد معاذ حقي، (مفهوم الوحي عند التأويلية المعاصرة) لطيفة المعيوف، (التطبيقات المعاصرة لفلسفة الاستشفاء الشرقية: دراسة عقدية) هيفاء بنت ناصر الرشيد، (البرمجة اللغوية العصبية المعربة: دراسة عقدية) هند بنت علي المطرود، (تأثير النظريات العلمية الحديثة في الفكر التغريبي العربي المعاصر) للشيخ د.حسن بن محمد الأسمري، (الاتجاه العقلاني لدى المفكرين الإسلاميين المعاصرين) سعيد بن عيضة الزهراني، (الانحراف العقدي في الأدب العربي المعاصر) سعيد بن ناصر الغامدي، (الحداثة في العالم العربي) محمد بن عبد العزيز العلي، (حزب البعث مبادؤه وأهدافه) إبراهيم بن محمد الدوسري، (دعوة التقريب بين الأديان: دراسة عقدية) أحمد بن عبد الرحمن القاضي، (اليزيدية، وعلاقتها بعبادة الشيطان: دراسة عقدية) فهد بن علي المساعد، (المدرسة العقلية الحديثة) ناصر بن عبد الكريم العقل، (التيار الوجودي في الفكر العربي المعاصر: دراسة نقدية عقدية) هاني بن عبدالله الملحم، (التحولات العقدية المحمودة في صفوف الإمامية في الفترة (1320-1420): عرض ونقد) خالد محمد البديوي، (التكفير عند جماعات العنف المعاصرة: عرض ونقد) إبراهيم بن صالح العايد، (حديثو العهد بالإسلام ومشكلاتهم: دراسة عقدية) أحمد بن عبدالله الحسين، (موقف الصوفية من الاستعمار: دراسة عقدية) وفاء بنت حمد الخميس، (الحضارة الإنسانية في القرآن: عوامل نموها وانحطاطها) عبدالكريم عبدالعزيز الشملان، (علماء الشريعة و بناء الحضارة) وهي دراسة موسعة لشيخنا عبدالله بن ابراهيم الطريقي.

بل لا تكاد توجد طائفة ومدرسة فكرية مشهورة ولها أثر وامتداد إلا وتجد المختصين العقديين قد طرحوا حولها كثيراً من المعالجات والدراسات بحسب اجتهاداتهم، ويبدو أن هذا الاتهام قديم نوعاً ما، حيث إنه في الحقبة الماضية حين كانت التيارات الفكرية في العالم العربي هي القومية والاشتراكية ونحوها، كان بعض المعنيين بمناقشة هذه الأفكار يرى أن الخطاب الشرعي غائب عن هذه الأفكار، مما استدعى شخصية بوزن “ابن باز” وهو الأب العلمي للخطاب الشرعي المعاصر أن يرد على هذه الفكرة حيث يقول رحمه الله:

(العلماء في السعودية يعرفون مشاكل العصر, وقد كتبوا فيها كثيرا, وأنا منهم بحمد الله, وقد كتبت في ذلك ما لا يحصى) [مجموع فتاوى ابن باز، 8/242 ].

على أية حال .. هناك أيضاً محاور أخرى يرى نقاد الخطاب الشرعي أن الشرعيين لم يقدموا حولها أية دراسات، لكن يبدو لي أنه من غير اللائق بوقت القارئ أن نواصل عرض النماذج حتى لا تتحول هذه الورقة إلى ببليوجرافيا، وفي تقديري أن الباحث الموضوعي يستدل بهذه النماذج على ما سواها، أعني أن الباحث الموضوعي إذا رأى أشهر ما يطرح الناقدون نقدهم حوله -كقضايا الاقتصاد والقانون والحقوق والسياسة والطب والأفكار والفلسفات- وأن هذه التعميمات التي أطلقوها تعكس بعدهم الكلي عن موضوع نقدهم، وجهلهم الفظيع بواقع الخطاب الشرعي ، فإن ذلك سيورثه –على الأقل – تحفظاً تجاه الدعاوى الأخرى ومدى صلة الخطاب الشرعي بإشكالياتها.

ولذلك سننتقل الآن إلى إشكالية مختلفة.

ثالثاً: الخطاب الشرعي وقضايا الأخلاق

يردد كثير من مناوئي الخطاب الشرعي قولهم بأن الفكر الديني المحلي استغرق في القضايا الشكلية كاللحية والإسبال، وترك قضايا الجوهر الأخلاقي كالأمانة والإحسان إلى الناس وحقوق الغير ونحوها، حتى صار التدين شكلياً، وصار مفهوم التدين مرتبطاً في الوعي الشعبي بقضايا القشور، وقد لاحظت أن أكثر قضية أخلاقية يرددها هؤلاء المناوئين هي قضية “قيم العمل” أو “احترام المهنة”، وأنها قيمة أخلاقية غائبة كلياً في الخطاب الشرعي، مما أدى إلى تحوله إلى تدين مظهري مجوف غير حقيقي.

هذه الفكرة/الشعار تتكر كثيراً كثيراً، فما مدى يا ترى علمية هذا الاحتجاج؟ وهل فعلاً أن الخطاب الشرعي يهمل قضايا الأخلاق كالأمانة وقيم العمل والوظيفة؟، نحتاج في فحص مصداقية هذا النقد وموضوعيته إلى عرض نماذج من منتجات الخطاب الشرعي في قضايا الأخلاق.

سنأخذ عينيتن يصدق عليهما أنهما ممثل نموذجي، فنموذج من الفقهاء أصحاب الفتيا، ونموذج من الدعاة واسعي الانتشار، لكي يمكن أن نكون قدمنا حكماً أقرب للدقة في تصور واقع الخطاب الشرعي.

فمن شريحة الفقهاء أصحاب الفتيا: لنأخذ العلامة الإمام ابن عثيمين، وهو أهم مرجعية فقهية سنية معاصرة على الإطلاق، فبسبب كثرة نتاج الشيخ في قضايا “قيمة العمل وأخلاقيات المهنة” جمعت فتاواه المبثوثة فبلغت مجلداً كاملاً مخصصاً فقط لفتاوى الموظفين، كما جمعت له رسائل أخرى عن الطبيب وغيره.

والشيخ ابن عثيمين معروف بكثرة احتياطه في جانب (أمانة العمل الوظيفي) باعتباره عقداً، والشارع عظّم الوفاء بالعقود، حتى بلغ الحال بالشيخ أنه كان يفتي للمؤسسات المهنية إذا كان خروج الموظفين للصلاة في المسجد سيترتب عليه التفريط في حقوق العمل بأن يصلوا في مقرات العمل، ومن ذلك مثلاً قوله في الشرح الممتع:

(بعض الموظفين لا يخافون الله، فإذا خرجوا إلى الصلاة خرجوا إلى بيوتهم، وربما لا يرجعون، ففي هذه الحال نقول: صلوا في مكانكم، لأن هذا أحفظ للعمل وأقوم، والعمل تجب إقامته بمقتضى الالتزام والعهد) [الشرح الممتع 4/249 ، وانظر أيضاً: ثمرات التدوين، م121 ]

ومن الفروع الفقهية التي نتجت عن احتياط الشيخ لجانب (أمانة العمل الوظيفي) أنه كان يرى تحريم أخذ الإجازة الاضطرارية من أجل الذهاب للعمرة، لأن العمرة مستحبة والعمل عقد واجب، كما يقول الشيخ مثلاً:

(أسئلة كثيرة حول موضوع الإجازة الاضطرارية لمن يريد العمرة أو غير ذلك؟ على كل حال كلمة اضطرار تعني: أنه لا بد من ضرورة، والعمرة ليست ضرورة أبداً، حتى لو كانت فريضة والإنسان موظف فإنها لا تجب عليه؛ لأنه مشغول بوظيفة، فكيف وهي تطوُّع. وكذلك –أيضاً- بالنسبة لأئمة المساجد، هؤلاء الذين يذهبون إلى العمرة ويَدَعون مساجدهم، هم في الحقيقة كالذي يبني قصراً ويهدم مصراً، يذهبون إلى التطوع ويَدَعون الواجب، وهذا من قلة الفقه، عندهم رغبة في الخير ولا شك، ولم يحملهم على هذا إلا رغبة الخير؛ لكن عندهم قصور في الفقه، لا يعرفون ولا يميزون بين الأمور؛ لأن بقاءهم في عملهم الذي يؤدون فيه واجباً أفضل من ذهابهم إلى العمرة؛ لأن البقاء في العمل من باب الواجبات، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الله قال: (ما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضتُه عليه). [جلسات رمضانية، ابن عثيمين]

وكان الشيخ يكرر هذه الفتوى في محافل كثيرة، وهذا المبدأ –أعني “احترام الأنظمة”-، صحيح أنه أصل مشترك بين فقهاء أهل السنة، لكن للشيخ ابن عثيمين -لمن تتبع فتاواه- مزيد اختصاص في التمسك بهذا الأصل وكثرة مراعاته والفتيا على أساسه، يعرف ذلك من له أدنى خبرة بنصوص الشيخ رحمه الله، حتى أن القارئ يستطيع أن يعرف موقف الشيخ بمجرد أن تكون القضية مما يتصل باحترام الأنظمة، وهذا الأمر لفت انتباه كثيرٍ من طلاب العلوم الشرعية، حتى خصص لها أحد الباحثين دراسة أكاديمية فقهية مستقلة بعنوان (ربط الحكم الشرعي بالنظام عند الشيخ ابن عثيمين: دراسة فقهية مقارنة) طرحها الباحث محمد بن عبدالله الطريقي.

فهذا نموذج من فقهاء الخطاب الشرعي، بل هو أهم مرجعية فقهية مؤثرة في الخطاب الشرعي بلا منافس، فتأمل كيف كان تعظيمه لأمانة وقيمة العمل كقيمة أخلاقية، تأمل كيف أثر هذا الأصل الأخلاقي على فتاواه الفقهية، ولم يجعل التدين قضية ظاهرية شكلية، ولننتقل الآن إلى شريحة الدعاة.

فمن شريحة الدعاة واسعي الانتشار: لنأخذ الشيخ محمد صالح المنجد، وله دروس وخطب وفتاوى وبرامج كثيرة وغزيرة جدا تتحدث عن قضايا الأخلاق بشكل عام وأخلاق العمل بشكل خاص، بالإضافة إلى جهوده في بيان القضايا العقدية والفقهية الأخرى، ومن ذلك:

(أكل أموال الناس بالتأويلات) ، (الدين ليس مظهراً فقط) ، (قيمة الإتقان) ، (سلسلة الحقوق الزوجية) ، (مهلاً أيها الزوجان) ، (خطوات علاجية عند النفرة الزوجية) ، (سلسلة الأخلاق الحسنة) ، (الواجب نحو كبار السن) ، (كيف نضبط انفعالاتنا؟) ، (صيانة العلاقات الأخوية) ، (التنافر والتجاذب في العلاقات الشخصية) ، (كيف نتعامل مع أخطاء الناس) ، (الاستشارة في حياة المسلم) ، (اعتناء الإسلام بنفسية المسلم) ، (الغيظ المكتوم بين الظالم والمظلوم)، ومثل هذا النمط من الموضوعات أكثر الشيخ المنجد من العناية به.

وأما دروسه في القضايا العامة للناس فمن نماذجها:

(غلاء الأسعار) ، (الفقر: رؤية شرعية) ، (الحلول الإسلامية لمشكلة الفقر) ، (أسباب الأزمة المالية العالمية) ، (أثر الأزمة الاقتصادية في نفوس الناس) ، (رسالة إلى الطبيب المسلم) ، (مصادر المعلومات) ، (الجهل عدو المرأة) ، (خطر الشائعات) ، (سبل مقاومة الضغوط النفسية) ، (قواعد في حل المشكلات) ، (كيف تثبت المرأة جدارتها؟) ، (أهل الباطل هم الإقصائيون) ، (التفاؤل في أجواء الإحباط) ، (البدائل الترفيهية).

وبالتالي فالقول بأن الخطاب الشرعي أو الدعوي غائب عن الأخلاقيات والأسئلة الحديثة إنما هو كلام غير علمي.

ومن المهم أن نفهم منهجية الخطاب الشرعي في تناول كثير من القضايا المدنية، ذلك أن الخطاب الشرعي لا يفرد كثيراً من المشكلات المدنية تحت أبواب خاصة، لكنه يتحدث عنها تحت مظلة المفاهيم الشرعية، فيتحدث العالم الشرعي عن (الأمانة) ويذكر أمانة الأسرة وأمانة الوظيفة ونحو ذلك، ويتحدث العالم المسلم عن (العدل) فيتحدث عن تطبيقاته كالعدل في القضاء، والعدل في الولاية، والعدل مع العمال، والعدل مع الزوجة، إلخ، فالقضايا المدنية في الغالب لا يفرد لها الفقهاء أبواباً خاصة، بل يدرجونها كتطبيقات تحت مظلة المفاهيم الشرعية، ولذلك فكثير من المفاهيم السياسية الذي يظنها البعض غائبة هي أصلاً تندرج عندهم تحت موضوع (الحكم بما أنزل الله)، ثم يتحدثون عن أن الحكم بما أنزل الله يتضمن الشورى والعدل والحقوق والعناية بالرعية وحفظ كرامة المسلمين ونحوها.

وحين يتحدثون عن الحقوق يتحدثون عن حق الطريق، وحق الزوجين على بعضهما، وحق الراعي والرعية، وحقوق الحيوان في الصيد والذكاة والإحراق ونحوها. فالمفاهيم الشرعية كالعدل والأمانة والحقوق وإعداد القوة، وتحريم السرقة والغش وقول الزور، هذه كلها يُدخِل فيها العلماء القضايا المدنية.

والحقيقة إنني حين سمعت البعض يكرر أن (الخطاب الشرعي لا يعتني بالأخلاق وإنما بالشكل) عدت من جديد للمكتبة المقروءة والصوتية لرموز الخطاب الشرعي من فقهاء ودعاة وخطباء، وأخذت أتصفح مواقع المشايخ، وفهارس الخطب والدروس، ووالله العظيم إنني تفاجأت من المغالاة في النتاج الشرعي حول قضايا (بر الوالدين) (وصلة الرحم) و (الوصية بالجار) و (حقوق الزوجين) و (الصدقة على المحتاجين)، وفي كثرة التحذير والاستبشاع تجاه (الغيبة) (التنابز بالألقاب) و (الحسد) و (أكل أموال الناس بالباطل) و (الرياء) و (الغرور) وغير ذلك من قضايا أخلاقية نبيلة تتكدس فيها آلاف المحاضرات والدروس والخطب والفتاوى والكتيبات والمطويات والبحوث والدراسات.

بل إنني أتحدى كائناً من كان أن يأتي بأي تيار فكري معاصر في الشرق أو الغرب ويزعم أنه تكلم عن موضوع (بر الوالدين) بما يقارب عُشر ما تحدث به الخطاب الشرعي المعاصر! فكيف يقال بعد ذلك أن الخطاب الشرعي مغرق في التدين الشكلي؟! هذا لا يقوله إلا جاهل بهذا الخطاب، أو مصمم على التشويه لأغراض آيديولوجية.

أما حديث الخطاب الشرعي عن أخلاقيات تزكية النفوس، كالحض على التعلق بالله، والثقة به سبحانه، وحسن الظن بالله، واليقين به، والتوبة إليه، والاستخارة، والتحذير من الرياء، والتسخط من القدر، ونحوها فهذه أمور لا يعرفها الفكر المادي الغربي والشرقي على حد سواء.

والمراد أن من زعم أن علماء الخطاب الشرعي لا يتحدثون عن قضايا المدنية وقضايا الأخلاق التي تتصل بمصالح الناس، فإما أنه لا يعرف أصلاً هذا الخطاب الشرعي، وإنما يبني تصوراته من خلال مستهلكات المجالس، وإما أنه يعرف ذلك لكنه يريد إلغاء بقية الاهتمامات ويتوسل ببعضها ضد بعضها الآخر.

رابعاً: الخطاب الشرعي والعلوم غير الشرعية

يرى مناوئوا الخطاب الشرعي بأننا (اليوم في تخلف مدني شديد وبحاجة ماسة إلى العلوم المدنية المعاصرة، ولكن أزمة الخطاب الشرعي أنه يزهد الشباب المسلم في تعلم العلوم المدنية، وأنها ضياع وقت، وأنه لا ثواب فيها)، ولذلك يعتقد هؤلاء النقاد أن ضعف الجوانب المدنية في المجتمع المسلم المعاصر ليست أولاً بسبب ضعف كفاءة المسؤولين عن التعليم، وإنما بسبب الخطاب الشرعي الذي يضخ -ولا يزال- صورة منحطة عن العلوم المدنية.

هل يا ترى كان الخطاب الشرعي فعلاً يشيع التزهيد في العلوم المدنية وأنه لا ثواب فيها؟ هذا تصوير غير دقيق للواقع، فرموز الخطاب الشرعي لديهم تكييف فقهي شائع جداً لا يوجد أحد منهم يخالف فيه البتة، وهي أنهم يلخصون رؤيتهم بقولهم (العلوم المدنية التي يحتاجها المسلمون في حياتهم “فرض كفاية” يجب شرعاً أن يوجد في المسلمين من يقوم بها) هذا التكييف الفقهي لمنزلة العلوم المدنية محل الاحتياج -أعني اعتبارها “فرض كفاية”- هو كالمسَلَّمة العريقة داخل الخطاب الشرعي، وسنستعرض هاهنا شواهد مختارة على ذلك:

يقول الأب العلمي للخطاب الشرعي المعاصر الإمام ابن باز عليه رحمات الله في محاضرة بعنوان (العلم وأخلاق أهله)، وهي موجودة كمادة صوتية وكنص مكتوب:

(أنواع الصناعات المباحة, واستخراج المعادن، والزراعة، وغير ذلك، كلها أمور مطلوبة ومع صلاح النية تكون عبادة, ومع خلوها من ذلك تكون أموراً مباحة, وقد تكون “فرض كفاية” في بعض الأحيان إذا دعت الحاجة إليها)

ولننتقل إلى رمز آخر من رموز الخطاب الشرعي وهو الإمام ابن عثيمين الذي يمثل مرتبة الفقيه رقم واحد في الخطاب الشرعي المعاصر، حيث يقول مؤكداً مفهوم “الفرض الكفائي” للعلوم المدنية التي يحتاجها المسلمون:

(قال بعض أهل العلم: “إن تعلم الصناعات والطب والهندسة والجيولوجيا وما أشبه ذلك من فروض الكفايات” لا لأنها من العلوم الشرعية، ولكن لأنها لا تتم مصالح الأمة إلا بها، ولهذا أنبه الإخوان الذين يدرسون مثل هذه العلوم أن يكون قصدهم بتعلم هذه العلوم نفع إخوانهم المسلمين ورفع أمتهم الإسلامية، فالأمة الإسلامية الآن ملايين، لو أنها استغلت مثل هذه العلوم فيما ينفع المسلمين لكان في ذلك خير كثير، ولا ما احتجنا إلى الكفار في تحصيل كمالياتنا، بل وفي تحصيل ضرورياتنا أحيانًا، فهذه العلوم إذا قصد بها الإنسان القيام بمصالح العباد صارت مما يقرب إلى الله، لا لذاتها ولكن لما قصد بها) [مجموع فتاوى ابن عثيمين، 26/50]

ونهى الشيخ عما يقع من البعض من ازدراء العلوم الدنيوية:

(وإذا كانت العلوم التي تتعلق بالدنيا نافعة للخلق ولا تشغل عما هو أهم منها كان طلبها محموداً لما توصل إليه من النفع العام أو الخاص، ولا ينبغي لنا أن نحتقرها حتى لا نجعل لها قيمة في حال تكون مفيدة للخلق) [فتاوى ابن عثيمين، 26/31]

ويقول ابن عثيمين أيضاً في حكم تعلم الطب:

(لا شك أن لهم –أي الأطباء- أجراً بحسب نيتهم وعملهم لأن الطب نفسه ليس مقصوداً لذاته ولكنه مقصود لغيره، لهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن تعلم الطب “فرض كفاية”، لا بد للمسلمين أن يكون فيهم أطباء ، فألحقوه بفرض الكفاية ، لأن هذا مما تحتاجه الأمة، فإذا قصد الإنسان بعمله هذا القيام بهذا الفرض والإحسان إلى الخلق فسينال أجراً كثيراً) [ارشادات للطبيب المسلم]

ولا أعتقد أنه من المنطقي التوسع في نقل اقتباسات أخرى، لأن هذه القضية -أعني اعتبار العلوم المدنية التي يحتاجها المسلمون فرض كفاية- أشبه بالثابت الفقهي الراسخ.

ولكن من الطريف أن نحاول التقاط الصورة من زاوية أخرى، ذلك أننا حين نتأمل كتابات المفكرين العلمانيين العرب المعاصرين نجد أنهم كثيراً مايطرحون إشكالية للتساؤل مؤداها (أن الإسلاميين يتواجدون بكثافة في ميدان العلوم الطبيعية/التجريبية/التطبيقية كالطب والحاسب والهندسة ونحوها، ويسيطرون على أنشطتها الطلابية، بينما نجد غيابهم الفادح في حقول الإنسانيات كالفلسفة والانثروبولوجيا والقانون ونحوها؟ فهل هذا هو السبب في دوغمائيتهم؟) هذا السؤال الذي يطرحه الفكر العربي المعاصر بإلحاح يحمل داخله شهادة ضمنية بأن الخطاب الشرعي لم يكن منفّراً عن العلوم غير الشرعية كما يزعم أحياناً، ونحن هاهنا لن نناقش هذا السؤال لكن سنكتفي فقط بالتقاط مايعنينا منه وهو هذا الاعتراف الضمني الذي سبقت الإشارة إليه، وتأتي أهمية شهادة مثل هؤلاء المفكرين العلمانيين في كونهم ألد خصوم الاتجاه الإسلامي عقائدياً، وبالتالي فليسو محل تهمة في هذه الشهادة.

خامساً: الخطاب الشرعي والاستفادة من الغرب

يكرر كثير من مناوئي الخطاب الشرعي القول بأن: (الحضارة الغربية اليوم تمثل منبع العلوم ونموذج التفوق المذهل في كل الميادين والمجالات، ومن أعظم أسباب تخلفنا أن الخطاب الشرعي اليوم يقف حجر عثرة بين المجتمع المسلم والاستفادة من الغرب، وما لم يصحح الخطاب الشرعي موقفه الانفصالي هذا فهذا يعني أننا سنبقى في قعر التخلف)

نلاحظ هاهنا أن هذا التفسير لضعف الاستفادة من منجزات العلوم المدنية الغربية لا يرده هؤلاء إلى ضعف الإنفاق الحكومي في العالم العربي على البحث العلمي، وضعف الكفاءات المسؤولة عن التعليم، وإنما يردونه إلى عنجهية الخطاب الشرعي في رفض الاستفادة من تجارب الناجحين.

إلى أي مدى يا ترى يمثل هذا التفسير تفسيراً علمياً صحيحاً؟ لنحاول قراءة نماذج من مواقف فقهاء الخطاب الشرعي المعاصر تجاه الاستفادة من المنجزات الغربية:

يقول الأب العلمي للخطاب الشرعي المعاصر الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:

(إن الأفكار والنظريات المستوردة فيها الحق والباطل، فلا يجوز للمسلمين أن يقبلوها مطلقاً، ولا أن يردوها مطلقاً، بل الواجب هو التفصيل في ذلك، فما كان منها حقاً أو نافعاً للمسلمين مع عدم مخالفته لشرع الله سبحانه فلا مانع من قبوله والانتفاع به) [فتاوى ابن باز، 27/473]

ويشير إلى الأساس الذي يجعلنا نستفيد من هذه المنجزات فيقول رحمه الله:

(ولا حرج علينا في أن نأخذ مما وقف عليه غيرنا من أسرار الكون واكتشف من العلوم النافعة الدنيوية التي لا تخالف الشرع المطهر, وإنما تعين على حمايته من كيد أعدائه وتغني أهله عن الحاجة إلى الغير، بل يجب ذلك ويتعين على أهل الإسلام، لا تأسياً بالكفار، بل لأن دينهم الكامل يأمرهم بالحرص على ما ينفعهم, والحذر عن كل ما يضرهم، كما تقدمت الأدلة على ذلك, وهؤلاء الكفار الذين بلغوا في الاختراع الغاية لم يزدهم ما وصلوا إليه من العلم إلا كفراً وإلحاداً وهبوطاً من الأخلاق الفاضلة) [فتاوى ابن باز، 1/393]

وذات مرة سألت امرأةٌ الإمام ابن باز عن حكم الاستفادة من “المنتجات التجميلية الغربية” فكان في جوابه داخلاً في هذه القاعدة العامة أيضاً، كما يقول:

(نأخذ من الغرب والشرق ما ينفعنا وندع ما يضرنا، إذا جاءنا من الغرب أو الشرق شيء ينفعنا نأخذه ونستفيد منه، كما نأخذ منهم ما أخذنا من سلاح ومن طائرات ومن سيارات ومن بواخر وغير ذلك، نأخذ منهم من الدواء، ومن غير الدواء، ومن وجوه الزينة ما ينفعنا، ولا يكون فيه مشابهة لغيرنا من أعداء الله) [فتاوى ابن باز، 21/223]

ويقول أهم مرجعية فقهية معاصرة وهو الشيخ ابن عثيمين في عبارة حزينة على تضييع المسلمين لكافة أنواع العلوم والمنجزات فيقول:

(وأما ما حصل في الدول الغربية الكافرة الملحدة من التقدم في الصناعات وغيرها، فإن ديننا لا يمنع منه لو أننا التفتنا إليه، لكن مع الأسف ضيعنا هذا وهذا، ضيعنا ديننا، وضيعنا دنيانا، وإلا فإن الدين الإسلامي لا يعارض هذا التقدم) [فتاوى ابن عثيمين، 3/49]

وأنكر الشيخ ابن عثيمين أن يكون الأخذ مما عند الكفار تشبهاً فقال:

(وأما الصناعات والحرف التي فيها مصالح عامة، فلا حرج أن نتعلم مما صنعوه –أي الكفار- ونستفيد منه، وليس هذا من باب التشبه، ولكنه من باب المشاركة في الأعمال النافعة التي لا يعد من قام بها متشبها بهم.) [فتاوى ابن عثيمين، 3/40]

ولنعرض أيضاً نموذجاً لشخصية فقهية شديدة الحضور في الخطاب الشرعي وهو الشيخ صالح الفوزان حيث يقول:

(الدول الغربية الآن عندها الكثير من المستجدات التي يفتقدها المسلمون، وعندهم شرور كثيرة، لهذا أرى أنه لا يجوز للمسلمين أخذ كل ما لدى الغرب أو رفضه كله، بل الواجب عليهم التمحيص وأخذ ما ينفع منه وما يوافق دينه وما أرشد إليه كتابنا، وترك ما حذر منه الدين ونهانا عنه) [فتاوى الفوزان، س206]

فإذا كان هذا هو المنظور الفقهي الذي يقدمه الفوزان والذي يعتبره البعض أكثر فقهاء الخطاب الشرعي تحفظاً تجاه الأفكار الغربية، فكيف بمن هو أقل منه تحفظاً؟

يبدو لي أنه ليس من المنطقي أن نواصل استعراض نصوص بقية فقهاء الخطاب الشرعي في هذا المجال، لأن هذا الموقف “وهو الانتفاع بما لا يعارض الشريعة” ليس مجرد فتوى، بل هو أشبه بالمبدأ شديد الشيوع والعمق في الخطاب الشرعي المعاصر.

ولو رأينا انعكاسات هذه الرؤية على واقع الخطاب الشرعي لرأينا المختصين الشرعيين شديدي الاهتمام بالبرامج الكمبيوترية وتطبيقاتها واستعمالها في علومهم الشرعية، والكثير منهم شارك في برامج الابتعاث للدراسة في الخارج في تخصصات علمية دقيقة في شتى العلوم.

ولذلك يبدو لي أن من يردد أن الخطاب الشرعي يقف حائلاً دون الاستفادة من المنجزات الغربية، فهو يقدم طرحاًً إنشائياً غير موضوعي لا يستند للواقع النظري والتطبيقي للخطاب الشرعي، إلا إذا كان قائل هذا الكلام ينتقد على الخطاب الشرعي تفصيله بين الموافق للشريعة والمعارض لها، وأنه يريد استبعاد هذا التفصيل والتمييز وأخذ كل ما لدى الواقع الغربي، فهذا شيء آخر.

سادساً: الخطاب الشرعي والاستقلال السياسي

من الأمور التي يشيعها بعض مناوئي الخطاب الشرعي قولهم: (الخطاب الشرعي المعاصر مجرد تابع للنظم السياسية يحركها كيف يشاء، فيبيحون ما أراد السياسي إباحته، ويحرمون ما يريد السياسي تحريمه)، وبعضهم يقول بلهجة دارجة (مشايخنا الله يخلف عليهم ورا الحكومة اللي تبيه يقولونه)، ويذكرون لذلك بعض النماذج التاريخية لفتاوى تغيرت بهدف تدعيم رؤيتهم هذه.

نريد هاهنا أن نختبر حجم (الدقة العلمية) لهذا التصوير للخطاب الشرعي؟ هل فعلاً الخطاب الشرعي مجرد تابع وذيل للنظام السياسي كما يرى هؤلاء النقاد؟

دعونا أولاً نتأمل بعض الوقائع، ثم ننتقل إلى استعراض بعض النصوص النظرية:

أقر صانع القرار النظام البنكي الربوي ووضع له واحداً من أقوى الأجهزة الإشرافية وزوده بصلاحيات واسعة، ووضع له نظاماً بعنوان “نظام البنوك”، ومع ذلك فإن الجميع يتذكر كيف قام فقهاء الخطاب الشرعي ودعاته وخطباؤه بحملة تاريخية طويلة الأجل للتعبئة الاجتماعية ضد البنوك الربوية، وتحريم العمل فيها، وتحريم فوائدها.

كما أن النظام السياسي أتاح بيع السجائر، واستمر الفقهاء في إشاعة الموقف السلبي الغليظ ضدها، كما أن النظام السياسي أتاح نشر المجلات الماجنة وتوزيعها، واستمر فقهاء الخطاب الشرعي في بث استبشاعها، وأيامها نشر ابن عثيمين رسالة بعنوان “فتن المجلات”، كما أن النظام السياسي أتاح إقامة كثيرٍ من “الفعاليات الغنائية” في الاحتفالات الرسمية السنوية والمناشط السياحية، ومع ذلك استمر الخطاب الشرعي يصدر الكثير من الخطب والدروس والبحوث في مهاجمة المعازف، وابتهج النظام السياسي بالمئوية التي تمثل بالنسبة له أعظم رمز لكيانه السياسي، ومع ذلك تحرك الخطاب الشرعي معارضاً ذلك باعتباره عيداً غير مشروع حتى تم ترك كثير من المظاهر وإعلان ذلك رسمياً، وفرض النظام السياسي -بشيء من القوة والحساسية تجاه الممانعين- التوسعة الأفقية للمسعى ومع ذلك بقي كثير من فقهاء الخطاب الشرعي يمانعون “التوسعة الأفقية” ويرون جواز “التوسعة العمودية” فقط، بل ويحذرون الناس من السعي في التوسعة الأفقية الجديدة، وفرض الفريق الوزاري الليبرالي المحيط بالنظام السياسي -بشيء من الصلف والعنجهية التي تصل لحد التشويه الإعلامي والإقالة من الوظيفة للمانعين- الاختلاط في جامعة كاوست، ومع ذلك قاد كثير من فقهاء الخطاب الشرعي حملة ممانعة وكتبوا في ذلك بعض الفتاوى والأبحاث ومئات المقالات على الشبكة.

ومن المعلوم أن النظام السياسي المحلي حريص جداً على بقاء صورته كنظام متميز في عالم اليوم بتحكيم الشريعة، فهذه الصورة بالنسبة له مكتسب تاريخي وواحد من أهم أسس الشرعية السياسية بحيث لا يمكن التفريط فيها، ومثل هذه المعارضة الفقهية تشوش هذا المكتسب، خصوصاً أن خلايا العنف كانت تستغل هذه المظاهر المخالفة للشريعة لتزوِّد أفعالها وتفجيراتها بالشرعية المطلوبة، ومع ذلك كله بقي رموز الخطاب الشرعي يعارضون ما يرونه مخالفاً للنصوص الشرعية.

السؤال الذي يطرحه الباحث العلمي على نفسه هاهنا: لو كان الخطاب الشرعي مجرد أزرار تحت يد السياسي كما يقول هؤلاء النقاد، فما الذي يمنع السياسي إذن من توجيه هؤلاء الفقهاء لإنهاء هذه الملفات المزعجة، والفتيا بموافقة ما هو واقع، وتغطية القرارات السياسية بفتاوى فقهية، وتخليص صورته الشرعية من هذه الإحراجات؟!

