مقالات إبراهيم السكران

مآلات الخطاب المـدني

بسم الله الرحمن الرحيم

مآلات الخطاب المـدني

ابراهيم السـكران

مدخل:

عشية وداع التسعينات حفل الداخل الإسلامي من خلال مطبوعاته وندواته الخاصة بنقاش غزير ومعالجات متنوعة حول “الحاجة إلى التجديد” و “مشروعية المراجعة” وكان ثمة ترحيب متلهف بأية أطروحات أو استضافات في هذا السياق, وكانت تلك الأطروحات في مجملها أطروحات منتمية تتحاكم للمعايير الشرعية وتطرح “التجديد” مستهدفة تعزيز الحضور الإسلامي وامتداده إلى مناطق جديدة, لا التجديد بهدف إزاحة المحتوى الديني أو تقليص وجوده.

إلا أنه وبعد أحداث سبتمبر 2001م بدأت نغمة الخطاب التجديدي تتغير حميميتها وإن بقيت تدور ضمن شروط الداخل الإسلامي, ولم يعلن سقوط بغداد مطلع العام 2003م إلا وقد سقطت كثير من رايات الانتماء وانسحبت كثير من تلك الأصوات التجديدية من الداخل الإسلامي إلى معسكر مختلف تماماً.

صحيح أنه لاتزال هناك شخصيات تجديدية تحتفظ برزانتها الشرعية واستقلالها السياسي وينتصب أمامها المرء بإجلال صادق -وهم كثير ولله الحمد- إلا أننا يجب أن نعترف وبكل وضوح أنه قد تطور الأمر بكثير من أقلام الخطاب المدني إلى مآلات مؤلمة تكاد عيون المراقب تبيض من الحزن وهو يشاهد جموحها المتنامي.

كثير من تلك الطاقات الشبابية المفعمة التي بدأت مشوارها بلغة دعوية دافئة أصبحت اليوم –ويالشديد الأسف- تتبنى مواقف علمانية صريحة, وتمارس التحييد العملي لدور النص في الحياة العامة, وانهمكت في مناهضة الفتاوى الدينية والتشغيب عليها, وانجرت إلى لعب دور كتاب البلاط فأراقت كرامتها ودبجت المديح, وأصبحت تتبرم باللغة الإيمانية وتستسذجها وتتحاشى البعد الغيبي في تفسير الأحداث, بل وصل بعضهم الى التصريح باعتراضات تعكس قلقاً عميقاً حول أسئلة وجودية كبرى, واستبدلت هذه الشريحة بمرجعية “الدليل” مرجعية “الرخصة” أينما وجدت بغض النظر هل تحقق المراد الإلهي أم لا؟ وتحولت من كونها مهمومة بتنمية الخطاب الإسلامي إلى الوشاية السياسية ضده, والتعليق خلف كل حدث أمني بلغة تحريضية ضد كل ماهو “إسلامي”, وغدت مولعة بالربط الجائر بين أحداث العنف والمؤسسات الدعوية, وبالغت في الاستخفاف بكل منجز تراثي, وتحتفي بالأدبيات الفرانكفونية في إعادة التفسير السياسي للتراث وأنه حصيلة صراعات المصالح وتوازنات القوى وليس مدفوعاً بأية دوافع أخلاقية أو دينية, بل ووصل بعضهم إلى اعتياد اللمز في مرويات السنة النبوية وخصوصاً مصادرها ذات الوزن التاريخي واعتبارها مصدر التشوش الاجتماعي المعاصر.

وفي مقابل كل هذا الإجحاف في طرف النص والتراث والمؤسسات الإسلامية تجد اللغةَ الناعمةَ البشوشة في التعامل مع خصوم الحل الإسلامي، وحقهم في الحرية والتعبير, والتفهمَ الودودَ للدراسات التجديفية والروايات العبثية, والتصفيقَ المستمرَّ لكل ماهو “غربي” بطريقة لايفعلها الغربي ذاته, وعَرْضَ الأعلام الغربية بلغة تفخيمية وقورة, وإسقاطَ التجارب العلمانية في التاريخ الأوروبي على مجتمعنا بشكل لايليق بشاب مسلم -كصراع الكنيسة مع العلم والثورة الفرنسية وعصر الأنوار ونحوها- والتركيز على أخطاء المقاومة أكثر من أخطاء المحتل, والمطالبة المستمرة بمواجهة المشروع العسكري الغربي بورود السلام الغاندية.. إلى آخر سلسلة التطورات الموجعة والتي سنشير لها في المناقشات القادمة.

ويستطيع المراقب بكل بساطة أن يقرأ في الخط البياني لهذه المضاعفات المتنامية دور التابلويد الإلكتروني في تصعيد هذا الانحراف, بمعنى أن أكثر هذه التورمات تضخمت داخل هذا الخطاب في سياق التفاعلات الحادة والاستفزاز المتبادل مع المنتديات الإنترنتية المتخصصة في الإسفاف والتجني والمتقنعة بلبوس الاحتساب الفكري, بحيث صار الخطاب المدني الجديد تدفعه مشاعر النكاية والعناد ضد البغي الإلكتروني إلى الامعان في مناقضة الرؤية الإسلامية, ولاأظن عاقلاً ينتقم من رب خصمه لكن هذا ماجرى للأسف!

على أية حال.. أظن أن أبسط مقتضيات الوفاء والحب لهؤلاء الشباب هو المبادرة بالمصارحة بمخاطر هذه التطورات, علنا نستعيد وعينا في زحام السجال, ونستيقظ من أن تتجارى بنا مغاضبة الخصوم ومشاحنة الفرقاء إلى خدش علاقتنا بالله ورسوله وخسارة رأسمالنا الحقيقي.

ولا سيما أن هذا الخطاب الجديد خطاب نشط ومتنامٍ في أوساط الشباب المولعين بالثقافة وذوي المنزع الفكري, ويحظى بحفاوة المؤسسات الاعلامية من صحف وفضائيات وغيرها, حيث ستظل فرص الشاشة والعمود الصحفي مشهداً خلاباً لاتقاومه غريزة تحقيق الذات المتوقدة بداية العمر فيرضخ المثقف/الشاب لشروطها ليحتفظ بها.

هذه المشهد الأليم يفرض قراءته وتأمله, ومن ثم تحليل الفروض الداخلية لهذا الخطاب التي قادته إلى هذه المآلات الموحشة, بهدف إرضاء الله سبحانه وتعالى, وتواصياً بالحق مع كثير من متابعي هذا الاتجاه, وتعزيزاً للثقة الدعوية في الأوساط التربوية والعلمية للاتجاه الإسلامي أمام سلاطة هذا الخطاب وتجريحه المستمر ودعايته المضادة, ونشاطه في التعبئة الإعلامية وتأليب المؤسسات الأمنية ضد العمل الدعوي والتربوي الإسلامي.

والواقع أن هذا الخطاب المدني الجديد يصفه بعض مراقبيه بتصنيفات لايرضاها منتجوا هذا الخطاب ويعدونها “شتيمة خصوم” أكثر من كونها “تصنيفاً إجرائياً” لذلك آثرنا أن نقفز هذه التصنيفات, ونتعرف إلى هذا الخطاب من خلال معجم مفاهيمه المحورية التي تشكل نسيجه الخاص, كمفهوم الحضارة والانفتاح والآخر والتسامح والنسبية والاستنارة والنهضة والمواطنة والأنسنة ونبذ الأدلجة والإقصاء والوصاية والتسييس والدوغمائية والراديكالية… الخ

حيث تحولت هذه المفاهيم من أدوات دلالية محضة إلى “لافتات فكرية” تدفع باتجاهٍ مشترَك ذي قسمات خاصة, حيث تم شحنها بدلالات جديدة ضمن سياق سجالنا المحلي بحيث صارت تحمل مضموناً مذهبياً مترابطاً أكثر من كونها مجرد تقنيات تفسيرية حرة.

ولم نتجاوز تلك التصنيفات إلا بهدف تحاشي اللبس وسوء الفهم, إذ غرضنا هاهنا الاجتهاد في تقديم مناقشة علمية مختصرة للشبكة المفاهيمية التي تغذي هذا الخطاب وتمده بمنظوره الخاص, وليس هدف هذه الورقة النقدية -يعلم الله ذلك- التجريح والإيذاء, أو إسقاط شخصيات بعينها, او الانحياز لجبهة ما, وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا للتجرد ويعيننا على تجنب الهوى والتحامل.

ومما يعنينا الإشارة إليه هنا بشكل خاص أننا تجاوزنا التمثيل أو ذكر شخصيات بعينها من هذا الخطاب؛ تفادياً للتعميم، ذلك أننا سنناقش تصورات عامة يتفاوت كتّاب هذا التيار تفاوتاً كبيراً في تبنيها والاقتراب أو الابتعاد عنها, فمستقل من هذه الظواهر ومستكثر, فحشر الأسماء وإقحامها في سياق واحد يوهم اشتراكها في التفاصيل, الأمر الذي يتناقض مع فريضة القسط ومقتضيات الإنصاف.

وقد قسمت هذه الورقة إلى جزئين, أولهما: في قياس علاقة هذا الخطاب المدني بأصول الوحي, والجزء الثاني: في قياس علاقة هذا الخطاب المدني بالفكر الحديث, فهذا هو الجزء الأول منهما وسيتبعه باذن الله الجزء الثاني, ونبتدئ الجزء الأول بعرض موجز حول السياق التاريخي لهذه الظاهرة, وهذا هو أوان الشروع في المقصود.

قسمات الانقلاب المعياري:

آل الخطاب المدني -ضمن ديناميكية تطوراته المؤلمة التي أشرنا اليها- إلى حالة انقلاب معياري، حتى بتنا اليوم وكأننا نشهد “إعادة تقييم” جذرية وشاملة تمس العناصر الجوهرية لرؤيتنا الفكرية, فأمامنا اليوم حالة انقلاب حاد في “جدول القيم” لانستطيع أن نغض أبصارنا عنه أو أن نتجاهله, حتى أصبح “هرم الأولويات” يقف مقلوباً على رأسه!

لقد طالت هذه الانقلابات المفاهيمية: الموقف من التراث, والموقف من الغرب, والموقف من المؤسسات الدعوية, والموقف من خصوم الحل الإسلامي, والموقف من واقع مجتمعنا المعاصر, والموقف من الدولة العربية الحديثة… بما يعني أن إبرة البوصلة الفكرية قد فقدت قوتها المغناطيسية السابقة تماماً, وكأن دخان سبتمبر قد مد ذراعه إلينا وقلب ساعة الرمل ليعيد دبيبنا إلى الوراء.

لقد تم إنزال التراث من كابينة القيادة إلى قفص الاتهام! فبعد أن كانت هذه الشريحة الشبابية تنظر إلى “التراث الإسلامي” باعتباره النموذج المشع الذي تستلهم منه المثل والقيم وينتصب أمامه المرء بسكينة الانتماء أصبح بعض هؤلاء الشباب ينظرون إلى التراث باعتباره ألبوم التصرفات البدائية المخجلة الذي لايجب أن يفتح إلا مع ابتسامة اعتذار, مع استخفاف عميق بمواقف رجالاته وأعلامه.

وفي أحسن الأحوال أصبح لايقبل من التراث الإسلامي الضخم أي دور إلا أن يزودنا بالأسانيد والحيثيات التي تؤكد نتائج “عصر الأنوار” ليس إلا!

ولذلك يدعو كثير من منتجي هذا الخطاب إلى قراءة “نصوص الوحي” ونصوص “التراث الإسلامي” قراءة مدنية, بمعنى قراءة “موجهة” تبحث داخل هذه النصوص عن أية مضامين تدعم “المدنية” ثم تؤَوِّل مايتعارض معها, وتصبح فرادة الفقيه داخل هذا الاتجاه تابعة لقدرته في توفير الغطاء الشرعي لمنتجات الحضارة وبحسب إمكانياته في تأويل ما يتعارض معها وتخريجه بشتى المخارج, بدل أن تكون الدعوة إلى قراءة الوحي قراءة “صادقة” تتجرد للبحث الدقيق عن المراد الإلهي!

بمعنى آخر: تحويل الوحي من “حاكم على الحضارة” إلى مجرد “محام عن منتجاتها” يبررها ويرافع عنها ولايقبل منه دور غير ذلك! وليس يخفى أن الحكم نوع من السيادة، أما المحاماة عن الغير فحالة تبع يقاس نجاحها بإمكانيات التبرير والتسويغ.

والسؤال المؤلم الذي يفرض نفسه هاهنا: ماهي المساهمة الحقيقية التي يمكن أن نقدمها للعالم اذا كان قصارى مانقوله للغرب هو أن ممارساتكم وسلوكياتكم يمكن تخريجها على بعض الاقوال الفقهية لدينا, أويحتمل أن تدل عليها بعض الادلة؟ هم يمارسون هذه الممارسات قبل أن يعرفونا أصلاً.

كما قفزت صورة الغرب من شارع الانحطاط إلى منصة الأستاذ القديس الذي لايراجع فيما يقول, وإذا لم نقتنع بما يقوله فذلك لعيب في فهمنا نحن لا لعيب فيه هو لا سمح الله!

وبعد أن كان بعض هؤلاء الشباب يتشرفون بالانتماء للاتجاه الإسلامي ويبرزونه كهوية شخصية في الحياة العامة، أصبح بعضهم ينظر إليه باعتباره عبئاً على المجتمع ليس يبهجهم كثيراً تناميه وتغلغله الاجتماعي!

النماذج التفسيرية للظاهرة:

لازال العاملون للإسلام تتقوس حواجب تساؤلاتهم المندهشة أمام هذه الكارثة الفكرية, ويتساءلون بإلحاح مالذي حدث بالضبط ياترى؟

والحقيقة أن كل خطاب فكري ينطلق من “فروض أساسية” تنبثق عنها التطبيقات و تتحاكم إليها الإشكاليات, سواءً سميت بفروض أساسية أو قيمة مركزية أو “باراديجم” أو “إبستيما” أو غيرها من الاصطلاحات الانثروبولوجية, والتي يعبر عنها في العلوم الشرعية بمصطلح “الأصل” أو “الكلي”, ومنه قولهم “أصول المذهب الفلاني” أي أسسه الضمنية التي تتفرع عنها ماصدقاته.

وقد أشار الإمام ابن تيمية في ملاحظة مبدعة إلى دور استكشاف الكليات والأصول في الاستيعاب والاطمئنان العلمي كما يقول رحمه الله: (فإن معرفة أصول الأشياء ومبادئها.., من أعظم العلوم نفعاً, إذ المرء ما لم يحط علماً بحقائق الأشياء التي يحتاج إليها يبقى في قلبه حسكة).

والواقع أن المراقبين والنقاد طرحوا تفسيرات كثيرة لظاهرة الانقلاب المعياري هذه التي أشرنا إليها, ومحاولات متعددة لاستكشاف النواة الجوهرية التي انبثقت عنها تطبيقات ومواقف وإحداثيات هذا الخطاب المدني المتطرف, فبعض النقاد يرى أن السبب هو “الانبهار بالغرب”, والواقع ان الانبهار بالغرب أحد النتائج وليس العامل الحاسم كما سيأتي توضيح ذلك.

وبعض النقاد اعتقد أن الجذر الدفين في هذه الظاهرة هو “العقلانية”، والواقع أن هذه الظاهرة ليس لديها نظرية فعلية في “مصادر المعرفة” بحيث تقدم ما دل عليه العقل وترد ما عارضه, بل هي تارة مع العقل وتارة مع النص وتارة مع الذوق الشخصي وتارة مع المألوف وتارة ضد هذه كلها, فهي تدور مع المنتج الحضاري الجديد بغض النظر عن علاقته بمصادر المعرفة, وأعتقد أن تكوين “منظومة عقلانية متماسكة” أكبر بكثير من قدرات هذه الظاهرة وكتابها أساساً.

وبعض النقاد اعتقد أن هذه الظاهرة هي امتداد تاريخي لمدرسة “المعتزلة”، والواقع أن هذا التفسير قد أبعد النجعة كثيراً, فمدرسة المعتزلة هي مدرسة دينية متزمتة أخرجت الفساق من الإسلام, وشرعت للمنابذة المسلحة لأئمة الجور, وناضلت الفلسفة الإغريقية بنفس أدواتها, ووصفهم كثيراً من المحققين في علم الفرق بأنهم أصحاب إرادات أي أصحاب نسك وعبادة, وكان لديهم نتاج عقلاني منظم. وإنما سبب زيغهم غلوهم في التنقير بالعقول في الغيبيات وتقديمها على مضامين المرويات, حتى نتجت عن ذلك أصولهم الخمسة المعروفة, لا لأنهم أعرضوا عن الشرائع وانبهروا بأمة من أمم الكفر. فالمعتزلة مدرسة غلو لامدرسة تساهل, بل إن المعتزلة أشرف بكثير من الخطاب الفرانكفوني المعاصر الذي يحاول الوصول إلى تناقضات داخلية في التراث الإسلامي بهدف تحييد الوحي جملةً عن الحياة العامة.

في تقديري أن النواة الخفية التي انطلقت منها كل هذه التحولات الجذرية والحادة في المواقف والرؤى هي “المغالاة في قيمة المدنية والحضارة”, فالغلو في الحضارة والمدنية الدنيوية وتحويلها إلى القضية الأولوية وغاية الغايات هو الجذر الرئيسي التي ابتدأت منه كل هذه الانقلابات المفاهيمية, بمعنى أن النموذج التفسيري الذي يقدم إجابة دقيقة حول تطبيقات هذه الظاهرة هو ما يمكن تسميته “غائية الحضارة” و “مركزية المدنية”.

فيمكن القول بكل اختصار أن “الغلو المدني” ينبوع الانحراف الثقافي, حيث يستتبع التحييد العملي للوحي لأنه لايدفع باتجاه المدنية الدنيوية ويتعارض مع كثير من منتجاتها, ويورث الاستخفاف بالتراث الإسلامي لتضمنه جهاز مفاهيمي شرعي يزهد في الدنيا ويربط الإنسان بالآخرة, ويثمر لدى الشاب تعظيماً نفسياً للثقافة الغربية الحديثة لتفوقها المدني على غيرها من الأمم المعاصرة, فيصبح مأخوذاً بعرض منجزاتها, ويتضايق من عرض ثغرات الثقافة الغربية ويميل لتفهمها وإعطائها معنى إيجابيا أو محايداً على الأقل وتسويغها في جنب محاسنها, ويبدأ الشاب في الابتعاد التدريجي عن العاملين للإسلام لانهماكهم بالدعوة بما تتضمنه من تعميق الإيمان في الناس والتفقه في معاني الوحي, ويصبح أساس العلاقة مع الآخر ليس مبنياً على “أساس ديني” بحيث يوالى الآخر بقدر ما فيه من موالاة الوحي والقرون المفضلة, وينافى بقدر مافيه من منافاة الوحي والقرون المفضلة, بل يصبح أساس الولاء تجاه الآخر “أساساً مدنياً” مبنياً على مقدار السعي المشترك لعمارة الدنيا بغض النظر عن حجم الانتهاكات لحمى الشريعة والفضيلة, فيغتفر لصاحب المنجز المدني –سواءً كان مؤلفاً أم اتجاهاً فكرياً أم مجتمعاً معاصراً- كل انحرافاته الدينية وتتفهم في بحر حسناته المدنية, بينما ينظر بعين الامتهان إلى صاحب المنجز الشرعي –سواءً كان مؤلفاً أم اتجاهاً فكرياً أم مجتمعاً معاصراً- مادام أنه غارق في القصور المدني.