وثمة أيضاً صور كثيرة جداً من هذا القبيل، واستعراضها وتحليل مضامينها يكشف للباحث الموضوعي الضعف العلمي لفكرة أن “الخطاب الشرعي مجرد تابع لرغبات وميول النظام السياسي”.

حسناً، ما سبق هي نماذج واقعية تتناقض جذرياً مع تهمة التبعية السياسية، لننتقل الآن إلى النصوص النظرية التي تصب أيضاً في هذا المسار، وهو وجوب استقلال الخطاب الشرعي عن الرغبات السياسية، فمن ذلك:

أن الشيخ الإمام ابن عثيمين –وهو أهم مرجعية فقهية سنية معاصرة على الإطلاق- كان لديه مصطلح يكرره كثيراً في دروسه، ويربي طلابه عليه، ويعمقه في نفوسهم، وقد رأيته في كتبه ومحاضراته في عشرات المواضع، وهو مصطلح “علماء الدولة”، ويعني بهم الشيخ ابن عثيمين رحمه الله المنتسبين للعلم الذين يفتون بموجب ما يريده النظام السياسي، ولنقرأ تعريف الشيخ نفسه لهذا المصطلح، حيث يقول الشيخ:

(“عالم دولة”: هو الذي ينظر ما تشتهيه الدولة ، فيلوي أعناق النصوص إلى ما تريد) [شرح عقيدة أهل السنة، ابن عثيمين].

ويعرفه في موضع آخر من كتبه فيقول:

(“علماء الدولة” هم الذين ينظرون ماذا تريد الدولة فيلتمسون له أدلة متشابهة، فيتبعون ما تشابه من الأدلة إرضاء للدولة، ولهم أمثلة كثيرة في غابر الزمان وحديثه) [الشرح الممتع، 9/463]

وعرفهم في موضع آخر من كتبه أيضاً فقال:

(وأما “علماء الدولة” فينظرون ماذا يريد الحاكم، يصدرون الأحكام على هواه، ويحاولون أن يلووا أعناق النصوص من الكتاب والسنة حتى تتفق مع هوى هذا الحاكم، وهؤلاء علماء دولة خاسرون) [لقاء الباب المفتوح، ل 49]

ويكثر من التشنيع على هذا المفهوم فيقول مثلاً:

(عالم الدولة: الذي ينظر ماذا تريد الدولة فيفتيهم مباشرة, ينظر ماذا يقول الرئيس أو الوزير وما أشبه ذلك, ما أحله الرئيس فهو حلال, وما حرمه فهو حرام, هذا عالم الدولة) [لقاء الباب المفتوح، ل210].

ويستحضر الشيخ هذا المفهوم في كلامه كلما ثار موضوع ذي صلة به، لترسيخ الوعي بالاستقلال في نفوس طلابه، فيقول مثلا في الربا والجمارك:

(يوجد بعض العلماء وإن كانوا مخطئين يقولون: إن مسألة المعاملات لا تعلق لها بالشرع، بل ترجع إلى ما يصلح الاقتصاد في كل زمان بحسبه، فإذا اقتضى الحال أن نضع بنوكاً للربا أو ضرائب على الناس; فهذا لا شيء فيه. وهذا لا شك في خطئه; فإن كانوا مجتهدين غفر الله لهم، وإلا فهم على خطر عظيم، واللائق بهؤلاء أن يلقبوا بأنهم من “علماء الدولة” لا علماء الملة) [القول المفيد، 2/161]

وقال مرة في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله:

(علماء الدولة، يحرفون الكلم عن مواضعه من أجل إرضاء الحاكم، فيقولون مثلاً: إن مسائل الدنيا اقتصادياً وزراعياً وأخذاً وإعطاءً موكول إلى البشر؛ لأن المصالح تختلف، ثم يموهون عليه بقوله صلى الله عليه وسلم “أنتم أعلم بأمور دنياكم”. وغالب الحكام الموجودين الآن جهلة، لا يعرفون شيئاً، فإذا أتى إنسان كبير العمامة طويل الأذيال واسع الأكمام وقال له: هذا أمر يرجع إلى المصالح، والمصالح تختلف بحسب الزمان والمكان والأحوال، والنبي r قال: “أنتم أعلم بأمور دنياكم”، ولا بأس أن تغيروا القوانين التي كانت مقننة في عهد الصحابة وفي وقت مناسب إلى قوانين توافق ما عليه الناس في هذا الوقت، فيحللون ما حرم الله) [لقاء الباب المفتوح، ل 87]

وهذا الاستحضار الكثيف من الشيخ ابن عثيمين بشكل سلبي متكرر لمفهوم “علماء الدولة” له آثار تربوية عميقة جداً في نفوس طلابه ومستمعيه والمتأثرين به، حيث يصبح “استقلال الفقيه” عن الإملاءات السياسية وارتباطه بالوحي قيمة مركزية في وعيهم.

على أية حال.. تبعاً لهذا المبدأ الشرعي عند الشيخ ابن عثيمين فإنه انعكس على فقهه بشكل رئيس، فلم ينجرّ الشيخ رحمه الله لتقديم غطاء فقهي للقرارات السياسية إذا كان ذلك مخالفاً للأحكام الشرعية، وقد سبق ذكر بعض النماذج، لكننا نفضل هاهنا أن نعرض نماذج أخرى لربط هذه التطبيقات بهذا المبدأ الذي سبقت الإشارة إليه.

فمن ذلك مثلاً أن النظام السياسي من أجل تنظيم المرور وضع رسوماً على إصدار رخص القيادة، وهي مسألة اجتهادية ولا شك، ولكن لأن الشيخ كان يرى تحريم ذلك فقد جهر به ولم يجامل في هذه المسألة الشرعية، حيث جاء في فتاواه:

(فضيلة الشيخ، الرسوم التي تؤخذ لتجديد الاستمارة أو الرخصة هل تعتبر من الضرائب؟ إي نعم، كل شيء يؤخذ بلا حق فهو من الضرائب، وهو محرم، ولا يحل للإنسان أن يأخذ مال أخيه بغير حق) [لقاء الباب المفتوح، ل65].

طبعاً نحن هاهنا لسنا في معرض التحرير الفقهي لحكم الرسوم الإدارية، ولكن المهم في المثال السابق هو توضيح استقلال الشيخ الفقهي، وعدم مجاملته في المسائل الشرعية.

ومن النماذج -أيضاً- أن النظام السياسي وضع نظاماً جمركياً ضخماً وشرع له الأنظمة وأقام له المؤسسة المعنية، ومع ذلك استمر الشيخ يرى تحريم “الضرائب الجمركية”، ولم يلتفت لضغوط الواقع السياسي، حيث يقول الشيخ:

(وفي المكوس ظلم، وهذا يعني أن الجمارك ظلم) [شرح السفارينية]

وقال مرة في التخلص من الجمارك:

(أصحاب الجمارك لو قدرنا أنك تعطيهم مالاًَ ليكفوا عن أخذ الجمرك فلا بأس؛ لأن هذا دفع للظلم, مع أن الأفضل في هذا الحال أن تخضع، لكنه لما لم يكن به منابذة صار جائزاً) [لقاء الباب المفتوح، ل106].

بل إن الشيخ حرم على ولي الأمر أن يقاتل البغاة، بل أوجب عليه أولاً أن يحاورهم، كما يقول الشيخ:

(لو قال –أي ولي الأمر- مثلا: ارجعوا وراءكم أنا الإمام، ولا لأحد علي اعتراض، لا أسأل عما أفعل، وأنتم تسألون، فماذا نقول؟ نقول: هذا لا يجوز، وحرام عليه أن يقول هذا القول) [الشرح الممتع، 14/401]

ومن أصول الشيخ في باب السياسة الشرعية (سد الذريعة لفساد السلاطين)، ولذلك فإنه لما قال بعض متأخري الفقهاء في كتاب الجنايات بأن “القاتل إذا كان سلطاناً فإنه لا يقتل ولا قصاص عليه”، وعللوا ذلك بأن”قتل السلطان يترتب عليه فتنة وفوضى وضياع الأمة”، فرد عليهم الشيخ محمد -رحمه الله- بعبارة جازمة وقال:

(أرى أن تعليلهم عليل؛ لأن النصوص الواردة عامة، ولو فتح الباب للسلاطين الظلمة لاعتدوا على الناس يقتلونهم عمداً وعدواناً، وبدون أي سبب، وبكل جرأة على الله وعلى خلقه والعياذ بالله) [الشرح الممتع، 14/45]

أما ما يقوله بعض الناس إن الشيخ ابن عثيمين كان يرفض الإنكار العلني ويرى حصر الأمر في الإنكار السري، فهذا غير دقيق، ومن قال هذا الكلام لم يستوعب نصوص الشيخ ابن عثيمين وليس له بها خبرة، فالشيخ محمد له قواعد في هذا الباب أراد بها تحقيق التوازن بين أصول الشريعة، فمن أصوله أن “الإنكار العلني مرتبط بمصلحة الإنكار ذاته”، وليس لدى الشيخ إطلاقات عامة في هذا الباب، بل هي موازنات، حيث يقول الشيخ في شرح هذا المبدأ:

(فإذا رأينا أن الإنكار علناً يزول به المنكر ويحصل به الخير فلننكر علناً، وإذا رأينا أن الإنكار علناً لا يزول به الشر ولا يحصل به الخير بل يزداد ضغط الولاة على المنكرين وأهل الخير، فإن الخير أن ننكر سراً، وبهذا تجتمع الأدلة، فتكون الأدلة الدالة على أن الإنكار يكون علناً فيما إذا كنا نتوقع فيه المصلحة، وهي حصول الخير وزوال الشر، والنصوص الدالة على أن الإنكار يكون سراً فيما إذا كان إعلان الإنكار يزداد به الشر ولا يحصل به الخير) [لقاء الباب المفتوح، ل62]

وبهذا التفصيل الذي شرحه الشيخ في عدة مواضع تلتقي أقواله رحمه الله، فإنه في بعض المواضع نهى عن الإنكار العلني، وفي مواضع أخرى -أكثر وأشهر- أنكر علناً في كل المنكرات التي وقعت ولم يجامل، فالجمع بين موقفي الشيخ أنه يرى أن الإنكار العلني مرتبط بظهور المصلحة الراجحة، فإذا كان الإنكار العلني فيه بيان الحق للناس وليس فيه مفسدة الإضرار بالدعوة شرع الإنكار العلني، وأما إذا رجحت مفسدة الإضرار بالدعوة على مصلحة بيان الحق في هذا المنكر يرى الشيخ أن الراجح أفضلية الإنكار سراً، وهذا من عمق الشيخ ودقته في مراعاة الأصول الشرعية وصدق الرغبة في الحفاظ على الشريعة.

ونحن هاهنا منحنا مواقف ابن عثمين المزيد من الأهمية والتحليل لأنه يعتبر أهم مرجعية فقهية سنية معاصرة على الإطلاق، وهو أصدق ممثل نموذجي للخطاب الشرعي المعاصر، بل إن كثيراً من الناس لا يعرف أن طلاب العلم الذين يفتون للناس إنما عنايتهم الشديدة بما في الشرح الممتع للشيخ رحمه الله، نظراً لخصائص فقهية تميز بها ليس هذا محل عرضها، لكن أهمها هو: الاطراد الفقهي، واستخلاص توازنات المعطيات الشرعية، بالإضافة إلى التفوق المذهل في “مهارات التعليم الفقهي” كحسن العرض والتمثيل وتحريك أذهان الطلبة ونحوها.

حسناً، ناقشنا الآن فكرة “التبعية السياسية” عبر وقائع للخطاب الشرعي، ونماذج من التنظير الفقهي لمسألة الاستقلال السياسي للفقيه، وظهر من خلال هذه المعطيات عمق الاستقلال السياسي للخطاب الشرعي نظرياً وعملياً، لكن يبدو لي أننا لم ننته بعد من هذه الإشكالية، فلا يزال هناك اعتراضات جانبية لم نناقشها بعد، وهي تستحق فعلاً التحليل العلمي نظراً لشيوعها.

فمن ذلك مثلاً أن بعض الناس يقول (الخطاب الشرعي يغالي في مسألة طاعة ولاة الأمور) وهذا الكلام غير دقيق، لأنه أخذ جزءاً من قواعد أهل السنة في مسألة الطاعة السياسية وترك أجزاء أخرى، فأهل السنة يقررون دوماً ثلاث قواعد متوازية: القاعدة الأولى “وجوب طاعة ولاة الأمور” لأن هذا أمر قطعي وارد في القرآن والسنة، والقاعدة الثانية “أن تكون الطاعة بالمعروف” فطاعة ولاة الأمور مربوطة بالمعروف فقط، فإذا أمروا بما يخالف الشريعة فلا طاعة لهم (ولا أدري أين الإشكال هاهنا إذا قلنا تجب الطاعة فيما لا يعارض الشريعة؟!)، والقاعدة الثالثة “وجوب الإنكار بمراتبه”، فإذا وضع ولي الأمر منكراً وجب إنكاره، وبالتالي فإذا صارت الطاعة مربوطة بالمعروف وبالإنكار، فهذا غاية التوازن، وليس في النظر المصلحي أعقل من ذلك. ثم إن قضية طاعة ولاة الأمور (بمعروف وإنكار) لا أحد يجادل فيها أصلاً، فلا أعرف تياراً فكرياً يدعو للعصيان حتى لو وافق الشريعة!

ومن الاعتراضات أيضاً أن بعض الناس يقول (انظروا إلى مشايخنا كلهم يحرمون الخروج على ولي الأمر) ثم يستدل بذلك على التبعية السياسية، وهذا الكلام غير دقيق، فرفض الخروج المسلح لا يعني التبعية السياسية، ولتوضيح ذلك تجد أن أكثر المعارضين والإصلاحيين السياسيين يرفضون الخروج المسلح، فهل هذا يعني أنهم تابعون للنظم السياسية؟!

وأما الخطاب الشرعي فمبرراته في ذلك إنما هو الالتزام بالحكم القطعي المتواتر في تحريم الخروج المسلح، الذي جاء في أحاديث كثيرة يبلغ المعنى المشترك بينها درجة التواتر المعنوي، لكن ذلك لا يعني عندهم أن يكون الفقه تابعاً للسياسة، كما أن الإصلاحيين السياسيين يرفضون الخروج المسلح ومع ذلك ليسوا تابعين سياسيين، بل ينتقدون أخطاء النظام.

ومن الاعتراضات المتصلة بهذه القضية قول بعضهم (هناك شخصيات غيرت فتاواها طبقاً لتغير الإرادة السياسية) فقائل هذا الكلام إما أن يقصد أن ثمة شخصيات رسمية تنتسب للخطاب الشرعي وأنها تقدم من الفتاوى ما تريده النظم السياسية، فهذه قضية ليست محل جدل أصلاً، بل طوال تاريخ الإسلام كانت هناك شخصيات تنسب نفسها للتدين وتستثمر ذلك لمصالح شخصية، بل الخطاب الشرعي يردد هذه القضية ويحذر منها، وهي التي سبق عرض كثرة تحذير الفقيه ابن عثيمين منها بعنوان (علماء الدولة)، والخطاب الشرعي ذاته ينتقد هذه الشخصيات ويعلم أنها تقوم بدور وظيفي بحت، ولتأكيد ذلك لنأخذ على ذلك مثلاً (حادثة اختلاط كاوست) فحين أفتت بعض الشخصيات الرسمية بجواز الاختلاط واجهت نقداً واستهجاناً واسعاً من الخطاب الشرعي.

ومن الاعتراضات أيضاً ذات الصلة قول بعضهم (هناك الكثير من دعاة وفقهاء الخطاب الشرعي يدبجون المديح والإطراء للنظام السياسي فكيف يقال إنهم مستقلون سياسياً) وهذا الكلام منتشر ويحتاج إلى قراءة دقيقة، لكن لنحاول أولاً تأجيل الحديث عن (حكم المديح السياسي) من حيث الأصل الشرعي وماجاء فيه من الأحاديث وعمل السلف، ولنحاول تحليل الواقع، أعني واقع “المديح السياسي” الذي تطرح حوله الإشكالية. لو قرأنا واقع الخطاب الشرعي بطريقة علمية محايدة لاكتشفنا عدة ملاحظات مفيدة في فهم هذه القضية:

أولها: أن من يستعمل “المديح السياسي” إنما هم فريق محدود جداً من المحتسبين، وأما جماهير طلاب العلوم الشرعية فهم معرضون عن هذا الموضوع من الأصل فلا مديح ولا هجوم، وهذه الشريحة المحتشمة عن إراقة المديح السياسي هي الأكثر والأوسع.

وثانياً: هؤلاء الذين يستعملون “المديح السياسي” هل يستعملونه لمصلحة خاصة (كمنصب أو مال أو نحوه) أو يستعملونه لتحقيق مصلحة دعوية (كمقاومة منكر شرعي)؟ هذا سؤال جوهري وفي غاية الأهمية، فإن كان هؤلاء الذين يستعملون “المديح السياسي” يستخدمونه لتحقيق مصالح شخصية فهم قطعاً محل إدانة وهذا نوع من التسول العلني الممقوت.

وأما إن كانوا يستعملونه لتحقيق “مصلحة دعوية” فنحن هاهنا سنكون أمام “أسلوب مشترك” تستخدمه جميع التيارات بلا استثناء ولم ينفرد به هؤلاء المادحون.

ولنضرب على ذلك مثلاً: أكثر من يشنع على بعض المحتسبين بالمديح السياسي هم الإصلاحيون السياسيون، فهل كانوا يا ترى بعيدين عن المديح السياسي؟ لو نظرنا إلى أول وأشهر بيان لهم وهو “بيان الرؤية” المعروف؛ لرأيناهم يستفتحونه بتدبيج المديح لولي الأمر بقولهم (لقد أثلج صدور المواطنين أسلوب الشفافية الذي انتهجتموه في تلمس مشكلات الوطن وحلولها).

ثم في البيان الذي أعقبه والذي كان بعنوان “الإصلاح الدستوري أولاً” دبجوا فيه الدعاء لولي الأمر وإخوانه أيضاً بقولهم (ونسأل الله أن يوفق القيادة السياسية، ممثلة بكم وإخوانكم).

وفي البيان الثالث الذي أعقبه والذي كان بعنوان “معالم في طريق الملكية الدستورية” استفتحوا البيان بثلاث نصوص للملك ثم أعقبوها مديحاً واستنباطاً فقالوا عن عباراته الثلاث (وهذه الكلمات والمواقف المضيئة) ، (هذا التصور الواعي لطبيعة التعاقد السياسي) إلخ.

ثم ختموا هذه المرة بالدعاء لإمام المسلمين كما قالوا (وفي الختام ندعو الله للقيادة والإمام بالسداد والصلاح).

وفي بياناتهم اللاحقة صاروا يستفتحون ويتغنون بعبارة الملك (سأضرب بالعدل هامة الظلم) ويصدرون بها بياناتهم وكأنها وحي منزل، بل وختموا أحد بياناتهم بالدعاء لولاة الأمور بلغة تبجيلية (وسدّد الله خطى قائد مسيرتها المباركة خادم الحرمين الشريفين).

ولم يكن (المديح السياسي) الذي استعمله الإصلاحيون السياسيون مختصاً بالملك فقط، بل أثنوا على عبارة أحد المسؤولين السياسيين بشأن تسليم العراق لإيران، وأثنوا على توجهات الأمير طلال وشرفوه في بياناتهم قبل غيره، بل وبعضهم صار يثني على أشد الوزراء استبداداً باعتبار أنه يقوم بدور تنموي عميق داخل النظام!، وغير ذلك من الشواهد التي تؤكد أن الإصلاحيين السياسيين ذاتهم استخدموا (المديح السياسي) فيما يخص قضاياهم التي يسعون من أجلها.

وأما الليبراليون فلا حاجة لذكر الشواهد، لأنهم لا يستخدمون المديح لتحقيق مصلحة فكرية أصلاً، وإنما يستخدمون المديح السياسي لتحقيق مصالح شخصية تتعلق غالباً بالمناصب الإعلامية.

وبالتالي فالقول بأن بعض الدعاة والمحتسبين استعملوا المديح السياسي لتحقيق مصلحة دعوية ليس شيئاً انفردوا به أصلاً.

وثالثاً: هذا الفريق من المحتسبين الذين استعملوا “المديح السياسي” هل بدلوا الأحكام الشرعية تملقاً وتزلفاً، أم أنهم مدحوا من باب الاستقواء بالسياسي لحماية المفاهيم الشرعية؟ أي: هل غيروا الشريعة لأجل المديح، أم مدحوا لحفظ الشريعة من التغيير؟ هذا السؤال يقودنا إلى فهم أفضل وأكثر إنصافاً مع هذا الفريق.

هذا بالنسبة لواقع المديح السياسي الذي استعمله بعض الدعاة مؤخراً، وأما مايتعلق بعمل السلف تجاه المديح السياسي، فالذي لاحظته شخصياً أن السلف يحتشمون عن الإطراء والمديح، وإذا احتاجوا إلى المداراة تبلغوا منها بالحد الأدنى، بحق وبلامغالاة، وليس هذا محل التفصيل، وإنما القضية الأهم هاهنا أنه يجب نكون منصفين وموضوعيين في قراءة موقف بعض المحتسبين الذين استعملوا المداراة لتحقيق مكتسبات دعوية، ولنواصل الآن بقية الاعتراضات ذات الصلة بقضية التبعية السياسية.

يتحدث البعض معترضاً بالقول بأن (الخطاب الشرعي لا يتحدث عن احتياجات الناس والحقوق المالية، ومفهوم الفساد المالي، وكل ذلك مراعاة للسياسي، مما يدل على عدم الاستقلال) فهذا أيضاً غير دقيق، فبالإضافة إلى ما سبق من نماذج البحوث عن “المال العام” التي سبق ذكرها في فقرة (الخطاب الشرعي والفقه السياسي)، وما سبق ذكره من نماذج دروس العلماء والدعاة في “الأخلاق المالية”، وما سبق الإشارة إليه من طريقة تعاطي العلماء مع مفاهيم “العدل والحقوق” حيث يعرضونها بشكل عام ثم يستعرضون تطبيقاتها في كل المجالات، وكثرة ما تتعرض له الخطب الشرعية من تحريم “الرشوة والغش والسرقة وعدم الوفاء بالعقود” ونحوها، إلا أننا نشعر أنه من المناسب إضافة المزيد من الشواهد حول هذه القضية، ولنأخذ هاهنا أربعة نماذج من الأحداث العامة:

في بدايات “كارثة العنف” تحدث كثير من علماء ودعاة الخطاب الشرعي عن جملة من القضايا ذات الصلة بالموضوع، ومن ضمنها الحقوق المالية للناس، ولنأخذ على ذلك بعض النماذج من دعاة الخطاب الشرعي:

-(الإصلاح للواقع من كافة الجوانب، ولتكن المبادرة بالإصلاح السياسي والاقتصادي) [د.عبدالله الزايدي، رؤية حول أعمال التفجير].

-(ووجد بين المسؤولين من يبخس الناس حقوقهم، ويأكل أموالهم بالباطل، و يتعاطى الرشوة والتي لعن رسول الله الساعي فيها ودافعها وآخذها) [عبدالعزيز الجليل، الأحداث المعاصرة]

-(البطالة، والفساد الإداري والمالي، وانتشارُ الجرائم، وتفشي المنكرات، تحمل بعض الشباب على التسخط على الأوضاع، وتذكي في قلبه نارَ الحنقِ والحقدِ على المجتمع والنظام جميعاً، فيجد في هذه الأعمال التخريبية متنفَّساً للتشفي والشماتة، لأنه يرى أن المجتمع قد خذله ولم ينصر قضيته)[سامي الماجد، وقفات حول حادثة التفجير].

ومثل هذا النمط من التنبيه على إصلاح الجوانب المالية كجزء من الإصلاح الشامل تمتلئ به مقالات دعاة الخطاب الشرعي ومواقفهم في تلك المرحلة التي ولدت فيها ظاهرة العنف، وأتذكر في تلك الحقبة أن كثيراً من الدعاة كان يصر على أن ظاهرة العنف لها أسباب اقتصادية وحقوقية ونحوها توفر المناخ اللازم لدعمها، بينما كان التيار الممسك بزمام الإعلام يصر على أن القضية (ثقافية) بحته مرتبطة بالخطاب الديني، ويرى أن القول بأن الأزمة لها ارتباطات مدنية إنما هو نوع من التضليل.

ولكن من الموضوعية –أيضاً- أن نقر بأن حديث الدعاة في تلك الأيام عن (الفساد المالي) لم يكن هو موضوعهم الوحيد، بل هو جزء من اهتماماتهم، وهذا هو الفرق بين دعاة الخطاب الشرعي وبين غيرهم من المنتسبين للإصلاح السياسي، فالدعاة في مقالاتهم يرون أنه يجب الحديث عن (إصلاح شامل) فيذكرون الفساد العقدي وفساد الأعراض والفساد المالي، وأما غيرهم من المنتسبين للإصلاح السياسي فلا يتحدثون إلا عن (الفساد المالي)، والاختلاف بين الفريقين راجع لاختلاف منهجي لسنا الآن في صدد مناقشته، ولكن لنؤجله إلى القسم الأخير الذي بعنوان (خلاصات واستنتاجات) ولنستكمل الآن نماذج الأزمات.

بعد كارثة العنف جاءت “كارثة الأسهم” وتحدث فيها –أيضاً- كثير من علماء ودعاة الخطاب الشرعي عن عدد من القضايا الشرعية ومن ضمنها (الحقوق المالية للناس) ومن ذلك:

(انتهى السوق إلى سرقة كبرى لشعب أعزل من كل وسائل الدفاع عن نفسه..، فمع طول ما بحثت ونقبت وسألت ونظرت في التاريخ والحاضر؛ لم أجد أحداً سرق تريليون ونصف من شعب بأكمله في سوق واحدة وخلال مدة لم تتجاوز شهرين!) [د.خالد الماجد، من الذي يسرق الشعب؟]

وأمثال هذا النمط من المقالات التي كتبها متخصصون شرعيون وتمتلئ بالحزن على وضع الناس المالي كثيرة جداً، ونحن قريبو العهد بالأسهم وكارثتها، والجميع يعلم كيف شارك الجميع في شجب ضعف العناية بالحقوق المالية للناس أيامها، لنواصل الحديث عن أزمات أخرى.

في “كارثة الغلاء” أصدر مجموعة واسعة ومتنوعة من علماء ودعاة الخطاب الشرعي بياناً واضحاً كله في “الحقوق” المالية للناس، ومن جملة ما ذكروا فيه مختصراً قولهم وفقهم الله:

(على ولاة الأمر أن يسعوا في معالجة هذه الأزمة بما يخفف على الناس معاناتهم، وهذه بعض المقترحات: دعم السلع الأساسية التي يحتاج إليها الناس مثل الأدوية والمواد الغذائية، صرف مبلغ مقطوع لكل مولود يساعد على تخفيف التكاليف المناطة بولي الأسرة، وقد خصص عمر رضي الله عنه رواتب ثابتة للمواليد فجعل للمولود أول ما يولد مائة درهم فإذا ترعرع جعلها مئتين فإذا بلغ زاده”رواه أبو يوسف في الخراج وأبو عبيد في الأموال”، مساعدة الأسر المحتاجة وبالذات الذين ليس لهم مورد ثابت أو رواتب، إعادة النظر في رسوم بعض الخدمات كالكهرباء، معالجة مشكلة السكن التي يعاني منها نسبة كبيرة من الناس من خلال تخطيط المدن، وتوزيع المخططات على المحتاجين، ودعم صندوق التنمية العقاري ودعم مواد البناء) [نشر البيان أساساً في موقع الشيخ ناصر العمر]

ووقع على هذا البيان مجموعة واسعة ومتنوعة من الشخصيات الشرعية، وتداوله الناس حينها.

وفي “كارثة سيول جدة” أصدر مجموعة أخرى من علماء ودعاة الخطاب الشرعي بياناً واضحاً تضمن تركيزاً على الحقوق المالية للناس ومن ضمن ما جاء فيه قولهم وفقهم الله:

(إن من أسباب الكارثة: “عدم التخطيط الجيد” لمحافظة جدة في عدة مجالات منها تصريف السيول والصرف الصحي وعدم مراعاة أماكن الأودية وغيرها، ومن الأسباب أيضاً: “الفساد الإداري” وما ينتج عنه من صرف للمال العام بغير وجه حق من جهة، وتضييع لحقوق المواطنين من جهة أخرى) [البيان منشور في المواقع الإخبارية على الشبكة]

ما مضى هو منظومة من مواقف الخطاب الشرعي في الأزمات فيما يتصل بقضايا الحقوق المالية للناس، وأما معالجة هذه القضية في ثنايا الدروس والخطاب والمقالات فهو كثير جداًَ، لكن لنأخذ نماذج إضافية على ذلك:

فمن خطب الداعية واسع الانتشار “محمد المنجد” خطبة بعنوان (رواسب الجاهلية) عالج فيها جزءاً من قضايا الحقوق المالية، ومن ذلك قوله وفقه الله:

(ألسنا قد نعتدي على المال العام، فنأخذ منه، بحجج مزيفة؟ ونعتدي على حقوق النشر والطبع المحفوظة للآخرين، وربما قال بعضنا: هذا للكفار، وهل كل أموال الكفار مباحة، أم أموال الكفار الحربيين هي المستباحة؟ فنعتدي بحجج واهية، أليس الواحد منا إذا صار في مكان أو وظيفة مهمة، ربما استكبر ومدح فاسقاً، وتعالى على الخلق وظلم، وربما هو يظهر شيئاً من علامات الدين؟)

ومن نماذج المرجعيات التربوية الداعية المعروف عبدالعزيز الجليل، ومن معالجاته لهذا الموضوع مقالة نشرها في المجلة ذائعة الصيت داخل الخطاب الشرعي وهي “مجلة البيان”، حيث يقول الشيخ وفقه الله حين تعرض لمفهوم الظلم:

(من صور ظلم العباد في أموالهم : الاعتداء على أموال المعصومين سواء بسرقة أو إتلاف أو بالتحايل والخداع ، وسواء كان المسروق عيناً أو نقداً. ويدخل في ذلك السرقة من الأموال العامة للمسلمين كبيت المال..، ويشتد الإثم إذا كان الاعتداء أو التفريط في حفظ المال العام).

ومن متخصصي الخطاب الشرعي المعنيين بكتابة المقالات العامة د.يوسف القاسم -عضو هيئة التدريس في المعهد العالي للقضاء وهو متخصص في الفقه المقارن- وقد أنتج مقالات عامة كثيرة كان جزء منها يدور حول قضايا الحقوق المالية للناس، ومن كتاباته في هذا المجال: (دعم السلع..رؤية شرعية) ، (المحافظة على الموارد) ، (حماية الريال من التضخم) ، (خداع المستهلك) ، (تأخير البت في القضايا: الواقع والحلول) ، (أزمة الدقيق) ، وغيرها من نفس هذا النمط، وكلها منشورة على شبكة الإنترنت.

أعتقد أنني أطلت على القارئ الكريم بهذه النماذج، لكني وجدت نفسي محتاجاً لذلك لأن مثل هذه الشائعة غير العلمية تزايد ضحاياها في الفترة الأخيرة، وما تركت من العينات أضعاف ذلك، فأمثال هذه المعالجات لموضوع الحقوق المالية، والمال العام، والمنتشرة في الدروس والخطب والمحاضرات التي ينتجها الخطاب الشرعي؛ كثيرة جداً بحيث يعسر ضبطها، بل لا يوجد فقيه ولا داعية واحد –وأنا أعني ما أقول بهذا التعميم- إلا وسبق أن طرح عدة معالجات شرعية في التحذير من منظومة المنكرات المالية مثل (الرشوة، والغش، والسرقة، وأكل أموال الناس بالباطل) ونحوها.

وبالتالي فإن القول بأن “الحقوق المالية” ليست جزءاً من مضامين الخطاب الشرعي، لا يعدو إلا أن يكون مجرد شائعة غير علمية ولا يسعفها البرهان الواقعي.

يبدو لي أننا انتهينا الآن من مناقشة أشهر الشائعات غير العلمية حول الاستقلال السياسي للخطاب الشرعي، وعلاقته بالحقوق المالية للناس، لنغادر الآن إلى محور مختلف نوعاً ما.

سابعاً: الخطاب الشرعي ومقاصد الشريعة

تعتقد الطوائف الفكرية المعاصرة المناوئة للخطاب الشرعي بأن الخطاب الشرعي غائب تماماً عن مقاصد الشريعة، ويرددون دوماً بأن الخطاب الشرعي لو تبنى “الشاطبي” لكنا في غير الحال التي نحن فيها الآن، وحين يحاول الباحث تحديد النتائج التي يعولون على الشاطبي والموافقات، وما المخرجات التي يراهنون عليها من توسيع وجود الشاطبي وموافقاته في العقل المسلم، يجد أنها تدور حول محورين:

الأول: أنهم يعتقدون أن تواجد الشاطبي في العقل الفقهي سيدفع باتجاه “تكثيف حضور المصالح الدنيوية” في الخطاب الشرعي، باعتبار أن مقاصد الشريعة تتضمن أولوية الحفاظ على النفس، والحفاظ على المال، ونحوها، ومثل هذه الأمور لا يوفرها الفقه التقليدي.

والثاني: أنهم يعتقدون أن الشاطبي ومقاصد الشريعة سيولدان ثورة فقهية لـ”تحرير العقل المسلم” من التعقيدات الفنية الفقهية، لأن علم مقاصد الشريعة يدور حول “كليات عامة” يستطيع الجميع المشاركة فيها، وبالتالي ستضمن هذه المنهجية التخلص من سلطة النصوص الجزئية، وسلطة السلف، وسلطة الشيخ، وسلطة سد الذرائع، ونحوها من السلطات التي كبلت العقل المسلم، وهذا ما يفتح المجال واسعاً لدور العقل، والرحابة مع الاختلاف، والتسامح الفقهي، ونحوها.

هذان المحوران (تكثيف حضور المصالح الدنيوية، وتحرير العقل المسلم من السلطات الفقهية التقليدية)، هما أبرز الرهانات التي دفعت الطوائف الفكرية المعاصرة لكثرة استحضار الشاطبي والموافقات ومقاصد الشريعة، ونقد الخطاب الشرعي المعاصر بأنه يقوم بعملية مقاطعة صامتة للشاطبي وموافقاته.

ما مدى يا ترى صحة هذا النقد؟ وما مدى علمية هذه الرهانات؟

لن أذيع سراً إن قلت للقارئ الكريم أنني لم ألتقِ بأحدٍ من مناوئي الخطاب الشرعي الذين يتحدثون عن الشاطبي إلا وسألته: هل قرأت الموافقات؟ فهل تصدق أن الجواب يأتي دوماً برفض خجول!

وأنا إلى هذه الساعة لم أقابل أحداً ينتقد الخطاب الشرعي بعدم تبنيه للشاطبي وهو قد قرأ فعلاً الموافقات للشاطبي.

في كل مرة أحاور شخصاً من مناوئي الخطاب الشرعي عن الشاطبي والموافقات لا أستطيع كظم تبسمي، لأن هؤلاء لو قرؤوا الشاطبي والموافقات فعلاً لفروا منها فرار المستجير من الرمضاء بالنار.

الشاطبي أصلاً يقع في الجناح المحافظ من الفقهاء، وحياته رحمه الله كانت صراعاً مع ظاهرة التساهل الفقهي والعقدي، وكتابه الموافقات من أعنف الكتب في تقويض الأطروحات العلمانية والليبرالية والتنويرية واليسارية في قراءة الإسلامأجعنف ، لما يتضمنه من فصول رصينة التصميم والبرهنة في ترسيخ تعظيم النصوص الجزئية، ومرجعية السلف في فهم الإسلام، ومركزية الآخرة، ونحوها من أصول أهل السنة المصادمة لطريقة الطوائف الفكرية المعاصرة.

فكيف لا أتبسم وأنا أرى مدعياً يختار أقسى القضاة عليه؟!

حسناً، لنحاول أولاً أن نفهم من هو الشاطبي عبر التعرف على السياق الفقهي/التاريخي الذي تحرك فيه، ثم نعرض جزءاً من مفهومه وتصوره لمقاصد الشريعة، ونختم هذا الفصل بعرض شيء من منتجات الخطاب الشرعي المعاصر في علم المقاصد.

-أزمة الشاطبي مع ظاهرة التساهل الفقهي:

كان الشاطبي في “بداية طلب العلم” يدرس عند الشيخ أبي سعيد ابن لب (782هـ) خطيب جامع غرناطة في الأندلس، وكان الشيخ ابن لب معروف بـ”التساهل الفقهي” في الفتيا في بعض الأحيان، فإذا جاءه مستفتٍ في مسألة خلافية لم يبحث في الأرجح دليلاً بل يفتي بأهون القولين على المستفتي، وهي طريقة “أخذ الأهون على الناس في الخلافيات”، وكان الطالب إبراهيم بن موسى الشاطبي غير مقتنع في بداية الأمر بهذه الطريقة، وتحاور الشيخ مع طلابه –بمن فيهم الشاطبي- وانفض المجلس ولم يقتنعوا بطريقته، فدعاه شيخه هو ومجموعة من الطلبة ذات يوم وناقشهم طويلاً حتى أقنعهم بقضية “تخيير المستفتي في المسائل الخلافية”، وقد روى الشاطبي نفسه هذه القصة في كراسة صغيرة كتبها أثناء بداية الطلب وكان اسمها “الإفادات والإنشادات” (وهي مطبوعة حالياً) وأكثر فيها من الفوائد عن شيخه أبي سعيد بن لب هذا، سندع الآن الشاطبي يحكي لنا هذه الواقعة، وأعتذر مسبقاً عن نقل النص بطوله ولكن قيمته التاريخية أجبرتني على ذلك، يقول الشاطبي:

(إفادة: كنت يوماً سائراً مع بعض الأصحاب إذ لقينا شيخنا الأستاذ المشاور أبا سعيد بن لب -أكرمه الله- بقرب المدرسة، فسرنا معه إلى بابها ثم أردنا الانصراف، فدعانا إلى الدخول معه إلى المدرسة، وقال أردت أن أطلعكم على بعض مستنداتي في الفتوى الفلانية وما شاكلها، وأبين لكم وجه قصدي إلى التخفيف فيها -وكان قد أطلعنا على مكتوب بخطه جواباً عن سؤال في يمين أفتى فيها بمراعاة اللفظ والميل إلى جانبه، فنازعناه فيه في ذلك اليوم، وانفصل المجلس على منازعته- فأرانا مسائل في “النهاية” و “أحكام ابن الفرس” وغيرهما، وبسط لنا فيها بما يقتضي الاعتماد على لفظ الحالف وإن كان فيه خلاف ما لنيته، بناء على قول من قال بذلك من أهل المذهب وغيرهم، وقال: أردت أن أنبهكم على قاعدة في الفتوى وهي نافعة جداً ومعلومة من سنن العلماء وهي أنهم ما كانوا يشددون على السائل في الواقع إذا جاء مستفتياً. وكنت قبل هذا المجلس تترادف علي وجوه الإشكالات في أقوال مالك وأصحابه، فلما كان بعد ذلك المجلس شرح الله بنور ذلك الكلام صدري، فارتفعت ظلمات تلك الإشكالات دفعة واحدة، لله الحمد على ذلك ونسأله تعالى أن يجزيه عنا خيراً وجميع معلمينا بفضله) [الإفادات والإنشادات، ص153]

ثم شاء الله سبحانه وتعالى أن يواصل الطالب إبراهيم بن موسى الشاطبي طلبه للعلم، ويتبحر في الاطلاع على أقوال السلف وفحص النصوص الشرعية، فاكتشف أن طريقة شيخه أبي سعيد بن لب في “الأخذ بالأيسر في الخلافيات” أنها طريقة مناقضة لأصول الشريعة، فلما صار الإمام الشاطبي معدوداً من “أهل الفتيا” في الأندلس في زمن شيخه أبي سعيد بن لب ذاته، صار لا يفتي الناس بهذه الطريقة التي اعتاد شيخه أن يفتي الناس بها، بل صار يحمل الناس –في المسائل الخلافية- على الأرجح وليس على الأيسر، وصار ينافح عن هذا المنهج عبر التنظير الفقهي والتطبيق الفتوي.

ثم كتب كتابه الموافقات، وسيطر عليه في جزء كبير من الكتاب الرد على طريقة أبي سعيد بن لب، فعقد فصولاً كثيرة كلها تدور حول نقض هذه الطريقة، أي نقد طريقة “التيسير على المستفتي بالأهون في الخلافيات”، ومن الفصول التي عقدها لذلك: تتبع رخص المذاهب، أن مقصد الشارع إخراج المكلف عن داعية هواه، وغيرها.

ثم لما انتهى من الفصول النظرية لنقض هذه الطريقة التيسيرية، عقد فصلاً آخر جاء في مطالعه قوله:

(ولقد وجد هذا في الأزمنة السالفة، فضلاً عن زماننا؛ تتبع رخص المذاهب اتباعاً للغرض والشهوة).[5/84]

وحكى في هذا الفصل من حكايات وطرائف المفتين الذين يتساهلون في الفتيا على أساس الخلاف.

ومع براعة هذه الفصول التي عرضها الشاطبي، وقوة البرهنة فيها، إلا أنه يبدو لي شخصياً أن أعمق برهان عرضه هو توضيحه بأن هذه الطريقة التيسيرية تجعل “الخلاف” أقوى حجية من “الوحي” فيصير الخلاف حاكماً على الوحي، وليس العكس، كما يقول الشاطبي:

(مما في اتباع “رخص المذاهب” من المفاسد: الانسلاخ من الدين بترك “اتباع الدليل” إلى “اتباع الخلاف”، وكالاستهانة بالدين إذ يصير بهذا الاعتبار سيالاً لا ينضبط) [5/102]

وشرح تساؤلات أصحاب هذه الطريقة التيسيرية التي تتذرع بالخلاف فقال:

(فصل: وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية؛ حتى صار “الخلاف في المسائل” معدوداً فى حجج الإباحة، ووقع فيما تقدم وتأخر من الزمان الاعتماد فى جواز الفعل على كونه مختلفاً فيه بين أهل العلم..، فربما وقع الإفتاء فى المسألة بالمنع؛ فيقال “لِمَ تمنع والمسألة مختلف فيها؟” فيجعل الخلاف حجة فى الجواز لمجرد كونها مختلفاً فيها، لا لدليل يدل على صحة مذهب الجواز، ولا لتقليد من هو أولى بالتقليد من القائل بالمنع، وهو عين الخطأ على الشريعة) [5/92]

وأشار الشاطبي إلى احتجاج أصحاب “التيسير على أساس الخلاف” بذريعة أن “الخلاف رحمة” وتلمس من حكايته لأقوالهم ما عايشه معهم من مواجهات في هذه القضية كما يقول:

(جعل بعض الناس “الاختلاف رحمة” للتوسع فى الأقوال، وعدم التحجير على رأي واحد, ويقول “إن الاختلاف رحمة”، وربما صرح صاحب هذا القول بالتشنيع على من لازم القول المشهور، أو الموافق للدليل، أو الراجح عند أهل النظر والذي عليه أكثر المسلمين، ويقول له “لقد حجرت واسعًا، وملت بالناس إلى الحرج، وما فى الدين من حرج” وما أشبه ذلك، وهذا القول خطأ كله، وجهل بما وضعت له الشريعة) [5/94]

ويشير الشاطبي إلى أن التذرع بالخلاف للتيسير يفضي إلى الإباحة المطلقة كما يقول:

(إذا أفتى بالقولين معا على التخيير فقد أفتى فى النازلة بالإباحة وإطلاق العنان) [5/95]

وعرض الشاطبي هذا الأمر في صورة إيمانية مؤثرة جداً حيث يقول:

(إذا عرض العامي نازلته على المفتي؛ فهو قائل له “أخرجني عن هواي ودلني على اتباع الحق” فلا يمكن والحال هذه أن يقول له: “فى مسألتك قولان فاختر لشهوتك أيهما شئت؟” فإن معنى هذا تحكيم الهوى دون الشرع..، وتسليط المفتي العامي على “تحكيم الهوى” بعد أن طلب منه إخراجه عن هواه؛ رمي في عماية، وجهل بالشريعة) [الموافقات، 5/96]

ونتيجة لهذا الواقع الفقهي المتدهور فقد اعتنى بشكل كبير بإشكالية “مسائل الخلاف” وخطورتها على سلطة الوحي، ومن معالجاته لها قوله:

(فإن في مسائل الخلاف “ضابطاً قرآنياً” ينفى اتباع الهوى جملة، وهو قوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}، وهذا المقلد قد تنازع في مسألته مجتهدان؛ فوجب ردها إلى الله والرسولr، فاختياره أحد المذهبين بالهوى والشهوة مضاد للرجوع إلى الله والرسول r) [5/81]

ولما صار الشاطبي يحارب طريقة “التيسير على أساس الخلاف” من خلال التأصيل الفقهي والعمل الفتوي؛ نشبت بينه وبين أستاذه أبي سعيد بن لب وحشة ومنافرة، وصار أستاذه ابن لب يتهم الشاطبي بـ”التزمت الفقهي”، وانتشرت هذه التهمة بين طلاب أبي سعيد بن لب وعامة مستمعيه في دروسه، فكتب الشاطبي بعد ذلك كتابه “الاعتصام”، وخصص له مقدمة حزينة روى فيها مجموع التهم التي توجه له، وتحدث فيها عن “غربة الإسلام” بكلام يزفر بالمعاناة، ومن هذه التهم التي وجهت له أنهم حمّلوه ونسبوا إليه تهمة “التنطع الديني” كما يقول:

(وتارة أُحمل على “التزام الحرج والتنطع في الدين” وإنما حملهم على ذلك أني التزمت في التكليف والفتيا الحمل على مشهور المذهب الملتزَم لا أتعداه، وهم يتعدونه ويفتون بما يسهل على السائل ويوافق هواه وإن كان شاذاً في المذهب الملتزَم أو في غيره، وأئمة أهل العلم على خلاف ذلك وللمسألة بسط في كتاب “الموافقات”) [الاعتصام، 1/28].

وعرض تهماً أخرى كان يبدؤها بقوله (وتارة نسبت إلى.. وتارة نسبت إلى.. الخ).

والحقيقة أن الخلاف مع ابن لب لم يتوقف فقط عند قضية “التساهل الفقهي” ، بل تعداه إلى مشكلة تساهل ابن لب في “البدع العبادية” المنشرة بين عامة الناس في الأندلس، حيث كان ابن لب يتبنى تقسيم البدعة إلى الأحكام التكليفية الخمسة، مما يعني أن بعضها بدعة مستحبة وبعضها بدعة مباحة الخ، وهذا أوجد أرضية خصبة لترسيخ تساهل الناس في البدع العبادية التقليدية، فبعد أن رد الشاطبي في كتاب الموافقات على طريقة ابن لب في “التساهل الفقهي”، ألف الاعتصام ورد عليه فيه –أيضاً- في قضايا “التساهل العقدي” مع البدع، ولذلك كانت الإشكالية الجوهرية في كتاب الاعتصام هي أن “ذم البدع والمحدثات عام لا يخص محدثة دون غيرها” كما هو عنوان الباب الرئيسي في الكتاب، وهو استحضار واضح لتأصيلات ابن لب في قضايا البدع التقليدية.

بل ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فطلاب الشاطبي أنفسهم، يردون على ابن لب انتصاراً لشيخهم الشاطبي، كما يقول المقّري :

(ولأبي سعيد ابن لب كتاب في مسألة الأدعية إثر الصلوات على الهيئة المعروفة، وقد رد عليه في هذا التأليف تلميذه أبو يحيى ابن عاصم الشهيد في تأليف نبيل؛ انتصاراً لشيخه أبي إسحاق الشاطبي) [نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، 5/514]

ما سبق جزء رئيس من مكونات السياق التاريخي/الفقهي الذي سيطر على اهتمامات الإمام الشاطبي، ويظهر فيه مناهضته لظواهر التساهل الفقهي والعقدي، ومدى معاناته من الضغوط الاجتماعية في هذا المجال.

لننتقل الآن إلى فحص وتحليل الصور التي يتخيلها مناوئوا الخطاب الشرعي عن الشاطبي.

-الشاطبي وتصورات المناوئين:

أول التصورات الشائعة بين الطوائف الفكرية حول مقاصد الشريعة والموافقات والشاطبي ظنهم أن هذا العلم يؤدي إلى “التقليل من قيمة الجزئيات”، وبالتالي –كما يعبرون- تحرير الناس من مراعاة النصوص الجزئية، والاكتفاء بالاحتكام إلى كليات ومقاصد الشريعة العامة، بل يزيدون على ذلك برد كثير من النصوص الجزئية لأنها في نظرهم تخالف ما يرونه كلياً أو مقصداً من مقاصد وكليات الشريعة العامة، ولكن الشاطبي/المقاصدي – الذي يحتجون به – على خلاف ذلك، كما يقول الشاطبي في ضرورة مراعاة الجزئي والكلي كليهما:

(كما أن من أخذ بالجزئي معرضاً عن كليه فهو مخطئ، فكذلك من أخذ بالكلي معرضاً عن جزئيه) [3/174]

وأكد على ضرورة مراعاتهما كليهما فقال:

(الكلي لا يعتبر بإطلاقه دون اعتبار الجزئي، وهذا كله يؤكد لك أن المطلوب المحافظة على قصد الشارع، لأن الكلي إنما ترجع حقيقته إلى ذلك الجزئي كذلك أيضاً، فلا بد من اعتبارهما معاً في كل مسألة) [3/176]

وله من العبارات المتناثرة في ثنايا الكتاب في التأكيد على قيمة الجزئيات الكثير ومن ذلك:

(فالجزئيات مقصودة معتبرة في إقامة الكلي) [2/96]

(الجزئيات داخلة مدخل الكليات في الطلب والمحافظة عليها) [2/96]

(الجزئيات لو لم تكن معتبرة مقصودة في إقامة الكلي، لم يصح الأمر بالكلي من أصله) [2/96]

وأما في حالة تعارض الكلي والمقصد الشرعي العام مع نص جزئي، فليس صحيحاً أن الشاطبي/المقاصدي يشطب النص الجزئي ويلغيه مباشرة، بل يجمع بينهما كما هي طريقة أئمة الإسلام جميعاً، كما يقول يقول رحمه الله:

(إذا ثبت بالاستقراء قاعدة كلية، ثم أتى النص على جزئي يخالف القاعدة بوجه من وجوه المخالفة؛ فلا بد من الجمع في النظر بينهما، لأن الشارع لم ينص على ذلك الجزئي إلا مع الحفظ على تلك القواعد، [إذ كليّة] هذا معلومة ضرورة بعد الإحاطة بمقاصد الشريعة؛ فلا يمكن والحالة هذه أن تخرم القواعد بإلغاء ما اعتبره الشارع، وإذا ثبت هذا؛ لم يمكن أن يعتبر الكلي ويلغى الجزئي) [3/176]

ويظن هؤلاء أن المقاصد والشاطبي يتضمنان “تضخيم شأن المصالح الدنيوية” لتخليص الخطاب الشرعية من مركزية النظرة الأخروية، وسبب وهمهم أنهم يقرؤون بعض العبارات المنقولة عن الشاطبي في أن الشريعة موضوعة لمصالح العباد، فيظنون أن المقصود هي المصالح المادية الدنيوية، بينما الشاطبي ليس هذا مقصوده، بل المصلحة عنده هي المصالح الدنيوية والأخروية، والمصالح الدنيوية ليست إلا وسيلة للمصالح الأخروية، كما أن المصدر في تعيين المصالح ليس ميولنا ورغباتنا الشخصية بل الشريعة هي التي تعين المصالح، كما يقول الشاطبي:

(المصالح المجتلبة شرعاً والمفاسد المستدفعة؛ إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية، والدليل على ذلك أمور، أحدها: ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى من أن الشريعة إنما جاءت لتخرج المكلفين عن دواعي أهوائهم حتى يكونوا عباداً لله، وهذا المعنى إذا ثبت لا يجتمع مع فرض أن يكون وضع الشريعة على وفق أهواء النفوس وطلب منافعها العاجلة كيف كانت) [2/63]

ولذلك فإن الشاطبي يؤكد في مواضع كثيرة من الموافقات بأن الأصل العام أن مصلحة حفظ الدين مقدمة على مصلحة حفظ الأموال أو النفس ونحوها، ومن أمثلة أقواله:

(واعتبار الدين مقدم على اعتبار النفس وغيرها في نظر الشرع) [2/265]

(وجدنا الدين أعظم الأشياء، ولذلك يهمل في جانبه النفس والمال وغيرهما) [2/511]

وهذه الهرمية التي يقررها الشاطبي استنبطها من استقراء الأحكام الشرعية كالجهاد الذي فيه قتل النفوس من أجل إعلاء كلمة الله، وقتل نفس المرتد من أجل مصلحة الدين، وقتال نفوس تاركي الزكاة من أجل الحفاظ على ظهور هذه الشعيرة، ونحو هذه التطبيقات الشرعية التي تتضمن أن مصلحة حفظ الدين أعظم من بقية المصالح، وقد أشار لذلك في مواضع كثيرة، وكان يكرر أن حفظ الدين أعظم من حفظ النفس، وحفظ النفس أعظم من حفظ المال، على هذا الترتيب، ومن ذلك مثلاً قوله:

(النفوس محترمة محفوظة ومطلوبة الإحياء، بحيث إذا دار الأمر بين إحيائها وإتلاف المال عليها، أو إتلافها وإحياء المال؛ كان إحياء النفوس أولى. فإن عرض إحياؤها إماتة الدين؛ كان إحياء الدين أولى وإن أدى إلى إماتتها، كما جاء في جهاد الكفار، وقتل المرتد، وغير ذلك) [2/64]

ومن تصوراتهم الشائعة ظنهم أن المقاصد والشاطبي يؤديان إلى توسيع “سلطة العقل” على حساب النصوص، بينما الشاطبي/المقاصدي يضع العقل في “مرتبة تبعية” للنصوص، كما يقول الشاطبي:

(إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية؛ فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعاً، ويتأخر العقل فيكون تابعاً، فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا بقدر ما يسرِّحه النقل) [1/125]

بل إن الشاطبي/المقاصدي يشكك في قدرة العقل على معرفة المصالح بالاستقلال عن النصوص الشرعية كما يقول:

(العادة تحيل استقلال العقول في الدنيا بإدراك مصالحها ومفاسدها على التفصيل، اللهم إلا أن يريد القائل “إن المعرفة بها تحصل بالتجارب وغيرها بعد وضع الشرع أصولها” فذلك لا نزاع فيه) [2/78]

ويظن هؤلاء أن المقاصد والشاطبي تدفع باتجاه “تضيق سلطة النصوص” على الحياة العامة، والتخلص من ما يسمونه “المغالاة في تديين الحياة العامة”، بينما الشاطبي/المقاصدي يرى عكس ذلك كما يقول:

(ليس ثم مسكوت عنه بحال؛ بل هو إما منصوص، وإما مقيس على منصوص) [1/274]

ويقول أيضاً:

(لا عمل يُفرض, ولا حركة ولا سكون يدعى، إلا والشريعة عليه حاكمة، إفراداً وتركيباً، وهو معنى كونها عامة) [1/108]

ويظن هؤلاء أن المقاصد والشاطبي تعني “فتح باب الاجتهاد” للجميع بمجرد النظر الشخصي الخاص في النصوص، بينما الشاطبي كان يدفع باتجاه تضييق باب الاجتهاد إلا لمن ملك أهلية دقيقة جداً، حتى أنه أوجب بلوغ مرتبة الاجتهاد في لغة العرب للمجتهد في الشريعة كما يقول:

(لا غنى للمجتهد في الشريعة عن بلوغ درجة الاجتهاد في كلام العرب) [5/57]

وتحدث عن هؤلاء الذين ينظرون في النصوص بلا دراسة لكلام العرب:

(فإن كثيراً من الناس يأخذون أدلة القرآن بحسب ما يعطيه العقل فيها، لا بحسب ما يُفهم من طريق الوضع، وفي ذلك فساد كبير)[1/39]

ويظن هؤلاء أن المقاصد والشاطبي تحرر المسلم المعاصر من “سلطة السلف”، بينما الشاطبي/المقاصدي يغالي في ترسيخ مرجعية السلف في مواضع كثيرة متناثرة في الموافقات سنلتقط منها هذه الشواهد:

(وليس ثم إلا صواب أو خطأ، فكل من خالف السلف الأولين؛ فهو على خطأ) [3/281]

(كل ما جاء مخالفاً لما عليه السلف الصالح فهو الضلال بعينه) [3/284]

(الحذر الحذر من مخالفة الأولين، فلو كان ثم فضل لكان الأولون أحق به) [3/280]

(فإن ظواهر الأدلة إذا اعتبرت من غير اعتماد على الأولين فيها مؤدية إلى التعارض والاختلاف) [3/288]

وغيرها كثير من هذا النمط.

ومن الاعتبارات التي دفعت الشاطبي للتمسك بـ”مرجعية السلف” في فهم النصوص إيقاف دائرة التأويل الباطل للنصوص وتضييقها، كما يقول الشاطبي:

(لا تجد فرقة من الفرق الضالة، ولا أحداً من المختلفين في الأحكام، لا الفروعية ولا الأصولية؛ يعجز عن الاستدلال على مذهبه بظواهر من الأدلة، بل قد شاهدنا ورأينا من الفساق من يستدل على مسائل الفسق بأدلة ينسبها إلى الشريعة المنزهة، وفي كتب التواريخ والأخبار من ذلك أطراف ما أشنعها في الافتئات على الشريعة، فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون) [3/289]

ويظن هؤلاء أن المقاصد والشاطبي ستحرر الناس من “سلطة الشيخ” التي كبلت المسلمين كما يقولون، بينما الشاطبي/المقاصدي يتوسع كثيراً في تأسيس سلطة علماء الشريعة بما لا يوجد عند غيره من علماء المسلمين أصلاً، حتى أنه جعل العالم في الأمة يقوم مقام النبي r فيهم، كما يقول:

(المسألة الأولى: المفتي قائم في الأمة مقام النبي r ) [5/253]

ثم ذكر الأدلة الشرعية من آيات وأحاديث على ذلك.

بل واعتبر المفتي يقوم بدور تشريعي ولذلك يجب التسليم له كما يقول:

(المفتي شارع من وجه، لأن ما يبلغه من الشريعة؛ إما منقول عن صاحبها، وإما مستنبط من المنقول؛ فالأول: يكون فيه مبلغاً، والثاني: يكون فيه قائماً مقامه في إنشاء الأحكام، وإنشاء الأحكام إنما هو للشارع، فإذا كان للمجتهد إنشاء الأحكام بحسب نظره واجتهاده؛ فهو من هذا الوجه شارع واجب اتباعه والعمل على وفق ما قاله، وهذه هي الخلافة على التحقيق) [5/255]

وفي ختام هذا الفصل الذي كرسه لـ”مرجعية علماء الشريعة” ختمه بهذه الخلاصة:

(وعلى الجملة: فالمفتي مخبر عن الله كالنبي، وموقِّع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره كالنبي، ونافذ أمره في الأمة بمنشور الخلافة كالنبي، ولذلك سموا أولى الأمر، وقرنت طاعتهم بطاعة الله ورسوله) [5/257]

بل إنه نهى عن “الاعتراض على العلماء” ووضع لذلك فصلاً مستقلاً فقال:

(المسألة الثالثة: ترك الاعتراض على الكبراء محمود، سواءً كان المعترَض فيه مما يُفهم أو لا يُفهم)[5/393]

ثم ساق منظومة من الآيات والأحاديث للاستدلال على هذه القاعدة ثم قال:

(فالذى تلخص من هذا أن العالم المعلوم بالأمانة والصدق، والجري على سنن أهل الفضل والدين والورع، إذا سئل عن نازلة فأجاب، أو عرضت له حالة يبعد العهد بمثلها، أو لا تقع من فهم السامع موقعها؛ أن لا يواجَه بالاعتراض والنقد، فإن عرض إشكال فالتوقف أولى بالنجاح) [5/400]

ويظن هؤلاء بربط في غاية الغرابة أن “الشاطبي امتداد لابن رشد”، ويضعونهما في منظومة تشريعية وفلسفية واحدة، ويقول بعضهم أن منهج الشاطبي في “أصول الفقه” هو العمل المكمل لمنهج ابن رشد في “الفلسفة”، وأنهما يشكلان منظومة تشريعية جديدة، وهذا الكلام عكس الواقع تماماً، فالشاطبي مارس قطيعة مع ابن رشد وليس امتداداً له، وفكرة أنه امتداد له لا يقولها من قرأ الموافقات فعلاً، فالشاطبي لديه موقف حاسم في رفض طريقة ابن رشد، وكان الشاطبي يحتج في مناهضة طريقة ابن رشد بمنهج السلف، ومن ذلك قول الشاطبي:

(وزعم ابن رشد الحكيم في كتابه الذي سماه بـ”فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال” أن علوم الفلسفة مطلوبة؛ إذ لا يفهم المقصود من الشريعة على الحقيقة إلا بها، ولو قال قائل “إن الأمر بالضد مما قال” لما بعد في المعارضة، وشاهد ما بين الخصمين شأن السلف الصالح في تلك العلوم، هل كانوا آخذين فيها، أم كانوا تاركين لها أو غافلين عنها؟ مع القطع بتحققهم بفهم القرآن، يشهد لهم بذلك النبي r والجم الغفير؛ فلينظر امرؤ أين يضع قدمه) [4/198]

بل اعتبر أن البحث الفلسفي لا يزيد المرء إلا خبالاً كما يقول:

(ونشأت مباحث لا عهد للعرب بها وهم المخاطبون أولاً بالشريعة؛ فخالطوا الفلاسفة في أنظارهم، وباحثوهم في مطالبهم التي لا يعود الجهل بها على الدين بفساد، ولا يزيد البحث فيها إلا خبالاً) [5/404]

واعتبر الشاطبي أن البحوث النظرية إنما هي طريقة الفلاسفة المخالفة لطريقة المسلمين كلهم، كما يقول:

(تتبع النظر في كل شيء، وتطلب علمه؛ من شأن الفلاسفة الذين يتبرأ المسلمون منهم، ولم يكونوا كذلك إلا بتعلقهم بما يُخالف السنة؛ فاتباعهم في نحلةٍ هذا شأنُها خطأ عظيم، وانحراف عن الجادَّة.) [1/54]

بل اعتبر الشاطبي أن كل العلوم النظرية التي لا ينبني عليها ثمرة تكليفية أنها سبب للفتنة كما يقول:

(فإن عامة المشتغلين بالعلوم التي لا تتعلق بها ثمرة تكليفية تدخل عليهم فيها الفتنة والخروج عن الصراط المستقيم) [1/53]

ولذلك ذم علم المنطق وقرر أنه لا حاجة له أصلاً في فهم الشريعة، كما يقول الشاطبي في عبارات كثيرة هذا بعضها:

(لا احتياج إلى ضوابط المنطق في تحصيل المراد في المطالب الشرعية) [5/421]

(التزام الاصطلاحات المنطقية والطرائق المستعملة فيها مبعد عن الوصول إلى المطلوب في الأكثر؛ لأن الشريعة لم توضع إلا على شرط الأمية) [5/418]

ويظن هؤلاء أن المقاصد والشاطبي تعني التخلص من “أغلال سد الذرائع” ومنح الحياة فسحة كما يقولون، بينما الشاطبي/المقاصدي يعتبر “سد الذرائع” أحد أعظم مقاصد الشريعة، وخصص له فصولاً طويلة ساق فيها الأدلة عليه، بل هو لا يسيغ المخالفة فيه باعتباره عنده أصلاً مقطوعاً به كما يقول:

(سد الذرائع مطلوب مشروع، وهو أصل من الأصول القطعية في الشرع) [3/263]

ويظن هؤلاء أن المقاصد والشاطبي تدفع باتجاه “تحجيم أدلة الشريعة” ليتسع للناس حرية الحركة في الحياة العامة كما يقولون، والواقع أن الشاطبي/المقاصدي ليس كذلك، بل إن الشاطبي يتوسع في الأدلة لدرجة أنه يعتبر “عمل الصحابة” نوعاً من السنة النبوية، كما يقول:

(ويطلق أيضا لفظ “السنة” على ما عمل عليه الصحابة، وجد ذلك في الكتاب أو السنة أو لم يوجد؛ لكونه اتباعاً لسنة ثبتت عندهم لم تنقل إلينا، أو اجتهاداً مجتمعاً عليه منهم أو من خلفائهم؛ فإن إجماعهم إجماع، وعمل خلفائهم راجع أيضاً إلى حقيقة الإجماع من جهة حمل الناس عليه) [4/290]

ثم قال في تلخيص ذلك:

(وإذا جمع ما تقدم؛ تحصل منه في الإطلاق أربعة أوجه: قول النبي r وفعله وإقراره..، وهذه ثلاثة، والرابع: ما جاء عن الصحابة أو الخلفاء) [4/293]

ويظن هؤلاء أن المقاصد والشاطبي تدفع باتجاه “التساهل الفقهي”، بينما الشاطبي بضد ذلك كلياً، ومن أمثلة فتاواه أنه اعتبر تارك صلاة الجماعة لا تقبل شهادته كما يقول:

(صلاة الجماعة، من داوم على تركها يجرح، فلا تقبل شهادته؛ لأن في تركها مضادة لإظهار شعائر الدين، وقد توعد الرسول r من دوام على ترك الجماعة؛ فهم أن يحرق عليهم بيوتهم) [1/211]

واعتبر أن كشف الرجل لرأسه إذا جرت العادة بتغطيته قادح في عدالة الرجل كما يقول:

(كشف الرأس، فإنه يختلف بحسب البقاع في الواقع، فهو لذوي المروءات قبيح في البلاد المشرقية، وغير قبيح في البلاد المغربية، فالحكم الشرعي يختلف باختلاف ذلك، فيكون عند أهل المشرق قادحاً في العدالة، وعند أهل المغرب غير قادح) [3/489]

بل ويرى الشاطبي أن “النهي عن المنكر” لن يخلو من الإساءة للآخرين عرضاً، ومع ذلك فإن هذا لا يقدح في شرعيته، كما يقول:

(الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنه أمر مشروع لأنه سبب لإقامة الدين وإظهار شعائر الإسلام، وإخماد الباطل على أي وجه كان، وليس بسبب في الوضع الشرعي لإتلاف مال أو نفس، ولا نيل من عرض، وإن أدى إلى ذلك في الطريق، وكذلك الجهاد موضوع لإعلاء كلمة الله، وإن أدى إلى مفسدة في المال أو النفس) [1/374]

وقرر أيضاً منع المرأة من الولاية العامة، ومنع المرأة من ولاية إنكاح نفسها، كما يقول في المصالح التي راعتها الشريعة في جانب المعاملات ما يلي:

(وفي المعاملات، كالمنع من بيع النجاسات، وسلب العبد منصب الشهادة والإمامة، وسلب المرأة منصب الإمامة وإنكاح نفسها) [2/23]

ويظن هؤلاء أن المقاصد والشاطبي تتضمن “ترسيخ ظاهرة الاختلاف” واعتباره ظاهرة صحية، بينما الشاطبي/المقاصدي أكثَرَ من الحط على الاختلاف في فهم الشريعة واعتباره ظاهرة مرضيّة، كما يقول في بعض معالجاته لهذه القضية:

(فإنه –أي الشارع- رد المتنازعين إلى الشريعة، وليس ذلك إلا ليرتفع الاختلاف، ولا يرتفع الاختلاف إلا بالرجوع إلى شيء واحد) [5/60]

(والآيات في ذم الاختلاف والأمر بالرجوع إلى الشريعة كثيرة، كلها قاطعة في أنها لا اختلاف فيها، وإنما هي على مأخذ واحد وقول واحد) [5/61]

وعندما عرض عبارة “اختلاف العلماء رحمة” رد عليها من خلال الداخل المذهبي نفسه، كما يقول:

(وأما قول من قال “إن اختلافهم رحمة وسعة” فقد روى ابن وهب عن مالك أنه قال: “ليس في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سعة، وإنما الحق في واحد”) [5/75]

هذه جولة خاطفة في المقارنة بين الصورة التي يتم ترويجها حول الشاطبي، والشاطبي الفعلي كما هو، وكل من سمع كلام هؤلاء عن المقاصد والشاطبي، ثم قرأ كتابه، فإنه سيكتشف حتماً أن هناك شاطبيين وليس شاطبياً واحداً، هناك الشاطبي الحقيقي الذي كتب الموافقات، وهناك الشاطبي المزيف الذي تمت دبلجته في المعامل الفرانكفونية وتسويقه كنسخة مقرصنة للمستهلك الكسول الذي لا يفحص مدى موثوقية ما يسمع.