وحاول أن تتأمل في لوحة العزوف الدعوي الحزينة المعاصرة, وتتبع خيوط الارتباك الفكري الذي أصاب بعضاً من شباب المجتمع المسلم اليوم, وسترى أن تلك الخيوط جميعاً تلتقي عند عقدة “المغالاة في قيمة المدنية والحضارة” فتصدر عنها وترتد إليها.

وسرح طرفك حيث شئت في الأطياف الفكرية التي تعج بها الحياة الحديثة وسترى أن الميسم الذي منح هذه الأطياف جميعاً ألوانها المتباينة هو “الموقف من الحضارة”, فأخبرني ماهي الدرجة التي تحتلها “قيمة الحضارة المدنية” في سلم القيم عندك أخبرك أين تقع على خريطة الجبهات الفكرية المعاصرة.

فنحن إذا تتبعنا تطبيقات هذا الخطاب الجديد ومواقفه وآراءه وصيغ علاقاته وإحداثيات مواقعه التي اختارها على الخريطة الفكرية فسنتوصل حتماً –كما سبقت الإشارة لذلك- إلى أن القيمة المركزية التي تسيطر عليه وتجعله يدعم موقفاً ما أو يعارضه, أو يثمن قضية ما أو يحط منها, فسنجدها بكل تأكيد “مركزية المدنية”, وبناءً على مركزية المدنية فقد تحددت صيغ العلاقات مع المجتمع والتراث والغرب والدولة العربية الحديثة على أساس القرب والبعد من “التمدن المادي”.

فبمجرد أن يتشرب الشاب المسلم فكرة الغلو في قيمة المدنية والحضارة والعمارة والنهضة المادية فإن هرم الأولويات وخريطة القيم تنقلب عنده رأساً على عقب, فمن يرى أن الأولوية والقيمة المركزية في سلم القيم هي “تشييد المدنية الدنيوية” فإن الثقافة الغربية في ميزانه ستكون النموذج المتفوق, بينما سيكون عصر القرون المفضلة والحركة الإسلامية المعاصرة نموذج الإخفاق والفشل الذي يجب الاعتذار عنه.

أما من يرى أن الأولوية والقيمة المركزية في سلم القيم هي “التزكية” وتشييد المستقبل الأخروي وأن المدنية الدنيوية مجرد وسيلة, فإن التراث الإسلامي ومن بعده الحركة الإسلامية سيكونان نموذج الفرادة والتميز, بينما ستكون الثقافة الغربية نموذج الانحطاط والتخلف.

ينابيع الغلو المدني:

هذا الخطاب الذي تطور بطريقة مؤلمة ووصل إلى حالة “غلو مدني” تتعارض مع أصول الوحي, اكتنفته أربعة ظروف رئيسية شكلت أضلاع الوعاء الجوهري لتناميه, ألا وهي: مناخ سبتمبر, والضخ الفرانكفوني, وحفاوة وسائل الاعلام, ورد الفعل تجاه البغي الإلكتروني.

فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تعرض الاتجاه الإسلامي إلى حالة محاكمة عالمية شرسة حدت من انسيابه ودويه وتراجعت معها شعبيته الاجتماعية بشكل ملموس. وفي ظل هذا الفراغ الجزئي الذي خلفه انكماش الحالة الإسلامية، برزت أبحاث المدرسة الفرانكفونية/المغاربية كإجابة جديدة نجحت في استغلال الظرف الأمني الحالي وحققت اكتساحاً استثنائياً في فترة قصيرة.

ويبدوا أن هذا الرواج السريع سيكون مؤقتاً ريثما يستعيد الاتجاه الإسلامي عافيته الأمنية, إذ لو كانت “المدرسة الفرانكفونية” تتكئ على عبقرية طروحاتها الخاصة لكان متحفها عامراً منذ الثمانينات وليس بعد العام 2001م! وإنما رواجها بعد كسادها كان تبعاً لزلزال الظرف السياسي السبتمبري الذي قلب توازنات القوى رأساً على عقب, وسمح لكثير من الأفكار السياسية المتشنجة أن تبتسم فوق الطاولات المستديرة.

على أية حال فإن كثيراً من الشباب الإسلامي الذي أقبل على منتجات المدرسة الفرانكفونية في معارض الكتب وأمام رفوف الوحدة والساقي والجمل لم ينته من التهام تلك الكتابات إلا وقد تشرب “المفاهيم الضمنية” الحاكمة لتلك الكتابات, أو بمعنى آخر “المنطق الداخلي” لهذه الدراسات, وعلى رأس تلك المفاهيم مركزية المدنية وغائية الحضارة.

أولئك الشباب الذين كانو يقرؤون أيام “أزمة الخليج” مجلة المجتمع ومجلة البيان والمودودي وسيد قطب والندوي ومحمد قطب ومحمد الغزالي وفتحي يكن ومحمد أحمد الراشد وجمال سلطان وبالكاد فهمي هويدي ومحمد عمارة, وتكتظ أدراج سياراتهم بكاسيتات العودة والحوالي.. أصبحو “عشية سبتمبر” يقرؤون للمدرسة الفرانكفونية/المغاربية التي كان أشهر عمالقتها محمد عابد الجابري وعبدالله العروي ومحمد أركون وعبدالمجيد الشرفي وعبدالمجيد الصغير, بالإضافة إلى مشارقة محدودين كانو قريبين من هذا الاتجاه كحسن حنفي وخليل عبدالكريم ونصر حامد أبو زيد وعبدالجواد ياسين وطيب تيزيني وحسين مروة وعلي حرب وبرهان غليون وفراس السواح .. وأضرابهم.

هذه الشريحة من الشباب الإسلامي اصطدمت في مقاعد المدرسة الفرانكفونية/المغاربية بـ “سؤال الحضارة” , وبات من نافل القول أن نشير إلى أن الصدمة كانت قاسية وشرسة جداً, لدرجة إحداث ارتجاجات فكرية وفقدان للتماسك الثقافي لدى كثير من هؤلاء القراء.

هذه الشريحة الشبابية -ذات الخلفية الدعوية الإسلامية- حاولت بادئ الأمر أن تقدم إجابة عن “سؤال الحضارة” ترضي الطرفين فتتلافى الاصطدام بانتمائها العميق الذي يشدها, وتتودد للذوق الفكري الذي تقرأ له بعد أن خضعت لسطوة خطابه, لكنها قبل أن تجيب فكرت كما يفكر خصمها وتبنت منطلقاته.

هذه الشريحة الشبابية لم تستوعب أبداً -حتى هذه اللحظة- أن المدرسة الفرانكفونية/المغاربية أعادت تشكيل منطقها تماماً, وأعادت صياغة نمط تفكيرها وطريقة تعاطيها للأمور, وأسلوب نظرها للوقائع, وتقييمها للأحداث, من خلال امتصاص أدواتها الخاصة للقراءة والتفسير والملاحظة, وإعادة ترتيب الهرم الداخلي للقيم, وإعادة رسم الجدول الذهني للأولويات.

السؤال الذي يملي نفسه في هذا الموضع: مالفرق بين العلمانية العربية ما قبل (1984م) والعلمانية العربية ما بعد (1984م) ؟

فالعام 1984م هو العام الذي احتضن واقعة صدور أول حلقة من سلسلة “نقد العقل العربي” للمفكر المغربي ذائع الصيت محمد عابد الجابري والذي دشن العهد الجديد لتلمود العلمانية العربية التوفيقية, حيث مثلت الحلقات الأربع من هذه السلسلة والتي نشرت تباعاً بعنوان (تكوين العقل العربي, بنية العقل العربي, العقل السياسي العربي, العقل الأخلاقي العربي) الاكتمال المنهجي النهائي لمجموعة الدراسات المبعثرة التي سبقتها كمدونة “نحن والتراث” له.

ولذلك اعتبر بعض المؤرخين الليبراليين أنه إذا كان “الطهطاوي” هو مؤسس تجربة النهضة العربية الأولى, فإن “الجابري” مؤسس تجربة النهضة العربية الثانية, كما يقول ذلك عالم الاجتماع والناشط المعروف سعد الدين إبراهيم.

بل إن أشهر ناقد صارم لمشروع الجابري والذي كاد يذهب شطر عمره في تتبع شواهده ونقوله وما بين فواصله -وهو المفكر العربي المعروف جورج طرابيشي- يعترف ليس بأثر الجابري في مريديه وتلاميذه فهذا حدث تاريخي يتكرر, ولكن بسطوة الجابري المذهلة في أقرانه التي لم يفلت ناقده طرابيشي منها حين قرأ له أول مرة, ونفوذ المفكر في أقرانه ومجايليه استثناء عزيز في مدونة التاريخ, إذ المعاصرة حجاب.

والحقيقة أن وزن الجابري وكونه منعَطَف يكاد يكون محل إجماع بين المعاصرين, وهذا يعني أن تأريخ ظاهرة العلمانية/التوفيقية بالجابري ليس كثيراً بالقياس إلى وزنه وقدرته على اختراق الحواجز الخرسانية التي عانتها الخطابات التي جايلته من كافة التيارات.

أو بمعنى آخر: مالفرق بين مدرسة صادق جلال العظم وزكي نجيب محمود وفؤاد زكريا ومحمد أحمد خلف الله ونظائرهم, وبين مدرسة الجابري وأركون وحسن حنفي ونظائرهم؟

بمعنى ماسر الجاذبية في دراسات العلمانية العربية الحديثة التي خلبت أذهان الشباب الإسلامي وجعلته يقبل بنهم على هذا اللون من الدراسات والأبحاث؟

الحقيقة أن الفرق الأساسي هو التحول من “الاستهداف المباشر للشريعة” إلى “إعادة تفسير التراث” من خلال الأدوات التي تطرحها العلوم الإنسانية الحديثة, أو بشكل آخر القفز من الإشكالية الأنطولوجية إلى الإشكالية الإبستمولوجية.

هذا الفارق هو بالضبط مصدر الجاذبية والإثارة لدى القارئ الإسلامي, وهي اللغة التي يفهمها جيداً,

لقد امتص وتشرب هؤلاء الشباب بصورة ضمنية كثيراً من المفاهيم المشبعة ببنية علمانية مضمرة, أو التي تدفع باتجاه تعزيز التصورات العلمانية, مثل مفهوم: عصر التدوين, والتنصيص السياسي, والعقل المستقيل, والأرثوذكسية الإسلامية, والنص كمنتج ثقافي, وميثية القرآن, وغيرها من أدوات التفكير العلماني.

على أية حال تظل المدرسة الفرانكفونية/المغاربية المعاصرة هي الأكثر تعبيراً عن هذا الشكل من الخطاب, واهتمامها بموضوعيها الرئيسين -إعادة تأويل التراث والتحليل الانثروبولوجي للحركة الإسلامية- كان مصدر الجاذبية والإغراء الذي حقق لها النفاذ إلى أسوار الداخل الإسلامي, ذلك أن الحقول والموضوعات ذات الاهتمام المشترك تمثل دوماً لغة مفهومة ومشتركة, ونقطة تعارف والتقاء, تتحول غالباً إلى حالة تلقٍّ تتحدد بوصلة نفوذها طبقاً لميزان القوى المعرفية, لتنتهي بحالة استعمار ثقافي.

والحقيقة أن لحظة انتقال هذه الشريحة الشبابية بين المدرستين لم تكن مجرد لحظة تفاعل طبيعي مع رافد ثقافي معين, بل شهدت ارتجاجات فكرية مذهلة كانت نتيجة لصدمة انقلاب السؤال المركزي بين المدرستين.

فالسؤال المركزي في مدرسة الفكر الإسلامي كان سؤال “انتصار الإسلام” ويدخل في ذلك سائر ما تم تطويره من “مفاهيم دعوية” تشكل نسيج هذا الفكر: كمفهوم الحل الإسلامي, وتحكيم الشريعة, والتزكية الإيمانية, والعمل الجماعي, وفقه الواقع, والتعدد التنظيمي, والعمل التربوي, وإنكار المنكرات, وتوعية الجاليات, وتفعيل المساجد, والأمن الفكري, وحراسة الفضيلة, والإعلام الإسلامي, وتضميد جراحات المسلمين, وإعداد القوة, ونحوها من المفاهيم الإسلامية وصيغ العلاقات العريقة في هذا الخطاب.

أما السؤال المركزي للمدرسة الفرانكفونية فقد كان “سؤال الحضارة” ومن ثم محاسبة التراث, والإتجاه الإسلامي, والمجتمع العربي, والدولة العربية الحديثة: على أساس الاقتراب والابتعاد عن “النموذج الغربي الحديث”, حيث كان النموذج الغربي الحديث هو المعيار الضمني غير المعلن, وإن كان النص المغاربي في كثير من الأحيان يتظاهر بخلاف ذلك.

هذه الصدمة بخطاب المدرسة الفرانكفونية, وسطوة جهازها المفاهيمي, واكتظاظ لغتها الباذخة, وترسانة شواهدها التراثية, ومايتناثر على جنبات نصوصها من أعلام أوروبية رنانة, وما تحيل إليه من تجربة غربية منتصرة, وما تنطوي عليه بعض فقراتها من هالة الغموض المبهر, وشحنها المستمر والمضمر ضد كل ما هو “لا غربي”: نجحت في اختطاف التفكير المتوازن, وتصديع الانتماء الدعوي, وإخضاع القارئ لمنطلقاتها الضمنية, والاستسلام لزواياها الخاصة في النظر والقراءة وتقييم الأمور, والتفكير في العالم من خلال شبكتها المفاهيمية ذاتها.

مما جعل انتقال هذه الشريحة الشبابية –موضع الدراسة- بين المدرستين ليس انتقالاً خطياً تراكمياً من مدرسة إلى التي تليها, بقدر ماكان استقالة فكرية غير ودية من معسكر سابق وتسجيل لعضوية جديدة في المعسكر المقابل.

أزعم أن الجزء الأكبر من فاتورة الارتباك الفكري لدى هذه الشريحة الشبابية المحلية تتحمله الإجابات الخاطئة عن سؤال الحضارة, والتي كانت نتيجة الاصطدام ببريق الخطاب الفرانكفوني تحت ضغوط الحادي عشر من سبتمبر والتي كان وسطنا الثقافي فيها أشبه بالمسافر اللاهث الذي يتعلق بأقرب حافلة لايهددها قراصنة البيت الأبيض, بغض النظر هل كانت تلك الحافلة ستبلغه غايته أم ستنعطف به إلى غاية أخرى.

ويجب أن نعترف أن نزول الخطاب الإسلامي من “أعواد المنبر” فترة التسعينات إلى “قفص الاتهام” بعد سبتمبر بدد شيئاً من جاذبيته الاجتماعية, وفتح المجال لتسويق خطابات أخرى لاتتكئ على نجاحها الخاص, بقدر ما تتكئ على غياب منافسها العنيد.

وهذا يعني –كما سبق- أن الخطاب الإسلامي المعاصر سيسترد عافيته وموقعه الاجتماعي الريادي بمجرد تجاوز هذه الأزمة والتخلص من الآثار الأمنية الحادة لحادثة سبتمبر, تماماً كما أننا نشاهد الهياج والصخب والإدانات العشوائية كأعراض طبيعية تصاحب الوهلة الأولى للحادث المروري ثم تعود الأمور إلى مجاريها وتكمل المسيرة طريقها بمجرد تجاوز آثار الدهشة الأولية.

وقد علَّمنا التاريخ دوماً أن الكساد المرتبط بظروف سياسية ينتهي بنهايتها, ولذلك فإن الجزيرة العربية التي ارتدت لظروف موت الرسول استعاد الخطاب الإسلامي موقعه فيها مباشرة بعد استقرار الخلافة على يد الصديق.

وعلى أية حال ومهما كانت ظاهرة الغلو المدني ظاهرة مؤقتة بحكم كونها مرتبطة بخلفيات حادث أمني فإننا مع ذلك يجب أن نبادر إلى تحليلها وتفكيك بنيتها الداخلية والإجابة على الأسئلة التي تشغلها وتملأ بها مقالاتها الصحفية وسجالاتها الإلكترونية وتعليقاتها الفضائية, ذلك أننا نفترض أولاً وقبل كل شئ أن ثمة عوامل موضوعية منحت هذه التساؤلات المشبوبة معنى معيناً في لحظةٍ تاريخيةٍ ما, وعليه فلا يجوز أن نعاملها باللامبالاة الباردة.

قانون المتوالية الفكرية:

حين تطالع الكتب المعنية بتأريخ الأفكار والمذاهب والمقالات الفلسفية المنقولة عن سائر الأمم فإنك كثيراً ما تصيبك الدهشة من غرابة بعض الأفكار والمقالات في صورتها النهائية وتناقضها مع بدهياتٍ ظاهرة, فيأخذك التساؤل: كيف وصل أصحابها إلى مثل هذه القناعة الغريبة؟! وكيف غابت عنهم الأمور الواضحة؟!

الواقع أن كثيراً من الأفكار والمقالات الممجوجة في صورتها النهائية, أو المتناقضة مع أبجديات الوحي والعقلانية إنما بدأت بالتزام “مبدأ نظري” معين دون الاستكشاف المسبق لكافة آثاره النهائية ولوازمه ومؤداه, وفي ثنايا سجالات الفرقاء ينجرف صاحب المقالة إلى الالتزام التدريجي لمقتضيات هذا المبدأ بهدف الاحتفاظ بعنصر الاطراد وعدم التناقض, فيتجارى به ذلك حتى يصل إلى مستشنعات ما ظن أنه سيصل إليها يوماً ما, وهو ما يمكن تسميته قانون “المتوالية الفكرية”.

وقد كان الإمام ابن تيمية كثيراً ما يشير إلى هذه الظاهرة العلمية لتطور الأفكار في ثنايا مناقشاته للمقالات الفلسفية كما يعبر مثلاً بدقة بالغة فيقول:

(فاحتاجوا أن يطردوا أصول أقوالهم التي احتجوا بها لتسلم عن النقص والفساد, فوقعوا في أنواع من رد معاني الأخبار الإلهية وتكذيب الأحاديث النبوية) درء التعارض (7/106)

والواقع أن “قانون المتوالية الفكرية” كنموذج تفسيري سيساعدنا كثيرا في فهم تطورات ظاهرة الخطاب المدني وكيف بدأت بإشكاليات تجديدية اجتهادية مشكورة ثم انتهى كثير من كتابها إلى مآلات مؤلمة مذمومة, فجمهور هؤلاء الشباب حين بدأ في قراءة إنتاجات المدرسة الفرانكفونية كان مدفوعاً في البداية بمقصد حسن نبيل وهو تنمية إمكانياته التحليلية وامتلاك الأدوات الفكرية بهدف تعزيز الخطاب الإسلامي ودعم حجيته, ولم يفرغ كثير منهم من ازدراد هذه الأبحاث إلا وقد انقسموا فريقين:

فأما الأول فتيقظ لبطلان الأساس الضمني الذي انبنت عليه هذه الأبحاث وهو غائية الحضارة أو مركزية المدنية, فانبنى على ذلك بطلان أكثر النتائج التي تضمنتها هذه الأبحاث من تبخيس التراث وتوقير الغرب, ومن ثم التنبه للأداتين الأثيرتين في هذه المدرسة لتهشيم التراث وهما أداتي (التسييس والمديونية).