هذا يعني أن الشاطبي تعرض لحملة تغريب مكثفة، ونجحت هذه الحملة –للأسف- لأننا أمام جيل يستهلك الشائعات الفكرية عن التراث الإسلامي دون أي حس علمي في تمحيصها، وهذا يعني أيضاً أن (علم مقاصد الشريعة) و (الموافقات) و (الشاطبي) بحاجة لحملة مضادة لاستنقاذها من عمليات التزييف المنظم، والحيلولة دون استغلالها في تبرير مفاهيم الإباحية الفقهية.

هذا هو المحور الأول وهو تحليل حقيقة الشاطبي وكتابه وعلم المقاصد الذي توسع في شرحه، لننتقل الآن إلى المحور الثاني لهذه الإشكالية: هل يعرف الخطاب الشرعي المعاصر أبحاث المقاصد؟

الحقيقة أنه إذا اتضحت حقيقة المقاصد والشاطبي فيبدو أننا لسنا بحاجة لهذا السؤال الثاني أصلاً، ولكن مع ذلك سنشير لبعض النماذج من دراسات الباحثين الشرعيين في علم المقاصد:

(المختصر الوجيز في مقاصد التشريع) عوض القرني، (مقاصد الشارع الضرورية: دراسة نظرية تطبيقية) محمد بن علي المري، (اعتبار المقاصد في الشريعة) عبدالعزيز بن عبدالرحمن السعيد، (تهذيب الموافقات) للجيزاني، (مقاصد الشريعة في حفظ المال وتنميته) محمد سعد المقرن.

فضلاً عن الدروس الشرعية المنتشرة والمسجلة في شرح كتاب الموافقات للشاطبي (وممن لهم شروح على الموافقات: الشيخ ابن غديان، الشيخ عبدالكريم الخضير، د.مساعد الطيار، د.يوسف الغفيص، وغيرهم).

يبدو الآن أننا انتهينا من مناقشة أهم ما يتصل بإشكالية علاقة الخطاب الشرعي بعلم المقاصد والشاطبي، لننتقل الآن إلى إشكاليات أخرى.

ثامناً: الخطاب الشرعي ومعارك الصفات

تتفق جمهور الطوائف الفكرية المعاصرة على نقد علاقة الخطاب الشرعي بمباحث “الأسماء والصفات الإلهية”، ويرون أن الخطاب الشرعي يقيم معارك لا داعي لها حول قضايا المعطلة والممثلة ونحوهم، في زمن نحن بأمس الحاجة فيه إلى تكثيف الجهود في قضايا المدنية والحقوق والأخلاق.

ولكن هذا الاتفاق العام بين هذه الطوائف الفكرية على إدانة الخطاب الشرعي في علاقته بمباحث الصفات يخفي خلفه تفاوتاً جوهرياً في طرح رؤيتهم حول قضية “الأسماء والصفات والإلهية”، وعبر حوارات متعددة مع هذه الأطياف الفكرية اتضح لي أنهم ليسوا على مرتبة واحدة في النظر لهذه القضية، بل هم –حتى نكون موضوعيين أكثر- يتفاوتون إلى ثلاث مراتب، كل مستوى منها يطرح الإشكالية بمنظور مختلف، وهذه الإشكاليات الثلاث هي: عدم شرعية المبحث، وغياب المخالف، ومغالاة الجهد المبذول.

وللتوضيح أكثر، فالمرتبة الأولى منهم يرون أن مبحث الصفات الإلهية من الأساس هو مبحث ترفي لا قيمة له، وأن اشتغال أئمة السلف به كان من الأصل خطأً تاريخياً يجب ألاّ نكرره.

وأما المرتبة الثانية: فيرون أن هذا المبحث مشروع ومحترم، وأن اشتغال أئمة السلف به كان اشتغالاً مبرراً ويعكس عمق فقههم في دين الله، ولكننا في عصرنا اليوم لا نحتاجه لغياب المخالف فيه، فلم يعد لدينا اليوم “جهم بن صفوان” ولا “المريسي”، ولا يوجد أحد في عالم اليوم كله يتبنى “خلق القرآن”.

وأما المرتبة الثالثة: فيرون أن هذا المبحث مشروع ومبرر، وأن المخالف فيه موجود وحاضر في عالم اليوم، لكنهم ينتقدون الخطاب الشرعي باعتبار أنه أولى هذا الموضوع أكبر من حجمه، فحجْم التعبئة الصفاتية يفوق حجم المخالف في الصفات في عالم اليوم، فهم لا يدْعون إلى إلغائه، وإنما إلى تقليص الجهود العقدية فيه لتتناسب مع حجم المخالف.

هذه ثلاثة مراتب من النقاد يتفاوتون هرمياً في نمط النظرة إلى قضية الصفات، فبعضهم ينكر شرعية المبحث من الأساس، وبعضهم يثبت شرعية المبحث وينكر وجود المخالف، وبعضهم يثبت شرعية المبحث ووجود المخالف لكن ينكر تضخيم الجهود بما يفوق الاحتياج الفعلي.

يبدو لي أنه لا يمكن أن نناقش هذه القضية إلا بفرز المناقشة حسب هذه المراتب الهرمية الثلاث، وهذا ما سنحاوله في الفقرات التالية.

-شرعية مبحث الصفات:

فأما الإشكالية الأولى المتعلقة بجدوى هذا المبحث العلمي من الأساس فهي تقودنا إلى التساؤل حول قيمة الصفات الإلهية ذاتها، أين تقع “الصفات الإلهية” في جدول أولويات الوحي؟ أو ما الموقع الذي تحتله “الصفات الإلهية” من الإسلام؟

حسناً، حين نتأمل (أركان الإيمان الستة) التي يقوم عليها الدين كله نجد أن أعظم ركن من أركان الإيمان هو (الإيمان بالله) والإيمان بالله ليس إيماناً مجرداً، أي ليس إيماناً بجهل أو تحريف، بل هو إيمان مبني على العلم بالله، وبأسماء الله، وصفات الله التي تليق به والصفات التي لا تليق به، فلو أن إنساناً يؤمن بالنبي محمد r لكنه يحرف أوصافه فيصفه بصفات لا تليق به، أو يجحد صفات الكمال التي اختص بها نبينا محمد r؛ فإن إيمانه بالنبي r يكون إيماناً مقدوحاً فيه بقدر ما جحد من أوصافه صلى الله عليه وسلم، وكل من كان بأوصاف النبي r أعلم فإنه في الإيمان به أكمل.

وكذلك (ركن الإيمان بالملائكة)، فلو أن إنساناً يؤمن بالملائكة لكن ينسب إليهم أعمالاً وأوصافاً لا تليق بهم، أو يجحد أوصافهم اللائقة بهم والتي أتت في النصوص؛ فإن إيمانه بالملائكة يكون مقدوحاً فيه بقدر ما جحد، وكل من كان بأوصاف الملائكة اللائقة أعلم كان إيمانه بهم أكمل.

وهكذا (ركن الإيمان بالله) ولله سبحانه المثل الأعلى، فكل من كان بأوصاف الله اللائقة به أعلم كان إيمانه أكمل، وكل من جحد شيئاً من صفات الله اللائقة به نقص إيمانه بقدر ما جحد.

وحين نحاول تحليل مبحث “الصفات الإلهية” نجد أنه ببساطة يدور كله حول ركن الإيمان بالله، أي حول تحقيق الصفات الإلهية اللائقة بالله، والرد على التحريفات والشبه التي تريد جحد شيء من هذه الصفات العظيمة، ولم يأخذ هذا المبحث وزنه عند السلف إلا لتعلقه بأعظم أركان الإيمان وهو الإيمان بالله، وكل مساس بالصفات فهو مساس بالموصوف جل وعلا.

فهل يمكن أن يكون العلم المسؤول عن أعظم أركان الإيمان “الإيمان بالله” مبحثاً ترفياً لا قيمة له؟

ثم إذا تدبر المرء كتاب الله فلا بد أن يلفت انتباهه عناية القرآن الشديدة بتضمين أغلب الآيات شيئاً من أسماء الله وصفاته، فكثير من الآيات تختم بمثل قوله تعالى (السميع البصير) ، (عليم خبير) ، (غفور شكور) ، إلخ. فهل يمكن أن يكون حضور الأسماء والصفات الإلهية بمثل هذه الكثافة في القرآن وتكون شيئاً ثانوياً لا قيمة له؟

ثم إذا تدبر المرء الآيات والسور التي عظمها رسول الله، والتي بين أنها أعظم القرآن، رأى ذلك راجعاً لما تضمنته من الصفات الإلهية، وسنشير لبعض الأمثلة:

فأعظم آية في كتاب الله هي آية الكرسي، وإذا حاول القارئ تحليل مضامين آية الكرسي وجدها من أولها إلى آخرها في توصيف الله سبحانه وتعالى، بل الآية أصلاً مخصصة لسرد أوصاف الله جل وعلا، فذكرت من أوصافه جل وعلا إثباتاً أو سلباً: الألوهية، الحياة، القيومية، نفي السنة والنوم، ملك السماوات والأرض، العلم، نفي الأود، العلو، العظمة.

والحديث الذي بين فيه النبي r أن هذه الآية أعظم آية؛ كان لي معه قصة طريفة، لنقرأ الحديث سوياً، حيث جاء في صحيح مسلم:

(عن أبى بن كعب قال قال رسول الله: “يا أبا المنذر أتدرى أي آية من كتاب الله معك أعظم؟” قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال “يا أبا المنذر أتدرى أي آية من كتاب الله معك أعظم؟” قال: قلت: الله لا إله إلا هو الحى القيوم. قال” فضرب في صدرى وقال: “والله ليهنك العلم أبا المنذر” ) [صحيح مسلم، 1921]

وأما قصتي مع هذا الحديث فهو أنني حين قرأته لأول مرة، كنت مشدوداً لجواب أبي بن كعب، كيف عرف أبيّ بمحض تأمله الشخصي أن آية الكرسي هي أعظم آية؟ كنت أقول لاحقاً ربما لو سئلت أنا مثل هذا السؤال لدار في خلدي أنها “آية الدين” لما فيها من تنظيم الحياة العامة، أو آية “يا أرض ابلعي ماء ويا سماء اقلعي” لما فيها من روعة البيان التصويري الأدبي، أو نحوها من الآيات، لكن أن تكون آية الكرسي فليس لدي أي خلفية توحي لي بأنها أعظم آية، لكن أصحاب النبي r لما كانت تربيتهم على يدي رسول الله علموا أن “الأسماء والصفات الإلهية” هي أعظم موضوع من موضوعات القرآن، وبالتالي فالآية التي تتضمن ذلك ستكون حتماً هي أعظم آية، وهذا الحديث لا أعرف حديثاً في التدليل على عبقرية فقه أصحاب النبي r وعمق فقههم في دين الله وتبحرهم في حقائق الوحي أكثر منه، ولذلك ظهر في هذه القصة التي رواها أبيّ شدة عجب النبي r وفرحه بجواب أبيّ حتى أنه ضرب في صدره وقال “ليهنك العلم”، ولاحظ أنه خص “العلم” أي أن معرفة أن الأسماء والصفات الإلهية هي أعظم موضوع من موضوعات القرآن يدل على علم صاحبه.

لننتقل لقصة أخرى تتحدث عن أعظم آيات القرآن وسوره وسنرى فيها –أيضاً- حضور موضوع الصفات الإلهية وعمق فقه الصحابة في دين الله، هذه القصة هي القصة التي تضمنت منزلة سورة الإخلاص، دعونا نطالع القصة، حيث جاء في صحيح البخاري في مطلع كتاب التوحيد:

(عن عائشة أن النبي r بعث رجلا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ”قل هو الله أحد” فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي فقال: “سلوه لأى شيء يصنع ذلك؟” فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي r : “أخبروه أن الله يحبه”) [صحيح البخاري، 7375]

هذه القصة يقشعر لها جسد المؤمن، فسورة الإخلاص بآياتها الثلاث كلها مكرسة لصفات الله، من مفتتحها إلى ختامها، فوصفت الله بأنه: أحد، صمد، نفي الوالدية والولدية، نفي المكافئ والمثيل.

فانظر بالله عليك كيف كان عمق فقه هذا الصحابي في تعظيم هذه السورة لما تضمنته من الصفات الإلهية.

فهذه النماذج في عناية الصحابة وتعظيمهم لسور وآيات معينة بسبب تضمنها للصفات الإلهية، ثم سرور النبي r لذلك ومدحهم بكمال العلم، وإخباره عن حب الله لصنيعهم، كل ذلك يؤكد أن أصحاب النبي r لا مقارنة بينهم وبين من بعدهم في الوقوف على أسرار معاني الإسلام والإيمان وأولويات الوحي، فإذا قارنت ذلك بكثرة من يتساءل اليوم متهكماً بجدوى العناية بالصفات الإلهية انكشف للباحث فعلاً حجم الفارق الفلكي بين الصحابة وبين الطوائف الفكرية في فهم الإسلام.

ثم إذا تدبر المرء –أيضاً- كيف نبه النبي r أصحابه على أن عامة المطالب الشرعية هي أصلاً من مقتضيات أسماء الله وصفاته، فالتشريعات هي آثار لصفات الله، ويربط النبي r كثيراً بين (الصفة الإلهية) وبين (التشريعات) ليبين هذه العلاقة، ومن ذلك مثلاً أنه قال كما في البخاري:

(إن الله وتر، يحب الوتر) [صحيح البخاري، 6410]

وقال أيضاً في ربط آخر كما في مسلم:

(إن الله جميل يحب الجمال) [صحيح مسلم، 275]

فانظر في هذه النماذج كيف أن تشريع فضيلة الوتر إنما هو فرع عن كون الله موصوف بكونه وتراً، وتشريع فضيلة الجمال فرع عن كون الله سبحانه من صفاته أنه جميل، وهكذا، بل حتى (الرحم) التي أمر الله بصلتها؛ إنما هي مشتقة من اسمه تعالى كما في البخاري:

(إن الرحم شجنة من الرحمن) [صحيح البخاري، 5988]

والمراد أن هذا الربط بين (الصفة الإلهية) و (التشريع) له نظائر كثيرة في النصوص، كما أن الله يحب المؤمن القوي لأنه سبحانه موصوف بأنه القوي، ويحب المحسن لأنه سبحانه موصوف بأنه المحسن.

وهكذا سائر المطالب الشرعية الأخرى تراها في حقيقتها “فرع عن صفات الله”، فتوحيد الألوهية هو موجب أسماء الله (الأحد، الإله) ونحوها.

وتوحيد التشريع، أعني إفراد الله بالحكم والتشريع؛ هو موجب ومقتضى أسماء الله (الحكم، السيد) ونحوها.

ورجاء الله هو مقتضى أسماء الله (الرحمن، الرحيم) ونحوها.

والخوف من الله هو مقتضى أسماء الله (الجبار، المنتقم) ونحوها.

وهذا المعنى في علاقة (الصفات الإلهية) بـ (التشريعات) وأن سائر أنواع العبودية هي من آثار صفات الله؛ أشار له أئمة السنة كثيرا، حتى قال ابن القيم في مدارج السالكين: (رجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات) ولذلك كله قال تعالى (وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) [الأعراف:180] فأمرنا أن نتعبده بمقتضى أسمائه جل وعلا.

ومن أشد الأمور إثارة للانتباه في موضوع الصفات الإلهية مقارنة موقف السلف من (فاعل الكبيرة) و (فاعل التأويل)، فنحن نعرف أن السلف وقفوا مدافعين ضد تكفير أصحاب الكبائر كالزاني والمرابي وشارب الخمر، وحشدوا النصوص الكثيرة التي تدل على أن أصحاب الكبائر لايجوز تكفيرهم.

ضع هذه الصورة السابقة في ذهنك، ثم قابلها بموقف السلف حين ظهرت أفكار (تأويل الصفات الإلهية) وكيف استفظعوا الأمر وحاربوه ووقفوا جميعاً بحزم صارم ضد المؤولين، وأطبق جماهير السلف على تكفير الجهمية، وكفّروا شخصيات أخرى اشتهرت بتعطيل الصفات.

ياترى هل كان هذا التطابق في الموقف مجرد توافقٍ عرضي؟ هل يقف أئمة أتباع التابعين المنتشرون في أمصار الإسلام في الشام والحجاز ومصر وغيرها ذات الموقف الرهيب ويكون هذا شيئاً عرضياً وليس هناك مبررات موضوعية دفعته إلى الوجود؟

لماذا شنع أئمة الإسلام في توافق عجيب وأطلقوا عبارات غليظة في شأن من أنكر صفة الكلام أو الاستواء ونحوها، ولم يقولوا عشر معشار هذه العبارات في الزاني والمرابي وشارب الخمر؟

يستحيل بحسب العادة أن لايكون هناك براهين ظاهرة جداً قادتهم إلى هذا التوافق، يستحيل أن لاتكون هناك أدلة قاطعة حملتهم على تعظيم باب العلم بالله وشناعة تأويل الصفات وأن الضلال فيه أشنع من الكبائر.

نحن بحاجة هاهنا إلى نماذج من مواقف السلف، ولكن نصوص السلف في هذه الإشكالية غزيرة جداً، لذلك سنكتفي بشواهد من مواقف (الأئمة الأربعة) الذين سارت الأمة على مذاهبهم، وسنرى كيف استفظعوا تأويل الصفات الإلهية.

فأما الإمام (ابوحنيفة) فقد جاء إليه جهم بن صفوان شخصياً وتناقش معه في وجوب تأويل الصفات الإلهية لتنزيه الله فلما سمع ابوحنيفة مقالته قال له (اخرج عني ياكافر) [المسايرة لابن الهمام، وأصول البزدوي].

وأما عمرو بن عبيد أشهر شخصيات المعتزلة في عصره فقال عنه ابوحنيفة (لعن الله عمرو بن عبيد فإنه فتح للناس الطريق إلى الكلام) [ذم الكلام للهروي، وابن أبي العز على الطحاوية].

بل نهى عن الصلاة خلف من يعطل الصفات الإلهية فقال ابوحنيفة (من قال القرآن مخلوق فلايصلين أحد خلفه) [تاريخ بغداد للخطيب]

وأما الإمام (مالك بن أنس) فوصل الأمر عنده إلى الفتيا بالقتل لمن جحد الصفات، كما سئل مرة عن صفة الرؤية (قيل لمالك: إنهم يزعمون أن الله لا يرى؟ فقال مالك: السيف السيف) [ اللالكائي]

وأفتى مرة أخرى بالسجن والجلد حتى الموت (عن بن نافع قال: كان مالك بن أنس يقول: من قال القرآن مخلوق يوجع ضرباً ويحبس حتى يموت) [ الاعتصام للشاطبي المالكي، الشريعة للآجري]

وكان يعرف المتأثرين بأفكار التأويل ويغلظ عليهم، كما قال عبد الرحمن بن مهدي:(دخلت على مالك وعنده رجل يسأله، فقال: لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد لعن الله عمرو بن عبيد) [ذم الكلام للهروي]

وأكثر ما يلفت الانتباه في تعامل الإمام مالك مع الصفات الإلهية مايعتريه من الرهبة من الله عندما يسمع كلام المؤولين، كما في قصته المشهورة:

(عن جعفر بن عبد الله قال: كنا عند مالك بن أنس فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟ فما وجد مالك من شيء ما وجد من مسألته، فنظر إلى الأرض، وجعل ينكت بعود في يده، وقد علاه الرحضاء -أي العرق-، ثم رفع رأسه ورمى بالعود، وقال ..) والقصة بطولها معروفة. [التمهيد لابن عبدالبر المالكي ]

فانظر بالله عليك هذه القلوب الحية، وستعرف لم اختصهم الله بالإمامة في الدين؟! وقارن هذا التعظيم لباب العلم بالله بما تتجرأ به الطوائف الفكرية من استهتار بمنزلة هذا الباب العظيم.

ويهمنا هاهنا بالطبع أن نشير إلى أن الإمام مالك نفسه نبه إلى أن الخطأ الاعتقادي أفدح من الكبائر ذاتها، كما يقول:

(عن ابن نافع قال: سمعت مالكا يقول: لو أن رجلا ارتكب الكبائر كلها بعد ألاَّ يشرك بالله، ثم تخلى من هذه الأهواء والبدع دخل الجنة) [حلية الأولياء لأبي نعيم]

وأما الإمام (الشافعي) رحمه الله فقد جاءه حفص الفرد وكان يتبنى –أيضاً- تأويل الصفات لتنزيه الله عن مشابهة المخلوقين، ولذلك كان يجعل القرآن مخلوقاً ليسلم من إثبات كلام مسموع، فكفّره الشافعي صراحة:

(سمعت الربيع يقول: لما كلم الشافعي حفص الفرد، فقال حفص: القرآن مخلوق. فقال له الشافعي: كفرت بالله العظيم) . (قال الربيع: فلقيت حفصاً، فقال: أراد الشافعي قتلي) [تبيين كذب المفتري لابن عساكر، سير النبلاء للذهبي]

ومن أخطر الأمور التي نبه إليها الشافعي هي أن تحريف الصفات يفضي إلى اختلاف الموصوف ذاته:

(قال الجارودى: ذُكر عند الشافعي ابراهيم ابن اسماعيل بن علية، فقال: أنا مخالف له فى كل شئ، وفى قول لا إله إلا الله، لست أقول كما يقول، أنا أقول لا إله إلا الله الذى كلم موسى عليه السلام تكليما من وراء حجاب، وذاك يقول لا إله إلا الله الذى خلق كلاما أسمعه موسى من وراء حجاب) [الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء، لابن عبدالبر]

ونبّه الشافعي أيضاً على قضية أن التأويلات في الذات الإلهية أخطر من الكبائر، كما يقول الشافعي بعد أن تناقش مع المعطّلة:

(لقد اطلعت من أهل الكلام على شئ والله ما توهمته قط، ولأن يبتلى المرء بجميع ما نهى الله عنه ما خلا الشرك بالله؛ خير من أن يبتليه الله بالكلام) [تبيين كذب المفتري لابن عساكر]

وأما الإمام أحمد فنصوصه في هذا الباب أشهر من أن تذكر، ومعروف أنه كفّر من أنكر الصفات وقال بخلق القرآن، وتعرض للاعتقال الشهير على يد ثلاثة خلفاء المأمون والمعتصم والواثق.

وهذا القول ليس خاصا فقط بـ(الأئمة الأربعة) أصحاب المذاهب التي سار عليها المسلمون، بل حتى أصحاب المذاهب الفقهية المتبوعة التي اندثرت، ولاحظ معي هذا العرض التاريخي الذي يلخصه الإمام ابن تيمية:

(وقد حكى الأوزاعي وهو أحد الأئمة الأربعة في عصر تابع التابعين: الذين هم مالك إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق؛ حكى شهرة القول في زمن التابعين بالإيمان بأن الله تعالى فوق العرش وبصفاته السمعية، وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم، ليعرف الناس أن مذهب السلف خلاف ذلك) [الفتاوى 5/39]

الشواهد السابقة كانت لتوضيح الموقف الجذري لـ(أئمة الفقه المتبوعين) من قضية تعطيل الصفات، وأما موقف (أئمة الحديث) فسنأخذ النماذج من أصحاب الكتب الستة التي عليها مدار الإسلام، فأما الإمام البخاري فقد ختم صحيحه بـ(كتاب التوحيد والرد على الجهمية) ، وأما الإمام مسلم فلم يضع أبواباً لصحيحه أصلاً، وأما الإمام ابوداود فقد بوب في سننه وقال (باب في الرد على الجهمية). وأما الإمام الترمذي فبعد أن ساق أحاديث الصفات الإلهية قال (وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا هذا تشبيه) ، وأما الإمام ابن ماجة فقال (باب فيما أنكرت الجهمية).

فهؤلاء هم أئمة الفقه المتبوعين، وهؤلاء أئمة الحديث المعتمدون، وكلهم مطبقون على استفظاع تعطيل الصفات الإلهية، فهل يمكن أن يكون هؤلاء كلهم ضلوا في هذه القضية، ومنحوا الصفات الإلهية أكبر من حجمها؟!

وسنضطر هاهنا أن نتوقف عن عرض المزيد من الشواهد، ولكن كلي أمل في القارئ الكريم أنه إن أراد المزيد من الشواهد أن يراجع واحداً من ألذ المصادر في عرض معالجات أئمة السلف للصفات بنزعة تاريخية مرهفة، وهو كتاب (العلو) لمؤرخ الإسلام الذهبي.

والمراد أننا حين نرى كيف تتابع أئمة السلف المتبوعين في التشنيع البليغ على تأويل الصفات الإلهية، وأنهم قالوا فيها مالم يقولوه في المرابي والزاني وشارب الخمرة، واعتبروها قضية في غاية الخطورة، واستحضر الإنسان مع ذلك عبقرية أولئك الأئمة، وسعة إحاطتهم بالنصوص، ودقة معرفتهم بلسان العرب، وصدقهم في البحث عن مراد الله ورسوله بعيداً عن ضغوط الأهواء الخارجية، وكمال ورعهم وتقواهم وعبوديتهم، وإطباق أمة محمد r على التدين بفقههم، وشهادة الشارع لهم بأنهم خير القرون، وتوافقهم العجيب مع تباعد الأمصار على ذات الموقف، حين يجمع الباحث أطراف الصورة التاريخية، ثم ينتقل للطوائف الفكرية المعاصرة ويرى كيف يستهترون بباب الصفات الإلهية، ويستهينون بالغيرة والحمية لباب العلم بالله، ويتهكمون بسعي أهل السنة لإصلاح التصورات الخاطئة حول هذا الباب العظيم، إذا جمعت ذلك كله فإنك لا يمكن أن تنفك عن الشعور بالرثاء والشفقة لهؤلاء المساكين، كيف بلغوا هذه المراتب من الجهل الفظيع في دين الله.

وخلاصة ذلك أنه إذا كانت “الأسماء والصفات الإلهية” هي طريق العلم بالله الذي هو أعظم أركان الإيمان بالله، وإذا كانت أعظم آيات القرآن وسوره إنما استمدت عظمتها مما تضمنته من الصفات الإلهية، وإذا كانت العبودية كلها اتباع لمقتضى الأسماء والصفات الإلهية، وإذا كان أئمة السلف المتبوعين عظموا شأن الصفات الإلهية وقالوا في تأويلها مالم يقولوه في أصحاب الكبائر؛ فكيف يقول مسلم عاقل بأن الأسماء والصفات الإلهية موضوع هامشي لا قيمة له ولا داعي لتصحيح التصورات الخاطئة حوله؟

وبعض الناس -نتيجة جهلهم بمنزلة الصفات الإلهية في الوحي- لوجاءهم رجل وأنكر (اليوم الآخر) لوقع في أنفسهم وقعاً شديداً أعظم مما لو أنكر (صفات الله) سبحانه وتعالى، وهذا بسبب غياب الوعي بتراتبية القضايا في الوحي، ولذلك يقول ابن تيمية:

(إنكار صفات الله أعظم إلحاداً في دين الرسل من إنكار معاد الأبدان؛ فإن إثبات الصفات لله أخبرت به الرسل أعظم مما أخبرت بمعاد الأبدان) [درء التعارض، 5/309]

ثم استدل ابن تيمية على ذلك بأن السور التي عظمها الله ورسوله كآية الكرسي والفاتحة والاخلاص كلها تتضمن من أسماء الله وصفاته أعظم مما تتضمن من تفاصيل اليوم الآخر.

وبعض الناس يقول: (حسناً نحن نعرف أن الصفات الإلهية لها منزلة عظيمة، لكن ما علاقة ذلك بكوننا يجب أن نحارب التأويل فيها) وهذا في الحقيقة كلام غير علمي بتاتاً، فأهمية الصفات الإلهية تقتضي أهمية تنقيتها من أي تحريف تحت أي غطاء كان، وهل يعقل أن يكون الموضوع في غاية الأهمية، ويكون تحريف نصوصه في غاية الهامشية؟! ولذلك قال تعالى (وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ) [الأعراف:180] فأي تحريف لأسماء الله إلحاد فيها، وأمر النبي r بحفظ الأسماء الإلهية كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: (لله تسعة وتسعون اسماً من حفظها دخل الجنة) [مسلم،6985] وحفظها يتضمن حفظها من التحريف في معانيها.

والحقيقة أن الاستهانة في صيانة الصفات الإلهية من التحريف لا يصدر إلا عن شخص تساهل أصلاً في قيمة الصفات الإلهية ذاتها وعظمت في قلبه شؤون دنيوية أخرى، ويستحيل أن نصدق عقلاً أن ثمة شخصاً يعظم صفات الله، ويستهين في ذات الوقت بتحريف نصوصها! هذا افتراض لا يقبله العقل.