أما أداة “التسييس” فتعني إعادة التفسير السياسي للنظريات الشرعية وتحركات أعلام التراث ومحاولة ربطها بصراعات سياسية تحت شعار الأنسنة, أما أداة “المديونية” فتعني محاولة ربط سائر المفاهيم والأصول الشرعية التي صاغها فقهاء التراث بالثقافات السابقة للإسلام وتصويرها كمجرد اقتراض ثقافي من الثقافة الهرمسية أو الغنوصية أو الفارسية أو اليونانية.

أما الفريق الآخر –وهم الأكثر- فقد استسلم لاشعورياً للأساس الضمني في هذه الأبحاث وهو مركزية المدنية لكنه حاول –بحسن نية أيضاً- أن يذب عن دينه وتراثه وأمته بإثبات أن الوحي والتراث يتضمنان أولوية المدنية والحضارة أصلاً, ومن ثم تحول إلى هاجس التفسير المدني للتراث فأخذ يبحث داخل مضامين الوحي والتراث عن أية مشاهد تتوافق مع المدنية الحديثة, وانساق في نقد كل ما لا يتوافق معها داخل التراث, وأصبح مهموماً بمعاتبة الإسلاميين للظهور بمظهر مدني يتناسب مع الذوق المدني الحديث.

وبطبيعة الحال فمع كل عمليات إعادة التأويل التي مارسها هذا الخطاب على الوحي والتراث بما تتضمنه من استحضار واستبعاد موجَّه لنصوص وأعلام معينين بهدف التوافق مع الصيغة المدنية الحديثة, فإن طبيعة الوحي والتراث في ذاتها تأبَّت على ذلك وبقي المضمون الجوهري للوحي حياً لا يمكن تعتيمه, فمع كل النصوص التي ابتسروها مثلاً عن ابن رشد أو الشاطبي أو ابن خلدون أو ابن حزم أو غيرهم فقد بقيت نصوص هؤلاء ذاتها تنقض النتائج النهائية لهذه المدرسة, فضلاً عن صورة القرون المفضلة, بل فضلاً عن نصوص الوحي ذاتها, وسنحاول إيراد شئ من ذلك في موضع لاحق.

بل لقد أصبحت صورة الخطاب صورة تلفيقية باهتة تعاني في تركيبها الداخلي من هشاشة معرفية عميقة نتيجة كونها تعتمد على الانتقائية والتغييب دون منهجية أو معايير واضحة يمكن التحاكم اليها, بمعنى أنها أصبحت خليطاً من النتائج القابلة لإثبات العكس, فيستطيع خصوم الرؤية الإسلامية إضحاك القارئ عليها بكل بساطة, فالآيات الكثيرة في بيان مركزية الآخرة وذم الدنيا والرفاه, واللغة الغيبية في التعامل مع الظواهر, والمقياس الديني لصيغ العلاقات, وبيان انحطاط الكافر وأنه في منزلة الأنعام والدواب, واعتبار علوم الكفار علوماً ظاهرية, وشكل الحدود الجنائية الصريحة, وغيرها كثير لا تستطيع أن تقاومها كل تعسفات الخطاب المدني في إعادة تفسير التراث.

والمقصود هاهنا الإشارة إلى تطورات هذا الخطاب المدني الجديد وأن أكثر انحرافاته النهائية كانت مضاعفات يجمح بعضها ببعض, مع تفاوتهم فيها تفاوتاً هائلاً.

فبداية كثير من هؤلاء الكتاب –شهادةً لله- كانت بداية حسنة وهي أنهم رأوا أنه لا يمكن نشر رسالتنا الإسلامية وعزة مجتمعنا إلا بالإمكانيات والقدرات الحديثة, ثم تجارى بهم البحث في الحضارة والنهضة والإمكانيات الحديثة حتى جعلوها غاية في حد ذاتها بشكل عملي ضمني, ثم لما رأوا نقد الغرب يحوْل كثيراً بين الشاب وبين الحضارة الغربية ويهز مرجعيتها بالغوا في التماس المعاذير لانحرافات الحضارة الغربية, وتلمسو الأدلة التي توافق ما هم عليه, ثم لما انهمكوا في تكييف الأحكام وفق نتائج الغرب اصطدموا بكثير من المفاهيم الشرعية ذات المنزع الديني/الغيبي كالإيمانيات والشعائر والأحكام الشرعية التفصيلية والتصورات الغيبية ونحوها, فحاول الكثير منهم جعل كل هذه الشرائع مقصودها النهائي أصلاً عمارة الأرض وإقامة الحضارة, وهكذا بدأت هذه المفاهيم الشرعية تتناقص قيمتها في ظل “وسيليتها” المحضة, وتتضخم قيمة المدنية الغربية بحكم تحقيقها للمقصد النهائي وهو الحضارة, ثم تطور الأمر من الانبهار بالحضارة الغربية المعاصرة إلى محاسبة الحركة الإسلامية والقسوة عليها طبقاً للاقتراب والابتعاد عن الحضارة الغربية المعاصرة, ونشأ عن ذلك ظواهر انفصال وانشقاق ترتب عليها الابتعاد عن مقابس الإيمان والتخول بالذكرى، فأخذت جذوة الإيمان تخبو يوماً بعد يوم, وارتخى الانقياد وفقدت العبودية معناها.

ثم تطور الأمر بشكل أكثر سوءاً، وأصبح البعض يلتمس العوائق في مضامين الشريعة ذاتها, حتى وصل بعضهم إلى أن المشكلة في “السنة النبوية” وأنها صرفت الناس عن قضية الحضارة إلى الإغراق في التفاصيل الصغيرة, وهكذا يتسلسل الأمر من سيئ إلى أسوأ.

وكنتيجة مباشرة للمظالم الإنترنتية التي واجهها هؤلاء الكتاب في بدايات كتاباتهم -كنسبة لوازم لم يلتزموها وتضليلهم بها أو ربطهم بجهات خارجية فريةً وبهتاناً- فإن كثيراً منهم قادته مناكفة الخصوم تدريجياً إلى الانقلاب على الرؤية الإسلامية والرغبة الدفينة الملحة في تأكيد المباينة بمناسبة وبلا مناسبة, حتى آل الأمر بكلا الفريقين المتباغيين إلى الاستقواء بأحد جناحي السلطة ضد الفريق الآخر.

والحقيقة أن وقوع بعض المنتسبين للاحتساب في بعض البغي هو مما جرت به سنة التاريخ, وقد أشار إلى ذلك الإمام ابن تيمية في كثير من كتبه, ومنه قوله:

(وكما قد يبغي بعض المستنة إما على بعضهم, وإما على نوع من المبتدعة, بزيادة على ما أمر الله به, وهو الإسراف المذكور في قولهم:ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا) الفتاوى (14/483)

بل وطائفة من هؤلاء يشنع أحياناً فيما ليس معه فيه برهان, بل قد يكون الراجح مع من خالفه, كما قال الامام ابن تيمية في واقعة مشابهة:

(وطائفة ممن يقول بأن النبي “رأى ربه بعينه” يكفرون من خالفهم, لماظنوا أنه قد جاء في ذلك أحاديث صحيحة, كما فعل “أبوالحسن علي بن شكر” فإنه سريع إلى تكفير من يخالفه فيما يدعيه من السنة, وقد يكون مخطئا فيه, إما لاحتجاجه بأحاديث ضعيفة, أو بأحاديث صحيحة لكن لا تدل على مقصوده)الفتاوى 16/433

ولكن العاقل لاينحرف عن الشرع انتقاماً من أخطاء بعض المنتسبين له, فإنه ما ضر إلا نفسه, وإنما كمال الإيمان أن ينظر العاقل في النصيحة ويستغفر لمن أخطأ عليه, ويراجع علاقته بربه فإن كان على صواب مضى وإن كان على خطأ أناب.

ثم إن مما زاد في تأجيج هذا الجموح الشبابي حفاوة كثير من المؤسسات الإعلامية بذلك مدفوعة بتصفية حسابات قديمة مع ما تسميه الإسلام السياسي, ومن يتصور أن المؤسسات الاعلامية مجرد مناخ معرفي بحت فهو يعيش وهماً كبيراً, فالمؤسسات الإعلامية كائنات سياسية لها أجندتها الخاصة وانحيازاتها العميقة, ولكن لها أدواتها الخاصة في الاستقطاب والتوظيف بما يتناغم مع بنيتها مثل: منصب كاتب عمود صحفي, أو مشرف صفحة الرأي, أو مقدم تلفزيوني, أو معد برامج, أو ضيفاً دائماً يوضع تحت اسمه خبير في الجماعات الإسلامية, ونحوها من المناصب الإعلامية التي تخطف لب الشاب في عصر الشاشة.

وبعد هذا العرض الموجز حول السياق التاريخي لهذه الظاهرة سننتقل إلى المناقشة الموضوعية لإشكاليات هذا الخطاب وعلاقتها بأصول الوحي, وسنحاول أن نركز على استعراض “حقائق الوحي” التي أضاعها هذا الخطاب وضمرت فيه وغابت في زحمة جموحه المدني.

وظيفة الإنسان:

ما هي وظيفة الإنسان؟ هذا هو السؤال/المدخل الذي تعود إليه الاختلافات الجوهرية للاتجاهات الفكرية كما سبق أن أشرنا, وهناك اتجاهان رئيسيان في الجواب على هذا السؤال:

أولهما هو “الاتجاه المدني” ويرى أن وظيفة خلق الإنسان هي “العمارة” وكل ماسوى ذلك وسيلة لها, فالوحي والشرائع والعبادات إنما هي وسائل لتحقيق العمارة والحضارة والمدنية, فالعمارة هي الغاية الجوهرية والأولوية الرئيسية للإنسان, وانبنى على ذلك أن اشتغل هذا الخطاب بقضية التمدن وتوجيه كافة المعطيات الأخرى إليها والتسامح في كل ماسواها, ومن ثم تقييم المجتمعات والثقافات والشخصيات بحسب منزلتها في هذه “المدنية” الدنيوية.

و”المدنية” بحسب هذا الاتجاه مفهوم شامل يدخل فيها كل ما يدفع باتجاه تحقيق الرفاه البشري وسعادة الجنس الإنساني في كافة ميادين الحياة الدنيوية, والتقدم في العلوم الفلسفية والإنسانية والطبيعية والفنون, ونحوها.

أما الاتجاه الثاني وهو “الاتجاه الشرعي” فيرى أن وظيفة الإنسان هي “العبودية” بمعنى أن الله خلق الإنسان وأرسل الرسل وأنزل الكتب لتدل الناس على الله وعبادته, وبيان دقائق ما ينبغي له سبحانه وما لا ينبغي في معاملته جل وعلا, وبيان قواعد تنظيم حقوق العباد, وأن كل ما في هذه الدنيا إنما هو متاع ولعب ولهو, فيجب أن يستعان بما يحتاج منها على عبودية الله, وكل ما لم يعن على عبودية الله ولم يؤد إلى هذا الغرض فهو دائر بين مرتبتين لا ثالث لهما: إما محرم يجب الكف عنه، وإما فضول يشرع الزهد فيه.

فالعمارة والحضارة والمدنية مجرد وسيلة لإظهار الدين وإقامة الشعائر والشرائع, فلا يحمد من هذه المدنية إلا ما حقق هذه الغاية, وتتلخص منزلة المدنية بكل اختصار في المبدأ الأصولي الشهير المعروف بـ”بمقدمة الواجب” والذي ينص على أن: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، وعليه فإنه إذا تم بدونه فلا يجب.

وحين تكلم الإمام ابن تيمية عن “وظيفة الدولة” حسب التصور الإسلامي في كتابه “السياسة الشرعية” قدم تلخيصاً هاماً يكشف وسيلية المدنية وكونها مرتبطة بالغاية الدينية, كما يقول الإمام ابن تيمية:

(فالمقصود الواجب بالولايات:

1- إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسراناً مبيناً، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا.

2-إصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم).

و”العبودية” بحسب هذا الاتجاه نظام من الشُّعَب التدريجية الشاملة أعلاها قول لاإله الا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق, فتبتدئ بإفراد الله وتجريد القلب له ويليها الفرائض العينية ثم الفروض الكفائية التي يتحقق بها نفع الناس في مصالحهم العامة.

واذا تزاحمت شعبتان من شعب العبودية فلايقدم مايتعلق بالشأن المدني مطلقاً, بل ثمة قواعد شرعية دقيقة في المفاضلة والموازنة بين مراتب الاهتمامات والأعمال والشؤون العامة, ككون رعاية الفضيلة مقدمة على الحرية الفنية, وتقديم الفرض العيني على الكفائي, وتقديم النفع المتعدي على النفع الخاص, وتقديم الواجب على المندوب, ونحو ذلك.

ولذلك فإن جمهور الأعمال العبادية المحضة تندرج في “الأحكام التكليفية” باعتبارها الصورة النهائية للمراد الإلهي, وجمهور الأعمال المدنية الدنيوية تندرج في “الأحكام الوضعية” كالسبب والعلة والشرط والمانع باعتبارها وسيلة للحكم التكليفي.

ومن ثم ينبني على هذه الرؤية تقييم المجتمعات والثقافات والشخصيات بحسب منزلتها في هذه “العبودية”.

وتفريعاً على اختلاف هذين الاتجاهين في تحديد الوسيلة والغاية انبنت أكثر الفروق الهائلة والتفاصيل اللانهائية من الآثار, واستتبع ذلك تفاوتاً كبيراً في المواقف, فكل قضية فكرية يختلف فيها الناس تجد فريقاً لحظ أثر هذا الموقف على العبودية والفضيلة فاتخذ موقفا معينا, بينما الفريق الآخر لحظ علاقة هذه القضية بالحضارة والمدنية فاتخذ موقفاً مغايراً, فكل فريق معني بغايته ومقصده النهائي.

والحقيقة أن كتاب الله سبحانه وتعالى لم يجعل هذه القضية عائمة أو محتملة أو نسبية, بل حسمها بشكل يقيني واضح صريح وكشف الغاية من خلق الإنسان بلغة حاصرة فقال سبحانه وتعالى:

{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]

وبين سبحانه أنه إنما بدأ خلق الإنسان في هذه الدنيا ثم بعثه بعد موته ليحاسبه على هذه الغاية وهي القيام بالعبودية كما قال سبحانه:

{إِنَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ} [يونس:4]

وفي كثير من المواضع ينبه سبحانه وتعالى بين ثنايا الآيات على أن وظيفة الخلق وغايته إنما هي ابتلاء الناس في هذه العبودية كما قال سبحانه:

{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك:2].

وحسن العمل هذه الآية ونظائرها هو الإيمان والعمل الصالح على حسب درجاته الشرعية, ولو كانت عمارة الأرض بالحضارة والتمدن والعلوم الدنيوية هي المقصود الأولوي بحسن العمل لما أرسل الله الرسل في التاريخ البشري أصلاً, لأن الله سبحانه قد أثبت تميز تلك الأمم أصلاً في عمارة الأرض وعمق علمها بالدنيا, كما قال تعالى عن الأمم السابقة:

{كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} [الروم:9]

وقال عن علمهم المدني:

{يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الروم:7]

وبين سبحانه وتعالى وظيفة النبوات والكتب السماوية والشرائع وأنها كلها تهدف لتأكيد عبادة الله والاستعداد للحياة المستقبلية بعد الموت, وليست المنافسة العالمية في المدنية والحضارة الدنيوية, كما قال تعالى عن وظيفة الرسل:

{ولَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ..الآية} [النحل:36]

وذكر سبحانه السؤال الإلهي عن تحقيق هذه الغاية فقال سبحانه:

{يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا} [الأنعام:130]

وقال سبحانه مبيناً وظيفة الشرائع:

{ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ} [البينة:5]

وغير ذلك كثير من محكمات الوحي التي كشفت بشكل حاسم غاية خلق الإنسان, والذي يعنينا هاهنا ذكر بعض الشواهد لا استقراؤها.

غائية الحضارة في سلم الوحي:

بكل وضوح وصراحة, وبلا مجاملة ولا مداورة ولا التفاف .. “الحضارة” بالمعنى الشائع –والتي هي العلوم المدنية الدنيوية لخلق الرفاه البشري- هي قيمة ذات مرتبة تبعية في الوحي الإلهي, وليست الغاية ولا الأولوية الرئيسية أو القضية المركزية كما نحب أن نتظاهر بذلك, أعلم أن هذا الأمر يزعج الكثيرين, بل ويؤلمهم, لأنهم يريدون بالكثير من حسن النية كسب تعاطف النخب المثقفة تجاه الإسلام, لكن هذه هي الحقيقة.

إننا يجب أن نكسب انتماء الناس إلى الإسلام والقرآن والنبي محمد كما هم في ذاتهم, أي كما كانوا فعلاً لا كما جعلناهم نحن عبر عمليات إعادة التصنيع والتشكيل طبقاً لميول المستهلك, الإسلام في نسخته الحقيقية الصادقة لا الإسلام الذي يميل إلى سماعه المخاطبون, النبي محمد كما عاش فعلاً بين حرَّات طابة لا صورة النبي المصممة للذوق الفرانكفوني.

والشواهد وأوجه الدلالة التي تبرهن أن المدنية الدنيوية ذات قيمة ثانوية باعتبارها مجرد وسيلة لنصرة الإسلام وتحقيق شرائعه تابعة لهذا الهدف, وليست غاية في حد ذاتها أو مجالاً لمنافسة الشعوب والأمم في امتلاك الدنيا, هي شواهد تفوق الحصر.

لقد جاء القرآن بشكل واضح بتأسيس “مركزية الآخرة” في مقابل “مركزية الدنيا”, هذا الأمر واضح في القرآن بشكل يخجلنا أن نورد شواهده, ولكننا كثيراً ما نحب أن نتجاهل ذلك, ونتعسف في قلب هرم الاهتمامات القرآني.

تدفعنا كثيراً محاولة إرضاء الآخرين إلى عرض القرآن باعتبار أن رسالته الأساسية “العمران المادي”! والحقيقة أننا نكذب على القرآن, ونضعه في موقع لم يأت ليضع نفسه فيه.

لا.. أبداً.. لم يأت القرآن بألوية العمارة المادية, بل جاء لعكس ذلك تماماً, جاء ليؤسس مركزية الآخرة في مقابل مركزية الدنيا, جاء القرآن ليحول الدنيا من “غاية” إلى مجرد “وسيلة”.

بل إن بيان القرآن لخطر الدنيا في إضلال الناس عن الله أكثر من بيانه لوجوب عمرانها أصلاً, فالدنيا في التصور القرآني مجرد “وسيلة” خطرة يجب التعامل معها بحذر خوفاً من أن تجرفنا عن الحياة المستقبلية اللانهائية في الدار الآخرة.

إن أبرز مبادئ العقلانية تقديم المصلحة المؤبدة على المصلحة المؤقتة, ولذلك جاء القرآن بالتأكيد على هذه الحقيقة العقلية وتعزيز مقتضاها فقدم سعادة الآخرة الباقية المؤبدة على متعة الدنيا الفانية المؤقتة.

كثير من النخب المثقفة يشعر بالتبرم حين يسمع كلام القرآن في ذم الدنيا, لأنهم يخشون أن ينصرف الناس عن هذه الوسيلة فنبقى مجتمعاً ضعيفاً, وهذا نوع من الاستدراك على الله!

ولذلك كان وسيظل ينبوع الانحراف الثقافي بكل اختصار: الانبهار بالمظاهر المادية من عمران ومدنية وحضارة دنيوية, والزهد في مضامين الوحي من العلوم الإلهية وحقائق الإيمان والغيبيات ومعاملة الله سبحانه تعالى.

كثيراً ما يشير القرآن إلى أن كل ما على هذه البسيطة من موارد وإمكانيات ليس المراد بها رفاه الجنس الإنساني, وإنما المراد بها ابتلاء الناس وامتحانهم هل يؤمنون ويقبلون على الله أم يعرضون عنه؟ كما قال تعالى:

{إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الكهف:7].

وكشف تعالى عن وظيفة المعايش المدنية والتمكين السياسي فقال سبحانه:

{وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [الأعراف:10]

بل ويشير تعالى إلى عظمة هذا التمكين المدني وعمقه فيقول تعالى:

{وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [الأحقاف:26]

فانظر كيف عرض الله سبحانه وتعالى “المعايش المدنية” باعتبارها “نعمة” من الله لابتلاء الناس, لا أنها هي المطلب الشرعي الرئيس, ثم يؤكد تعالى على الغاية الشعائرية والحسبوية من نعمة التمكين السياسي في موضع آخر فيقول سبحانه:

{الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ} [الحج:41]

وحين يعرض الله الصورة الراقية للمؤمن يؤكد أنه ذلك الرجل الذي لا يشغله النشاط الاقتصادي عن الغاية الحقيقية العبادية, وأن الدنيا في يده لاتعظيم لها في قلبه, لأن نظره الحقيقي مربوط بلحظة لقاء الله, فيقول تعالى:

{رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} [النور:37]

وينبه الله تعالى في مواضع كثيرة من الوحي على أن المنزلة والمكانة الحقيقية عند الله ليست بالمظاهر المدنية المادية, ولا بالإمكانيات الاقتصادية والديموغرافية, فقال سبحانه:

{وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى} [سبأ:37]

وما ذلك كله إلا لتفاهة الممتلكات المادية في “ميزان الله” فهل يا ترى ستكون موازيننا تابعة لميزانه سبحانه وتعالى, أم ستكون لنا موازيننا الخاصة؟!

وقد كشف الله في مواضع كثيرة تفاهة هذه المظاهر المادية من وجوه متعددة, فلاتخلوا طائفة من آيات القرآن إلا وفيها التنبيه على حقارة الدنيا وأنها مجرد لعب, ولهو, ومتاع, وزينة, ونحوها من الألقاب, والجامع بين هذه الأوصاف كلها هو كونها “لذة مؤقتة”.

ويكشف الوحي في مواضع متعددة عن قانون الانحراف في التاريخ, حيث يكاد القرآن أن يربط كل مظهر من مظاهر الخلل العقدي والأخلاقي به, ألا وهو “الانبهار بالمظاهر المادية” وتعظيمها وامتلاء القلب بالتعلق بها, وتأمل في واقع الناس اليوم وستجد دقة هذا الناموس القرآني, حيث تكاد أن تجد كل “ضلال فكري” أو “انحراف سلوكي” إنما منشؤه تعظيم الدنيا, كما في قوله تعالى:

{ كَلا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ} [القيامة:20-21]

ولذلك كثرت موازنة القرآن بين المنجز الدنيوي والمنجز الأخروي, كقوله تعالى:

{أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [القصص:61]

ويبين سبحانه أن هناك طريقين: طريق الإنجاز الدنيوي وطريق الإنجاز الأخروي, كما قال تعالى:

{مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا} [الشورى:20]

وفي ثلاث آيات عجيبة من سورة الاسراء شرح سبحانه وتعالى معالم هذين الطريقين, فقال عن طريق الانجاز الدنيوي:

{ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18)}

ثم في الآية التي تليها وضح طريق الانجاز الأخروي فقال سبحانه:

{ وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19)}

ثم في الآية الثالثة عقب على المشهدين كليهما بهذا التعقيب البليغ:

{ كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20)}

وفي لغة حاصرة يبين تعالى أن كل ما في هذه الحياة الدنيا إنما هو متاع وأن الموارد الحقيقية غير الناضبة إنما هي في الآخرة, كما قال تعالى:

{فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الشورى:36]

ويقول تعالى أيضاً:

{وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ} [القصص:60]

وفي موضع آخر يصف الدنيا بأنها لعب ولهو في مقابل الحياة المستقبلية الحقيقية فيقول تعالى:

{وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } [الأنعام:32]

وفي مشهد انتقاص من تلك الشخصيات التي امتلأت قلوبها فرحاً ولهجاً بالمنجزات والممتلكات المادية يقول تعالى:

{وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ} [الرعد:26]

ويشير تعالى إلى أن كل هذه الممتلكات المادية سيودعها أصحابها مع أول خطوة في طريق الحياة المستقبلية فيقول تعالى:

{وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} [الأنعام:94]

ونظائر هذه المعاني في كلام الله وكلام رسوله لايكاد يحصيها العاد, ولاتخفى على مسلم ولله الحمد, وإنما أردنا الإشارة إلى شواهد من معانيها الكلية والقدر المشترك الذي تواردت عليه, أما أعيان أدلتها فلا سبيل إلى استيعابها أصلاً.

موقف النبوات من الحضارات:

أرشيف التاريخ البشري حافل بالكثير من التجارب الحضارية والمدنية بحسب سياقها التاريخي, فالمدنية لا تقاس بما بعدها من تطورات بل بظرفها التاريخي والإطار المعرفي الحاكم للحظتها الزمنية, فالإبداع المدني حكم نسبي يكتسب وزنه من حجم المسافة التي يقطعها في لحظة تاريخيةٍ ما, وسواء كانت قراءتنا لتاريخ الحضارات قراءة خطية أم قراءة قطائعية فإنه سيظل السابق شرطاً للوجود التاريخي للاحق بشكل يكشفه التسلسل التراتبي للأسئلة وإجاباتها.

وبهذا الاعتبار فإن المؤرخين الموسوعيين سجلوا لحظات التراكم المدني في الحضارات السابقة, كالحضارة السومرية والإغريقية والرومانية والمصرية والفارسية والهندية والصينية وانتهاء بالحضارة الغربية الحديثة, ورصدوا ما فيها من الفلسفة والمنطق والفنون والعمارة والنقوش وغيرها.

ولا زالت بعض آثار تلك الحضارات وعجائبها شاخصة اليوم في المتاحف العالمية والمشاهد السياحية, بل إن بعض نظرياتها تدرس إلى اليوم في العلوم الحديثة أو هي كالمسلمات التحتية لنظريات أخرى, ولذلك لا تكاد تجد علماً من العلوم المعاصرة إلا ويدرس في المدخل إليه جذوره في الحضارات السابقة, وفتوحه الجوهرية التي أفضت إلى تطوره الحديث, ولا سيما الربط بالحضارة اليونانية لتميزها العقلي من جهة وللانحيازات الغربية إليها من جهة أخرى.

وفي الواقع أن بعض الشباب المسلم لازال يتساءل بحرقة: ما الموقف الشرعي المنشود إزاء الحضارة المعاصرة؟ وما الجواب الحاسم تجاه هذه الإشكالية؟

والحقيقة أن من تأمل وتدبر صادقاً متجرداً تعامل الأنبياء مع المنجزات الحضارية ومخزون العلوم والفنون المدنية في عصورهم انكشف له منهج التعامل الذي يرضاه الله سبحانه وتعالى لنا في موقفنا تجاه الحضارة المعاصرة, وهذا الموضع تسكب عنده العبرات, وهو كافٍ بذاته للدلالة على المقصود, ويغني عن كل تفاصيل هذه المقالة برمتها.

فالنبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس وفي عصره أربع إمبراطوريات اقتسمت العالم: الرومانية والفارسية والهندية والصينية, فالأولى امتدت لأوروبا والثانية حاضرة في الشرق الأدنى, والأخريان شبه معزولتين, وكانت معاهد العلوم فيها شامخة, فضلاً عن مخزون حضاري متراكم من الحضارة الإغريقية والمصرية.

بل إن العلوم المدنية قبيل مبعثه صلى الله عليه وسلم بلغت شأواً عالياً في دقائق المعقولات كقوانين العقل الجوهرية كقانون الهوية والتناقض والثالث المرفوع, ونظرية الدولة وتقسيم أشكال اسناد السلطة, ودقائق الهندسة وحساب الدوال الرياضية, وفنون العمارة والمسرح والشعر والأدب, وأصول الطب, والمسافات الفلكية, وغيرها كثير وإنما هذه نماذج تكشف مستويات البحث المدني.

ومع ذلك كله فإن الله سبحانه وتعالى لما بعث نبيه في جزيرة العرب لم يبعثه ليقول للناس: يا معشر العرب أنتم تعانون من التخلف المدني ويجب عليكم أن تتجاوزوا جفوة عروبتكم وتتعلموا من الأمم المتقدمة, ولم يقل لهم: يجب عليكم أولاً أن تقفوا موقف التلميذ أمام علوم المنطق والطب والفلك والفلسفة ونحوها ثم تدعوا الناس, ولم يقل لهم: اعرفوا قدر أنفسكم أمام الحضارات الأخرى, ولم يقل لهم: يجب أن تشاركوا الأسرة الدولية في سعادة الجنس الإنساني عبر الإبداع الابستمولوجي!

بل إن الله أخبر نبيه بعكس ذلك تماماً, فقد أخبر نبيه عن القيمة المنحطة في ميزان الله لكل تلك المدنيات التي عاصرت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم, ووصفها القرآن بالضلال بكل ماتضمنته قوتهم وعلومهم وفنونهم ومدنيتهم, بل وأخبرنا تعالى أنه يبغضهم ويمقتهم ويكرههم سبحانه وتعالى, سواء كانوا أدباء العرب, أم فلاسفة أثينا, أم أطباء الصين, أم حكماء الهند, أم غيرهم.

كما روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث عياض المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته:

« إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم, عربهم وعجمهم, إلا بقايا من أهل الكتاب, وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلى بك »

فمع كل مايوجد على هذه الأرض من العلوم المدنية والفلاسفة والأدباء فإنهم لا وزن لهم في ميزان الله سبحانه وتعالى سواء في ذلك عربهم وعجمهم, ولم يستثن إلا طائفة قليلة من الناس بسبب ما كان لديهم من بقايا النبوات وبعض من أثارة الوحي, فبقايا النبوات وما تضمنته من العلوم والمعارف الإلهية هي نوافذ التنوير الحقيقي في الأرض, وليس التنوير هو الإغراق الفلسفي والمدني, وشاهدُ هذه الخطبة النبوية في كتاب الله قوله تعالى:

{كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} [إبراهيم:1]

فحَكم الله تعالى على كل البشرية قبيل مبعثه صلى الله عليه وسلم بأنها في “ظلمات” وأن التنوير الذي تحتاجه هو “نور الوحي” كما يقول تعالى في موضع آخر:

{هُوَ الَّذِي يُنزلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ} [الحديد:9]

وأكد تعالى في موضع آخر أن التوير الحقيقي هو نور الوحي كما قال تعالى:

{ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِهِ} [المائدة:16]

وسيبقى من أعرض عن هذا الوحي مرتكساً في ظلماته مهما أوتي من العلوم المدنية, كما قال تعالى:

{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ} [الأنعام:39]

والى هذا التنوير المستمد من الوحي أشار الامام ابن تيمية في قوله:

(وعند المسلمين من “العلوم الإلهية” الموروثة عن خاتم المرسلين ماملأ العالم نورا وهدى) الفتاوى 2/84

فتأمل في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم السابقة كيف نفخ في أصحابه الشموخ بـ”العلوم الإلهية” فوق المدنيات الصغيرة بالنسبة لجلال المعرفة الإلهية, ونبه أصحابه إلى التنوير الحقيقي وهو نور الوحي, وربى أصحابه على أن تلك المجتمعات المتمدنة يحتاجونكم أضعاف ما تحتاجونهم, فهم إنما يملكون الوسائل وأنتم تعرفون الغايات, وشتان بين منزلة الوسيلة والغاية.

بل إن من طالع موسوعة “المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام” للمؤرخ العراقي الشهير جواد علي(1987م) والتي صنفها في زهاء عشرة مجلدات, ورأى ما كان في الجزيرة العربية من ألوان الآداب والفنون والحكمة العقلية ثم قارنها بتقييم القرآن لهذه “الحالة العربية” قبل البعثة فسيعلم يقيناً منزلة مظاهر الدنيا وعلومها وفنونها ومدنيتها في ميزان الله, فمع كل ما كشفته تلك الموسوعة التاريخية المذهلة من إبداع عقلي وأدبي عند العرب فإن الله سبحانه وتعالى يصف الواقع العربي بالضلال المبين كما يقول تعالى:

{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الجمعة:2]

يصفهم بذلك برغم أن فيهم الأدباء والشعراء والخطباء والفروسية وأخلاقيات المروءة وكرم الضيافة, بل كان فيهم حكماء تناقل الناس حكمتهم إلى يومنا هذا كقس بن ساعدة وأكثم بن صيفي وغيرهم.

بل إن ما يراه العرب قامة الإبداع الفني وصاحب أهم الروائع الأدبية يصفه صلى الله عليه وسلم بقوله:

« امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار » خرجه أحمد من حديث أبي هريرة.

وهذا الانتقاص والاستعلاء الشرعي على المنجزات الحضارية والفنية قبيل مبعثه صلى الله عليه وسلم ليس ذماً لتلك المنجزات لذاتها, وإنما لأن أصحابها لم يتزكوا ويتنوروا بالوحي والعلوم الإلهية, فلم يصلوا إلى الرقي والسمو الحقيقي وهو مرتبة العبودية, وإنما بقوا في حضيض المنافسة الدنيوية.

فيالله العجب.. ما أتفه علوم الدنيا وقوتها في ميزان الله سبحانه وتعالى بالنسبة لمضامين الوحي.

والحقيقة أن هذا الموقف النبوي من أدق ما يبين أن الانتفاع بما لدى الغير لا يقتضي الانبهار بهم, وأن الذم لواقعهم لا يتعارض مع الاستفادة من الحكمة التي هي ضالة المؤمن, وسنحاول إيضاح ذلك في فقرة لاحقة.

والمقصود هاهنا أن من تأمل هذا الموضع ونظائره انكشف له منهج التعامل الذي يحبه الله ويريده من المسلم إزاء الحضارات الأخرى, وهذا المنهج بكل اختصار هو: أن ينتفع بما لديها مما يعزز غايته كما انتفع النبي وأصحابه, لكن لا يقع في تعظيمها والانبهار بها مع ضلالها عن الإسلام بل يعي تخلفها وانحطاطها وظلاميتها كما وعى ذلك النبي وأصحابه, وحاجتها للتنوير الحقيقي الذي لا يكون إلا بانشراح الصدر بهذا الإسلام كما قال تعالى:

{أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ للإسلام فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} [الزمر:22]

بل إنه لاتخلو أمة من الأمم التي بعث الله إليها رسله من الإبداع الدنيوي في أحد فنون المدنية, ومع ذلك كله فقد بعث الله الأنبياء ليخرجوهم من الظلمات إلى النور, والقارئ للحظات النبوات في القرآن يشاهد دوماً كيف أن القرآن يصور الأمم بأنهم في الضلال والظلمات والانحطاط برغم قوتهم وإمكانياتهم ومظاهر المادية التي بيدهم, ويؤكد أنبياؤهم لهم حاجتهم إلى أنوار الوحي.

ومن دقق النظر في لحظات ومشاهد بعث الرسل والأنبياء إلى الأمم فإنه سيتضح له لازم خطير يلزم الرؤية التي أخذ بها غلاة الخطاب المدني, فإذا كانت “المدنية المادية” هي الأولوية الراقية فإن هذا يلزم عليه أن الله سبحانه وتعالى أرسل الرسل والأنبياء بالقضايا الهامشية والثانوية ولم يرسلهم بالشؤون العظيمة! فأي إزراء بالرسل أكثر من ذلك؟!

والواقع أنه إذا كان أحكم الحاكمين إنما اصطفى هؤلاء الرسل والأنبياء وفضلهم على العالمين وجعلهم نماذج السمو والشرف فوق الإنسانية جمعاء فإن هذا يقتضي أنه أرسلهم بأهم المطالب, وأن أهم المطالب إنما تستخلص من مشروعاتهم التغييرية.

وهذا اللازم الخطير يتفاوت غلاة المدنية في موقفهم تجاهه, فبعضهم لايتفطن له أصلاً, وهذا كثير في من يطلق أقوالاً لايتفطن للوازمها, وقد أشار المحققون إلى كثير من ذلك, كما قال الإمام ابن تيمية:

(الشعور مراتب, وقد يشعر الإنسان بالشيء ولا يشعر بغالب لوازمه, ثم قد يشعر ببعض اللوازم دون بعض) درء التعارض 10/121

وبعضهم قد يتفطن لهذا اللازم لكنه يتأوله ويحاول أن يجد له المخارج, كما قال الإمام ابن تيمية:

(يجوز أن يلزم قوله لوازم لا يتفطن للزومها, ولو تفطن لكان إما أن يلتزمها, أو لا يلتزمها بل يرجع عن الملزوم, أو لا يرجع عنه ويعتقد أنها غير لوازم) الفتاوى 35/288

فبعضهم إذا تفطن لهذا اللازم يتأوله فيقول إن الأنبياء “حالة خاصة” لايجوز القياس عليها, أو أن الأنبياء مسددون من الله بخلافنا نحن, أو أن الأنبياء لهم ظروفهم التاريخية ونحو هذه التسويغات, فهذا يسد باب الاقتداء من أصله, ويلغي وظيفة النبوة أصلاً, بل مؤداه أنه لامعنى لقراءة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ولاثمرة من تتبع أحواله, مع أن الله تعالى يقول عن الأنبياء:

{أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام:90]

وبعض غلاة المدنية يتفطن لهذا اللازم ويلتزمه –نسأل الله العافية- فيشير في ثنايا عباراته إلى أن البشرية لم تأت بشئ قبل هذه الحضارة المعاصرة, وأن الناس كانوا في ظلام وتخلف وانحطاط وهمجية وأساطير قبل هذا النموذج الإنساني الفريد, وأن المصلحين قبل هذه المعجزة الحضارية المعاصرة لم ينجحوا في صناعة الحياة الراقية المستنيرة كما نشاهد اليوم.