وثمة فريق آخر يقول: (أن ما جرى من الفرق العقدية المخالفة لأهل السنة في الصفات الإلهية لم يكن تحريفاً عن عمد، بل نيتهم حسنة، وإنما أرادوا تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين، فلماذا نضخم ونشنع على أقوالهم؟) وقائل هذا الكلام لم يستوعب تفريق أهل السنة بشكل إجمالي بين الفعل والفاعل، أو بين النوع والعين، فكون الإنسان نيته حسنة ووقع في مخالفة شرعية متأولاً فهذا لا يبرر هذه الفعلة، وإنما هذا قد ينفعه عند الله في العفو عنه، فحسن النية لا يبرر أن نترك الخطأ على ما هو عليه، وكون مقصوده “التنزيه عن مشابهة المخلوقين” لا يعني صحة عمله.

ولنضرب مثلاً يوضح ذلك، لو أن إنساناً جاءنا وقال أنا أؤمن بالنبي (محمدr) لكني أنكر أن يكون من صفاته أنه أسري به إلى بيت المقدس وعرج به إلى السماء في ليلة، لأنني لو أثبت له هذه الصفة فسيفضي به ذلك لكونه يشابه الطيور، ولتنزيه النبي r عن مشابهة الطيور فإني أنكر الإسراء والمعراج وأتأول الآية (سبحان الذي أسرى بعبده) بأن المراد بها سمو روحه وصفاء نفسه وامتدادها ونحو ذلك، ولغة العرب لا تأبى مثل هذه المجازات. فمثل هذا الكلام هل سيقبله العاقل؟! بل سيبلغ هذا الجحد في نفوس المؤمنين مبلغاً عظيماً، وسيستبشعون أن تنكر صفات النبي r التي أثبتها القرآن لمجرد توهمك أنه سيشابه من هو دونه بذلك. والمراد أنه لو قام هذا الشخص وقدم لنا مئات التأويلات لتأويل قوله تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً) مشفوعة بعشرات القرائن الدالة على حسن نيته في هذا التأويل، لما شفع ذلك في قبح فعله عند أهل الإيمان، فكذلك من جاءنا وجحد كون الله في العلو، أو أن الله مستوٍ على عرشه، أو أن الله يتكلم، أو أن الله ينزل للسماء الدنيا، وجاءنا بالأدلة العقلية الكثيرة لتأويل نصوص هذه الصفات مبيناً حسن نيته في تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين، لما كان ذلك كله شافعاً له في قبح هذه الفعلة، وإن كنا نكل الفاعل إلى الله.

وهكذا أيضاً لو جاءنا شخص وألغى “الحدود الجنائية الشرعية” كلها كقطع السارق ورجم المحصن ونحوها، وأقام من القرائن ما لا يحصى على أن مقصوده حسن، وإنما أراد دفع الشناعة عن الإسلام بأنه دين وحشي ونحو ذلك، فهل نيته الحسنة تبرر فعلته وتأويلاته تلك؟ والمراد أن حسن نية المؤولين لاتشفع لهم في ترك التأويلات على ما هي عليه.

والحافظ ابن حجر حين رأى أئمة القرن الثالث الذين رجع الناس إليهم في الفتيا مطبقين على التشنيع على هذه التأويلات احتج بذلك على رفض التأويل إجمالاً في عبارة تضمنت تصويراً تاريخياً أخاذاً كما يقول في فتح الباري:

(وقد تقدم النقل عن أهل العصر الثالث، وهم فقهاء الأمصار كالثوري والأوزاعي ومالك والليث ومن عاصرهم، وكذا من أخذ عنهم من الأئمة؛ فكيف لا يوثق بما اتفق عليه أهل القرون الثلاثة، وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة)

وجوهر المسألة كلها وسرها الدقيق أن تحريف الصفات الإلهية تحريف لباب العلم بالله، والعلم بالله أشرف وأجل مطلوب للعباد، وكلما عظم الموصوف عظمت صفاته، وكلما عظمت الصفات عظم شأن التحريف فيها، فإذا كان الملك من ملوك الأرض لا يرضى تحريف أوصافه ومناقبه، فكيف بملك الملوك –ولله المثل الأعلى- أن يرضى بتحريف صفاته جل وعلا.

حسناً، انتهينا الآن من الإشكالية الأولى في الصفات الإلهية وهي (منزلة الصفات الإلهية في الإسلام)، لننتقل الآن إلى إشكالية الفريق الثاني الذي يقر بأهمية الصفات الإلهية وتنقيتها من التصورات الخاطئة، ولكنه ينكر وجود المخالف في هذه القضايا في عالم اليوم.

-هل هناك معطلة للصفات في هذا العصر؟

هذا الفريق الذي ينكر وجود المعطلة في هذا العصر يردد دوماً: أن قضية (خلق القرآن) صارت جزءاً من التاريخ والماضي، ولم يعد أحد في عالم اليوم يدعو أو يكتب أو يقرر مسألة (خلق القرآن)، ويقول بعضهم: (أنتم تصارعون المقابر، فكل الذين يقولون بخلق القرآن قد واراهم الثرى منذ قرون)، ويؤكد هؤلاء أيضاً أنه لم يعد هناك جهم ولا جهمية، ولابشر المريسي، إلخ. وقد لاحظت شخصياً أن أكثر مثال يشنعون به على قضية الصفات الإلهية هي مسألة (خلق القرآن) وأنها قضية ولدت في قصر المأمون وقبرت في قصر المتوكل.

والحقيقة لا أخفي أن مناقشة هذا الفريق تسبب لي شيئاً من الحساسية والحرج، لأن ذكر واقع التعطيل المعاصر يجرنا إلى ذكر شخصيات لها فضل وجهود في أبواب فقهية ودعوية أخرى، وذكرها هاهنا قد يفهم منه التقليل من قدر جهودها الأخرى، لكني أثق كثيراً بسعة أفق القارئ الكريم بأن يضع هذا الكلام في سياقه العلمي دون أية امتدادات أخرى.

لو أجرينا استطلاعاً سريعاً لواقع التعليم في المعاهد الشرعية التقليدية في العالم الإسلامي اليوم لرأينا (تعطيل الصفات الإلهية) منتشراً بشكل واسع ومؤلم جداً، ففي الأزهر والزيتونة ونحوها من معاهد العلم العريقة ينتشر تعطيل الصفات بسبب الاعتماد على متون كلامية في مناهج التعليم الرسمية مثل جوهرة التوحيد وأساس التقديس ونحوها من كتب التعطيل.

وأما قول من يقول بأن “خلق القرآن” قضية تاريخية طواها إيوان المتوكل ولم يعد لها ذكر اليوم، فهذا كلام شخص بعيد كلياً عن متابعة الرموز الدينية في العالم الإسلامي، وسنذكر بعض النماذج على مضض:

فهذا الإمام العلامة الطاهر ابن عاشور يرى أن القرآن الذي سمعه جبريل، وكلام الله الذي سمعه موسى، أنه مخلوق، كما يقول: (يجوز أن يخلق الله الكلام في شيء حادث سمعه موسى) [التحرير والتنوير، 8/274]

ولكن ابن عاشور كان يتوهم –غفر الله له اللهم آمين- أن أئمة أهل السنة لم يصرحوا بأن القرآن مخلوق لكي لا يشوشوا على العامة فقط، كما يقول:

(وهذا –أي كلام الله- لا يمتري في حدوثه من له نصيب من العلم في الدين، ولكن أمسك بعض أئمة الإسلام عن التصريح بحدوثه، أو بكونه مخلوقاً، في مجالس المناظرة التي غشيتها العامة) [التحرير والتنوير، 4/320]

وهذا الإمام الجهبذ محمد أبو زهرة، كان يتوهم أيضاً صحة القول بـ(خلق القرآن) فيقول غفر الله له:

(ولكن إن نظرنا من وجهة الحكم في القضية، من حيث كون القرآن مخلوقاً أو غير مخلوق، فإن الأدلة التي ساقها ابن أبي دؤاد في تلك الكتب، والعقل والبداهة؛ تحملنا على الحكم للمعتزلة بصحة نظرهم، فإن القرآن وإن كان كلام الله؛ مخلوق) [ابن حنبل، ابوزهرة، ص67]

وهذا الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي وهو أكثر الشخصيات الفقهية نفوذاً في بلاد الشام، ردد في مواضع كثيرة ظنه بأن القرآن مخلوق، ويقول في كتابه واسع الانتشار، والذي تعاد طباعته دورياً، والمسمى “كبرى اليقينيات”؛ مقرراً صحة القول بـ”خلق القرآن” ما يلي:

(وأما الكلام الذي هو اللفظ، فاتفقوا -أي المعتزلة والأشاعرة- على أنه “مخلوق” وعلى أنه غير قائم بذات الله سبحانه، باستثناء أحمد بن حنبل وبعض أتباعه) [كبرى اليقينيات، البوطي، 126]

وهذا الشيخ الفاضل المفسر عبدالرحمن حبنكة الميداني يقول في كتابه الشهير (العقيدة الإسلامية وأسسها) مقرراً “خلق القرآن” ما يلي:

(النوع الثاني –أي من الوحي- ما كان بواسطة إسماع الكلام الإلهي من غير أن يرى السامع من يكلّمه، كأن يخلق الله الأصوات في بعض الأجسام من حجر أو شجر، ومن هذا النوع ما كان لموسى عليه السلام حين مناجاته ربه في جانب الطور، وهذا النوع الثاني هو ما أشار إليه الله بقوله في الآية “أو من وراء حجاب” أي وحياً من وراء حجاب، بواسطة خلق الله الأصوات كما ذكرنا، أو بصورة أخرى يختارها الله عز وجل) [ص2/249]

فالشيخ حبنكة هاهنا –عفى الله عنه- يعتبر تكليم الله لموسى صوت خلقه الله في الشجر والحجر وسمعه موسى، وليس الكلام الذي سمعه موسى هو كلام الله حقيقة، فهوكلام مخلوق.

والمراد أن تعطيل الصفات الإلهية الواردة في نصوص القرآن والسنة وقع من كثير من المعاصرين المنتسبين للفقه والحديث والتفسير والدعوة، ومن ذلك الشيخ المفسر الصابوني في تفاسيره الكثيرة الشائعة، ومنهم الشيخ المحدث عبدالفتاح أبو غدة، ومنهم الشيخ الداعية الحركي سعيد حوى في كتابه “الله جل جلاله”، ومنهم الشيخ حسن أيوب صاحب الكتاب المنتشر بين عامة الناس في العالم الإسلامي المسمى “تبسيط العقائد الإسلامية”، وغيرهم.

بل هذه الأيام القريبة تفاجأ أهل السنة بصدور كتاب جديد بعنوان (القول التمام في إثبات التفويض مذهباً للسلف الكرام) يدعي أن أئمة السلف رضوان الله عليهم لم يكونوا يعرفون معاني الصفات أصلاً (=التفويض)، وقد استاء الكثير من المحبين أن يكون قدم للكتاب الدكتور الفاضل يوسف القرضاوي وأثنى عليه، فكيف يقدم لكتاب يحرف أعظم مطلوب للعباد، وهو العلم بالله، وعهدنا بالدكتور يوسف أنه كان إذا رأى أهل السنة يتكلمون في هذه المباحث أوصاهم بأن لا يشغلوا الأمة في قضايا لا جدوى منها، ثم نراه اليوم يساهم في ترويج كتاب يخلط الأمور ويعيد دعوى التفويض من جديد!

لست أفهم كيف يدعونا الدكتور الفاضل يوسف القرضاوي إلى ترك الانشغال بتصحيح التصورات العقدية في باب الصفات الإلهية، ثم نراه يشارك في نقيض ذلك، أي يشارك في دعم بدعة ضلالة في أعظم باب من أبواب الدين وهو باب صفات ملك الملوك سبحانه وتعالى، فلا هو الذي ساهم في تصحيح التصورات، ولا هو الذي ترك الباب كله من أصله، بل ذهب يعزز أحد أنواع الخلل في هذا الباب، ألا سامحك الله وغفر لك يا شيخ يوسف.

هذه نماذج ولا نريد أن نتوسع أكثر من ذلك.

وأمثال هذه النماذج المذكورة –حفظ الله الأحياء ورحم الله الأموات- هم أهل فضل ولهم جهود في أبواب شرعية أخرى، وما نشروه من تعطيل الصفات (سواء تعطيلاً صريحاً كما في التأويل، أو تعطيلاً ضمنياً كما في التفويض) لم يكن مقصوداً لهم –إن شاء الله- بالأصالة بل كان شيئاً عرضياً لمشروعاتهم، ولذلك لا يزال أهل السنة يأملون أن يجتمع الجميع على طريقة أصحاب النبي r ومن تبعهم بإحسان من التابعين وأئمة الأمصار، في تعظيم (الصفات الإلهية) ومقاومة كل أشكال تحريفها تحت أي غطاء كان، ليسلم لنا باب العلم بالله نقياً صحيحاً وهو أشرف معلوم.

وفي النماذج السابقة إنما تداولنا أسماء شخصيات فاضلة لها حضور وقراء، وهي تتبنى تعطيل الصفات أو القول بخلق القرآن أو تجويز القول بأن الصحابة كانوا يجهلون معاني الصفات، وقد أعرضنا عن ذكر (الأشاعرة العدوانيين) كسعيد فودة والسقاف وأضرابهم، ممن يصرحون بتسفيه أئمة السلف، ويحتقرون الإمام الدارمي ويبالغون في الإزراء به (بسبب تأثر ابن تيمية بطريقة الدارمي في كتابه النقض على المريسي) ولهم اليوم مواقع إلكترونية، وحضور على بعض الفضائيات، ومطبوعات متنوعة، يصرحون فيها بتضليل الإمام ابن تيمية وابن القيم واعتبارهما منحرفين، نسأل الله العافية.

والمعاصرون الذين صرحوا بالقول بـ”خلق القرآن” تسرب إليهم هذا القول من كتب متأخري الأشعرية الذين وثقوا فيهم، لكن المشكلة أن متأخري الأشعرية انحرفوا كثيراً كثيراً عن الأشعرية المتقدمين، فالأشعرية المتقدمون كالبيهقي وابن عساكر ونحوهم كانوا قريبين من السنة، ولم يبلغ خطؤهم هذا المبلغ، ولكن الأشعرية المتأخرين بلغوا مراحل في غاية الخطورة، وخصوصاً بعدما أدخل عليهم الرازي إلهيات ابن سينا متظاهراً بأنه يرد عليه، ولذلك وصل متأخروا الأشعرية إلى القول بـ”خلق القرآن” بكل صراحة كما يقول الإيجي في المواقف:

(فاعلم أن ما يقوله المعتزلة وهو خلق الحروف والأصوات فنحن نقول به ولا نزاع بيننا وبينهم في ذلك) [ص 294]

والأشاعرة المتأخرون يعلمون حساسية هذا الموضوع، وهو أن يعيدوا قول المعتزلة في خلق القرآن، ولذلك قال البيجوري شارح الجوهرة:

(لكن يمتنع أن يقال “القرآن مخلوق” إلا في مقام التعليم) [شرح الجوهرة، ص73]

وأما في الداخل السعودي فيوجد في بعض مناطق المملكة اليوم مايسمى (المدارس الشرعية) تدرس فيها تقاليد بعض المذاهب الفقهية كالمالكية والشافعية ونحوهم، ويدرس في هذه المدارس تعطيل الصفات الإلهية، كما كتب الأستاذ الباحث (حسن فرحان المالكي) عدة كتب يرى فيها أن طريقة نفي الصفات أصح من طريقة أهل السنة في إثباتها، كما أنني قرأت عدة أبحاث نشرت في الشبكة الليبرالية كتبها كتّاب سعوديون (يغلب على الظن أنهم من الشيعة) يستدلون فيها على وجوب نفي الصفات الإلهية الواردة في القرآن.

وبصورة بعامة فإن كثيراً من الفرق العقائدية المعاصرة تتبنى تعطيل الصفات الإلهية عن معانيها، ولذلك تلجأ إلى القول بخلق القرآن، ومن ذلك الإباضية في عمان وفي المغرب العربي، كما يقول الخليلي مفتي عمان:

(إن المحقق الخليلي رحمة الله عليه قال: قد اتفقنا نحن والأشعرية أنه مخلوق، واتفق عليه أصحابنا المغاربة، وفاقاً للمعتزلة، ولا منكِر ذلك فيما قيل إلا بعض الحنابلة) [الحق الدامغ، 113]

هذا ما يتعلق بقضية (خلق القرآن)، وأنها نتيجة وثمرة لتعطيل الصفات، فمن أنكر أن يكون الله متكلماً فإنه سيلجأ إلى أن يجعل القرآن مخلوقاً وأن الله لم يتكلم به، ولذلك فإن تكليم الله لموسى يعتبرونه صوتاً خلقه في الشجرة فسمعه موسى (كما سبق النقل عن ابن عاشور والشيخ عبدالرحمن حبنكة الميداني عفا الله عنهم اللهم آمين)، ونحو هذه التأويلات.

وإذا تأمل المرء الآيات التي تمدّح الله فيها بكلامه، وفخم شأن كلامه سبحانه وتعالى كقوله:

(وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ) لقمان:27

ومثل قوله تعالى:(قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي) الكهف،109

فإنه يحزن لحال كثير ممن آثر تقليد المذاهب الكلامية وسلب الله تعالى هذه الصفة العظيمة التي يحبها.

ولكن من الموضوعية أن نثبت هاهنا أنه برغم اتفاق المعتزلة والأشاعرة على القول بخلق القرآن، إلا أن بينهم فرقاً دقيقاً وهو أن الأشاعرة يجعلون لله (كلاماً غير مسموع) ، فيثبتون لله كلاماً لايسمعه أحد يسمونه الكلام النفسي، فإذا سئلوا عما سمعه جبريل وموسى ومحمد ليلة المعراج قالوا هذه أصوات مخلوقة خلقها الله في الشجر أو الحجر أو السحاب أو غير ذلك وليست كلام الله، لأن كلام الله لاصوت له فلا يسمع، ووالله لا أدري كيف يتجرأ المرء على الذات الإلهية ويتحدث عن الله وكأنه مجال للتنظيرات والفرضيات.

ومن أخطر نتائج هذا التأويل الذي ذهبت إليه الأشاعرة أنه يتضمن الإساءة إلى الذات الإلهية، ذلك أن الله جل وعلا احتج على بطلان آلهة المشركين بكونها لاتتكلم بصوت يسمعونه فقال:

(وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ) الأعراف، 148

وجاء في القرآن في موضع آخر يعيب آلهة المشركين بكونها لاتتكلم بصوت مسموع:

(فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) الأنبياء، 63

فإذا كان الله جل وعلا يعتبر عدم الكلام المسموع بصوت صفة عيب ونقص وقصور يكشف بطلان آلهتهم، فكيف ننسب هذا العيب والنقص والقصور إلى الله؟! الله سبحانه يعيب آلهة المشركين بكونها (لاتتكلم بصوت مسموع)، ثم نأتي نحن ونقول (إن الله لايتكلم بصوت مسموع)!، كيف ننسب صفة النقص هذه إلى الله؟! أين ذهب توقير الله من القلوب؟!

والله إن القلب الحي المؤمن المعظّم لله -جل وعلا- إذا رأى مثل هذه اللوازم البشعة فإنه لابد أن يجد في نفسه وحشة ونفوراً من التأويل، والحقيقة أن هذا شأن شائع في غالب تأويلاتهم حيث يلزم عليها الإساءة للذات الإلهية ولاحول ولاقوة إلا بالله.

وبالتالي فإن من يقول أن (تأويل الصفات) وجهة نظر يجب أن لانتوتر إزاءه، هو كمن يقول أن (الإساءة إلى الذات الإلهية) إذا كان بتأويل فهو وجهة نظر يجب أن لانتوتر تجاهها!

وأما مايتعلق بـ(الجهم بن صفوان)، وقولهم لم يعد هناك وجود لجهم ولا للجهمية، فقائل هذا الكلام واضح أنه بعيد عن حقل العقيدة، ومعرفة الاصطلاحات الفنية فيها، فكثير ممن ينكر وجود جهم والجهمية يتوهم أن هذا الوصف علَمٌ على فرقة معينة انتهت، وهذا تصور خاطئ كلياً، فوصف الجهمية والتجهم هو المظلة العامة الذي يدخلون فيها كل فرق التعطيل، بدأً من الجهمية المحضة وانتهاء بالجهمية الجزئية كالأشعرية والماتريدية. وفي كلام طويل للإمام ابن تيمية شرح فيه مراتب التجهم نجتزئ منه هذه العبارات:

(الجهمية على ثلاث درجات، فشرُّها “الغالية” الذين ينفون أسماء الله وصفاته..، والدرجة الثانية من التجهم: هو “تجهم المعتزلة” ونحوهم، الذين يقرون بأسماء الله الحسنى في الجملة لكن ينفون صفاته..، وأما الدرجة الثالثة: فهم الصفاتية المثبتون المخالفون للجهمية لكن فيهم نوع من التجهم، كالذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة لكن يردون طائفة من أسمائه وصفاته الخبرية، أو غير الخبرية، ويتأولونها كما تأول الأولون صفاته كلها.., وفي هذا القسم يدخل أبو الحسن الأشعري وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف) [الفتاوى الكبرى، 6/370-372]

وكان الإمام ابن تيمية يشير دوماً إلى اختلاف نفاة الصفات في مراتب التجهم، كما يقول مرة:

(ليس الناس في التجهم على مرتبة واحدة) [الفتاوى الكبرى، 6/368]

ولذلك فإن أئمة السنة اعتبروا من أنكر صفة إلهية واحدة فقد دخل التجهم، ولذلك كانوا يرددون: من قال القرآن مخلوق فهو جهمي، برغم أنها صفة واحدة وهي صفة الكلام، ومع ذلك أدخلوه في وصف التجهم.

وسبب إطلاق أئمة أهل السنة وصف التجهم على التعطيل الجزئي هو كونه ذريعة إلى التعطيل الكلي، أي أن الجهمية الجزئية ذريعة إلى الجزئية المحضة، كما يقول الإمام ابن تيمية:

(فالكلام الذي فيه تجهم هو دهليز التجهم، والتجهم دهليز الزندقة) [الفتاوى، 2/230]

وبسبب مثل هذه الأوهام والتصورات المغلوطة لدى الطوائف الفكرية تجدهم يقولون (أنتم ترددون الجهمية.. الجهمية.. ولايوجد جهمية اليوم!)، حتى أن أحدهم يقول (كتاب ابن تيمية “بيان تلبيس الجهمية” لم يعد له أهمية لأن الجهمية انتهت)، ولا يعرف أن هذا الكتاب رد في الأصل على (تأسيس التقديس) للرازي الأشعري، لكن سماه ابن تيمية رداً على الجهمية جرياً على طريقة أئمة أهل السنة في تسمية كل فرق التعطيل جهمية.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن أصول مقالات جهم بن صفوان ثلاثة مقالات: (التعطيل والجبر والإرجاء)، وكلها اليوم تشربتها الأشعرية المتأخرة، كما يقول الإمام ابن تيمية:

(والأشعرية الأغلب عليهم أنهم: مرجئة في باب الأسماء والأحكام، جبرية في باب القدر، وأما في الصفات فليسوا جهمية محضة، بل فيهم نوع من التجهم) [الفتاوى، 6/55]

وأما ما يتعلق بـ(بشر المريسي)، فمن يقول أنه لا وجود اليوم للمريسي ولا للمريسية؛ فهو في الحقيقة لا يعرف بالضبط ماهي إشكالية بشر المريسي، وأنا هنا أعني ما أقول، وحاول عزيزي القارئ أن تتحقق من ذلك بنفسك، فأي شخص يقول لك لم يعد وجود اليوم لبشر المريسي، فاسأله ما هي أصلاً أقوال بشر المريسي؟ وستتفاجأ بالنتيجة!

فالتأويلات التي أخذ بها بشر المريسي وصار بسببها النزاع الشديد بينه وبين أئمة السنة في عصره، هي الآن بعينها موجودة في كتب متأخري الأشاعرة، وهذه مشكلة معقدة فعلاً، ولذلك يقول الإمام ابن تيمية:

(وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس، مثل أكثر التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب التأويلات، وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سماه “تأسيس التقديس”، ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء، مثل أبي علي الجبائي وعبدالجبار بن أحمد الهمداني وأبي الحسين البصري وأبي الوفاء بن عقيل وأبي حامد الغزالي وغيرهم: هي بعينها تأويلات بشر المريسي التي ذكرها في كتابه..،وإن كان قد يوجد في كلام بعض هؤلاء رد التأويل وإبطاله أيضاً ولهم كلام حسن في أشياء، فإنما بينت أن عين تأويلاتهم هي عين تأويلات بشر المريسي، ويدل على ذلك كتاب الرد الذي صنفه عثمان بن سعيد الدارمي -أحد الأئمة المشاهير في زمان البخاري- صنف كتابا سماه “رد عثمان بن سعيد على الكاذب العنيد فيما افترى على الله في التوحيد”، حكى فيه هذه التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي، بكلام يقتضي أن المريسي أقعد بها وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين الذين اتصلت إليهم من جهته وجهة غيره، ثم رد ذلك عثمان بن سعيد بكلام إذا طالعه العاقل الذكي: علم حقيقة ما كان عليه السلف، وتبين له ظهور الحجة لطريقهم، وضعف حجة من خالفهم، ثم إذا رأى الأئمة – أئمة الهدى – قد أجمعوا على ذم المريسية، وأكثرهم كفروهم أو ضللوهم، وعلم أن هذا القول الساري في هؤلاء المتأخرين هو مذهب المريسي: تبين الهدى لمن يريد الله هدايته ولا حول ولا قوة إلا بالله) [الفتاوى،5/23]

حسناً، انتهينا الآن من ذكر الإشكاليتين الأوليين في موضوع الصفات الإلهية وهما شرعية مبحث الصفات الإلهية، وغياب التعطيل في هذا العصر، لنناقش الآن الإشكالية الثالثة، وهي إشكالية الفريق الذي يستنكر فقط الجهود العقدية المبذولة لمقاومة بدع الصفات بأنها تفوق الاحتياجات الفعلية.

-الجهود الصفاتية وحجم الاحتياجات:

الحقيقة أننا حين نحاول تحليل أنشطة الخطاب الشرعي كالدروس والخطب والبرامج الدعوية التلفزيونية والإذاعية ونحوها، نلاحظ بشكل واضح أن قضية “الصفات الإلهية” لا تملك إلا حضوراً ثانوياً تماماً.

فالدروس العلمية الشرعية –مثلاً- متنوعة بين دروس العقيدة، والفقه (وخصوصاً فقه المعاملات المالية المعاصرة) والحديث، والمصطلح، وأصول الفقه، وقواعد الفقه، ونحوها.

وأما دروس العقيدة فهي ليست كلها في “الصفات الإلهية”، فبعضها في كتب الألوهية (كتاب التوحيد، كشف الشبهات، الأصول الثلاثة، ونحوها) وبعضها في كتب العقيدة العامة (الطحاوية الواسطية ونحوها)، وما يُجعل للعقيدة العامة ليس كله في الصفات الإلهية، بل يعم مباحث القدر، والصحابة، وأمور البرزخ، وأمور المعاد (كالحوض والشفاعة والميزان والصراط)، والأسماء والأحكام (التكفير) وطاعة ولاة الأمور، وأشراط الساعة (الدجال وعيسى والدابة وخروج الشمس من مغربها ونحوها) وأمثال هذه المسائل.

والشاهد من ذلك أن الصفات الإلهية لا تشكل إلا مبحثاً واحداً من مباحث العقيدة، ودروس العقيدة لا تشكل إلا فناً واحداً من فنون الشريعة.

وأما الخطب، فأكثر الخطباء يهتمون بموضوعات المواسم كرمضان، وعشر ذي الحجة والحج، والاختبارات، والإجازة الصيفية، وأحداث العنف، ونحوها، ويندر أن تجد خطيباً مهموماً بقضية الصفات الإلهية.

وأما البرامج الشرعية التلفزيونية فأكثرها حول قضايا العلاقة الزوجية والإيمانيات وقصص السيرة والتاريخ ونحوها، وأما برامج الفتيا فهي مرتبطة بأسئلة عامة الناس في الطهارة والصلاة والبيوع وأحكام الزينة والتجمل للنساء، ونحوها.

وأما مجالس المتخصصين العقديين فأكثرها تدور حول الرافضة والعلمانيين والليبرالية وحوار الأديان ونحوها.

فلا أدري أين هذه الكثافة في التعبئة الصفاتية كما يقولون؟ بل إن من تأمل حال المعاهد الفقهية التقليدية في العالم الإسلامي وما فيها من مناهج كلامية عريقة تبث التعطيل، ثم رأى الجهود المبذولة في قضايا الصفات؛ تأكد له قطعاً أن هناك تقصيراً فادحاً في إصلاح التصورات في أعظم أركان الإيمان وأعظم مطلوب للبشرية كافة.

تاسعاً: خلاصات واستنتاجات

ناقشنا سوياً في الجولات الثمان السابقة حزمةً من أشهر “المقولات النقدية” التي ترفع عادةً في وجه الخطاب الشرعي، وحاولنا أن نقوم باختبار مدى دقة هذه المقولات النقدية بناء على الفحص العملي لمنتجات الخطاب الشرعي من (دروس، محاضرات، خطب، بحوث، إلخ)، ويجوز لنا منهجياً أن نتساءل الآن: من أين تنبع هذه الأفكار المناوئة للخطاب الشرعي؟ ومن الذي يخلق هذه الشائعات ويروجها؟ والحقيقة أن هذه “المقولات النقدية” التي ترفع في وجه الخطاب الشرعي دوماً تصدرها وتبثها “طوائف فكرية” مختلفة ومتباينة، باتت معروفة في الساحة المحلية اليوم بنغمتها هذه.

وهذه الطوائف الفكرية المنتشرة في الساحة المحلية، وما تفرع عنها من جيوب فكرية وانشقاقات حزبية خاصة، ليست متطابقة في أفكارها، ولا يجوز بتاتاً وضعها في سلة واحدة، ويوجد بينها -ولا شك- فروق جوهرية، ولكن مع ذلك يوجد بينها قسمات مشتركة كثيرة، وأهم اتفاق بين كافة هذه الطوائف الفكرية إجماعهم على رفض (منهج أهل السنة في الإصلاح والنهضة وعمارة الدنيا) وإن كان بعضهم يوافق أهل السنة في بعض الأبواب الأخرى.

وسنحاول في الفقرات القادمة أن نقدم (مستخلصاً) لأهم ما توصلنا إليه سوياً في هذه الورقة بخصوص المقولات النقدية التي توجه ضد الخطاب الشرعي، وسأتبعه ببعض (الاستنتاجات) التي لاحظتها حول خطاب هذه الطوائف الفكرية بشكل عام:

1- ما يردده كثير من هذه الطوائف الفكرية من أن البحث الشرعي المعاصر غائب عن القضايا الفعلية المتصلة بحياة الناس كالأسئلة الاقتصادية والطبية والحقوقية والسياسية ونحوها ظهر لنا جميعاً أنه مجرد شائعة فكرية لا تصمد أمام الدراسة العلمية لواقع البحوث والدراسات الشرعية، بل إنه تبين لي شخصياً من خلال محاورات وماقشات كثيرة جداً أن كثيراً ممن يردد دعوى جهل الباحثين الشرعيين بالإشكاليات الاقتصادية والطبية والقانونية ونحوها أنه هو ذاته من أجهل الناس بها، وقد جربت ذلك فعلاً في مرات كثيرة، حتى أن أحدهم حين اعترض بمثل هذا الاعتراض الشائع قلت له: هل سبق لك أن قمت بأي استعراض بسيط للدراسات الشرعية في المكتبات المتخصصة كمكتبة الملك فهد وفيصل وجامعة الإمام وجامعة أم القرى والمعهد العالي للقضاء؟ فكان الجواب بالنفي طبعاً.

وشخص آخر قال مرةً: (مشايخك ذولا مايدرون راسهم من ساسهم في قضايا الاقتصاد!) قلت له: يا عزيزي لو حضرت مرةً أي ندوة فقهية يشارك فيها فقهاء المعاملات (من أمثال د.الأطرم و د.الشبيلي ود.العصيمي ود.خالد المصلح ونحوهم) ورأيت نقاشاتهم الفقهية المالية في قضايا فنية متخصصة من مثل: أثر التضخم النقدي وانكماش العملة على العقود الإقراضية، وعقود التحوط (هيجينج)، وصيغ التصكيك والتوريق، والتمويل بالهامش (المارجين) ، وإشكاليات التسوية في بيوع العملات والأسواق المالية (سيتيلمنت)، والمشاركة المتناقصة، والقيود الابتدائية في العملات، وصيغ العلاقة بين أطراف البطاقة الائتمانية، ومنتجات الخزينة، ونحو هذه المفاهيم المالية المعاصرة لعلمت أنك لا تفهم أنت في هذه القضايا إلا كما يفهم كتّاب الأعمدة الليبرالية في المستصفى للغزالي! فلا أدري كيف استطعت أن تخدع نفسك بكل هذا الأوهام المعرفية؟!