ومن تأمل أمثال هذه المقالات والأفكار تأكد له أن “الغلو المدني ينبوع الانحراف الثقافي”, وأن المغالاة في قضية الحضارة المادية هي المسؤول الأول عن هذا الخلل الكارثي.

الافتتان بالقوة المادية لخصوم الرسل:

كاد أن يكون جوهر الصراع القرآني أساساً بين “المظاهر المادية” و “المبدأ الديني” أو ما يسميه القرآن الدنيا/الآخرة, ومن أشد مايفتن الناس عن حقائق الوحي أنه يغلب على الرسل وأتباعهم من العاملين للدين المشغوفين بتبليغ هذا الوحي أنهم لا يملكون مظاهر القوة المادية الباذخة التي يتمتع بالاستحواذ على مفاصلها غير المسلمين.

وهذا “قانون تاريخي” وسنة كونية متكررة لاينتهي العجب من تأمل أرشيفها الطاعن في العمر, فجمهور المبلغين عن الله منذ فجر النبوات وحتى لحظة العمل الإسلامي المعاصر يواجهون دوماً “قوى مادية” تفوقهم وتفتن الناس عن اتباع الوحي الذي معهم, إذ لو كان الأنبياء وأتباعهم يتمتعون بالموارد المادية والميزانيات الضخمة لما تخلف عن مساجدهم فرد واحد.

تأمل في تجارب الأنبياء وما انطوت عليه من الخبرات الدعوية ستجدها تكاد أن تكون جميعاً تمثالاً ناطقاً للصراع بين داعي “الوحي الإلهي” و فتنة “القوة المادية”, وستجد افتتان الناس بالقوة المادية يخلب ألبابهم ويعشي أبصارهم ويصرفهم عن الانصياع والاستسلام للوحي, وستجد العاملين للدين يعانون الأمرَّين من افتتان الناس بالمظاهر المادية.

فالرسول الأول نوح عليه السلام قال له قومه بكل صراحة مادية:

{وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ, وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} [هود:27]

واستمر هذا الاحساس حاضراً في مشاعرهم تجاه المؤمنين بالوحي حتى تحولت عندهم إلى حجة وبرهان يتعللون به كما قال تعالى عنهم في سورة الشعراء:

{قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ} [الشعراء:111]

وما إن أقلعت السماء وغيض الماء وطوى النسيان أجيال نوح إلا وكانت “عاد الأولى” قد استلمت زمام الخلافة في الأرض كما قال تعالى عنهم:

{وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف:69]

فعمروا جنوب الجزيرة العربية في منطقة الأحقاف وإرم, وكانوا يتمتعون بقوة مادية مذهلة فكانت لهم بنية جسدية استثنائية, وكثافة سكانية, مكنتهم من الترف المعيشي وفنون العمارة, والانفراد بالجبروت العسكري على العالم, وهذه القوة المادية ورطتهم في الغرور وصرفتهم عن الإيمان بلقاء الله والاستسلام للوحي, كما يحكي تعالى عن قوتهم الجسدية في سورة الأعراف:

{وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ, وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً} [الأعراف:69]

ويؤكد تعالى بنيتهم الجسدية الاستثنائية في سورة الفجر:

{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ, إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ, الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ} [6-8]

ويصف القرآن قصورهم ومنشآتهم الضخمة وبطشهم العسكري في سورة الشعراء فيقول سبحانه:

{أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ, وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ, وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [128-130]

هذه المظاهر المادية حجبت عيونهم بعصابة الزهو, حتى تساءلوا أمام نبي الله ذلك السؤال المنتفش بالغرور المجوف فقالوا بكل غطرسة سياسية: “من أشد منا قوة؟”

كما حكى الله سبحانه مقالتهم هذه:

{فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ , وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً؟} [فصلت:15]

بالله عليك.. أعد التأمل في تساؤلهم المغرور “من أشد منا قوة؟”

ثم انظر إلى جواب جبار السموات والأرض بعظمته الإلهية إذ يرد عليهم قائلاً سبحانه:

{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً!}

إمكانياتهم المادية طاشت بهم فوق طواويس الغرور, فألقو رزانة الإيمان وكذبوا بلقاء الله بكل بجاحة, وقالوا مستهترين:

{أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ , هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} [المؤمنون:35-36]

وكانت “الطبقة المترفة” في قوم عاد –كما هو قانون التاريخ- أشد المعارضين لدعوة الوحي, كما قال تعالى عنهم في سورة المؤمنون:

{وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} [المؤمنون:33]

ولم تغرب شمس عاد في كارثة أعاصيرها المعروفة التي دامت أسبوعاً إلا وكانت حضارة المدائن في الحجر شمال الجزيرة العربية قد بزغت وأعادت مسلسل الغرور بمظاهر القوة المدنية المادية.

فقد تمتعت ثمود أيضاً بالخلافة في الأرض بعد قوم عاد, وأوغلوا هم أيضاً في فنون النحت والعمارة, وبعض آثارهم الباقية اليوم شاهدة بما غاب من مدنيتهم, وقد قال تعالى عن خلافتهم وقصورهم:

{وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ, وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا, وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا} [الأعراف:74]

وقال تعالى في سورة الشعراء واصفاً رفاههم ونحتهم:

{أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ, فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ, وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ, وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} [الشعراء:146-149]

وكان إبداعهم في نحت الجبال يوفر لهم استقراراً أمنياً كما أشار تعالى في سورة الحجر بقوله:

{وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ} [الحجر:82]

وقال تعالى مشيراً إلى عمارتهم للدنيا:

{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود:61]

فغرتهم إمكانياتهم المادية, وتفوقهم المدني على مجايليهم, ونظروا بمعيار المظاهر, فجحدوا الوحي الذي أتى به نبي الله صالح عليه السلام, واستنكروا أصلاً أن يختص من لم يتميز بمظهر مادي بالوحي والنبوة, كما قال تعالى في سورة القمر:

{كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ, فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ, أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} [القمر:23-25]

ولكن.. وكما هي السنة الكونية وقانون التاريخ, فقد كان المتبنون لمضايقة نبي الله صالح هم الكبراء وأصحاب المظاهر المادية, وكان أنصاره ضعفاء الناس, كما ينقل الله لنا هذا الحوار في سورة الأعراف:

{قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ, قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون} [الأعراف:75-76]

وبمناسبة الحديث عن الامكانيات المادية لعاد وثمود أتذكر ملاحظة مبدعة لعلامة التأريخ “ابن خلدون” ذكرها في مقدمته حيث يقول:

(مباني الدولة وهياكلها العظيمة إنما تكون على نسبة قوة الدولة في أصلها، لأنها لا تتم إلا بكثرة الفعلة واجتماع الأيدي على العمل والتعاون فيه, فإذا كانت الدولة عظيمة فسيحة الجوانب, كثيرة الممالك والرعايا، كان الفعلة كثيرين جداً, وحشروا من آفاق الدولة وأقطارها، فتم العمل على أعظم هياكله, ألا ترى إلى مصانع قوم عاد وثمود, وما قصه القرآن عنهما, وانظر بالمشاهدة إيوان كسرى وما اقتدر فيه الفرس, حتى إنه عزم الرشيد على هدمه وتخريبه فتكاءد عنه، وشرع فيه ثم أدركه العجز، فانظر كيف تقتدر دولة على بناء لا تستطيع أخرى على هدمه, مع بون ما بين الهدم والبناء في السهولة)

على أية حال.. ما إن نعق غراب الجزيرة العربية فوق خرائب عاد وثمود بكل مظاهر قوتيهما, إلا وكان نبي الله موسى بين أهرام مصر يواجه هذه المرة “الحضارة الفرعونية” بكامل وزنها التاريخي وإمكانياتها الإمبراطورية, ليتكرر من جديد مسلسل طغيان القوة المدنية وغرورها أمام الوحي.

تربع فرعون فوق “المكتب البيضاوي” لإدارة العالم كما صور ذلك الداخل الملكي بقوله تعالى في سورة غافر:

{يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ} [غافر:29]

وتباهى فرعون عالياً بإمكانياته السياسية كما قال تعالى عنه في سورة الزخرف:

{وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} [الزخرف:51]

ولاينقضي العجب من عمق فهم نبي الله موسى وملاحظته كيف فتنت الحضارة الفرعونية وقوتها المدنية الناس, وكيف صرفتهم عن الاستسلام للوحي تلك المقاييس المادية المركوزة في النفوس البشرية, فيعبر كليم الله موسى عن هذا القانون التاريخي لأعظم تحدٍّ يواجه الدعوات كما في قوله تعالى:

{وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ} [يونس:88]

وحين أرسل الله موسى إلى المجتمع المصري المتقدم لم يقل له أيقظ قومك ليستفيدوا من الحضارة المصرية, بل أرسله لينورهم بالوحي من ظلمات حضارتهم, كما قال تعالى:

{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ} [إبراهيم:5]

بل إن الله سبحانه وتعالى -طبقاً لميزانه سبحانه- فضل بني اسرائيل بما معهم من العلوم الإلهية على الفراعنة بما معهم من الحضارة, كما قال تعالى:

{ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلنهم على العالمين} [الجاثية:16]

فاذا تأمل القارئ هذا الموضع وكيف كان سبب تفضيل بني إسرائيل أنوار النبوة والكتاب, وكيف لم تفلح حضارة الفراعنة في إخراجهم من الظلمات, استبان له “الميزان الإلهي” لتقييم المجتمعات والثقافات والشخصيات والحضارات والمدنيات, وميزان المسلم تبع لميزان الله جل وعلا.

ولم يكن الحال جديداً بالنسبة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد كان الجاحدون لنبوته والوحي الذي معه يتعلقون في الإعراض عنه بضعفه المادي, وأنه لا يتمتع بمظاهر القوة والرفاه كما يتمتع بها بعض اللامعين في منطقة الحجاز, ورأوا أنه لا يليق الخضوع لنبي إلا إن كان من أشراف الطبقة الارستقراطية في عاصمتي الحجاز وهما مكة والطائف كما قال تعالى عنهم في سورة الزخرف:

{وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31]

يعنون بالرجلين الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي.

وبكل صراحة ووضوح واجهوه بأنه لا يملك “ثروة مادية” يستحق بها أن يتبعوه كما ساق تعالى احتجاجهم في سورة الفرقان بقولهم:

{أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ , أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا} [الفرقان:8]

وبعد هذه الآية مباشرة يعقب سبحانه وتعالى على هذا الاحتجاج المادي الرخيص بكونه لايعجزه سبحانه ذلك ولكنه أراد اختبارهم وامتحانهم فقال سبحانه وتعالى:

{تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا} [الفرقان:10]

ولكن الله سبحانه وتعالى في موضع آخر من القرآن ينبه نبيه ويحذره أن لا يفتتن بتعلقهم بالماديات, ويعيد تذكير نبيه بالقانون التاريخي للدعوات وهو الصراع بين الوحي والمادة, وتحدي الإيمان للمظاهر المدنية, كما قال سبحانه في سورة هود:

{فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ} [هود:12]

بل ولقن الله سبحانه نبيه محمداً أن يقول لقريش بكل صراحة ووضوح أنه لايملك القوة المادية والكنوز والخزائن التي هي معيارهم ومقياسهم, وإنما هو داعية إلى الوحي, كما قال تعالى لنبيه:

{قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ, وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ, وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ, إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأنعام:50]

فانظر كيف فتنوا عن اتباع النبي بكونه لايملك مظاهر مادية يستحق بها الخضوع, بل انظر ما هو أعجب من ذلك وهو أن يكون هذا هو جوهر الاختبار الإلهي لهم وهو الانخلاع من التعلق بالماديات والانصياع للوحي, ولذلك نبه الله نبيه ألا يضيق صدره ببعض الوحي نتيجة كونه لا يملك المظاهر المادية التي هي معيارهم في الانقياد, وأن الله سبحانه لن يجيبهم إلى ما طلبوا فيما وضعوه من مقاييس مادية للاتباع, فإما أن يختاروا طريق الوحي أو طريق المادة!

والحقيقة أن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان يتربع على عرش القوة والإمكانيات لما تخلف من خصومه أحد, لا للحق الأخروي الذي معه ولكن للقوة الدنيوية التي بيديه, وأي معنى لاختبار وامتحان وابتلاء في اتباع القوي المسيطر؟

ولذلك لما كان نبي الله سليمان عليه السلام “ملكاً” في الأرض بيده كل أدوات النفوذ لم يتخلف عن الإيمان به أحد لا من الجن ولا من الانس بل كانوا طوع إشارته وأمره, ولذلك لما تلكأت بلقيس ملكة سبأ في الخضوع وأرادت أن تصانعه بالهدايا الضخمة في قولها:

{وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل:35]

هددها نبي الله سليمان بتسيير ألوية الجيوش الجرارة كما يقول عليه السلام:

{ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُم بِهَا} [النمل:37]

فجاءته وقد خلبتها الدهشة من روعة المنشآت الزجاجية التي رأتها فاستسلمت لنبي الله كما يحكي الله سبحانه وتعالى:

{قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل:44]

هذا القانون التاريخي للرسالات السماوية -وهو افتتان الناس بالمظاهر المادية لخصوم الرسل- يعرفه كل من شدا طرفاً من “تاريخ النبوات”, فدعاة الوحي غالباً في ضعف مادي وليس في صفهم إلا ضعفاء الناس, بينما اللامعون والكبراء وأصحاب النفوذ يضايقونهم.

ولذلك لما كان هرقل مطلعاً على “تاريخ النبوات” سأل سؤالاً ذا دلالة بليغة وعقب عليه بتعليق أذكى وأدهى, فكما في الصحيحين أن هرقل قال لأبي سفيان:

(وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه, وهم أتباع الرسل)

دلالة جدلية المدنية/الخيرية:

القارئ للتاريخ الإسلامي المبكر يلاحظ أن “البعد المدني” بدأ في التصاعد حتى بلغ ذروته في أواسط تاريخ الإسلام, فعصر النبي صلى الله عليه وسلم كان عصراً يتميز بالبساطة والمحدودية المدنية, وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقلق على أصحابه أن يكون فارق الإمكانيات المادية بين المجتمع المسلم والكافر مثار شبهة على إيمانهم, وفي تلك القصة التي نقلها عمر بن الخطاب عن الأثاث الداخلي لبيت النبي صلى الله عليه وسلم وموقف عمر منه ورد فعل النبي صلى الله عليه وسلم تجاه ذلك دلالات بليغة في رسم المشهد, حيث روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عمر بن الخطاب أنه قال:

(رفعت رأسي في بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر إلا أُهباً ثلاثة, فلما رأيت أثر الحصير في جنبه قلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله, فاستوى النبي جالسا ثم قال: « أفي شك أنت يا بن الخطاب؟! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا »)

وما إن انتهى عصر النبوة وبدأ عصر الخلافة الراشدة إلا وفتحت الفتوح ومصرت الأمصار وانهالت الأموال وازداد تنظيم الدولة الإسلامية واستحداث الأجهزة الادارية كالدواوين والعشور والعطاء ونحوها.

وبعد عصر الخلافة الراشدة وتدشين الملك الأموي والملك العباسي انفجرت المعارف والعلوم العقلية والفلسفية والتجريبية, وازدهرت حركة الترجمة وبنيت لها المعاهد المتخصصة, وتنافست المؤسسات السياسية في اقتناء الكتب وعقد مجالس العلوم والمناظرات وتقريب المبدعين, وصنفت الموسوعات الكبرى في شتى الفنون والتي لا زالت مرجعاً إلى اليوم.

وهكذا فإن القارئ لتاريخ الإسلام المبكر يلاحظ كيف كان التقدم المدني يزداد مع تقدم التاريخ, فالملك العباسي أكثر تمدناً مادياً من الملك الأموي, والملك الأموي أكثر تمدناً مادياً من عصر الخلافة الراشدة, وعصر الخلافة الراشدة أكثر تمدناً مادياً من عصر النبوة.

فإذا جئنا نقارن هذه الصورة المتنامية في قيمتها المدنية -بحسب الواقع التاريخي- بالقيمة الدينية -بحسب الميزان الشرعي- وجدنا أن هذه المعادلة التاريخية بعكس الميزان الشرعي تماماً, فهناك تناقض جدلي بين معدل المدنية ومعدل الخيرية, فبينما الخط البياني لمنسوب المدنية يتصاعد فإن الخط البياني لمنسوب الخيرية يتناقص.

وتراجع الخيرية كمعطى يدخل في “محكمات الشريعة” حيث ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ثبوتاً قطعياً لايتطرق اليه الظن وليس من مسائل الاجتهاد, فقد ذكر غير وحد من أئمة المتخصصين في فن الحديث –كابن حجر والسيوطي وغيرهم- أن حديث “خير الناس قرني” حديث متواتر, حيث رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر صحابياً وتناقله عن كل منهم جمع, وقد نص على ذلك المتأخرون الذين أفردوا أعيان الأحاديث المتواترة بتصنيف خاص, وقد خرج جملة من مرويات هذا الحديث البخاري ومسلم, بل أصول دواوين السنة كلها قد خرجت طرفاً من هذه الأحاديث, ومن ذلك مارواه الشيخان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

« خيرُ أُمتي القرنُ الذي بعثتُ فيه، ثم الذين يَلونهم، ثم الذين يَلونهم »

وفي الصحيح أيضاً عن عائشة قالت : سأل رجل النبيَّ: أيُّ الناس خير؟ فقال صلى الله عليه وسلم:

« القرنُ الذي أنا فيه، ثم الثاني، ثم الثالث »

وهذا المعنى الدال على تراجع الخيرية في تلك المرحلة التاريخية ليس متوقفاً أصلاً على هذا الحديث المتواتر, بل هو قدر مشترك بين شواهد شرعية كثيرة ومستفيضة, كما روى البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً).

ومن ذلك أيضاً ماروى مسلم في صحيحه عن أبي بردة عن أبيه قال:

صلينا المغرب مع رسول الله ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء, قال: فجلسنا فخرج علينا فقال (ما زلتم هاهنا؟) قلنا: يارسول الله صلينا معك المغرب ثم قلنا نجلس حتى نصلي معك العشاء, قال:(أحسنتم أو أصبتم) قال: فرفع رأسه إلى السماء وكان كثيرا مما يرفع رأسه إلى السماء فقال: (النجوم أمنة للسماء, فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد, وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون, وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون)

فجعل النبي صلى الله عليه وسلم لحظة وجوده صمام أمان للمجتمع ينقص المجتمع بفقده, وجعل الصحابة من بعده صمام أمان للتابعين فإذا ذهب الصحابة نقص المجتمع بفقدهم, وشبه ذلك كله بكون بقاء النجوم أمان للسماء فإذا انكدرت النجوم كما يكون ذلك في الانقلابات الكونية الكبرى التي تسبق القيامة فإن السماء تكون قد انفطرت وانشقت كما جاء في سورة التكوير والانفطار والانشقاق وغيرها.