لو جاءنا عالمٌ في حقل معين وازدرى نظراءه من العلماء في ذات الحقل لاستهجنا هذا المستوى من الغرور، فكيف يأتينا شخص جاهل أصلاً ويزدري العالم في نفس الحقل، إننا نصبح هاهنا أمام ظاهرة استعلاء مجوفة لا نملك أمامها إلا التبسم فقط، هذا غاية ما يمكن أن نصنع.

2-ما تردده هذه الطوائف الفكرية من أن قضايا الحقوق بعامة، والحقوق المالية بشكل خاص، لا تمثل جزءاً من اهتمامات الخطاب الشرعي، إنما هو مجرد دعوى تتناقض مع واقع الدراسات الشرعية وبيانات الدعاة ومقالاتهم، والتي تضمنت الكثير من المواد حول حقوق المتهم، والفساد المالي، وقضايا الرشوة والتزوير والغش والسرقة وأكل أموال الناس بالباطل ونحوها.

3-ما تردده هذه الطوائف الفكرية من أن الخطاب الشرعي لا يعتني بالقضايا الأخلاقية حتى تحول الدين إلى قضايا شكلية؛ مجرد مزاعم تتناقض بشكل صارخ وحاد مع كثرة منتجات الدعاة والخطباء في الترغيب في بر الوالدين، وصلة الرحم، والوصية بالجار، وكفالة اليتيم، وعيادة المريض، وتشييع الجنازة، وإفشاء السلام، وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وتقديم النفع المتعدي على النفع الخاص، والمؤمن للمؤمن كالبنيان، ومن كان في حاجة أخيه المسلم، وإصلاح ذات البين، وأداء الأمانة، وتوقير كبار السن. فضلاً عن كثرة الدروس العامة في آداب اللباس، وآداب النوم والاستيقاظ، وآداب الطعام، ونحوها.

صحيح أنني اكتشفت بطلان عامة دعاوى مناوئي الخطاب الشرعي، لكن دعواهم هذه –أعني أن الخطاب الشرعي لا يعتني بقضايا الأخلاق- على سبيل الخصوص هي أشد ما وجدت زيفاً وكذباً وتناقضاً مع واقع الخطاب الشرعي، بل الخطاب الشرعي يفوق كل التيارات الفكرية –بلا استثناء- في الحديث عن تفاصيل الأخلاق والآداب الشرعية، ولا يستطيع أحد أن يزايد عليه في هذا المجال إطلاقاً، وكلي أمل من القارئ الكريم إذا أتيحت له فرصة زيارة متاجر الصوتيات الإسلامية أن يقوم باستطلاع عام على المواد الصوتية المسجلة للدعاة والخطباء وسيرى غزارة ملفتة للانتباه في الحديث عن قضايا الأخلاق، وإذا وجدت فرصة أخرى مناسبة فأتمنى أن تزور المكتبات المتخصصة في الكتب الشرعية وسيذهلك حجم المطبوعات التي تدور حول قضايا الأخلاق والسلوك والإيمانيات والرقائق وحسن الصلة بالله ونحوها، فكيف يقال إن الخطاب الشرعي ينتج تديناً شكلياً مجوفاً؟! هذه الدعوى هي أكثر دعاوى المناوئين للخطاب الشرعي نصباً واحتيالاً.

4-لم يستوعب كثير من الطوائف الفكرية نمط معالجة الفقهاء للاحتياجات المدنية، فهم يظنون أنه يجب أن تفرد هذه المشاكل حسب أوعيتها وتصنيفها المعاصر، وفقهاء الخطاب الشرعي لا يلتزمون في معالجتهم للاحتياجات المدنية هذه الأوعية، بل يدرجون كل قضايا الواقع واحتياجاته تحت المفاهيم الشرعية، فإذا تحدثوا عن (فريضة العدل) سواء حين تمر في الآيات القرآنية في دروس التفسير أو في الأحاديث النبوية في دروس الحديث، فإنهم يتحدثون عن تطبيقاتها عامة، فيستعرضون عامة المظالم كالغش والرشوة وسرقة المال العام والخاص، ونحوها، وهكذا بقية المفاهيم الشرعية ذات الصلة، فإنهم يتحدثون عنها بحسب مرورها في دروسهم في تفسير القرآن والحديث.

5-ما تقوله هذه الطوائف الفكرية عن كون الخطاب الشرعي يشيع الاستهانة بالعلوم غير الشرعية كالطب والاقتصاد والعلوم التقنية ونحوها بما سبب لنا تخلفاً مدنياً؛ هذا كله غير صحيح إطلاقاً، وإنما الخطاب الشرعي لأهل السنة فيه مبدأ واضح وهو أن (العلوم غير الشرعية التي تحتاجها الأمة فرض كفاية)، فكيف أصبحوا يزهدون في ذلك وهم يقولون أنه فرض كفاية؟! من أراد أن يزهد في الشيء قال إنه مكروه أو مباح، أو مستحب على أقل الأحوال، فأما من يجعله فرض كفاية، بما يعني أن المسلمين يأثمون إذا لم يوجد فيهم من يتعلمه، فكيف يقال أن هذا تزهيد وتنفير عن العلوم غير الشرعية؟!

ثم إن هذه الفرضية الكفائية ليست أصلاً حكماً تنفرد به العلوم غير الشرعية، بل حتى العلوم الشرعية يقسمونها إلى مرتبتين: (ما لا يقوم دين المرء إلا به) مثل كيفية وضوئه وصلاته وحجه (إذا أراد الحج) والتي افترضها الله عليه، فهذه المرتبة من العلم الشرعي فرض عين، وطلب هذه المرتبة من العلم أشرف وأولى من كل ما على الأرض من أنواع العلوم والثروات المادية، ومن شك في شرف هذه المرتبة فلديه مشكلة مع الإسلام ذاته وليس مع قضاياه التفصيلية، ومن كان يجهل هذه المرتبة من العلم الشرعي بمعنى أنه يجهل كيف يتوضأ ويصلي ويصوم تفريطاً وتهاوناً، فهو في أحط المراتب البشرية، وإن كان يملك من العلوم الدنيوية ما تنحني له الأكاديميات الغربية، والإنسان قبل هذه المرتبة من العلم كالميت في ظلمات الأرض، وهذا النور الشرعي يحييه ويضيء له الطريق، فهو التنوير الحقيقي، كما قال تعالى في هذه المقارنة الأخاذة (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا) [الأنعام:122]. فمن شك في انحطاط هذا الإنسان الجاهل بمعاني الوحي التي يحتاجها فهو مرتاب في مثل هذه القواطع القرآنية.

وأما المرتبة الثانية من العلوم الشرعية، فهي (العلوم الشرعية التفصيلية) كاستيعاب الأحاديث النبوية، ومعرفة قواعد القبول والرد وتمييز العلل، والعلم بلسان العرب وأوجه تصرفها فيه، وتمييز مواضع الإجماع من مواضع الاختلاف، ونحوها من العلوم الشرعية التفصيلية فهذه أصلاً “فرض كفاية” ولا يجب على كل مسلم تعلمها، بل لو انصرف جميع المسلمين لتعلم العلوم الشرعية على التفصيل لفاتت على المسلمين مصالحهم المدنية الكفائية الأخرى، ولذلك أشار القرآن في قوله (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) [التوبة:122].

والمراد أن هذين النوعين من العلوم (العلوم غير الشرعية التي تحتاجها الأمة) ، و (العلوم الشرعية التفصيلية) أنهما كليهما فرض كفاية، وأما المفاضلة بينهما فتختلف من المفاضلة الذاتية (لما في ذات الأمر) والمفاضلة الاعتبارية (أي باعتبار كل شخص وما تأهل له) وليس هاهنا موضع تفصيل ذلك. والخلاصة أن القول بأن الخطاب الشرعي هو المسؤول عن تخلف العلوم المدنية في المجتمع المسلم، هذا كله لا يقوله إلا من هاب مواجهة المسؤول الحقيقي عن ضياع مصالح المسلمين المدنية، فصار يرمي المسؤولية فوق ظهر الخطاب الشرعي متظاهراً بالشجاعة النقدية في عصر المقلدين!

6-ما تشيعه الطوائف الفكرية من أن الخطاب الشرعي يرفض الاستفادة من المنجزات الغربية، تبين لي أنهم لا يقصدون العلوم الاقتصادية والطبية والإدارية ونحوها مما ثبت عدم معارضته للشريعة، لأن هذه يعرفون جيداً أن الخطاب الشرعي دائم الإشادة والتنويه بها، ويعرفون أن أكثر الإسلاميين ليسوا أصلاً في تخصصات فقهية، بل أكثر الإسلاميين في تخصصات مدنية، وإنما تبين لي أنهم يقصدون “الجزء المعارض للشريعة”، ولكنهم لصعوبة مواجهة الناس بذلك، يفضلون الغمغمة واستخدام الشعارات المجملة.

فمثلاً حين يقول: (لماذا لا تستفيدون من العلوم الاقتصادية الغربية؟) تقول له: (هذه المصرفية الإسلامية أخذت كثيراً من صيغ وأنماط الاقتصاد الغربي) فيقول لك: (ولكنهم لا زالوا يرفضون نظام الفائدة الذي تقوم عليه بنوك العالم كله، ولا زالوا يرفضون كثيراً من العقود متعللين أن فيها غرراً، ونحو ذلك). فهو في الحقيقة لا يقصد الاستفادة مما ثبت عدم معارضته للشريعة، وإنما يقصد الجزء المتعارض مع الشريعة، لكن لأنه يجد صعوبة اجتماعية في أن يقول: (لماذا لاتأخذون الاقتصاد الغربي بخيره وشره؟) فإنه يقول: (لماذا أنتم ضد الاستفادة من الغرب؟). وهكذا من يقول: (لماذا لا تستفيدون من آليات التفوق الإعلامي الغربي) تجده يقصد التساهل في تبرج المرأة والمعازف ونحوها، وليس يقصد الآليات الإيجابية التي تضمن للإعلام مهنية وجاذبية.

7-ما تكرره الطوائف الفكرية من أن الخطاب الشرعي مجرد ذيل وتابع للسياسي يتناقض جذرياً مع الواقع التاريخي للخطاب الشرعي، فقضايا البنوك الربوية، وحوار الأديان، والفعاليات الغنائية، والتوسعة الأفقية للمسعى، واختلاط كاوست، ونحوها من الأمثلة كلها كانت قضايا حساسة بالنسبة للنظام السياسي المحلي، ومع ذلك تمسك عامة رموز الخطاب الشرعي فيها بالتحريم، وأنا إلى هذه الساعة -على كثرة ما تابعت من تاريخ الخطاب الشرعي- لا أعرف مسألة واحدة بدّل الخطاب الشرعي فيها حكم الله ورسوله لأجل صفقة سياسية مع السياسي.

وأما ما يقال من أن دعاة الخطاب الشرعي لا يطالبون بالحقوق المالية للناس، فهذا غير صحيح، فالحديث عن الحقوق المالية والفساد المالي صار اليوم شأناً مشتركاً يكتب فيه الجميع، وما أكثر ما شارك الكتّاب الإسلاميون غيرهم من الناس في الكتابة عن مشكلات سوء القطاع الخدماتي كوزارة الصحة، وانتشار الرشوة في بعض الدوائر الحكومية، وكارثة لصوص سوق المال، وكارثة الغلاء، ونحوها.

وأما ما يقال من أن بعض المحتسبين استعملوا (المديح السياسي) فهذا الأسلوب –أعني أسلوب الاستقواء بالسياسي لتعزيز القضايا محل الاهتمام- هو اليوم أسلوب مشترك تستعمله جميع التيارات الفكرية بلا استثناء، حتى الإصلاحيون السياسيون أنفسهم، فقد دبجوا المديح لرأس الهرم في كثير من افتتاحيات بياناتهم الإصلاحية، وأثنوا على شخصيات سياسية رفيعة أخرى تشاركهم اهتماماتهم. على أن القضية الأهم في إشكالية (المديح السياسي) هي: هل كان المديح لتحقيق (مصلحة شخصية) كمنصب وأعطيات ونحوه؟ فهذا تزلف وتملق ممقوت، أم أن المديح لتحقيق (مصلحة دعوية) كمقاومة منكر ونحوه؟ فهذا اجتهاد لبعض الدعاة ويحكون فيه أدلتهم.

8-من الملاحظات الطريفة أن كثيراً ممن يتهم الخطاب الشرعي بأنه خاضع للسياسي، أنه هو ذاته ضحية لـ(الإعلام المسيّس)، وسأضرب لذلك أمثلة يعتبر بها ماكان من جنسها: تجد أهل العلم عندنا يتكلمون ويفتون في الفكر الشيعي منذ عقود في دروسهم، فإذا كانت الظروف السياسية تميل للتهدئة مع القوى الفارسية غيّب الإعلام المسيس هذه الفتاوى، وإذا توترت الأجواء التقط الإعلام المسيس تلك الفتاوى وضرب بها صدر صفحاته بالبنط العريض، وبشكل متتابعٍ مكثفٍ يومي، فيأتي البسطاء ويقولون: مشايخنا تبع للاتجاهات السياسية، أين هم عن الشيعة، لماذا انهمرت فتاواهم هذه الأيام؟! وماعلم هذا المسكين أنه هو الذي وقع ضحية أدوات الهيمنة الإعلامية السياسية!

ومثال آخر: تجد أن العلماء أفتوا في مسائل متنوعة مما يهم شؤون المسلمين العامة وبفتاوى كثيرة جداً، فيغيبها الإعلام المسيس، ثم يأتي سائل ويسأل العماء عن حكم لعبة (البوكيمون) فيفتون هذا السائل كما هي عادتهم بفتوى واحدة في وقتها وينتهي الأمر بالنسبة لهم، فيأتي (الإعلام المسيس) ويصنع دوياً لهذه الفتوى الوحيدة، ويستكتب نائحاته المستأجرات، ويتفجّعون أياماًَ على قضايا الأمة التي ضيعت وانشغلنا بالبوكيمون، ويمضي المأتم يزداد عويلاً يوماً بعد يوم، فيأتي المستهلك الضحية ويبتلع الطعم ويقول: لماذا علماءنا مشغولون بالبوكيمون؟ أين هم عن قضايا الأمة الكبرى؟!

وماعلم هذا المغدور أنه ضحية للإعلام المسيّس الذي أظهر فتوى حول لعبة، وغيب مجلدات حول قضايا أخرى، فهذا التحكم الإعلامي المنظم في الحاضر والغائب من فتاوى العلماء بهدف التأثير السلبي طويل المدى على صورة الفقيه الشرعي في الوعي الاجتماعي صار له ضحايا كثيرون للأسف الشديد، وهم يتوهمون أنهم خارج الطبخة السياسية، بينما هم يحرَّكون داخل القِدر منذ سنوات.

9-تبين لي أن جماهير الطوائف الفكرية الذين يتحدثون عن الشاطبي والموافقات ومقاصد الشريعة، ودورها في إعادة صياغة العقل الشرعي المعاصر؛ تبين لي أنهم لم يقرؤوا الموافقات أصلاً، ولا يعرفون السيرة الذاتية للشاطبي، ويبدو لي أنهم رأوا (الشاطبي) يتلقى الإطراء الفكري الهائل في الكتب الفرانكفونية، ويعرض كمخلِّص لأزمة الخطاب الشرعي المعاصر، فقاموا بربط تلقائي بين ما يطالبون به وما كتبه الشاطبي، حتى أن بعضهم إذا نقلت له أقوال الشاطبي في تعظيم الجزئيات الشرعية، وجعل مصلحة حفظ الدين مقدمة على مصلحة حفظ الأموال والنفوس، وتشنيعه المستمر على الأخذ بالأيسر في الخلافيات وتتبع رخص المذاهب الفقهية، وانتصاره لقاعدة سد الذرائع بأدلة وبراهين كثيرة، واعتباره أن سد الذرائع جزء من مقاصد الشريعة، ووضعه العقل في مرتبة تبعية للنص، واعتباره العقل غير قادر على معرفة تفاصيل المصالح، وتكريسه لمرجعية السلف وتشنيعه على كل التفسيرات والقراءات المعارضة لطريقة السلف، وكثرة الحط على الاختلاف وذمه، وترسيخه العجيب لمرجعية العلماء وأنهم قائمون في الأمة مقام النبي r وأنه لا ينبغي الاعتراض عليهم، ونحو ذلك من أصول وقواعد الشاطبي المقاصدية التي عرضها في الموافقات، أقول إذا رأى هؤلاء مثل هذه النصوص تصيبهم دهشة وحيرة في غاية الغرابة، بل بعضهم يعود ويسألك: أنت متأكد أن هذه النصوص قالها الشاطبي؟! بل أحدهم وكان منهمكاً كلياً طيلة عدة سنوات بصياغة تأصيلات فقهية يدعم فيها ما يسميه التسامح الفقهي (وهو في الحقيقة تساهل محض) قال لي صراحة: (الجابري خدعنا بالشاطبي!) هكذا والله بكل وضوح، فيا ضيعة الأعمار أن تذهب الطاقات والجهود ضحية كذبات أطلقها مسترخٍ على طرف مكتبه في جامعة محمد الخامس بالرباط!

10-اكتشفت أن هناك هناك ظاهرة جديدة اسمها (الإيمان بكليات الإسلام والكفر بجزئياته) وهذه الظاهرة الجديدة خلاصة معتقدها أنهم يرددون دوما (الإسلام دين العدل والحقوق والحرية والحضارة والتسامح الخ) وهذا الكلام كله حق، فهذه المعاني كلها موجودة في الإسلام، فإذا قلت لهم وهل تؤمنون بحد الردة؟ قالوا: لا، وهل تؤمنون بالبراء من الكفار؟ قالوا لا، وهكذا، فصارت عقيدتهم الإيمان بالمعاني الإجمالية والكفر بالأحكام التفصيلية.

11-ما تردده هذه الطوائف من التزهيد في (علم الصفات الإلهية) ناشئ إما من الجهل بقيمة الصفات الإلهية، وكونها متعلقة بأعظم أركان الإيمان وهو الإيمان بالله، وشدة حضورها في القرآن، وكون أعظم آيات القرآن وسوره فرع عن تضمنها لصفات الله، وكون التشريعات وأنواع العبودية كلها من مقتضيات أسماء الله وصفاته، وبالتالي فالمساس بالصفات الإلهية مساس بالموصوف جل وعلا، والتحريف في نصوص الصفات أعظم من التحريف في نصوص التشريعات كالحدود أو الربا ونحوها، وكون أئمة السلف في شتى الأمصار –وهم أعلم بالإسلام من المنتسبين للفكر المعاصر- أطبقوا على التشنيع على تأويل الصفات وقالوا فيها مالم يقولوه في فاعل الكبائر كالزاني والمرابي وشاب الخمر.

وإما ناشئ من الجهل بوجود المخالف في هذا العصر في قضايا خلق القرآن والتجهم ونحوها، وخصوصاً أنهم لا يعرفون ماذا يعني مصطلح (التجهم) ولا ما هي أفكار (بشر المريسي)، ولا يدرك هؤلاء أن غالب المعاهد الفقهية التقليدية في العالم الإسلامي متأثرة إما بالأشعرية أو الإباضية أو الشيعة، وأن جماهير هؤلاء لا زالوا يقررون في كتبهم ودروسهم أن (القرآن مخلوق)، أي أن القرآن الذي سمعه جبريل من الله أنه مخلوق، وأن الكلام الذي سمعه موسى مخلوق إما في الشجر أو الحجر أو نحوها.

وهذا كله تجرؤ على صفة إلهية عظيمة بالتحريف المناقض لطريقة السلف في الإثبات والتسليم، وطريقة أئمة السلف طريقة سهلة قريبة، خلاصتها أن (القول في الصفات فرع عن القول في الذات) فكما أنكم يا معاشر الفرق العقدية جميعاً تثبتون لذات الله صفة (الوجود) على وجه يليق به، فلتثبتوا له كل صفة أثبتها لنفسه على وجه يليق به، ولا داعي للتدخل والتجرؤ على الذات الإلهية بالتحليلات الذهنية المجردة، فإن مثل هذا مما يضعف توقير الله في القلب، وهذا أمر مشاهد محسوس، وكثير من هؤلاء المعاصرين فيهم فضل وخير، ولهم جهود فقهية ودعوية وإيمانية مشكورة انتفعت بها أمم من الناس، لكنهم -عفى الله عنهم- وثقوا في الكتب الكلامية للمتأخرين، والله وحده المأمول أن يبهجنا باجتماع المسلمين جميعاً على طريقة أئمة السلف في فهم الإسلام والوحي.

12-تلاحظ في هذه الطوائف الفكرية اشتراكها في التهكم بكثير من التصورات العقدية والفقهية عند أهل السنة، ومن الأمثلة على ذلك اتفاق هذه الطوائف الفكرية جميعاً على الاستهانة بباب الصفات الإلهية في العقيدة، والتبرم بقاعدة سد الذرائع في أصول الفقه، والتهاون في الوزن الثبوتي لصحيحي البخاري ومسلم في علم الحديث، ونحوها من الأصول العقدية والفقهية والحديثية والمنهجية التي اتفق عليها أهل السنة، بينما اتفقت هذه الطوائف الفكرية جميعاً على مخالفتهم فيها.

13-لاحظت أن من أهم أسباب الخلل عند الطوائف الفكرية جميعاً هو (التفسير المادي للإسلام) أو التفسير المادي لمفاهيم الوحي، فيأتون إلى مفاهيم قرآنية نبوية، ثم يفسرونها مادياً، أي يبرزون الجوانب المادية منها، ويستبعدون بقية المحتويات العقدية والفقهية، ثم يستحضرون النصوص التي تعظم هذه المفاهيم ويتساءلون لماذا أهدر الخطاب الشرعي هذه الجوانب ولم يولها العناية التي أولتها النصوص الشرعية؟!

وسأضرب أمثلة لتوضيح ذلك، وليكن المثال مما يكررونه هم كثيراً، ألا وهو قضية العدل والظلم، فهم يأتون لمفهوم (العدل والظلم) ويختزلونها في العدل المالي، والمظالم المالية، ثم يأتون للنصوص التي تعظم العدل وتشنع الظلم ويحملونها على تفسيرهم، ثم يحاججون الخطاب الشرعي ويقولون لماذا أهملتم العدل المالي والمظالم المالية برغم أن النصوص جعلت العدل أعظم قيمة، وجعلت الظلم أشنع رذيلة؟! وهذه قضية سمعتها وقرأتها كثيراً، وهي قولهم إن الخطاب الشرعي غائب كلياً عن قضايا العدل والظلم.

ومصدر الخلل هاهنا أنهم فسروا (العدل والظلم) بحسب أهوائهم، لا بحسب تفسير بقية النصوص لمعنى العدل والظلم، والإنسان الصادق في البحث عن مراد الله يرجع في تفسير المفاهيم الشرعية للنصوص لا إلى هواه الشخصي، وهذا واحد من أبجديات أسس البحث العلمي، وهو الرجوع إلى صاحب النص في تفسير نصوصه، لا إسقاط أغراضك الشخصية على مفاهيم الآخرين!

فإذا قرأ الإنسان القرآن وجد أن العدل مفهوم شامل لكل مطالب الشريعة، والظلم مفهوم شامل لكل مناهي الشريعة، وهذه قضية شرحها أهل السنة كثيراً، ولنقرأ سوياً حواراً دار بين النبي r والصحابة في تفسير جزء من معنى الظلم والعدل الوارد في النصوص، حيث جاء في البخاري:

(عن عبد الله بن مسعود قال : لما نزلت هذه الآية “الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم” شق ذلك على أصحاب النبيr، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله: “ليس كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه {يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} ) [صحيح البخاري:6937].

نحن هاهنا أمام حالة تصحيح نبوي لتفسير مفهوم الظلم اعتماداً على استقراء موارد لفظ الظلم في القرآن، ففسر النبيr “الظلم” الوارد في الآية بأنه الشرك، ونبههم إلى الآية الأخرى التي شرحت ذلك.

هذا المنهج الذي وضحه النبيr هاهنا، أعني فهم المفاهيم القرآنية على أساس استقراء معانيها في القرآن والسنة، وليس باختزالها فيما نهوى، لا تزال الطوائف الفكرية في تعاملها مع مفهوم الظلم والعدل تخالفه كلياً!

ومن تتبع القرآن وجد فيه الشاهد على طريقة النبيr في التفسير والفهم للنصوص، وبالمناسبة فهذا الحديث من أعظم الأدلة في بيان أن (مناهج قراءة النص) موجودة في النص ذاته، وهي جزء من مضمون النص، فبعض الناس يقول: (نحن نؤمن بالنص، لكن ما هو منهج قراءة النص، هل نقرؤه بالمنهج الألسني أم الفيلولوجي أم الهرمنيوطيقي أم التفكيكي..؟) ونحو هذه الاسماء للعلوم والمدارس والمفاهيم الغربية، وهذا السؤال من أساسه سؤال زائف، فمنهج تفسير النصوص موجود في النصوص ذاتها، وليس منهجاً خارجياً يتم إسقاطه من الخارج، وليس هاهنا محل التوسع في هذه القضية، لكن لنعد إلى قضية مفهوم الظلم والعدل كما فسرها القرآن، لا كما تفسرها الطوائف الفكرية بحسب أهوائها، ولنحاول أن نقرأ شيئاً من موارد العدل والظلم في القرآن:

فبالإضافة إلى الآية التي ذكرها رسول الله والتي جعلت (الشرك) ظلماً، فإن الله في آيات أخرى جعل (الكفر) ظلماً فقال: (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) البقرة، 254

وجعل تعالى انتهاك (الولاء والبراء) ظلماً فقال تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) التوبة، 23

وجعل هؤلاء الذين (يفترون على الشريعة) ليضلوا الناس من أعظم الناس ظلماً فقال: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ) الأنعام، 144

وجعل (تحريف النصوص) من الظلم فقال: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ) البقرة، 59

وجعل (الفتيا بغير علم) ظلماً فقال: (فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) المائدة، 45

وجعل (اتباع الهوى) من الظلم فقال: (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ) الروم، 29

وجعل (انتهاك الأشهر الحرم) من الظلم فقال: (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) التوبة، 36

وجعل (الغرور) ظلماً فقال: (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) الكهف، 35

وجعل (الربا) من الظلم فقال: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) البقرة، 279

وجعل (أكل أموال اليتامى) ظلماً فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا) النساء، 10

وهذه نماذج فقط مما سماه القرآن ظلماً، والمراد أن كل أمرٍ أمر الله به، وكل نهيٍ نهى الله عنه، فحفظه نوع من العدل، وانتهاكه نوع من الظلم، والدليل على هذا قوله تعالى في توصيف عام لكافة حدود الله:

(وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) البقرة، 229

(وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) الطلاق، 1

وهذه الآية شاملة لكل المطالب الشرعية، لأن الحدود في القرآن تشمل كل (الأوامر والنواهي)، وأما تخصيص لفظ الحدود في (الحدود الجنائية) فهذا اصطلاح حادث للفقهاء.

والعجيب أنك تجد كثيراً ممن يتحدث عن العدل والظلم، يقول لك: انظر في الدولة الفلانية فهي دولة نموذجية فعلاً في إقامة العدل، وهذا هو المثال الذي يجب أن نحتذيه، برغم أن هذه الدولة المذكورة لا تحكم بالشريعة أصلاً، بل تحكم بقوانين وضعية مناقضة لأحكام الشريعة، فكيف تكون نموذجاً في إقامة العدل وهي لا تحكم بالشريعة؟، مجرد رفضها للحكم بالشريعة هذا نوع من أشنع أنواع الظلم، كما قال تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) المائدة، 45

فهو لا يعرف أن ترك تحكيم الشريعة نوع من أشنع أنواع الظلم، وتحكيم الشريعة نوع من أعظم أنواع العدل، وما ذاك إلا بسبب ما قام في نفسه أن العدل هو (العدل المالي) وأن الظلم هو (الظلم المالي)، فإذا رأى دولة فيها محاسبة للظلم المالي (وهذا مطلب من أعظم المطالب ولا شك) ظن أن هذا هو كل الظلم الذي حذر القرآن والسنة منه، وظن أن هذا العدل المالي هو كل العدل الذي أمر الله ورسوله به، وهذا جهل فظيع بمنهج النبيr في فهم النصوص، وجهل بمفهوم العدل والظلم في القرآن والسنة.

وبالتالي فإن كل نصوص الفضائل الواردة في العدل، وكل نصوص الترهيب الواردة في الظلم، ليست مخصوصة بالعدل المالي والظلم المالي، بل هي شاملة لمظالم التوحيد، ومظالم البدع، ومظالم الأعراض، ومظالم الأموال، وغيرها من المظالم الشرعية.

بل يصل سوء الفهم إلى ما هو أسوأ من ذلك، وأنا أتحدث هاهنا والله العظيم عن وقائع شاهدتها، فأحدهم مرةً ذهب ينقل نصوص ابن تيمية وابن القيم في أن العدل هو أعظم قيمة شرعية، وأن الظلم هو أشنع قيمة شرعية، ثم يبني على ذلك: لماذا تهتمون بقضايا العقيدة وبقية المنكرات وتهملون العدل والظلم الذي يصرح ابن تيمية وابن القيم بأنه أعظم شيء في الشريعة؟!

أرأيت كيف يصل سوء الفهم؟!، تصرفاتٌ تجعلك أحياناً تخجل من مناقشتها، يتوهم أن ابن تيمية وابن القيم إذا قالا أن العدل هو أهم قيمة والظلم أشنع رذيلة فإنما يعنون بذلك العدل المالي والظلم المالي! كنت أتساءل: هذا الذي نقل نص ابن تيمية وابن القيم، هل فعلاً قرأ الكتاب المنقول منه أم هي مروية بالخطأ؟! لأنه ببساطة لا يكاد ابن تيمية وابن القيم يتحدثان عن العدل والظلم إلا ويوضحان هذه القضية حتى جفت محابرهما، وهو أن العدل مفهوم عام يشمل كل ما أمر الله به، والظلم مفهوم عام يشمل كل ما نهى الله عنه، ومن ذلك على سبيل التمثيل -ولا أدري هل يليق ضرب المثال في هذه البدهيات- أن الإمام ابن تيمية يقول: (ما نهى الله عنه راجع إلى الظلم، وكل ما أمر به راجع إلى العدل) [الكبرى،130]

وقال الإمام ابن تيمية في الموازنة بين نوعي العدل: العدل في الأمور الدينية، والعدل في الأمور الدنيوية:

(ومن أعظم العدل: العدل في الأمور الدينية، فإن العدل في أمر الدنيا من الدماء والأموال، كالقصاص والمواريث، وإن كان واجباً وتركه ظلم؛ فالعدل في أمر الدين أعظم منه) [الفتاوى: 24/251]

ومثل هذا يقال أيضاً في بقية المفاهيم الشرعية التي يتداولونها ويفسرونها مادياً، أي يختزلونها في جزءٍ من معناها، وهو غالباً المعنى المادي، وينبذون بقية المحتويات الشرعية للمفهوم. ومن ذلك مثلاً مفهوم (الحقوق) تراهم يقولون كثيراً: أين أنتم عن قضايا الحقوق؟ أين أنتم عن حقوق الناس؟ كيف يغفل الخطاب الشرعي قضايا الحقوق وقد عظم الله قضايا الحقوق إلى الغاية؟ فإذا تأمل الباحث ماذا يقصدون بقضايا (الحقوق) وجدها محصورة في (الحقوق المالية) فقط! فأما حقوق الله، وحقوق رسول الله، وحقوق الوالدين، وحقوق العلماء، وحقوق الأرحام، وحقوق الزوجين على بعضهما، ونحوها، فهذه لا تخطر على بالهم أصلاً أنها جزء من مفهوم (الحقوق الشرعية)، ولن نطيل باستعراض النصوص الشرعية في الحقوق، لأنني أزعم أن القارئ الآن يتذكر أحاديث الحقوق الكثيرة، من مثل (فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً)، (إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه)، (حق المسلم على المسلم خمس)، (أعطوا الطريق حقها)، وغيرها كثير كثير، وكل الأحاديث السابقة نقلتها من صحيح الإمام البخاري.

والمراد أن كثيراً من هؤلاء حين يقولون: (أين أنتم عن قضايا “الحقوق” التي عظمها الله؟) لا يعرفون مفهوم (الحقوق الشرعية) أصلاً، وسأوضح أمثلة لجهلهم بقضايا الحقوق، فحين تستعلن إحدى الطوائف العقدية بسب أصحاب رسول الله، فلا يعلمون أننا الآن إزاء قضية (حقوق) عظيمة، فإن من أعظم (حقوق أصحاب رسول الله) الذب عنهم، وصيانة أعراضهم، وكف الأذى عنهم. وهكذا حين يقوم مجموعة من الكتبة الصحفيين بتحريف آيات قرآنية، فإن من أعظم (حقوق كتاب الله) أن ننفي عنه انتحال المبطلين، وهؤلاء لا يعلمون أننا الآن إزاء قضية حقوق، وهكذا.