وقد كشف النبي صلى الله عليه وسلم الأثر الذي تورثه هذه القرون المفضلة في البركة والنصر والظفر على حسب فضلها, كما روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري وجابر وغيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

(يأتي على الناس زمان يغزو فئام من الناس, فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون نعم, فيفتح لهم به, ثم يغزو فئام من الناس, فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون نعم, فيفتح لهم به, ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: نعم فيفتح لهم به)

ولولا أن لتلك القرون مزيةً وفضلاً في نفسها لما كان مجرد الانتساب إليها سبباً في البركة وتحقيق النصر.

والشاهد من ذلك كله أن البرهان التاريخي قد أثبت لنا أن المدنية تتصاعد, والبرهان الشرعي قد أثبت لنا أن الخيرية تتناقص, وهذه المعادلة الدقيقة من أعظم البراهين على أن الحضارة والمدنية المادية ليست هي المقياس الإلهي لقيمة المجتمعات والأمم, إذ لو كانت الحضارة -بمعناها الشائع- هي المقصد الأساسي للشريعة لكان العصر العباسي الذي ازدهرت فيه العلوم العقلية والتجريبية أفضل من عصر الصحابة, ولكان عصر الصحابة الذي توسعت فيه الدولة ونظمها خير من عصر النبوة التي كانت فيها حياة محمد وخاصةِ أصحابِه قوتاً كفافاً.

وبعض غلاة المدنية يصرح ويقول: بأن عصر المأمون العباسي أرقى وأفضل من عصر أبي بكر الذي تم فيه الاستيلاء على السلطة في حادثة السقيفة, وهذا التفضيل المصادم للوحي انعكاس للمغالاة في قيمة الحضارة المادية والزهد في مضامين العلوم الالهية, وهو مما يؤكد أن “الغلو المدني ينبوع الانحراف الثقافي” كما سبقت الاشارة.

يهمنا التذكير هاهنا بأن هذه المعادلة التي أشرنا إليها لا نعني أنها قانون كوني مطرد, بمعنى أنه ليس كل تطور مدني ينبني عليه تراجع شرعي, بل هي واقعة عين تاريخية أردنا استكشاف دلالاتها, والدرس الجوهري فيها بالنسبة لنا هو أنه طبقاً لتصوراتنا الإسلامية الخاصة فإن الخيرية مرتبطة بالجوهر الإيماني والأخلاقي, وليس المظاهر المدنية والمادية.

التعلق بآية العمارة والاستخلاف:

بعض غلاة المدنية حين يتحدثون عن أولوية المدنية والحضارة المادية يستدلون كثيراً بآيتي العمارة والاستخلاف, ويعولون عليهما كثيراً في تأسيس رؤيتهم, فيستدلون بقوله تعالى:

{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود:61]

وبعضهم يستدل بقوله تعالى:

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30]

والواقع أن الخلل في هذا الاستدلال ناشئ عن تغييب عدة معطيات, منها:

1. أن معنى قوله تعالى في الآية “واستعمركم فيها” أي جعلكم عُمَّاراً في الأرض, فمعنى العمارة هاهنا لم يأت على أساس كونه مطلب شرعي, بل غاية ما فيه أنه جاء على أساس كونه نعمة كونية تستحق مقابلتها بالعبودية, وهذا معنى ظاهر في الآية لا يحتاج إلى كبير عناء لفهمه, فقد جاء في سياق الامتنان لا في سياق الحث والطلب, فنبيهم يأمرهم بالتوحيد مذكراً لهم بأن الله تعالى خلقهم من هذه الأرض وجعلهم يعمرونها, فأين هذا المعنى من كل ما بنى عليه غلاة المدنية من الدلالات والتهويلات.

ومما يؤكد ذلك أن قوله تعالى “واستعمركم فيها” إنما وردت في قوم ثمود في مدائن الحجر بين تبوك والمدينة, وقوم ثمود لم يقصروا أصلاً في العمارة المادية, ومع ذلك عاقبهم الله بكارثة مرعبة قص الله خبرها في كتابه.

2. أنه على التسليم بأن العمارة في الآية السابقة جاءت بمعنى الطلب, فإن العمارة في كتاب الله نوعان: عمارة إيمانية وعمارة مادية, وكلاهما مطلوبان, ولكن أشرف هذين النوعين -بل هو الذي جاء مصرحاً بطلبه- إنما هو عمارة الأرض بالإيمان, كما قال تعالى:

{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة:18]

فهذه هي أشرف مراتب العمارة, والتي حرم منها من لم يستنيروا بنور النبوات كما قال تعالى:

{مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} [التوبة:17]

فمن لم يعمر الأرض بالإيمان فلا زال في ظلمات وتيه وانحطاط ولم يبلغ التنوير الحقيقي.

ومما يبين هذا ويوضحه أن العمارة ضدها “الخراب”, وقد بين تعالى أن أقبح أنواع الخراب هو خراب الأرض من الإيمان, كما قال تعالى:

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} [البقرة:114]

3.أن الله تعالى ضرب لنا المثل بأمم كثيرة أبدعت في “العمارة المادية” ومع ذلك عرض الله تعالى أخبارها في سياق الذم لما أفلست في “العمارة الإيمانية” كما قال تعالى:

{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} [الروم:9]

والمتأمل في الحضارة المعاصرة اليوم يجد هذه الصورة حية جذلة، فقد تفننت في العمارة المادية وأفلست في العمارة الإيمانية.

4.أنه لو فرض أن لفظ “العمارة” في هذه الآية دال على الحث على المدنية والحضارة, فإن هرم الأولويات وسلم القيم في الشريعة لا يستمد من آية واحدة صريحة, وإنما يستمد من مجموع استيعاب تصرفات الشارع وخلاصة توازنات النصوص, فكيف وهذه الآية أصلاً آية محتملة الدلالة ويقابلها مئات المحكمات الدالة على أولوية الإيمان والفرائض والفضيلة وأنها هي النور الحقيقي والعمارة الشريفة وأن كل ما سواها من الدنيا إنما هي مجرد وسائل.

وأما “آية الاستخلاف” فإن كثيراً من غلاة المدنية يستشهدون بقوله تعالى (إني جاعل في الأرض خليفة) على مفهوم “خلافة الانسان”, فيشيرون دوماً الى أن الله تعالى جعل “آدم” خليفة عنه في الأرض, والذي يعني نيابة الانسان عن الله في عمارة الأرض, والمتأمل في دلالات هذه الخلافة في سياق الخطاب المدني يجدهم يستشهدون بهذه الآية في سياقين, أولهما: أولوية العمارة, وثانيهما: مركزية الانسان.

والواقع أن هذا الاستدلال بهذه الآية غيب عدة معطيات جوهرية سنشير لبعضها:

1-أن الراجح في تفسير معنى “الخليفة” في هذه الآية ليس كون آدم خليفة ينوب عن الله, وإنما معناه “خلافة الآدميين بعضهم بعضاً” بمعنى أن جنس الآدميين يتداولون الخلافة ووراثة الأرض, وقد أكد هذا الترجيح كثير من المحققين.

والحيثيات التي تبرهن رجحان هذه الفهم متعددة تتبين بتأمل سياق هذه الآية ذاتها, وباستيعاب مجمل نصوص الشارع واستخلاص مراده من مفهوم “خلافة الآدميين”.

فمن هذه الحيثيات التي تؤكد هذا التفسير: أن الخلافة والنيابة لاتكون إلا عن “غائب” والله سبحانه وتعالى ليس بغائب بل هو شهيد رقيب وهذا مقتضى قيوميته سبحانه وتعالى, فلاخليفة عنه سبحانه ولانائب يقوم مقامه جل وعلا, وقد أشار الحق تبارك وتعالى الى ذلك بقوله سبحانه:

{وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } الآية [يونس: 61]

وقال سبحانه وتعالى:

(مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا } [المجادلة : 7]

ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه قرب الله منهم وشهوده وعدم غيابه وأثر ذلك على السلوك التعبدي كما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(أيها الناس اربعوا على أنفسكم، فإنكم لاتدعون أصم ولا غائبا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)

ولذلك قال الامام ابن تيمية:

(والله لا يجوز له خليفة.., والخليفة أنما يكون عند عدم المستخلف, بموت أو غيبة, ويكون لحاجة المستخلف إلى الاستخلاف, وسمي خليفة لأنه خلف عن الغزو, وهو قائم خلفه, وكل هذه المعانى منتفية في حق الله تعالى, وهو منزه عنها)الفتاوى 35/45

فإذا كان الله سبحانه شهيداً رقيباً ليس بغائب فلايكون غيره خليفة عنه إذ الخلافة لاتكون إلا عن غائب, وقد دل على استعمال الخليفة عن الغائب كثير من النصوص كقوله تعالى:

{ وَقَالَ مُوسَى لأخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي} [الأعراف: 142] .

فأمره أن يخلفه بعد غيابه, وكذلك قوله تعالى:

{سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ} [الفتح: 15]

وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي)

فالنبي الذي يخلف نبياً آخر لايكون الا بعد هلاك الأول وغيابه, صلى الله عليهم وسلم.

وفي صحيح مسلم من حديث زيد بن خالد الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا, ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا)

فجعل القيام بشؤون أسرة المجاهد خلافة بسبب غياب المجاهد.

وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم إذا غاب عن المدينة إما لجهاد أو حج ونحوه فإنه يستخلف على المدينة, كما استخلف ابن أم مكتوم وعلى بن أبى طالب وغيرهم, وهذا بسبب غيابه, فإذا حضر صلى الله عليه وسلم زال وصف الخلافة عن خليفته لزوال سببها وهو الغياب.

بل إن النصوص الشرعية أثبتت عكس المعنى المرجوح تماماً, فأثبتت أن الله سبحانه وتعالى هو الخليفة الذي يخلف الانسان في غيبته, لا أن الانسان هو الذي يخلف ربه, حيث روى الامام مسلم من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر قال:

(اللهم أنت الصاحب في السفر, والخليفة في الأهل).

وهذا الفهم للآية يسنده تتبع الآيات الأخرى التي استخدمت مفهوم “الخليفة” إذ القرآن الذي هو كلام الله يفسر بعضه بعضاً, وكثيراً ماتكون الدلالات المجملة في موضع معين تكشفها الدلالات المبينة في موضع آخر, وهذا المعنى وهو كون “جنس الآدميين يخلف بعضهم بعضاً” مبثوث شائع في كتاب الله في مواضع كثيرة منها قوله تعالى:

{ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } [الأعراف : 129] .

فكانت هذه الخلافة بعد هلاك من قبلهم, ومثل هذا المعنى قوله تعالى:

(فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ)

والمتأمل في جمهور آيات “خلافة الانسان” يجدها تشير الى معنى “البعدية” أو التعاقب, بحيث أن هذه الخلافة كانت بعد من سبق من الناس, فهي تشير الى تداول الخلافة بين بني آدم لا الخلافة عن الله, وسنشير الى بعض نماذج الآيات التي دلت على مفهوم “تداول الخلافة” والتعاقب عليها, فمن ذلك قوله تعالى:

{ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ} [يونس: 14].

ومثله قوله تعالى:

{ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ } [مريم: 59].

ومثله قوله سبحانه وتعالى:

(وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ}

ومثله قوله سبحانه:

{ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ)

فهذه الآيات كلها تشير الى معنى البعدية الدال على مفهوم التعاقب.

وكذلك قال سبحانه وتعالى:

{ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ } [الأنعام: 165]

وقال سبحانه وتعالى:

{وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ } [النمل: 62].

فهذه الشواهد المبينة من الوحي تكشف الدلالة المجملة في قوله تعالى “إني جاعل في الأرض خليفة” وأن المراد تداول الخلافة والتعاقب عليها بين جنس الآدميين, لا الخلافة عن الله سبحانه وتعالى.

ثم إن مما يؤكد أن معنى “خليفة” هاهنا كان الالتفات فيه الى جنس الآدميين وليس مجرد آدم عليه السلام, أنه لو كان المراد “آدم” لما صح أن تقول الملائكة:

{قالوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30]

ذلك أن آدم عليه السلام ليس بمفسد في الأرض ولايسفك الدماء, فتبين أنهم عنوا جنس الآدميين.

والحقيقة أن من أكثر ماشوش على بعض متأخري المفسرين في فهم دلالة “خليفة” هو ورودها بصيغة المفرد, بينما الخلائف بصيغة الجمع, والواقع أن اللفظ المفرد إذا كان “اسم جنس” فإنه يكثر اطلاقه في كلام العرب مع أن المراد به الجمع, وهو نمط أسلوبي مطروق استعمله القرآن في غير موضع.

ومن ذلك أن الله تعالى لما ذكر نعيم الجنة قال سبحانه “في جنات ونهر” فذكر النهر بصيغة الاسم المفرد مع أن المراد به الجمع, فلايجوز الاستدلال بهذه الآية مثلاً على أنه ليس في القرآن الا نهر واحد, وذلك لقوله تعالى(فيها أنهار من ماء غير آسن)

2-أنه على التسليم بصحة القول المرجوح الذي اختاره بعض متأخري المفسرين وهو أن معنى “خليفة” هاهنا أي “خليفة عن الله” فإن هؤلاء المفسرين الذين مالوا الى هذا القول المرجوح لم يجعلوا مضمون هذه الخلافة هي عمارة الأرض مادياً, بل جعلوا مضمون هذه الخلافة “إقامة دين الله” كما قال البغوي مثلاً:

(والصحيح أنه خليفة الله في أرضه: لإقامة أحكامه وتنفيذ قضاياه)

والخلافة في تنفيذ أوامر الله واقامة أحكامه مؤداها أن معنى الخلافة هاهنا آل إلى معنى العمارة الايمانية, لامعنى العمارة المادية, فلاجديد في هذه الدلالة.

وبكل اختصار فان احتمالات الدلالة في هذه الآية ثلاث دلالات -وليعذرنا القارئ على الدخول في تفصيلات فنية اضطررنا اليها بسبب كثرة استدلال غلاة المدنية بهذه الآية- وهذه الدلالات الثلاث هي:

إما أن يكون “خليفة” على وزن فعيلة بمعنى مفعول, أي مخلوف, فيكون جنس بني آدم يخلف بعضهم بعضاً, وهذا هو الفهم الراجح لللآية.

وإما أن يكون “خليفة” على وزن فعيلة بمعنى فاعل, أي خالف لمن قبله, فيكون آدم قد خلف خلقاً سكنوا الأرض قبله, كما ذهب اليه طائفة من السلف.

أو يكون خليفة عن الله أي نائباً عنه في إقامة حكم الله.

فعلى كل هذه الاحتمالات الثلاث لللآية –راجحها ومرجوحها-فإنها لاتدل على ماركبه عليها غلاة المدنية من دلالات حول مركزية العمارة المادية وغائية الحضارة وكونها جوهر وظيفة الانسان.

3-أما الاستدلال بهذه الآية على “تكريم جنس الانسان” باعتباره خليفة الله بغض النظر عن هويته الدينية وعبوديته, فهذه مصادمة لمعطيات الوحي.

فإن خلافة الانسان –سواء كان المعنى خلافة الآدميين بعضهم أم خلافة الانسان عن الله- ليس لها الشرف المطلق كما يتصور غلاة المدنية, بل شرفها ورفعتها مرتبط بتحقيق العبودية, فأما إذا أعرض الانسان عن الوحي فانه يسلب شرف هذه الخلافة, ولذلك قال تعالى مبيناً دور الاعراض عن الوحي في سلب شرف الخلافة:

{ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلا مَقْتًا وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلا خَسَارًا}

وذكر الله سبحانه شيئاً من أخبار التاريخ وكيف كان سبحانه يسلب الأمة شرف الخلافة في الأرض اذا أعرضت عن النبوات والوحي, ويمنحه أمة أخرى كما قال تعالى:

{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ, ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}

فبينت هذه الآية جوهر وظيفة الاستخلاف وهي الابتلاء بالايمان والعمل الصالح واتباع الرسل بعد ما سلب الله الأمم السابقة ذلك بسبب اعراضها, وهذا المعنى حول وظيفة الاستخلاف بينته آيات أخرى أيضاً كما قال تعالى:

{ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ)

ولذلك فان الأمة التي تحقق العبودية هي الأمة التي استوعبت معنى الاستخلاف وخلافة الانسان, كما قال تعالى:

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ} [النور:55]

فهذه هي الخلافة الشرعية الايمانية المحمودة من كل الوجوه, وهي التي تكون بالايمان والعمل الصالح والاستنارة بنور النبوات وتمكين الدين, لاأنها مجرد العمارة المادية.

والواقع أن الاستشهاد بهذه الآية على تكريم “جنس الانسان” بغض النظر عن هويته الدينية يعبر عن انتقائية حادة تتضمن طمس بقية مضامين الوحي التي تكشف دور الهوية الدينية في تشكيل معيار التقييم والعلاقات, وسنعرض لهذه القضية تفصيلاً في فقرة “أنسنة العلاقات”.

وخلاصة الأمر أن هاتين الآيتين –أعني آيتي العمارة والاستخلاف- تتعلل بهما أكثر شعارات الخطاب المدني المتطرف, وكثير منهم يحاول أن يلتمس نسباً الى الشريعة عبر التكلف في تأويلهما, وجعلهما أرضية لتبيئة مفاهيم التطرف المدني, وقد استكشفنا سوياً حجم التعسف والاجحاف الجائر في تأويل الآيتين ذاتهما, فضلاً عن مصادمة هذا التأويل لبقية معطيات الوحي, وثمة استشهادات شرعية أخرى يرددها بعض غلاة المدنية, وسنشير لهذه الاستشهادات ونناقشها في مواضعها في الفقرات القادمة.

الإسلاميون ضد الحضارة؟

يتردد كثيراً في أدبيات غلاة المدنية أن الحركات الإسلامية حركات عدمية ضد الحضارة والمدنية والتحديث, وأنها مجرد حركات هوية لا حركات نهضوية, وأنه ليس لديها إلا آلية الممانعة ومقاومة التغيير, وأنها حركات انفصالية عزلوية تدعو للتقوقع والانكفاء على الذات, وأنها ضد الاستفادة من المنجزات المدنية الحديثة, ونحو هذا الكلام الذي –بصراحة شديدة- صار مستهلكاً هذه الأيام ويعاني نوعاً من السماجة.

وهذه الدردشة الصحفية المبتذلة لا تخلو إما أن يكون صاحبها لم يقرأ للاتجاه الإسلامي جيداً وإنما هي ألفاظ أعجبه حسن حداثتها فتلقفها ورددها, مع أنها بالمناسبة شعارات قديمة رددها الفكر العربي منذ عدة عقود وإنما استوردها الداخل المحلي مؤخراً.

وإما أن يكون هذا الكلام مدفوعاً باستراتيجية سجالية بأن يحاول الكاتب التدليس على الموقف الإسلامي وتصعيده وتصويره بشكل سلبي بهدف تيسير إسقاطه والرد عليه, فيكون هذا الكاتب يصارع أشباحاً لاحقيقة لها وإنما هي صورة خلقها ليرد عليها كطواحين الهواء.

وفي كثير من الأحيان حين تفتش في دوافع هذا الكلام تكتشف أن الكاتب إنما يحاول تضميد جرح غرزه موقف شخصي لا صلة له بالاعتبارات الموضوعية للقضية أصلاً, وانما الظاهرة الاسلامية في هذه الحالة غرض للنكاية لاأكثر.

على أية حال.. الخطوط العامة لموقف الإسلاميين من الحضارة والمثاقفة عموماً والحضارة الغربية على وجه الخصوص واضحة ليست بالأغاليط, صحيح أن ثمة اجتهادات متفاوتة في بعض التفاصيل, لكن الكليات المنهجية لجماهير الإسلاميين المعاصرين مشتركة لا تكاد تخطئها العين المنصفة, ويتلخص هذا الموقف في ثلاث ركائز هي في حقيقتها “تمييزات منهجية” لمستويات التعاطي والقراءة, ومن استوعب هذه التمييزات المنهجية الثلاث استوعب جيداً الموقف الإسلامي المعاصر من الحضارة والمثاقفة عموماً والحضارة الغربية خصوصاً, وهذه التمييزات المنهجية كالتالي:

-الركيزة الأولى: التمييز بين الحضارة كغاية والحضارة كوسيلة:

فالحضارة عند غلاة المدنية مطلب مطلق يريدون منها أن تهب رياحها وتبحر في كل اتجاه بلا شروط تفرض من الخارج في ظل الحرية الشخصية إلى درجة غياب المعنى وغموض الغاية, أما الحضارة في التصور الشرعي فهي حضارة موجهة بهدف “تحقيق العبودية” بما تتضمنه من إظهار الدين والقيام بالشعائر والشرائع, فالحضارة المنشودة هي الحضارة المنضبطة بقيود الشريعة والهادفة لنصر الإسلام وتحقيق قيمه ومضامينه, وتأخذ قضايا وجزئيات الحضارة قيمتها التفصيلية بحسب مؤداها إلى هذه الغاية.

ولذلك فإن الشارع لم يوظف مفهوم الحضارة ولا المدنية وإنما وظف مفهوم “القوة” و”العلو” كقوله تعالى {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} وقوله صلى الله عليه وسلم (ألا إن القوة الرمي) وقوله تعالى {وأنتم الأعلون} وقوله صلى الله عليه وسلم (اليد العليا خير من اليد السفلى). ومن المعلوم أن الطاقة التخييلية التي تتضمنها ايحاءات مفهوم الحضارة والمدنية ليست كالدلالات التي يضخها مفهوم القوة, فالقوة مفهوم خادم للمبدأ ومرتبط به, أما الحضارة فمفهوم موحي بالمتعة والرفاه.

والمراد من ذلك أن الحضارة والتمدن عند الإسلاميين “مطلب” لكنها ليست هي المطلب الرئيس ولا المطلب الجوهري لهذه الحياة, بل هي مجرد وسيلة لتحقيق الغاية الحقيقية التي هي العبودية.

-الركيزة الثانية: التمييز بين الوجه العلمي والفلسفي والسياسي:

غلاة المدنية يدعون إلى الإقبال الشغوف واحتضان المنجز الغربي بكامل صوره وكأنه معطى مصمت لا يتفاوت, ويتضايقون من الصرامة في الفحص والاختبار ويعدونها لوناً من التعنت والعدمية ورفض المثاقفة, ولذلك يدعون عملياً إلى التسامح والتغاضي عن الثغرات, أو يلتمسون لها المعاذير والتسويغات وينبشون لها الآراء الشاذة لتتكئ عليها, أما الإسلاميون فيفرقون بشكل واضح بين الوجوه الثلاثة الرئيسية للحضارة الغربية, فيتفاوت تقييمهم وصرامتهم وتدقيقهم في الاختبار والفحص بحسبها.

فأما الوجه الأول فهو “الوجه العلمي” المحض بما يدخل فيه من منتجات تجريبية وعلوم طبيعية وتصنيع وتكنولوجيا ونظم اتصال وحوسبة ونحوها من المنتجات التي يغلب عليها أن تكون “أدوات” أو “وسائل” محضة بحيث تستطيع كل ثقافة أن توجهها بحسب قيمها, فهذه حكمة مشتركة, وصواب الفكر الغربي فيها أكثر من ضلاله.

بل إن المجتمع الغربي اليوم لم ينفرد بها فهناك أمم أخرى تشارك في هذا الانتاج التقني ان لم تكن أكثر تفوقاً, وعلى وجه الخصوص اليابان والصين والهند, وتعتبر ظاهرة التلزيم (outsourcing) من أهم الظواهر التي كشفت تحولات التركز في الخبرة التقنية العالمية, بحيث صارت تعهدات التصنيع الخارجي في مناطق العمالة الرخيصة تخلق أقطاب خبرة تكنولوجية جديدة ليست في العواصم الغربية.

ووجه أغلبية الصواب في هذا الباب أن هذه المنتجات مستمدة من القوانين الكونية المحضة التي أودعها الله الطبيعة, فهي حظ مشترك لاتتفاوت كثيراً بسبب الخلفية الدينية.

والواقع أن الإسلاميين بجميع أطيافهم سبقوا غيرهم من الطبقات الثقافية إلى الانتفاع بها, بل وكتب كثير من السلفيين أن حقائق العلوم الطبيعية حقائق شرعية, بل لايوجد علم من العلوم المعاصرة على وجه العالم اليوم خدمه أصحابه برمجياً مثل العلوم الشرعية, وصورة الشاب المتدين في كليات الطب والهندسة والحاسوب ونحوها ليست صورة طبيعية فقط بل هي صورة نمطية راسخة في الوعي الشعبي, حتى أن الفرانكفوني المتطرف محمد أركون أشار إلى ذلك في غير موضع من دراساته, إضافة الى ظاهرة الاقبال الاسلامي على الدورات التدريبية في ادارة الذات وعلم النجاح والبرمجة اللغوية وغيرها, فلا أدري ما وجه المزايدة على الإسلاميين والقول بأنهم ضد المثاقفة والاستفادة من المنجزات؟

وأما الوجه الثاني فهو “الوجه الفلسفي” للحضارة الغربية بما يتضمنه من تصورات عن الأسئلة الأنطولوجية والإكسيولوجية والإبستمولوجية وما بعدها من حقول الفلسفة الكبرى, كحقيقة الحياة, ومفهوم السعادة, ووظيفة الدنيا, وكنه الإنسان, ومستقبل البشرية بعد فنائها, والعالم العلوي, ومرجعية الأخلاق, وإطلاقيتها ونسبيتها, ومصادر المعرفة والتي هي البنية التحتية للفلسفة, ونحوها.

فهذا الوجه ضلال الفكر الغربي فيه أكثر من صوابه, خصوصاً في الأسئلة الكبرى, أما التفاصيل والجزئيات فقد يكون بعضها مشتركاً وبعضها متناقضاً مع الوحي.

بل إن القارئ المسلم لايكاد يجد فيها نتائج مبرهنة يسعد بها ويحملها كرسالة اجتماعية, بل كل فيلسوف ينقض ما قاله سابقه, وغاية القارئ في هذه الأبواب ليس أن يبني تصوراته وعقيدته بشكل صحيح فتكون له إضافة في ذاته, بل غايته أن يحصل له مران ذهني ودربة على السجال والجدل والرد والتفنيد, في مقابل أن يخسر فضيلة الحسم واليقين والتي هي من أهم أسباب الإمامة في الدين كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}.

فيمتلئ القارئ بالارتياب والحيرة واللاحسم في كل شئ, حتى يصل إلى مرحلة عدمية لا يستطيع فيها أن يجزم بشئ من معطيات الشريعة, وهذه ظاهرة مشاهدة, والارتياب والحيرة والتردد في الأصول الكبرى من شعب النفاق والعياذ بالله, كما قال تعالى: {وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ}.

ولذلك تجد عامة غلاة المدنية الذين اقتربوا من هذه الدراسات الفلسفية يرددون “الأهم هو طرح الأسئلة وليس الإجابات” أو قولهم “إلى المزيد من طرح الأسئلة” ونحو هذه العبارات التي هي كالمخدر يسلون به أنفسهم عن عدم الوصول لنتيجة, حتى أصبح شائعاً لدى المؤرخين للفلسفة قولهم “الفلسفة تقدم الأسئلة بما يفوق تقديم الإجابات”.

وسبب ذلك أن المضامين الرئيسية المكتوبة في هذه الحقول إما لائكية محضة وهو الأكثر, وإما كتابية محرفة وهو الأقل, بل هو النادر, على أن من ورث فيهم شيئاً من الكتابية المحرفة خير ممن بقي على اللائكية الخالصة, فإن بركة بقايا النبوات وما فيها من النور خير من العمى التام, فالمتمسك بالمسيحية المحرفة أشرف وأرفع في ميزان الله من الكافر المحض, فنصوص الوحي متضافرة على تفضيل الكتابيين على الدهرية الملاحدة, وهذا من بركة بقايا النبوات التي بأيديهم, فالكتابي خير من المجوسي, والمجوسي خير من الملحد, لأن المجوسي معه شبهة كتاب والملحد لا كتاب له, ولذلك قال الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: (أضل أهل الملل مثل جهال النصارى وسامرة اليهود: أعلم من الفلاسفة, وأهدى وأحكم, وأتبع للحق).

وقال الإمام ابن تيمية أيضاً: (ومن المعلوم أن المشرك إذا تمجَّس, والمجوسي إذا تهوَّد, حسنت حاله بالنسبة إلى ما كان فيه قبل ذلك).

ومما يجدر الإشارة إليه أن هذا الوجه الفلسفي ليس هو الوجه المتقدم في الحضارة الغربية أصلاً, بل هو الوجه الظلامي المتخلف المنحط, برغم محاولات كثير من غلاة المدنية الزعم بأن التطور الغربي انعكاس لفلسفته, وهذا مجرد أمنية تاريخية.

والواقع أن التفوق المدني الغربي اليوم عائد للثورة الصناعية في المرحلة السابقة, ثم الثورة التكنولوجية ونظم الاتصال والمعلوماتية حالياً, وهذه كلها نتاج عرق المعامل والتمويلات السياسية الضخمة لمراكز البحوث, وغاية الفلسفة أن تكون تفسيراً استرجاعياً لما حدث, فهي دوماً تفسير لاحق للأحداث تحاول اعطاءها المعنى بعد أن تقع, فأفضل حالاتها أن تكون “حكيم بعد الحادث”, وهذا سبب تراجع أهميتها المعرفية.

بل إن من أسباب تراجع أهميتها المعرفية عدم قدرتها على خلق “قوانين مطردة” تحقق لها العلمية، ولذلك فهي تعاني من عقدة نقص تاريخية قديمة أمام العلوم الطبيعية التي تفرض احترامها المعرفي بسبب ما تحمله من القوانين العلمية المنظمة, ولذلك كثرت الصيحات الغربية في الفترة الأخيرة بإعلان موت الفلسفة, وانجفلت التطلعات الثقافية إلى العلوم الإنسانية، ولا سيما بعد أن قدمت لها البنيوية شبه اطراد عبر استعارة النموذج الألسني كما أشار إلى ذلك تحديداً كلود ليفي شتراوس وغيره.

وسبب هذا الوهم حول عظمة الفلسفة أن كثيراً من مثقفي غلاة المدنية تأثروا بالكتابات التعليمية عن “قصة الفلسفة” والتي صورت التاريخ البشري كنتاج مباشر لأفكار بضعة عشر فيلسوفاً على مر التاريخ, وكأن التاريخ الإنساني عموماً والتاريخ الأوروبي خصوصاً مركبة يتربع في كابينتها طائفة من الفلاسفة يخلف بعضهم بعضاً يشيرون للمجتمعات أن تذهب يمنة أو يسرة!

والواقع أن الكتب الفلسفية ذات الطابع التعليمي عبثت بتفكير غلاة المدنية كثيراً, فهذه الصورة المرتسمة في أذهانهم وهْم طريف يغيِّب دور العوامل التاريخية الجوهرية في صناعة الماضي والحاضر, كدور القيادات السياسية والخبراء والأعمال الأدبية الكبرى والعواطف الشعبية, فضلاً عن دور الإعلام الحديث ونظم الاتصال وتوازنات القوى والشركات المتعددة الجنسيات ومتغيرات الموارد ونحوها.

بل هذه الرؤية المدرسية الساذجة غيب دور النبوات في تشكيل التاريخ, ولذلك تنبه المؤرخ الشهير توينبي إلى دور النبوات كعامل رئيس في صناعة التاريخ فقال (التحول الديني كان حقيقة مبدأ كل شيء في التاريخ الانكليزي).

وقبل توينبي نبه على هذه العامل الحاسم ابن خلدون في مواضع كثيرة من المقدمة ومنها قوله:

(الدول العامة الاستيلاء، العظيمة الملك, أصلها الدين, إما من نبوة أو دعوة حق).

وقال الإمام ابن تيمية في الصارم المسلول:

(ليس في الأرض مملكة قائمة إلا بنبوة أو آثار نبوة, وإن كل خير في الأرض فمن آثار النبوات, ولا يستريبن العاقل في الأقوام الذين درست النبوة فيهم كالبراهمة والمجوس).

وهذا التفاوت بين الإبداع العلمي والانحطاط الفلسفي هو الغالب على الأمم التي اعتنت بالمدنية وأعرضت عن النبوات, فهو شأن تاريخي متكرر أصلاً, ولذلك لما كانت الحضارة الاغريقية مفلسة من مضامين الوحي غنية بالعلوم المدنية تشكلت فيها ذات الصورة, ويلخص الإمام ابن تيمية هذا المشهد بقوله:

(فإن القوم-أي الفلاسفة- لا يعرفون الله, بل هم أبعد عن معرفته من كفار اليهود والنصارى بكثير, لكن لهم معرفة جيدة بالأمور الطبيعية, وهذا بحر علمهم وله تفرغوا, وفيه ضيعوا زمانهم, وأما معرفة الله تعالى فحظهم منها مبخوس جداً, وأما ملائكته وأنبياؤه وكتبه ورسله والمعاد فلا يعرفون ذلك ألبتة)

وقال الإمام ابن تيمية أيضاً عن رمز الفلسفة اليونانية:

(وأرسطو المعلم الأول من أجهل الناس برب العالمين إلى الغاية)

والحديث عن هذه الإشكاليات الفلسفية يطول ومن الأفضل أن نرجئه إلى الجزء الثاني الذي هو عن علاقة الخطاب المدني بالفكر الحديث لكونه أكثر مناسبة.

والمهم هاهنا أن نشير إلى أن هذا الباب الفلسفي تجد عموم الإسلاميين فيه حذرين أشد الحذر, لأنهم ولله الحمد موقنون أن مضامين وتصورات الوحي أهدى وأحكم.

بل إن كثيراً من حقائق الوحي في هذا الباب الفلسفي لا تعرفها الفلسفة الغربية المعاصرة أصلاً, أو لديها حوله معلومات مشوهة, كباب الإلهيات, وما يتضمنه من معرفة الله وما ينبغي له معرفة صحيحة, والعوالم الغيبية وتقدير كل شئ في اللوح المحفوظ, وجريان السنن الطبيعية بغايات إلهية, وأثر العبادة في النواميس الكونية, وحركة القلب بالتزكية كالتوكل والافتقار والضراعة, ونحو هذه المعاني التي هي التنوير الحقيقي, كما قال تعالى في هذه المقارنة بين تنوير الوحي وظلامية ما يعارضه:

{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا}[الأنعام:122]

و قد أشار الامام ابن تيمية الى هذا التنوير المستمد من الوحي فقال:

(وعند المسلمين من “العلوم الإلهية” الموروثة عن خاتم المرسلين ماملأ العالم نورا وهدى)الفتاوى 2/84

وأما الوجه الثالث فهو “الوجه السياسي” للحضارة الغربية وهو الوجه الكالح بكل معنى الكلمة, فالمؤسسة السياسية الغربية مؤسسة إمبريالية استعمارية تمتص ثروات الأمم الأخرى, وليس لديها أية حواجز أخلاقية أمام مصالحها, فهي ديمقراطية شفافة في السياسة الداخلية, ديكتاتورية معتمة في السياسة الخارجية.

والمؤسسة السياسية الغربية هي التي خلقت أبشع النماذج الدموية في التاريخ, وهي المسؤولة عن تطوير أدوات الابادة البشرية الشاملة, والمعتقلات اللاإنسانية, وقصف المدن الكاملة بما فيها من المدنيين, كيف تبرأ تلك الحضارة من عقدة الذنب وهي تتذكر عصر العنصريات والقوميات والنازية وهيروشيما ونجازاكي واستعمار الدول العربية وغوانتنامو وأبو غريب, والأسلحة النووية والغازات السامة, وإيقاف تحقيقات الفساد لأجل مصالح قومية عليا, بل وسن تشريعات حرمان المسلمة من حجابها, ورعاية مؤسسات صحفية تسخر بنبي يؤمن به شطر العالم.

على أية حال.. هذه الوجوه الرئيسية الثلاثة للحضارة الغربية إنما هي نماذج فقط, وتبقى هناك حقول أخرى لا يتسع هذا الجزء لتفصيلها كالعلوم الإنسانية والفنون ونحوها, وهذه النماذج كافية في الدلالة على المقصود بأن الإسلاميين لديهم موقف تفصيلي يميز المفيد من الضار وليس كما يتصوره غلاة المدنية.

-الركيزة الثالثة:التمييز بين الانتفاع والانبهار:

غلاة المدنية يتوهمون أن هناك تلازم بين الانتفاع والانبهار, وأنه لكي نستفيد من الحضارة الغربية يجب أن تمتلئ أشداقنا بتأوهات التعجب, وأن نفغر أفواهنا ونحن نسوق فلسفتهم, وأن نحوط أسماءهم وأعلامهم بهالة التعبيرات الخارقة, ولذلك يطلق بعضهم عبارة “المعجزة الغربية” أو “معجزة الحداثة” ونحوها.

وتفريعاً على ذلك ينظرون إلى أي ذم أو انتقاص لواقع الحضارة الغربية على أنه رفض للانتفاع بما لديها من صواب! ويتبرمون بأي تعبير ديني في توصيف الحضارة الغربية كوصفها بالضلال والفجور والفواحش والكفر وأمثالها من التعبيرات الشرعية, ذلك أن هذه المفاهيم وأمثالها مشبعة بحمولة دينية وهم يريدون التعامل بلغة مدنية تستبعد المحتوى الديني من التقييم.