بل والأطرف من ذلك كله، أنه ربما قام متخصص عقدي بالذب عن صحابة رسول الله، أو قام متخصص في التفسير بالذب عن آيات الله، فتراهم يستهترون بهذه الجهود ويقولون (أين أنتم عن قضايا الحقوق؟)، فهؤلاء قد استغلق على عقولهم قضية الحقوق المالية، ولم يعودوا يفهمون من قضية العدل إلا العدل المالي، ولا يفهمون من قضية الظلم إلا الظلم المالي، ولا يفهمون من قضية الحقوق إلا الحقوق المالية، ولا يفهمون من قضية الإصلاح إلا الإصلاح المالي. وهذه الشؤون المالية لا شك أنها جزء من أصول الشريعة التي عظمتها، وورد فيها أحكام كثيرة لضبطها، كالسرقة والرشوة والغش والاحتكار وقول الزور وأكل أموال الناس بالباطل ونحوها، ولكن جوهرالمشكلة أن هؤلاء اختزلوا الإسلام كله في هذه القضايا المالية، وجحدوا بقية الشرائع والمطالب العقدية والفقهية الأخرى.

وهذا التفسير المادي ليس مختصاً بمفاهيم الشأن العام، بل حتى المفاهيم العبادية تجدهم يميلون لاختزالها في البعد المادي، فإذا جاؤوا للصلاة قالوا هي رياضة، وإذا جاؤوا للصيام قالوا للصحة، وإذا جاؤوا للحج قالوا للوحدة السياسية، وهكذا، وأما المعاني العبادية لهذه التشريعات فهي مغيبة ومستبعدة عندهم، وهذا شئ لاحظه الفقيه العلامة ابن عثيمين رحمه وقال:

(بعض الناس عندما يتكلمون على فوائد العبادات، يحولونها إلى فوائد دنيوية. فمثلا يقولون: في الصلاة رياضة، وإفادة للأعصاب، وفي الصيام فائدة إزالة الرطوبة وترتيب الوجبات، والمفروض ألا نجعل الفوائد الدنيوية هي الأصل; لأن الله لم يذكر ذلك في كتابه، بل ذكر أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وعن الصوم أنه سبب للتقوى; فالفوائد الدينية في العبادات هي الأصل والدنيوية ثانوية) [القول المفيد 2/138]

14-يلاحظ المتابع للنشاط الفكري المعاصر نوعاً من التآلف والانسجام والارتياح النفسي المتبادل بين كثير من أفراد هذه الطوائف الفكرية، في مقابل ضيق الصدر وفقد القدرة على احتمال فقهاء ودعاة أهل السنة، وهذا شيء طريف فعلاً، ومثير لشهية الدراسة والتحليل.

15-من أهم مشكلات هذه الطوائف الفكرية أنها دوماً تقع في (تنقيض الفروض الكفائية) أي وضع المطالب الشرعية أضداداً لبعضها، فهم لا يقولون مثلاً: شكر الله لمن اعتنى بنشر السنن وإماتة البدع، ونحن فريق آخر سنعتني بقضايا الحقوق المالية، بل يجعلون هذه نقيضاً لهذه، بل ويصرحون أحياناً بأن أي اشتغال بقضايا العقيدة أو الفضيلة أو مقاومة الربا ونحوها أنه تضييع للجهود وتشتيت للتركيز وصرف للانتباه عن القضية الحقيقية التي هي القضايا السياسية والمالية! فانظر كيف أفسدوا جهودهم بمثل هذه المتضادات التي يفتعلونها، مع أن أهل السنة كانوا ينتظرون منهم أن يكونوا عوناً لهم على استكمال جهود الإصلاح الشامل فتحولوا إلى معاول هدم بجعلهم بعض الشريعة نقيضاً لبعضها.

ولذلك كان بعضهم يستاءل: لماذا وقف الإسلاميون والخطاب الشرعي ضد شخصيات إصلاحية معروفة مادام أن الإصلاح السياسي والمالي جزء من الشريعة؟! وهذا تزييف للواقع، فكل الشخصيات الإصلاحية التي انتقدها الخطاب الشرعي لم ينتقدها لأنها طالبت بالإصلاح المالي، وإنما انتقدها لأنها توسلت بالقضية الإصلاحية لتمرير تحريفاتها للشريعة كالإزراء بعلوم السلف، أو التهوين من مرجعية الصحيحين، أو جحد حد الردة، ونحو ذلك، بل إنني أعمم -وأنا مسؤول عن هذا التعميم- وأقول أنه طوال تاريخنا المحلي فإن كل الشخصيات التي اعتنت بشكل عام بـ(النقد السياسي) وأظهرت في نفس الوقت احتراماً للشريعة وعلومها ومنهج أهل السنة؛ فإنها لاقت تقديراً واحتراماً وإعجاباً في الوسط الإسلامي، وتداولاً لمقالاتها، وهذا الموقف من أشد نقاط التميز في الاتجاه الإسلامي –ولله الحمد- وهو أنه يحترم الشجاعة السياسية بشرط أن لاتتحول إلى جسر لنفي شئ من أحكام الشريعة ومنهج أهل السنة، ونظير ذلك: أننا نحترم الطبيب المبدع بشرط أن لايستغل إبداعه العلمي لترويج الاختلاط بين الجنسين، ونحترم الروائي المبدع بشرط أن لايستغل أدبه لتمرير المجون، ونحترم الإعلامي المتميز بشرط أن لايستغل مهنيته للتأليب ضد الأنشطة الإسلامية، وهكذا.

بل تأمل معي في نموذجٍ أكثر دلالةً من ذلك، وهو أن الشخصيات التي تكلمت عن (الجهاد الشرعي) لقيت احتراماً بين الإسلاميين، لكن لما صار بعضهم يستغل عنايته بالجهاد للتهكم بدروس العقيدة، أو تكفير علماء أهل السنة، أو تهديد أمن البلدان الإسلامية واغتيال العاملين في المؤسسات الأمنية وإتلاف الثروات العامة للمسلمين، فإن الخطاب الشرعي والإسلاميين بعامة أطبقوا على منافرته وذم طريقته، لا لأنه اعتنى بالجهاد، ولكن لأنه استغل عنايته بالجهاد لتمرير أفكار منحرفة.

وهكذا كل الشخصيات التي تاجرت بالإصلاح السياسي لبث أفكارها المنحرفة فإنه يجب مقاومة تحريفاتها، لا لأنها اشتغلت بالاصلاح السياسي، وإنما لأنها استغلت الإصلاح السياسي لشرعنة تأويلاتها للنصوص.

16-لاحظت أن كثيراً من الطوائف الفكرية لا تعرف الخطاب الشرعي باطلاع فعلي على الدروس والبحوث الشرعية، وإنما هم يستمعون لبرامج الفتيا على الإذاعة أو الفتيا في بعض البرامج التلفزيونية، فإذا رأوا –مثلاً-كثرة أسئلة النساء المتصلات عن قضايا الحيض ظنوا أن الخطاب الشرعي كله مشغول بقضية الحيض، فانظر كيف شكّلوا تصوراتهم عن الخطاب الشرعي بناء على أسئلة النساء في برامج الفتيا العامة!

وهذه المناقشة لاتعني الإزراء بفقه الحيض، معاذ الله، فلفظ الحيض ورد في كتاب الله في خمسة مواضع، وكل كتب السنة النبوية التي صنفت على الأبواب أفردت له أبواباً خاصة جمعت فيه سؤالات نساء الصحابة للنبي عن أحكام الحيض، ووضح الله في كتابه: حكم طهارة الحائض، وحكم معاشرة الحائض، وضبط عِدَد النساء بالحيضات، وهو شأن متكرر على المرأة، ويغمض شأنه على كثير من النساء، بل كثير منهن يبقين حيارى لا يعرفن ماذا يصنعن، ويترددن كثيراً هل يصلين أم لا؟ وهل يصمن أم لا؟ بسبب غموض كثير من حالاته عليهن، وتترتب عليه أحكام ثلاثة من أركان الإسلام الخمسة، وهي الصلاة والصيام والحج، فكيف لنا بعد ذلك أن نستخف بهذا الحكم الشرعي؟! ولكن المقصود هو توضيح الواقع، وأن قضايا الحيض لا توجد إلا في أسئلة النساء المتصلات ببرامج الفتيا العامة، أما الدروس الشرعية والبحوث العلمية والمحاضرات والخطب ونحوها فأكثرها مشغول بقضايا أخرى.

17-تلاحظ أن كثيراً من النقد الذي توجهه الطوائف الفكرية ضد الخطاب الشرعي يقولون فيه الشيء ونقيضه، وهذا شيء مثير للاستغراب فعلاً، فمثلاً تراهم يقولون لك: لماذا الخطاب الشرعي غائب عن القضايا المعاصرة؟ ثم تراهم بعد ذلك ينقلبون ويقولون لك: لماذا يدس الفقيه أنفه في كل شيء؟!

وتراهم مرةً يقولون لك: لماذا الخطاب الشرعي عنده موقف سلبي من الاستفادة من الغرب؟ ثم ينقلبون في موطن آخر ويقولون لك: لماذا تشتمون الغرب وأنتم تستفيدون منه في كل شيء من الإبرة إلى الطائرة؟!

وتراهم مرةً يقولون لك: لماذا الخطاب الشرعي يكرس الاستبداد السياسي والخنوع للنظام السياسي؟ ثم ينقلبون ويقولون لك: يجب أن ننقي الخطاب الشرعي من الأفكار الخطيرة حول الخروج والتكفير والعنف؟!

وتراهم مرةً يقولون لك: لماذا أنتم تقدسون مرجعياتكم العلمية وتمنحونها سلطة مستبدة وتضيقون ذرعاً بوجود اجتهادات متنوعة؟ ثم ينقلبون عليك في موطن آخر ويقولون: إلى متى وأنتم لا تجيدون إلا التفرق والاختلاف حتى أصبح عندنا أقوال فقهية بعدد طلاب العلم أنفسهم؟!

وتراهم مرة يقولون لك: مشكلة الخطاب الشرعي أنه يتدخل في نيات الآخرين حين ينقدهم، فهذا قصده كذا وهذا قصده كذا. ثم ينقلبون في موضع آخر ويقولون: الدعاة الإسلاميين لا ينطلقون من منطلقات عقدية وإنما مغازلة للجمهور وبحث عن تصفيق الأتباع ونحو ذلك؟!

وهكذا في سلسلة تناقضات تبدأ ولا تنتهي، حتى أنني أحياناً صرت أستمتع بتخيل النقد النقيض، فإذا سمعت أحدهم ينتقد الخطاب الشرعي بقضية ما، صرت أتخيل القضية النقيضة لذلك، وأتوقع أنه سيقولها يوماً ما.

18-تلاحظ أن هذه الطوائف الفكرية تردد دوماً سؤالاً يدور حول قضية (الحلول والبدائل) فيقولون لك كثيراً: أين الحلول والبدائل التي قدمها الخطاب الشرعي في قضايا الاقتصاد والإعلام والسياسة ونحوها؟ (طبعاً للأمانة فكل من سمعته يطرح هذا السؤال لم أره قدم هو حلاً واحداً، لكن دعنا نكمل تحليل الإشكالية) وهذا السؤال ناشئ عن غياب التمييز بين المحور الموضوعي/التكليفي الذي هو مسؤولية الفقهاء، والمحور الفني/الوضعي الذي هو مسؤولية الخبراء، وبالتالي فإن خبراء الاقتصاد هم الذين ينتجون الحلول والبدائل الاقتصادية، وخبراء الإعلام هم الذين ينتجون الحلول والبدائل الاعلامية، ونحو ذلك، وأما الفقهاء فمسؤوليتهم تحليل الشرعية ودراستها على ضوء علوم الوحي.

ثم إن مطالبة الفقهاء بابتكار الحلول في (العلوم الطبيعية والإنسانية) ينطوي في حقيقته على الاستهانة بهذه العلوم! لأن القدرة على فهم هذه العلوم (الطبيعية والانسانية) واستيعابها فقط يحتاج إلى دهور وسنوات طويلة من الدراسة المنهجية المنظمة, ثم مواصلة القراءة والبحث, وورش العمل مع المختصين في ذات المجال. ومع ذلك فكثير ممن يدرسها ويفهمها ويستوعبها يجد مشقة كبيرة في الإبداع فيها وابتكار الحلول والبدائل، لصعوبتها وصعوبة الإبداع فيها وتقدمها المستمر، فكيف نطالب الفقيه والمحدث والمفسر أن يبدع الحلول في هذه العلوم, وأربابها وخبراؤها المختصون فيها منذ دهور يشق عليهم ذلك؟!

وكون الفقيه لا يمكنه أصلاً أن يقوم فنياً بابتكار الحلول في العلوم الطبيعية والانسانية, لا يمكن أن يتضح إلا بالأمثلة: فهل يستطيع علماء الشريعة أن يبتكروا حلولاً فنية في طرق الإجهاض الحديثة, والتلقيح الصناعي, وطفل الأنابيب, والهندسة الوراثية, وهرمونات التوأم, وزراعة الأعضاء, والآليات الفنية للتجميل, ونحوها من النوازل الطبية؟

وهل يستطيع علماء الشريعة أن يبتكروا حلولاً في قضايا اقتصادية فنية متخصصة مثل التحكم في التضخم, وإدارة المخاطر, والقياسات الاكتوارية لمحفظة التأمين, أو ربط العملات, أو آليات التسويق, ونحوها؟

بالطبع لا .. لأنهم غير مؤهلون تفصيلياً بالعلوم الطبيعية والإنسانية التي تمكنهم من القيام بالدور الفني، بل كل متخصص من الباحثين يملك تأهيلاً إجمالياً فيما تخصص فيه، ففقهاء المعاملات لديهم تأهيل إجمالي في العلوم المالية، المتخصصون في الفقه الطبي لديهم تأهيل إجمالي في الصور الطبية محل البحث، وأما التأهيل التفصيلي فهذا ليس من صميم عمل الفقيه، ولا يمكنهم أن يدعوا تخصصاتهم ويعيدوا تأهيل أنفسهم تفصيلياً في هذه العلوم الدقيقة والمتخصصة، التي تستدعي دهوراً ليبدع الانسان فيها، إذن ما الحل؟ الحل أن نعزز تواصل الفقهاء والخبراء، ونزيد ميزانيات البحث العلمي الرسمية.

19-لاحظت لدى بعض الفضلاء المهمومين بمعالجة ظواهر الانحراف الفكري مقولة يرددونها، وهي أن (الانحراف الفكري المحلي إفراز لفشل الخطاب الشرعي في تحقيق النهضة وعمارة الدنيا)، وبعضهم يقول (الانحراف الفكري المحلي نتيجة عكسية لخطاب التزمت الفقهي).

وهذه بكل صراحة مقولات تفسيرية لا تصمد أمام التحليل العلمي، فالقول بأن الانحراف الفكري انعكاس لفقهنا المتزمت مقولة غير دقيقة بتاتاً، يؤكد ذلك أنه من المعلوم أن الفقه السائد في مصر وتونس والمغرب العربي وتركيا وغيرها من بلاد الإسلام هو فقه متسامح يميل للروحانية أكثر من الالتزام الفقهي؛ ومع ذلك خرج من هذه البلدان أعتى رموز العلمنة والزندقة والإباحية، فلماذا وجدت العلمنة والزندقة في بلدان لا تعرف الوهابية والسلفية؟! الجواب أن قانون “الكفر والنفاق” مرتبط أصلاً بالأهواء التي تجد في الإسلام والوحي قيوداً تزعجها، فتبين أن هذه المقولة التفسيرية مقولة مغلوطة كلياً.

كما أننا لو أتينا لدراسة التاريخ لاكتشفنا أن (الانحراف عن الوحي) ليس ناشئاً أصلاً عن القصور الدنيوي للمسلمين، بل وجد (الانحراف عن الوحي) في أزهى عصور الوعي والتقدم، ففي عصور الحضارة الإسلامية في أواسط الإسلام وفي الأندلس وجدت أعتى أشكال الزندقة العقائدية والأدبية، وأنماط من تحريف معاني الكتاب والسنة بما لا يعرفه الانحراف المعاصر أصلاً! وفي تجارب الأنبياء التي بلغت الكمال والتي هي القدوة، وجدت أعتى أنواع الانحرافات من (كفر) خارج الدولة المسلمة، و(نفاق) داخل الصف المسلم، فهل وجود (الكفر والنفاق) في تجارب الأنبياء الدعوية دليل على فشل الأنبياء في حياتهم المدنية؟ وهل وجود الزندقة والضلالات العقدية والأدبية في عصر الحضارة الإسلامية دليل على فشل هذه الحضارة الإسلامية في بناء الدنيا؟

إذا كانت تجارب الأنبياء هي الكمال والقدوة، فلماذا إذن وجد في عصورهم أغلظ صور (الكفر والنفاق)؟ هل ذلك دليل على فشل الأنبياء والرسل -حاشاهم- في منهجهم الدعوي؟ أم ذلك دليل على أن قانون الكفر والنفاق مرتبط بـ(الأهواء) كما بين ذلك القرآن؟

الدليل التاريخي يؤكد أن (الزندقة والانحراف) ليست في الأصل انعكاساً للقصور الدنيوي، بل هي في الغالب أهواء ولذائذ تجد الوحي يصادمها، لكنها تستغل القصور الدنيوي لتبرير وجودها.

وبناء على التجربة التاريخية للزندقة والانحراف، نستطيع أن نؤكد بكل وضوح أنه لو بلغ المسلمون اليوم أرقى مراحل التقدم المدني فسيبقى أهل الأهواء يكتبون ضد : “إنما الخمر..رجس” , “للذكر مثل حظ الأنثيين” , “والسارق والسارق فاقطعوا أيديهما” , “وأحل الله البيع وحرم الربا” , “والذين كفروا يأكلون ويتمتعون كما تأكل الأنعام” , “ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض” .. إلخ من المحكمات التي تتعارض مع أهوائهم.

هؤلاء الزنادقة والمنحرفون لديهم موقف سلبي جوهري من قيود الوحي، لديهم مشكلة مع أحكام شرعية نص عليها القرآن، وليست القضية كلها نهضة ولا حضارة ولا عمران.

وأين تكمن خطورة هذه الفكرة المغلوطة وهي (أن الانحراف الفكري إفراز لفشل الخطاب الشرعي في تحقيق النهضة)؟ تكمن خطورتها أنها تقود بعض الأفاضل إلى الرضوخ لتبديل بعض الأحكام الشرعية لاستمالة هؤلاء المنحرفين، ثم يكتشف بعد فترة أن المشكلة لدى هؤلاء أكبر بكثير مما يتصور، وأنهم يريدون مسلسل التخفيضات من الأحكام الشرعية أن يستمر، لأن الأصل المنحرف يتسرب منه من التطبيقات المنحرفة ما لا يحصى، فلا هو الذي حافظ على الشريعة، ولا هو الذي استمال هؤلاء للتدين.

20-تلاحظ أن الطوائف الفكرية يرون حياة الناس وصحافتهم ومجالسهم ملأى بشؤون مختلفة، من أخبار سياسية، وحديث عن الرياضة، والفن والسينما، والشعر النبطي، وأخبار الحوادث والجنايات، وترهات أخرى كثيرة، فتراهم يشاركون الناس في كل هذه القضايا بكل أريحية، فإذا تحدث أحد الفقهاء أو الدعاة عن قضية عقدية أو فقهية قفز حرصهم على الأولويات كأنما نشط من عقال، وصاروا ينوحون أنتم أشغلتم الناس بقضايا العقيدة والفقه عن مصالحهم إلخ، ولا أدري لماذا لا يرون أن هذه الأوقات الهائلة التي تذهب سدى أنها هي المسؤول الحقيقي عن إضاعة أوقات الناس؟! لا أدري لماذا يمنحون الترفيه شرعية عظيمة في أن يأخذ أوقات الناس، ولا يمنحون عُشر هذه الشرعية لتداول معاني الكتاب والسنة؟! لا أدري لماذا لا يتذكرون القضايا الكبرى ومصالح الناس إلا حين يجيء الحديث عن الإيمان والدعوة!

21-من المفارقات الطريفة التي لاحظتها عند كثير من الطوائف الفكرية أنهم يقولون (الكلام عن جهم بن صفوان وبشر المريسي وعمرو بن عبيد والنظام ونحوهم هذا كله نبشٌ في قبور التاريخ ونحن اليوم في عصر جديد مختلف كلياً له مفكروه وإشكالياته) ثم إذا ذهبت وأخذت أقلب مقالاتهم وجدتهم منهمكون في النبش في مقابر التاريخ الأوروبي! فتجدهم في غاية الزهو ووهم الأهمية وهم ينسخون ويلصقون من أسماء فلاسفة القرن السابع عشر (بيكون، هوبز، ديكارت، سبينوزا، جون لوك، ونحوهم) أو فلاسفة القرن الثامن عشر (فولتير، روسو، هيوم، كانط، ونحوهم)، بل وأكثر طرافة من ذلك حديثهم التبجيلي المستفيض عن سقراط أفلاطون وأرسطو ونحوهم من فلاسفة التاريخ السحيق، فصارت الإشكالية عندهم ليست في (القبور)، وإنما في (جنسية صاحب القبر) نفسه، فتكتشف أن ذلك الذي يؤذيهم ويسمونه غبار التاريخ يتحول بقدرة قادر إلى رذاذ التاريخ المنعش اللطيف!

فإذا قلت لهم: أنتم تتكلمون الآن عن فلسفات أوروبية بائدة لها مئات السنين، فلماذا تستغربون من أهل السنة إذا عرضوا في دروسهم للجهم والمريسي والنظام؟ قالوا لك: (أنت جاهل، هذه الفسلفات لاتزال لها امتداداتها، وآثارها المعاصرة موجودة إلى اليوم، وكثير من النظريات المعاصرة تعود جذورها إلى تلك الفلسفات!) فتقول لهم: وكذلك أفكار الجهم والمريسي لا تزال آثارها موجودة إلى اليوم، وكثير من المدارس العقدية المعاصرة تعود جذورها إلى أفكار تلك الشخصيات! فما الفرق إذن؟! لن تجد جواباً !

22-لاحظت في هذه الطوائف الفكرية أنها لم تستوعب بشكل عميق الفارق بين (علم السلف) و (علم المفكرين المعاصرين) بالإسلام والوحي ومراد الله ورسوله، ولايزال كثيرٌ منهم يجّوز أن تكون طريقة المنتسبين للفكر المعاصر أعلم وأصح في فهم الإسلام من أئمة المسلمين في القرون المفضلة، ويقول لك مالمانع أن يكون كلام هؤلاء المعاصرين عن المقاصد والسنة النبوية وأصول الفقه ونحوها أصح من طريقة السلف؟!

أتذكر أحد هؤلاء يحب القراءة لبعض الفرانكفونيين العرب الذين يكتبون في إعادة تفسير التراث، ويردد دوماً بأنه يريد فهماً عقلانياً للإسلام! قلت له يوماً: إن كنت تتوقع أن هذه الشخصيات التي تقرأ لها والتي تعرف أنت أنها أخذت نصوص التراث عن المستشرقين، وكثير منهم معاقر لأم الخبائث، ومع ذلك تتصور أن هؤلاء سيفهمون الإسلام بأصح مما فهمه أمثال سعيد بن المسيب وابن المبارك وعطاء والزهري والأوزاعي والثوري ومالك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، ونحوهم ممن أفنوا أعمارهم في جمع السنة، وتمحيصها حديثاً حديثاً، واستيعاب فتاوى أصحاب رسول الله، مع دقتهم في معرفة لسان العرب، وشدة احتياطهم من الفتوى بلا علم، وفوق ذلك كله تصونهم وتقواهم وتعلقهم بالله، إذا كنت ترى أن أصحابك الفرانكفونيين ربما يكونون أفضل فهماً لمراد الله ورسوله من هؤلاء، فهذه والله غاية الخرافة والسذاجة، وليس في ذلك من العقلانية حبة خردل!

ياعزيزي أرجوك فكّر بعقلانية: كيف تقارن أمثال سعيد بن المسيب وعلقمة وعطاء ومسروق ونحوهم من كبار التابعين الذين درسوا بين يدي أجلة أصحاب رسول الله، بأصحابك الفرانكفونيين الذين درسوا على يدي المستشرقين؟!

ياعزيزي سعيد بن المسيب حامل علم عمر بن الخطاب حتى كان ابن عمر يسأله عن أقضية عمر، واختص بأبي هريرة حتى زوّجه ابنته، ومجاهد بن جبر عرض القرآن على ابن عباس ثلاث مرات يوقفه عند كل آية يسأله عن معناها، وعطاء بن أبي رباح كان يفتي في المناسك وأصحاب رسول الله شاهدون، والحسن البصري لقي خمسمائة من الصحابة، ومن قرأ في تاريخ كبار التابعين ورأى مؤهلاتهم العلمية وقف مشدوهاً إكباراً لأولئك العظماء، فهل تتوقع أن يكون هؤلاء المنتسبون للفكر المعاصر الذين لايعدون أن يكونوا مجموعة من الهواة للكتابة حول التراث الإسلامي، هل تتوقع أن يكونوا أعلم وأكثر جدية في البحث عن مراد الله ورسوله من أولئك؟! هذا تدمير للعقلانية يا عزيزي، ولا صلة له بتاتاً بها، أرجوك العقلانية أشرف بكثير من هذه التصورات الساذجة، قل أي شئ إلا أن تقول لي هذا مقتضى العقلانية، تصوراتك هذه لاتختلف عن من يتصور أن مجموعة من الشباب الذين اقتنوا مؤخراً عدداً من الكتب التعليمية المترجمة عن الفلسفة من معارض الكتاب أنهم من الممكن أن يكونوا أعلم بالفلسفة من أساطين الفلسفة المعاصرين اليوم. فهل هذا كلام معقول؟!

23-من الأمور التي لفتت انتباهي عند الطوائف الفكرية المعاصرة كثرة الخلط بين (النقد) و (التجني) ، فتراهم يقولون لك متذمرين: لماذا لاتقبلون النقد؟ لماذا ترفضون التصحيح؟ فإذا قلت له: تفضل ما النقد الذي لديك؟ اكشتفت أنه كله سواليف متناثرة من التجني والبهتان.

من المهم هاهنا أن نؤكد بصورة واضحة أن نقد الخطاب الشرعي المعاصر ليس مبدأً مرفوضاً من الأساس، بل وليس مقبولاً فقط، بل هو مطلب شرعي لأنه جزء من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكل فقهاء ودعاة الخطاب الشرعي –بلا استثناء- مارسوا شيئاً من النقد والتصحيح والتصويب كلٌ في مجاله، فالفقهاء ينتقدون دوماً الأخطاء الفقهية، والتربويون ينتقدون دوماً السلوكيات الخاطئة، وهكذا. ولكن هذا النقد مشروط دوماً بأن يكون نقداً علمياً مبرهناً، وليس شائعات مجالس يستهلكها كسالى المعرفة وضحايا الإعلام المسيس.

والحقيقة أن أكثر النقد الذي يطرح هذه الأيام لاصلة له بالعلمية من قريب ولا بعيد، فالتجني على الاسلاميين أصبح موضة رائجة هذه الأيام, وأنا شخصياً صار عندي موقف سلبي جذري من أي شخص يركب هذه الموضة، فالتجني والشماتة وتصوير الحال على غير ماهو عليه مرفوض بكل حدة.

فبعض هؤلاء الذين ركبوا الموجة إذا أتى ذكر الاسلاميين فلا نجد عندهم إلا غمطهم قدرهم, وتغييب محاسنهم، فالاسلاميون عندهم إما أن يتهموهم بما ليس فيهم, وإما أن يشتموهم بما هو من محاسنهم.

فاتهامهم بما ليس فيهم: كاتهامهم برفض الأفكار الحديثة لمجرد كونها حديثة، واتهامهم بتهميش قضايا الأخلاق، واتهامهم بالتبعية الفقهية للسياسي. وأما شتمهم بما هو من محاسنهم: كذمهم لتعظيمهم فقه السلف وعنايتهم به, وذمهم لقلقهم من التغريب, وذمهم لرفضهم العقائدي الصلب للأفكار المنحرفة.

أما ذكر محاسن الإسلاميين, والتحديات التي تواجههم, وغربتهم في هذا العصر, وكونهم القائم بأمر الاسلام في هذه الظروف العالمية الشديدة؛ فهذا مما لايخطر على بال أولئك أصلاً, فضلاً عن أن ينوهوا به، وبعض هؤلاء يعتبر نفسه من الإسلاميين ومع ذلك صار عوناً على إخوانه الذين يهمهم أمر الاسلام, وصار خطأ آحاد إخوانه في نصرة الاسلام أعظم في نظره من جرائم الكتَّاب المنهمكين في تحجيم أمر الاسلام وتضييق نطاق التدين.

24-من الأمور المؤلمة أنك تجد كثيراً من رموز الطوائف الفكرية الذين يلمزون أهل السنة بأنهم لايتحدثون عن الظلم، وأنهم يجب أن يقاوموا الظلم؛ أنك تجد هؤلاء الرموز أنفسهم واقعون في مراتب فظيعة من الظلم، كظلم القرآن بتحريف كثير من آياته، وظلم السلف بالتهكم بفقههم، وظلم أهل السنة بالتجني عليهم، ونحو ذلك، ثم يتغنون بوجوب مقاومة الظلم، وليتهم صححوا مظالمهم قبل ذلك.

25-من الأخطاء المنهجية التي لاحظتها في الطوائف الفكرية تحميل الخطاب الشرعي مسؤولية المتنكرين والدخلاء والمتسللين، فنحن نعرف أن الفقيه الشرعي له منزلة في قلوب المسلمين ولله الحمد، فترى بعض الشخصيات المرتزقة تتزيا بزي الفقهاء وتتظاهر بمظهرهم لتحقيق بعض المكتسبات السياسية كمنصب أو أعطيات ونحوه، فالإنسان الصادق في حب الشريعة وأهلها وأهل السنة، تجده ينفي نسبة هذه الشخصيات للخطاب الشرعي، وبالتالي ينزه الخطاب الشرعي وأهل السنة من أفعالهم، ولكن الشخص الذي في قلبه هوى وشحناء ضد أهل السنة تجده يفرح بنسبة هذه الشخصيات للخطاب الشرعي ليتوصل إلى إدانة الخطاب الشرعي بسلوكيات هؤلاء المرتزقة.

ومن الأمثلة الحية على ذلك، أن المسلمين ولله الحمد جبلت نفوسهم على حب المتدينين والثقة بهم، فيأتي بعض المحتالين فيتزيا بزي المتدينين فيرخي لحيته ويبالغ في تشمير ثوبه ويضخ تيارات البخور في مكتبه ويفتح مساهمة عقارية يقضم بها أرصدة البسطاء، فالباحث الصادق ينفي نسبة هذه الشخصية للأخيار والمتدينين، وصاحب الهوى الذي يريد إسقاط الخطاب الشرعي تجده يتعامى عن ذلك ويقول: (انظروا إلى المطاوعة يأكلون أموال الناس) فانظر كيف يحمل الفضلاء مسؤولية المحتالين!

وأقرب مثل لذلك أنني رأيت مرة أحد الباحثين الماركسيين يحمل الصحابة مسؤولية أفعال بعض المنافقين التي ذمها الله في القرآن! فإذا كان هذا المنافق تسلل إلى الداخل المسلم وتستر بأنه من أصحاب محمد فكيف تحمل الصحابة مسؤولية هذا المحتال!

ومن أطرف الأمثلة أنني سمعت أحدهم يقول (أن هناك عينات من الآباء يحولون بين بناتهم وبين الزواج ليستأثروا برواتبهن، وهذه نتائج الخطاب الديني الذكوري عندنا للأسف ) فقلت له: ياسبحان الله، الآن تركت كل كلام أهل العلم عندنا في تحريم العضل والتشنيع فيه وأنه من أفحش الظلم، وذهبت تستدل ببعض المقصرين وتنسبه للخطاب الشرعي!

26-لاحظت أن ثمة شريحة واسعة داخل الطوائف الفكرية لديها (علمانية في فقه الأولويات) فهي تقر معك بثبوت كثير من القضايا الشرعية، لكن إذا جئت لترتيب الأولويات تراها ترتب الأولويات بحسب ذوقها وميولها الشخصي، وليس بحسب ترتيب القرآن، وكثيراً ماكنت أسمع أحدهم يقول لي (ليست المشكلة في كون قضايا التوحيد والبدع والفضيلة مهمة ولكن أين فقه الأولويات في عصرنا؟) فإذا بدأت تتحاور معه حول هذا السؤال المجمل اكتشفت أنه قد صمم جدولاً للأولويات من وحي ميوله الشخصية. وهذا كله خطأ كارثي، فكما أن هذه القضايا مصدر شرعيتها القرآن، فكذلك فإن ترتيبها مصدره القرآن، فالقرآن هو المصدر المطلق في ترتيب الأولويات، فما عظمه القرآن يجب أن نعظمه فنكثف الدعوة إليه ونحذر من الخطأ فيه، وما أخره القرآن يجب أن نقتصد فيه فنقتصد في الدعوة إليه ونتسامح في الخطأ فيه.

ومثل هذا التفريق عندهم أعني التفريق بين (شرعية القضايا، وترتيب الأولويات بين القضايا) فيحتكم في الأولى للقرآن، ويحتكم في الثانية لذوقه الشخصي؛ له نظائر عندهم، من ذلك تفريقهم بين (النص والتفسير) فيقول لك نحن نؤمن بالنص ولكن نخالف في تفسير النص، فهو يتوهم أن منهج تفسير النص لايرجع فيه للنص ذاته! فكما أن أولئك علمنوا (فقه الأولويات) بفصلها عن حاكمية القرآن، فإن هؤلاء علمنوا (منهج تفسير النص) وفصلوه عن حاكمية النص ذاتها.

ومنهج تفسير النص منصوص عليه، ومن أمثلة ذلك: قاعدة فهم القرآن على مقتضى الوضع العربي بما يتضمنه من أساليبها في العموم والخصوص ونحوها من خصائص اللغة العربية (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ) ، وفهم القرآن بمنهج الصحابة (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْ)، وقاعدة رد المتشابه إلى المحكم (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)، وقاعدة تتبع موارد اللفظ في النصوص (ليس كما تقولون أولم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه “يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم” )، وقاعدة مراعاة الترتيب في النصوص (أبدأ بما بدأ الله به)، وهذه أمثلة فقط، وثمة نماذج كثيرة لكيفية دلالة النصوص على منهج تفسير النص ذاته.

27-طوال مناقشاتي الشخصية مع نقاد الخطاب الشرعي كنت أحرص على الوصول لرؤية علمية، لكن كانت تواجهني عقبات كبيرة، ومن أهم هذه العقبات مشكلة (المراوحة في محل النزاع) وهي إشكالية في المنهج المعرفي، وخلاصتها أن المناقش لايستطيع أن يمسك بالسؤال الذي يدور حوله النقاش بل يتقلب باستمرار، ويعيد صياغة السؤال بشكل مناقض، ويقفز إلى سؤال آخر دون وعي، وهذه الإشكالية تسبب لي شخصياً متاعب كبيرة في النقاش معهم، وسأضرب لذلك مثلاً:

يأتيك شخص متأثر بالتيارات الفكرية المعاصرة ويقول لك (مشكلة الخطاب الشرعي أنه غائب بتاتاً عن دراسة وبحث المستجدات المعاصرة) تقول له: حسناً، لنركِّز النقاش، سأذكر لك نماذج كثيرة من دراسات الباحثين الشرعيين في القضايا المعاصرة، فإذا ذكرت له بعضها، يقول لي (ولكنهم يعالجون المسائل في هذه الدرسات بطريقة أصول الفقه الموروثة عن السلف، وهذه طريقة تقليدية انتهت). لاحظ في جوابه هذا كيف قلب الإشكالية دون وعي، فإشكاليته الأولى: أن الخطاب الشرعي لايدرس المستجدات، وإشكاليته الثانية: أن الخطاب الشرعي يدرس المستجدات، لكنه يدرسها بطريقة أصول الفقه عند السلف! فيتبين بعد ذلك أن مشكلته الحقيقية ليست في دراسة المستجدات من عدمها، وإنما مشكلته الحقيقية مع منهج السلف في فهم الإسلام!

ومثال آخر لذلك: يأتيك شاب من ضحايا التيارات الفكرية المعاصرة فيقول لك: (مشكلة الخطاب الشرعي أنه غائب تماماً عن قضايا الحقوق والفساد المالي والرشوة ونحوها) فتذكر له نماذج من معالجات الخطاب الشرعي لمثل هذه القضايا، فيقول لك (ولكنهم يتكلمون عن قضايا أخرى مثل الصفات ومعارك الليبرالية الفارغة وغيرها). فانظر كيف قلب إشكاليته كلياً، ففي البداية كان يدعي أن أهل السنة لايتحدثون عن الحقوق المالية، ثم تحول وصار يقر بأن لهم طرح حول القضايا المالية ولكن لماذا يطرحون قضايا عقدية وفضيلية أخرى؟! فتبين أن مشكلته الفعلية ليست في منح الحقوق المالية اهتماماً وإنما في إلغاء الاهتمامات الشرعية الأخرى.

وهكذا تجد التلون والمراوغة والتقلب في الاسئلة والاشكاليات، وإعادة صياغتها بطريقة تنقض الدعوى السابقة، فيبقى في المراوحة والترنح بين أسئلة فلاشية تنقدح من كل جانب.

28-ومن المشكلات المنهجية الطريفة عند الطوائف الفكرية أنك حين تطالبهم بنماذج يذكرون لك شواهد تفيد نقيض دعواهم تماماً، ومن ذلك مثلاً: أن يأتيك شخص ويقول لك مشكلة الخطاب الشرعي أنه يغالي في طاعة ولاة الأمور حتى أنه يمنع الإنكار لأنه معصية لولي الأمر، فإذا ذكرت له نماذج من إنكار الفقهاء والدعاة في مسائل كثيرة وضعها النظام السياسي، قال لك (ولكنك تعرف أن فرقة منسوبة للشيخ ربيع المدخلي تمنع ذلك كله) فتقول له: وكيف وقف الإسلاميون تجاه هذه الفرقة؟! إن وقفتهم الحازمة تدل على نقيض مقصودك!

ومن أمثلة ذلك أنك تجدهم يقولون الفقهاء يغيرون مواقفهم تبعاً للسياسي، فإذا قلت أعظني مثالاً لو سمحت؟ يقول لك: انظر اختلاط كاوست كيف أفتت بعض الشخصيات الوزارية الرسمية بجوازه، فتقول له: وكيف وقف الإسلاميون تجاه هذه الشخصيات؟ إن وقفتهم الحاسمة والحادة تدل على نقيض مقصودك!

وأحدهم قال لي مرة: الإسلاميون يرفضون استنباط شئ جديد من النصوص لايوجد في كتب السلف، قلت له: أعطني مثالاً على ذلك قال: موقفهم السلبي من ظلال القرآن لسيد قطب، قلت له:

إذا كان سيد قطب وقع في هنات يسيرة خالف فيها عقيدة السلف، ومع ذلك تجد تفاني الإسلاميين في النقل عنه واستعذاب مقطوعاته فهذا يدل على نقيض قصدك جذرياً! إذا كان هذا موقفهم مع من استنبط وأخطأ، فكيف موقفهم مع من استنبط ولم يخالف السلف؟!

وهكذا يذكرون دوماً شواهد تفيد نقيض مقصودهم.

29-لاشك أن هداية الجميع مطلب شرعي، لكننا سنتكلم هاهنا عن الأولوية أيهما أولى (هداية أهل الأهواء الفكرية ذاتهم؟ أم حفظ الشاب الداعية الصادق من هذه الأهواء الفكرية؟) لاحظت بعض الأخيار تأخذه الحماسة في التأثير على أهل الأهواء فيلجأ إلى أن يستميلهم بإرضائهم بالموافقة على صحة بعض طعونهم في الخطاب الشرعي، ظناً منه أنه ببذل هذه المداهنة العلمية سيتألفهم لمنهج أهل السنة، لكن الواقع أن مثل هذا يعود بخسائر أكبر على طالب العلم والداعية الصادق الباحث عن الحق، ولذلك، فإنه يجب أن تكون الأولوية لحماية الشباب الصادق من أهل الأهواء ببيان زيف أفكارهم، فإن اهتدى أهل الأهواء الفكرية فبها ونعمت، وإن تمسكوا بأهوائهم فلسنا على استعداد للتفريط بإيمان الشباب المسلم وديانتهم وعبوديتهم لأجل أهل أهواء يشترطون على النص.

30-أوجه القصور في الخطاب الشرعي المعاصر:

تعرفنا في الجولات السابقة على الشائعات النقدية التي تستهلكها الطوائف الفكرية المعاصرة المخالفة لأهل السنة في منهج الإصلاح والنهضة، واكتشفنا سوياً حجم زيفها وبطلانها، فالسؤال الآن: إذاً ماهي أوجه القصور في الخطاب الشرعي المعاصر؟

فالحقيقة أن الذي يبدو لي شخصياً أن هناك محورين أساسيين تظهر فيهما تجليات القصور:

المحور الأول: نقص التغطية في كل المجالات، فحجم الجهود المبذولة في كل الميادين غير كافية إلى الآن، وسأضرب أمثلةً لذلك:

تشهد المجتمعات المسلمة اليوم ألواناً من الوثنية التقليدية، كالاستغاثة بالحسين وسؤاله تفريج الكربات، وهذه المظاهرة موجودة في مجتمعنا المحلي ذاته، وثمة دراسات ذكية وممتازة درست واقع المزارات المعاصرة المنتشرة في البلدان الإسلامية وكشفت نتائج مرعبة من شيوع الوثنية التقليدية، وهذا هو عين الشرك الذي ذهبت أعمار الرسل والأنبياء في محاربته، ومع ذلك لاتزال جهودنا تتقاصر عن معالجة أعظم قضية أهمّت الأنبياء واستولت على هرم أولوياتهم، بل وصلنا إلى درجة أكثر انحطاطاً حيث صار بعض المنتسبين للفكر عندنا يتعامل مع هذه المظاهر بكل برود وكأن حق الله الأعظم لم ينتهك! بل وقد يسخر ممن يؤرقه هذا الأمر ويسعى في معالجته، بل وبعضهم يعتبر معالجته نوع من “الطائفية”!

ومن صور القصور أيضاً، أن كثيراً من المجتمعات المسلمة تعاني من (شرك التشريع) أي عدم افراد الله بالطاعة في تشريعاته، فتسن القوانين تلو القوانين التي تنتهك أحكام الله في المعاملات والجنايات وغيرها. وهذا الشرك الذي قال الله عنه {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ} الشورى،21 . فسمى تشريعاتهم شركا. وقال تعالى عنه أيضاً: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} التوبة،31. فجعل طاعتهم شركا. وقال تعالى {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا} الفرقان،43. فجعل طاعة الهوى بما يخالف أمر الله نوع من “تأليه الهوى” .

ومن أعظم مايبين مركزية (توحيد التشريع) في مشروعات الأنبياء لللإصلاح أن الله تعالى حين ذكر “الرسل” و”الكتب السماوية” -وهما يمثلان ثلث أركان الايمان الستة- رسم وظيفة الكتب السماوية بصورة أخاذة حيث يقول تعالى: {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنزلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البقرة:213]. فبالله عليك تدبر هذا الشمول الذي ذكرته هذه الآية عن وظيفة الكتب السماوية “ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه” وقارنه بواقع الحال اليوم.

والمراد أن جهودنا في معالجة شرك التشريع الذي هو من أعظم نواقض وقوادح التوحيد لاتزال أقل بكثير بكثير من المستوى المطلوب، بل وظهر لدى البعض نغمة جديدة صار يشعر أن قضية (تحكيم الشريعة) قضية جيدة ولكنها ليست أولوية، المهم هو الحقوق المالية، فاختزلت الشريعة كلها في الحقوق المالية!

ومن أمثلة قصور الخطاب الشرعي أن المؤسسات الإعلامية الكبرى اليوم تكثف نشر المواد الإعلامية التي تدفع باتجاه تطبيع العلاقات غير المشروعة بين الجنسين، وتقويض الحواجز الشرعية، وحفظ الأعراض واحد من أعظم مقاصد الشريعة الخمسة، ومع ذلك لاتزال جهودنا دون مستوى المواجهة.

ومن أمثلة قصور الخطاب الشرعي أن الطوائف الفكرية المنحرفة تضخ على الشباب اليوم آلاف المقالات التي تتضمن شبهات تزين للشاب المسلم تقحم الشهوات دون تأنيب ضمير، وفيها من تحريف معاني الوحي والتزهيد بفقه السلف واللهج بتعظيم الكفار شيئاً عجباً، وغالبها تقريباً يدور حول إعادة صياغة أحكام الإسلام بما يتناسب مع قيم ومفاهيم الثقافة الغربية عبر الاعتماد على الخلافات والشذوذات الفقهية، فإذا وجدو شذوذاً فقهياً صار المرجح في المسألة ليس النص، وإنما مدى القرب والبعد عن قيم الثقافة الغربية، ولذلك تنتهي هذه الأفكار دوماً إلى (التفسير المادي للإسلام) أي إبراز الجانب المادي في التشريعات وتغييب بقية المحتويات العقدية والفقهية، ومع ذلك لاتزال جهودنا في مكافحة هذه الطوائف الفكرية المنحرفة دون المستوى المطلوب.

ومن أوجه القصور أن كثيراً من المناصب والولايات المؤثرة على حياة المسلمين صارت تعطى لغير الأكفاء، وكثير من العقود الحكومية صار ينخرها الفساد من الداخل، وهذا أثر جوهرياً على المصالح الخدمية للمسلمين بشكل عام، وأزمتي الإسكان والصحة بشكل خاص، ولاتزال جهودنا في المطالبة بالإصلاح دون المستوى المطلوب.

هذه نماذج فقط، والمراد منها التأكيد على أننا بحاجة لمضاعفة الجهود على جميع الجبهات، العقيدية والفضيلية والمالية وغيرها، فليست مشكلة الخطاب الشرعي أنه غالى في جانب وترك جوانب أخرى، بل مشكلة الخطاب الشرعي أنه لا يزال غير قادر على تلبية الاحتياجات في جميع الحقول.

والفرق بين أهل السنة وأهل الأهواء الفكرية في تحديد مواطن القصور، أن أهل السنة يطالبون دوماً بجميع الأبواب الشرعية، ويعظمون شأنها جميعاً، لأنها كلها من الدين عندهم، وأما أهل الأهواء فيضربون المطالب الشرعية بعضها ببعض، فأهل السنة يقولون دوماً يجب أن نجتهد في كل الفروض الكفائية، وأهل الأهواء يقولون –مثلاً- أوقفوا جهود التوحيد والفضيلة وتحدثوا في الحقوق المالية فقط. ومن يدعو لمضاعفة الجهد على كل الجبهات فهذا دليل على أنه يريد الأخذ بالدين كله، ومن كان يريد ضرب المطالب الشرعية بعضها ببعض فهذا دليل على أن في نفسه هوى.

المحور الثاني: قصور الأخطاء الفردية: لايمكن القول بأن فقهاء ودعاة الخطاب الشرعي معصومون، بل يحدث من الأفراد جميعاً بلا استثناء أخطاء فردية عرضية، فالإنسان يضعف أحياناً في العلم والعمل، يضعف في العلم فيتأول، ويضعف في العمل فيعصي، والواجب علينا جميعاً أن نتناصح في هذه الأخطاء الفردية.

لكن من المهم التنبيه إلى أن الأخطاء الفردية لاتحسب على قواعد وأصول أهل السنة ذاتها الموروثة عن خير القرون، فتجد بعض الشباب يأتيك ويقول لك: (الخطاب الشرعي لايعتني بقضايا الأخلاق) فإذا ذكرت له نماذج واسعة من منتجات قضايا الأخلاق، قال لك (أنا أتذكر الشيخ الفلاني غضب مرةً وقال كلاماً، والشيخ الفلاني يهمل في عمله، ونحو ذلك) فمثل هذه الوقائع هي أخطاء شخصية لأفراد وليست أخطاءً لمنهج أهل السنة ذاته! هل يصح أن نأخذ مثلاً القصور البشري الذي اعترى بعض الصحابة ونقول إن منهج النبي في التعليم خاطئ؟! والمراد أن وقوع الخطأ من الأفراد يجب أن يعالج كأفراد، لا أن ننقلب على الخطاب الشرعي ذاته.

هذان محوران أرى شخصياً أنهما بحاجة للعناية لتنمية الواقع الإسلامي.

-خاتمة: وأخيراً ما الدافع لكتابة هذه الورقة؟

الحقيقة أن أعظم دافع لي لكتابة هذه الورقة، وهذه المناقشات السابقة، أنني رأيت نتائج مرة لهذه المقولات النقدية التي تروجها الطوائف الفكرية. بكل صراحة ووضوح أعرف الكثير من الشباب الذين التقيت بهم، أو جرت بيني وبينهم محاورات، أو حصل بيننا اتصال بالمراسلة، وحكوا لي شيئاً من أخبارهم، فرأيت فيها والله العظيم ما يملأ النفس حزناً وكمداً، ترى الشاب عليه سيماء الصلاح والخير، مشتغلاً بشيء من معاني الوحي أو حفظ نصوصها، ومهموماً بالدعوة إلى الله، بل يحمل هم المسلمين في كل مكان، ويحاول تزكية نفسه بشيء من العبادات، ويمضي بقية وقته في شأنٍ وظيفي من شؤون دنياه، ثم لا يلبث أن يتعرف على هذه المقولات النقدية التي تروجها الطوائف الفكرية، فيشحنونه ضد الخطاب الشرعي، ويصدعون ثقته بفقهاء أهل السنة ودعاتهم، فلا يزالون به حتى ينفصل عن مقابس الإيمان، ومغذيات التدين، فيهجر القرآن تدريجياً، وينسى كثيراً من معاني الوحي التي تعلمها، وتتضرر عبادته بشكل ملحوظ، بدءاً بالنوافل مروراً بالواجبات وانتهاءً بالشذوذات الفقهية، وتصبح مجالسه كلها حنق وتذمر من المتدينين والأخيار، وتنبني بينه وبينهم الحواجز تلو الحواجز، ويصورون له أنهم وإياه سيبنون النهضة والحضارة، وهم والله لا حضارة دنيوية ولا دينية، بل كثير منهم يتحول إلى اللهو ومساهرة الأفلام، والشغف بالسفر للخارج.

بل والله العظيم أن أحدهم –وهو قارئ نهم- قال لي بكل صراحة: (أنا لي أكثر من عشر سنوات أصلي الفجر إذا ذهبت للعمل الساعة الثامنة) يقولها لي بكل برود والله على ما أقول شهيد، فانظر كيف مات الدين في القلب، إن أسوأ من إطباقه على ترك الصلاة لا مبالاته بما وقع منه، وهذا لا يقع إلا بمن غادر تعظيم الله قلبه، وهذا الشخص لا يكف عن المشاركة دوماً في قضية (كيف نفهم الإسلام؟!) والله شيء مقرف جداً.

شباب صار وقتهم بين الأفلام والسياحة وتضييع العبادات، لا يكفّون عن توجيه النصائح لعلماء أهل السنة كيف يفهموا الإسلام؟!

على أية حال فإن المقصود هاهنا أن (شحن الشباب ضد فقهاء ودعاة أهل السنة) صار له دور فعال في توهين التدين في النفوس، وكلما لاحظت هذا الأثر أخذت أتعجب من المعاني العظيمة التي أشارت إليها تلك الآية:

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا) الحشر، 10

امتلاء القلب بالغل لأهل الفضل والخير –سواءً أصابوا أم أخطأوا- ليس قضية هامشية بتاتاً، بل هي أول عثرةٍ في منحدرات الأهواء السحيقة.

ولتتأكد من كلامي تأمل في واقع الطوائف الفكرية المناوئة للخطاب الشرعي، وستجد فيهم جميعاً ضعف الصلة بالقرآن، والضعف العبادي العام.

ولذلك فإن من أعظم ما يحرق هذه الطوائف الفكرية المخالفة لأهل السنة والجماعة في منهج الإصلاح والنهضة: الدعوة إلى تلاوة القرآن وتدبر معانيه، وتدبر الأعمال التي يحبها الله ويذكرها ويعيدها ويحث عليها، فهذا القرآن العظيم أعظم (منظِّم للأولويات)، وهو (الجدول الصحيح) لترتيب المطالب الدينية، وقد رأيت شباباً كثيراً كانت لديهم إشكاليات كثيرة بسبب القراءة في بعض الكتب والمقالات الفكرية المنحرفة، فأوصاهم بعض المتخصصين بتلاوة القرآن وتدبر معانيه، فما هو إلا فترة يسيرة حتى زالت عنهم الغشاوة كلها، وتبين لهم المطالب التي يريدها الله من العباد، ودرجاتها وأولوياتها، فصاروا بحمد الله يعظمون ما عظمه القرآن، ويستهينون بما استهان به القرآن، ويقدمون ما قدمه القرآن، ويؤخرون ما أخره القرآن، وأصبحت الرؤية عنهم شديدة الوضوح.

فما يريده الله ويحبه ويريده من العباد ليس لغزاً، الله أنزل هذا الكتاب ليقرأه عموم الناس فيفهموا منه مراد الله تبارك وتعالى، وأصول المطالب الشرعية.

خذ مثلاً: ذكر الله (الصلاة) في كتابه، بلفظها ومشتقاتها كالمصلين والصلوات، في بضعة وتسعين موضعاً مفرقة في عشرات السور المكية والمدنية، فهل من الممكن أن يذكر الله الصلاة في هذه المواضع التسعين وتكون شيئاً هامشياً بالنسبة لله؟! هل القرآن يستحضر الصلاة بهذه الكثافة بالثناء على أهلها ومعاقبة تاركها وتكون شيئاً ليست الأولوية في الخطاب الدعوي والإصلاحي؟! هل يمكن أن تكون الصلاة بهذه الكثافة في القرآن وليست هي الأولوية في بناء الحضارة والتقدم الانساني؟!

وشرع الله أحكام الشريعة كلها على الأرض إلا الصلاة فقد عرج بالنبي r إلى السماء لكي يتلقى تشريعها من الله مباشرة، فكيف بالله عليكم يقدم البعض خطابا يسميه (خطاب حضاري وإصلاحي ونهضوي إلخ) وتكون الصلاة فيه أشبه بالشأن الشخصي!

ومن قرأ كتاب إمام أهل السنة في زمانه محمد بن نصر المروزي المسمى (تعظيم قدر الصلاة) فوالله إن كان في قلبه ذرة صدق في البحث عن مراد الله ورسوله فإنه لا يمكن أبداً إلا أن تتأثر رؤيته للإصلاح والنهضة كلياً، وبالمناسبة فهذا الكتاب من أعظم الكتب في بيان إشكالية الإرجاء الفقهي، وقد كان الشيخ العلامة عبدالله السعد يعظم شأن هذا الكتاب جداً، وقد رأيت من حسن صلاة الشيخ عبدالله شيئاً كان يهزني هزاً، فوالله إن تنفله قبل بداية الدرس (حين كنت أحضر شرحه لسنن الترمذي قبل عشر سنوات) وما فيه من حسن القيام والركوع، وإخباته حين الهوي إلى السجود، شيئاً يجعلني أوقن أن الرجل يعيش مع الصلاة عالماً آخر، وهذه العبودية أرزاق من الله جل وعلا نسأل الله من فضله.

وتكلم الله عن جنس “ذكر الله” في عشرات المواضع من القرآن، وأما آحاد الأذكار وأنواعها كالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير فهذه لا يمكن إحصاؤها في القرآن إلا بكلفة، فهل يمكن أن يكون الله أفاض في وصف الذكر بهذه الكثافة ويكون ليس من أعظم أولويات الخطاب الدعوي والإصلاحي؟، هل الله جل وعلا يغرر بالعباد فيحثهم على ما لا يريده منهم؟!

وكذلك ما جاءت به الرسل من الشعائر العظيمة الظاهرة التي يحبها الله (كالركوع, والسجود, والاعتكاف, والصوم, والذبح, والنسك, والأذكار..) وسائر هذه الأعمال العظيمة امتلأ بها القرآن، وأثنى الله على الأنبياء بحرصهم عليها.

ومن قرأ هذا القرآن ورأى ما فيه من تعظيم الله لتزكية النفوس بالعبادات القلبية الباطنة، ثم رأى غياب هذه العبادات عند هذه الطوائف الفكرية، أدركه الرثاء والألم لأحوال هؤلاء المساكين الذين ضيعوا أعظم مقاصد القرآن ومطالبه.

أعظم وأهم وأسمى إصلاحات الأنبياء هو ماجاؤوا به من “المعرفة الإلهية” بما تتضمنه من تصورات صحيحة عن الله والغيب, وبما تتضمنه من عمارة القلوب بالتأله لله، وتزكية النفس البشرية بعبودية القلب لله، فهذه العبادات القلبية التي جاء الرسل بتزكية النفوس بها (والتي يسميها الفقهاء العبادات القلبية، ويسميها علماء السلوك الإسلامي مقامات الإيمان) أطنب القرآن في تشريفها وبيان حب الله سبحانه لها.

فما جاءت به الأنبياء من تزكية النفوس وترقيتها وتنويرها بالعبادات القلبية هو أعظم ماجاءت به الأنبياء والرسل، فأول قضية في جدول أولويات الرسل عمارة القلوب بالله، والعبادات القلبية كثيرة ومن أصولها: الإخلاص, والمحبة, والخوف, والرجاء, والتوكل, واليقين, والصدق, والانقياد, والتذلل, والصبر, والاستعانة, والتوبة، ونحوها.

وهذه العبادات امتلأ بها القرآن، فهو يبتدئ بالأمر بها أحياناً، وأحياناً أخرى يثني على من فعلها، وأحياناً أخرى يذم من أهملها، وأحياناً أخرى يعلق بها على الأحداث والقصص، فيفسر النجاح والاستنارة بها، ويفسر الإخفاق والانحطاط بغيابها، إلى غير ذلك من أنماط التعبير التي استعملها القرآن في تأكيد أولوية عمارة القلوب بالله.

فالرسل –صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- علموا الناس كيف تمتلئ قلوبهم بالإخلاص وتجريد النية وتصفيتها لله، وامتلاء القلب بحب الله، والخوف والخشية والوجل من الله، ورجاء ثواب الله، والتوكل عليه سبحانه وتفويض الأمور إليه والاعتماد التام عليه، وتشبع القلب باليقين القاطع بالله والنبوة والمعاد، وانقياد القلب وتسليمه وخضوعه وانصياعه واستسلامه لله ورسوله وأوامرهما ونواهيهما، والتذلل لله بما يتضمنه من التضرع والاستكانة والإخبات لله سبحانه وتعالى , والانطراح بين يديه, وإظهار الافتقار لله, والحاجة إليه والتمسكن بين يديه. ففي النفوس فاقة فطرية لا يملؤها إلا الإقبال على الله, وفي القلوب صدع لا يرأبه إلا الانحناء بباب الجواد الغني سبحانه، والصبر على قضاء الله وأقداره الكونية، والاستعانة والاستغاثة والاستنجاد بالله ليعيننا على عبادته, وليعيننا على شؤون دنيانا، ومعاودة التوبة والإنابة والتماس المغفرة والصفح من الله, وأن يبوء الانسان ويقر ويعترف بإثمه وذنبه.

وهذه العبادات القلبية العظيمة التي اعتنى بها الأنبياء والرسل، وصرفوا جوهر جهودهم في تزكية الناس بها، تنفي آفات النفوس وأدواءها، وتطهرها وتنقيها، فأدواء النفوس هي أضداد هذه العبادات العظيمة، فإذا ضعفت هذه العبادات القلبية امتلأت حقول القلوب بالحشائش الضارة.

فضعْف الإخلاص يورث الرياء وحب الظهور والشرف, وهوس الشهرة, ونزوة التصدر والرياسة, وحب العلو على الأقران, والتزين للمخلوقين.

وضعف الخوف من الله يورث الجرأة على انتهاك المقدسات, ويسبب الهلع والخشية من مخلوق ضعيف عاجز مثلك.

وضعف الرجاء يورث القنوط من رحمه الله, وترك العمل تحت ضغوط إحباطات اليأس من عفو الله، والرجاء لا يكون إلا مع العمل، أما الرجاء بلا عمل فيسميه القرآن “الأمن من مكر الله”.

وضعف التوكل يورث تعلق القلب بالمخلوقين, وانصرافه إلى ملاحظة الأسباب والغفلة عن مسبب الأسباب ذاتها.

وضعف اليقين يورث تسرب شيء من الارتياب والشكوك، وتزعزع الحسم بالله وكتابه وسنة نبيهr, ويسبب تصدع الثقة بوعد الله وأن الله ناصر دينه ورسله.

وضعف الانقياد يورث التردد في التسليم لله ورسوله, وتنامي الاعتراضات الخفية الباطنة على الشريعة, والتبرم بنصوص الكتاب والسنة, والسعي للتخلص منها بشتى الطرق الخفية: مثل التأويل والتحريف الملتوي، أو التذرع بالخلاف الفقهي، أو تضخيم دعوى اختلاف الزمان، أو التعلل بالمقاصد لإسقاط النصوص، أو التعلق بالكليات لجحد الجزئيات، ونحو ذلك من التقنيات والوسائل التي تدور حول شهوة التخلص من الانقياد للنص.

هذه رأس تعاليم الأنبياء، وتلك جوهر وصاياهم .. لمن كان فعلاً يبحث عن مراد الله ورسوله..

فإذا تدبر الباحث الصادق هذه الحقيقة في القرآن وفي وصايا الرسل واهتماماتهم، وإذا تأمل عمق العبادات القلبية في مشروعات الأنبياء للإصلاح، ورأى غفلة غالب الطوائف الفكرية عنها؛ علم أن حاجة هذه الطوائف الفكرية إلى التزكي بالقرآن وعمارة القلوب بالله تفوق كل الحاجات البشرية اليوم.

ولا يوقن بهذه الحقيقة إلا من امتلأ قلبه بتعظيم الأنبياء والرسل واليقين بأن ماجاؤوا به هو أعظم وأسمى من كل ما تتداوله البشرية من اهتمامات وأولويات وأفكار وفلسفات ونظريات وخطابات.

وهذا القرآن العظيم شرح ماجاءت به الرسل من حفظ “العفة والفضيلة” ومقاومة الرذيلة, ووسائلها المفضية إليها, فثمة منظومة متماسكة كرسها الوحي الإلهي لقطع الطريق على كل طرق الرذيلة ومساربها، كمنع الخلوة, والخضوع بالقول, والحجاب, وغض البصر, والدخول على المحارم, وقوله: الحمو الموت, والتعطر في الطريق, ومنع السفر بغير محرم, وغير ذلك من النصوص التي تكشف أن من مقاصد الشريعة سد الطرق المفضية إلى تطبيع العلاقات غير المشروعة بين الجنسين.

وما جاءت به الرسل من حفظ العلاقات الاجتماعية في تراتبيتها كبر الوالدين وحقوق الرحم والجوار وغيرها، وحفظ الحقوق المالية, كمنع الربا, والغرر, والغش, والرشوة, والاحتكار, والسرقة، وأكل أموال الناس بالباطل.. إلخ.

والعقوبات الجنائية العظيمة التي جاء بها الوحي, وحفظ الأرض من الفساد الجنائي, وأن الوسيلة التي يجلها الله ويرضاها هي القصاص, وقطع السارق وجلد الزاني والقاذف, ونفي من أقام علاقة غير مشروعة وهو لا زال غير متزوج إلى غير بلده سنة كاملة, والرجم بالحجارة للمتزوج الذي يقيم علاقة غير مشروعة حتى يلفظ آخر أنفاسه.

هذه العقوبات الجنائية التي شرحها القرآن لاستقرار المجتمع وليكون متقدماً راقياً، لاتزال الأمم غير المسلمة اليوم منحطة حائرة أرساها لم تهتد إليها، ولا تعرف الوسائل التي شرعها خالق الإنسان ذاته.

وكذلك ماجاءت به الرسل من الأخلاق العامة كالصدق وترك الكذب, وحفظ عرض المسلم وعدم غيبته, النميمة.. إلخ.

والعناية بالفروض الكفائية التي تقوم بها مصالح المسلمين, والوسائل المادية التي تتحقق بها رسالة الإسلام, وهو ما يعبر عنه الوحي بمفهوم القوة.. إلخ.

فهذا جزء من معالم دعوة النبيr التغييرية، ومشروعات الأنبياء للإصلاح كما عرضها القرآن، وهذه هي الحضارة الشاملة والنهضة المستوعبة وليست حضارة الآلة والمادة واللذة.

والله تعالى أعلم وأحكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

ابوعمر

ابراهيم السكران

iosakran@yahoo.com

28 ذي الحجة 1430هـ