والواقع أن عدم فهم غلاة المدنية للموقف الشرعي إزاء الحضارات هو سبب عدم فهمهم للموقف الإسلامي المعاصر من الحضارة الغربية, فليس في الشريعة تلازم مطلق بين الانتفاع من الآخر والانبهار به, بل الموقف الشرعي بخلاف ذلك أصلاً.

فالنبي صلى الله عليه وسلم استفاد من الحضارة المعاصرة له في الخندق ومشروعية الغيلة والتبادل التجاري وافتدى الأسير الكافر بتعليم المسلمين وراسلهم واتخذ خاتماً لمراسلته كما هي عادتهم وقبل هداياهم كما قبل هدية ملك أيلة والقبط وأكل من طعامهم ولبس من منسوجاتهم وشارك يهود خيبر في نخيلهم وغير ذلك من أوجه التواصل الشرعي لكنه مع ذلك كله بين ضلالهم وانحطاطهم وظلاميتهم بسبب إعراضهم عن نور الوحي, كما قال صلى الله عليه وسلم عن الفترة التي سبقت بعثته: (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم الا بقايا من أهل الكتاب) رواه مسلم.

وقال تعالى:

{كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}

وقال سبحانه وتعالى:

{هُوَ الَّذِي يُنزلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ}

فبين سبحانه أن هذه الأمم التي عاصرته كلهم في ظلمات, وأنهم هم الظلاميون الذي يحتاجون التنوير الحقيقي الذي هو نور الوحي.

هذه التمييزات المنهجية الثلاثة وهي: التمييز بين الحضارة كغاية والحضارة كوسيلة, والتمييز بين الوجه العلمي والفلسفي والسياسي للحضارة المعاصرة, والتمييز بين الانتفاع والانبهار, هي المفتاح الرئيس لفهم موقف الإسلاميين المعاصرين من الحضارة المعاصرة, ومن استوعبها علم قطعاً جهل من يقول ان الإسلاميين ضد الحضارة والمثاقفة والتحديث, واستبان له أن لدى الإسلاميين موقفاً تفصيلياً منظماً مستمداً من خلاصة توازنات نصوص الشريعة.

أما كثرة تذمر غلاة المدنية وشكواهم من الارتياب الاجتماعي ضد الثقافة الغربية وضعف الثقة بدعاتها وتشنج بعض الناس ضد المنتج الغربي فالمسؤول الحقيقي عنه ليس الإسلاميين وانما النزق التغريبي الذي تبناه بعض غلاة المدنية حتى قال الأول: يجب أن نأخذ ما لدى الغربيين بحلوه ومره وخيره وشره, وحتى قال الآخر: الحضارة الغربية كقصر فخم يجب أن لاننشغل بسلة مهملاته الصغيرة, فمثل هذه الطيش وانعدام التماسك أمام المنجز الغربي هو الذي أقلق الهوية الإسلامية واستفز توربينات الممانعة الشعبية, إذ لو رأى الناس في تلك النخب الثقافية موقفاً عقلانياً رزيناً إزاء منتجات الفكر الغربي يبدي غيرته على قيم الإيمان والفضيلة لما احتاجوا أن يعبروا عن رفضهم بهذه الصورة التي ينتقدها غلاة المدنية.

ماوراء أنسنة التراث:

المعركة اليوم معركة “تفسير” بالدرجة الأولى, تدور حول السؤالين التاليين: كيف نفهم النص؟ وكيف نفهم حملة النص؟

فتفسير النص, وتفسير التاريخ, كادا أن يكونا محور الجدل الثقافي المعاصر, وكاد أن يكون السجال الفكري يدور حول “النماذج التفسيرية” وتقنيات التأويل.

وفي المرحلة الفكرية السابقة –كماسبقت الإشارة لذلك- كانت النخبة الثقافية المأزومة مع الإسلام ودعاته تطرح نقداً وتهجماً على مضامين الرؤية الإسلامية ذاتها, فهناك سيل كبير من المقالات والكتب التي انتقدت التصورات الإسلامية صراحة كتحكيم الشريعة والحجاب والجهاد وغيرها من المفاهيم والقيم القرآنية وكانت المفاجأة أن الاتجاه الإسلامي يزداد صلابة, ويتأكد لقواعده الشبابية جدية عداء هذه النخب الثقافية المأزومة للإسلام والوحي والتعاليم النبوية.

لقد شعرت هذه النخب الثقافية المأزومة بكل وضوح بافلاس رصيدها الشعبي, بل ومعاناتها من حالة نبذ اجتماعي حاولت ان تتغلب عليه من خلال انخراطها في مشروعات السلطة, والتضحية بأية مضامين تدفع باتجاه الاستقلالية السياسية, بل وفي بعض الأحيان يصل الأمر –ولشديد الأسف- الى اعتبار هذا الاستقواء غير النزيه نوعاً من الحذاقة في ادارة الاختلاف الفكري.

ونتيجة لهذا النبذ الاجتماعي فقد تحولت النخب الثقافية المأزومة إلى خيار ثقافي آخر, حيث هجرت إعادة مضغ النقد الممجوج حول الحاكمية والحجاب والجهاد والتعدد وأحكام الذميين ونحوها إلى محاولة تهتيك الوشائج بين القواعد الشبابية الإسلامية وبين نماذجها الملهمة التراثية والمعاصرة وذلك من خلال خطاب الأنسنة.

والأنسنة في الخطاب العربي اليوم توظف في سياقين, فأما السياق الأول فهو “أنسنة العلاقات” بمعنى أن تكون علاقاتنا ونظرتنا إلى العالم اليوم هي علاقات مدنية مبنية على القيم الإنسانية المشتركة, لا على أساس الهوية الدينية, وهذه سنعرض لها في الفقرة اللاحقة.

أما السياق الآخر فهو “أنسنة التراث” بمعنى إعادة تفسير التراث وولادة مفاهيمه الجوهرية وحراكها الداخلي تفسيراً تستبعد فيه أية دوافع أخلاقية أو دينية أو قناعات ذاتية, ويبحث فيه عن الدوافع المادية سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم عرقية أم غيرها, عبر التوسل بالجهاز المفاهيمي الأنثروبولوجي تحت شعار التسلح بأدوات العلوم الانسانية المعاصرة, وبعض الفرانكفونيين العرب حين يتحدث عن توظيف أدوات العلوم الانسانية المعاصرة يضيف الى ذلك فاصلاً تاريخياً وهو قوله “العلوم الإنسانية ما بعد العام 1950م” ولا أدري لماذا هذا التاريخ التوقيفي, لكن هذه هي الدعوى على اية حال.

بمعنى أن تفسر تشكلات التراث على أنها مدفوعة بصراع سلطة أو مزاحمة سيادة أو احتفاظ بالجمهور أو أهداف بزنسية أو صفقات تسويقية, فمن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب مروراً بالشافعي وانتهاء بالدعاة المعاصرين تفسر كافة تمظهرات الخطاب على أنها مجرد موازنات سياسية وحسابات اجتماعية محضة.

وهكذا تنطلق صافرة الأنسنة في لحظة إطلاق رصاصة الموت في دماغ التفسير الأخلاقي والديني, فحين تجمع الوقائع بطريقة موجهة وتربط بدوافع سياسية وخلفيات اجتماعية تذوي منزلة رموز الإسلام, وتسقط الثقة بمايقولون, ويزدرى ما يحملون, وينظر لمواقفهم البطولية على أنها مجرد استماته في حظوظ النفس, وهكذا ينقطع عن المنابع وُرَّادها, وتموت وظيفتها في القيام بدورها في شحن الشاب وتزويده بالمضامين الإسلامية.

الأنسنة في الخطاب العربي المعاصر لم تستوعب مفهوم الأنسنة فعلاً كما هو في ذاته, صحيح أن هناك في المقابل مبالغات ساذجة في تصوير التاريخ ترنسندنتالياً باعتباره مجرد معطيات متعالية لا صلة له بالتركيب البشري, لكن هذا لا يعني الانقلاب للجهة الأخرى.

العلمانيون العرب يتبرمون كثيراً من إمكانية اعتبار الدين والأخلاق والإيمان محركاً للتاريخ, بل يعتبرون التاريخ محكوم دوماً بدوافع غريزية محضة, إما مادية أو سيادية أو غيرها, أما الخطاب الديني والأخلاقي فهما مجرد بنية فوقية معلنة تخفي الدوافع التحتية الحقيقية.

لقد بلغت الأنسنة العربية مراحل مزرية تستدعي الرثاء, فحرب أبي بكر للمرتدين هي محاولة مادية لتمويل الخزينة, وعثمان وعلي مجرد طامحين للسلطة, والفتوح الإسلامية كلها حركات إمبراطورية توسعية, والشافعي مهجوس بشكل مضمر بعرقلة نفوذ السلطة السياسية لسلطته العلمية, ومحمد بن عبدالوهاب مسعور بالمزيد من الجغرافيا, وآباء الحركة الإسلامية الروّاد يسعون بشكل مكشوف للوصول للسلطة, والدعاة المعاصرون كلهم يبحثون عن بريق الإعلام والقنوات الفضائية.

حالة الافلاس في الخطاب العربي المعاصر تستدعي النظر بعين الرحمة والإشفاق والشكر لله على تجاوز هذه النظرة المرضية الهوسية للآخرين, أتساءل أحياناً لماذا لايفكر العلمانيون العرب بأن هؤلاء الرموز قد يكونون مدفوعين بدوافع روحية وأخلاقية؟ خصوصاً أن كثيراً منهم ضحى بحريته أو روحه التي بين جنبيه, لكن ربما أن من لم يتذوق الدافع الأخلاقي في نفسه فلا يمكن أن يقرأه في تصرفات الآخرين.

فضلاً عن أن هذا التفسير لدى العلمانيين العرب ينم عن جهل مطبق بمفهوم الأنسنة ذاته, فمقتضى الأنسنة هو النظر إلى الإنسان بما هو إنسان, ولاشك أن من أقوى مكونات الإنسان المكون الديني والأخلاقي والروحاني, فاستحضار بقية مكونات الإنسان وتغييب بعضها الآخر هل يستحق أن يسمى أنسنة أم يسمى اختزالاً للإنسان؟

وباختصار شديد تحولت تقنيات الأنسنة إلى خطاب “سوء ظن” منهجي منظم, بدلاً من أن يكون مجرد زلة سلوكية, ويسمى في النهاية -وبكل بجاحة- خطاباً تفسيرياً علمياً! ولذلك فمن المشاهد اليوم أن من انهمك في مشروعات إعادة قراءة التراث المهجوسة بافتراض الدوافع السياسية في كل حدث فإنه يمتلئ قلبه بالغل على القرون المفضلة, وقد قال تعالى:

{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمان وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}

ولو جئنا نختبر ذلك العصاب في التفسير المادي لواقع الحركة الإسلامية فإنه حتماً سيفلس في تقديم إجابة دقيقة على الكثير من الظواهر.

خذ مثلاً: مالذي يدفع الإسلاميين المعاصرين إلى ترك الفرص الاستثمارية في المؤسسات الربوية وتحمل كلفة المصرفية الإسلامية؟ مالذي يدفع الشابة المؤمنة الرقيقة إلى ارتداء الحجاب وتحمل نظرات الاستخفاف في الأماكن العامة؟ مالذي يدفع شاباً في زهرة العمر إلى التضحية بمجتمع الرفاه الذي يتقاطر اليه الوافدون والمقيمون ويتوجه لجبال شعثاء ينشد غناء الموت؟ مالذي يدفع رجالاً تشابكت مسؤولياتهم الاجتماعية والأسرية إلى التنازل في الظل عن جزء من رواتبهم المحدودة لطباعة تفسير أو توزيع شريط قرآن؟ مالذي يدفع فتى في غمرة سني اللهو واللعب إلى أن يدع مغاني أقرانه ويمد اليك مع ابتسامته الغضة تمرة تفطير عند إشارة مرور؟

وهكذا دواليك, مشاهد كثيرة تمردت على نظريات الأنسنة العلمانية, وأفلست محاولاتها التفسيرية البائسة في قراءة هذه الظواهر, لا زالت هذه المدرسة غير قادرة على استيعاب أثر الإيمان في النفوس بما يجعل الدين محركاً للتاريخ, فلم يصلوا إلى ما وصل إليه هرقل بحكمته الرومية حين أدرك ماذا تصنع “بشاشة الإيمان” إذا تسللت إلى القلوب, وذلك فيما روى البخاري أن هرقل قال لأبي سفيان:

{وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لا, وَكَذَلِكَ الإيمان حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ}

ويمكن للقارئ أن يضع المدارس التفسيرية في اطار تاريخي أو هيكل عام يمكننا من تصور اتجاهاتها العامة, حيث يمكن القول -بشئ من التجوز- أن المدارس التفسيرية مرت بثلاث مراحل “مرحلة المؤلف” و “مرحلة النص” و “مرحلة القارئ” , فمرحلة المؤلف كان التركيز فيها على خلفيات منتج النص وسياقه الذي يتحرك فيه, واندرج فيها المدارس النفسية والاجتماعية ونحوها.

والمرحلة الثانية كانت مرحلة النص وكان التركيز فيها على بنية النص ذاته بغض النظر عن السياق التاريخي, وقد أثر في الدفع بهذه المرحلة إلى الوجود بحوث العالم الألسني دي سوسير الذي توفي مطلع القرن الماضي وذلك في كتابه عن علم اللغة العام والذي جمع من محاضراته بعد وفاته وركز فيها على التفريق بين المحور السنكروني والدياكروني, فكان هذا التمييز المنهجي بين المحورين الآني والتطوري هو النافذة التي انبثق منها التفكير البنيوي, معززاً بإنتاجات المدرسة الشكلانية الروسية, وسرعان ما انتشر هذا النموذج الألسني إلى بقية العلوم الإنسانية وخصوصاً على يد أنثروبولوجيا شتراوس وكتاباته حول الأشكال الأولية للقرابة, ثم جاك لاكان في التحليل النفسي وألتوسير في تأويل الماركسية, ووصل هذا النموذج البحثي إلى ذروة جاذبيته حين قاربه مؤرخ الأفكار الشهير ميشال فوكو في آركيولوجياته حول التطورات الإبستيمية للتاريخ الأوروبي وذلك في كتابه ذائع الصيت الكلمات والأشياء.

صحيح أن فوكو كان يتملص من بنيويته بعد خبوها لاحقاً, لكن الباحثين والمؤرخين جرت عادتهم على اعتبار هذا الرباعي وهم شتراوس ولاكان وألتوسير وفوكو أبرز تطبيقات البنيوية, كما نجد ذلك عند روجيه جارودي في كتابه “البنيوية فلسفة موت الانسان”, وعند كريزويل في “عصر البنيوية”, بل حتى عند المؤرخين النقاد العرب كصلاح فضل وغيرهم, وأهم دارسي فوكو في كتابهما “ميشال فوكو مسيرة فلسفية” مالوا الى تبني هذه البنيوية المرحلية في خطاب فوكو.

وربما كانت ثورة الطلاب في فرنسا نهاية الستينات –بحسب مؤرخة البنيوية كريزويل- هي الإعلان الرسمي لنهاية البنيوية والتي هي رمز عصر النص وبداية عصر جديد تحول فيه الاهتمام إلى “القارئ” بمعنى البحث في دلالات الخطاب, لا على أساس المؤلف ولا على أساس النص, بل طبقا لوعي القارئ, فشاعت -بدرجة أقل- تفكيكية جاك دريدا ومفاهيم الغراماتولوجيا, وانتعشت جماليات الاستقبال ونظرية التلقي على يد هولب, وبلغ هذا المنهج ذروته التفتيتية في شعار “النص رياضياً يساوي عدد القراء”.

وفي بحر السبعينات, وعلى مائدة مستديرة في الكوليج دي فرانس, تمتم مؤرخ الأفكار المعروف “ميشال فوكو” في توطئة محاضرته عن النظريات التفسيرية عند الثلاثي (نيتشة, فرويد, ماركس) بحلم حالت المنية دون تحقيقه, وذلك حين قال:

(الحقيقة أن هاته الأفكار التي أعرضها عليكم تخفي من ورائها حلماً: وهو أن نتمكن ذات يوم من وضع نوع من الموسوعة التي تضم جميع “تقنيات التأويل” التي أمكننا معرفتها ابتداء من النحاة الإغريق إلى أيامنا هاته, وإني أظن أن هاته المدونة الضخمة التي تضم جميع تقنيات التأويل, لم يكتب منها حتى الآن إلا فصول قليلة).

والحقيقة أن من يتأمل في كثير من التقنيات التفسيرية الحديثة التي سلطت على التراث يلاحظ دورانها كثيراً حول مفهوم “السلطة” سواء كانت سلطة السيادة أو إرادة السلطة كما في الاتجاهات النيتشوية, أو سلطة المال أو البعد الاقتصادي أو البنية التحتية المتعلقة بأنماط الإنتاج كما في التفسير الماركسي, أو سلطة الليبيدو الفرويدي أم غيرها.

ويلاحظ القارئ “الهادئ” أن هذه التقنيات التفسيرية الباحثة عن دور السلطة في تشكيل النص لم يكن وهجها بسبب “عبقريتها” وإنما كان وهجها بسبب “تطرفها”, فدور السلطة والمال والجنس وغيرها من الدوافع في تشكيل النص والتاريخ هي معطيات معروفة مسبقاً وليست جديدة, وإنما الذي صنع لها هذا الدوي والزخم إنما هو التطرف في جعلها العامل الحاسم.

فالوحي الإلهي ومن بعده علماء التراث كشفوا عن هذه السلطات وغيرها بشكل مبكر ولكنهم “أعطوها حجمها” ولم يبالغوا في تتبع تشكلات التاريخ بناء عليها, وهذا انعكاس لبنية الاعتدال الشرعي, وبنية الغلو الغربي.

ففي الحديث الشهير الذي رواه الترمذي وغيره وصححه غير واحد من الحفاظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«مَا ذئبان جَائِعَانِ أُرسِلاَ في زريبة غَنَمٍ بأفسَدَ لها مِنْ حِرصِ المرء على المال والشَّرَف لدينهِ»

فبين النبي صلى الله عليه وسلم سلطة الشرف وسلطة المال في تشكيل شخصية الفرد, وقبل هذا الحديث فقد أشار القرآن إلى دور هاتين السلطتين فقد حكى الله عن أصحاب الشمال قولهم:

{مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ, هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ}

وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلك في موضع آخر إلى سلطة المال وسلطة الغريزة الجنسية, فقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان عن عمر:

« ومن كانت هجرته إلى دنيا يُصِيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إِليه ».

وتكلم علماء السلوك الإسلامي كثيراً حول “قوادح التجرد” وأسهبوا في ذكر هذه السلطات التي تؤثر على المعرفة وتخلق التحيزات الداخلية, كسلطة الآباء وسلطة مشاكلة الأصحاب وسلطة الجاه وغيرها كثير, ومن ذلك ماذكره بشكل تفصيلي منظم الإمام ابن القيم في كتابه مفتاح دار السعادة.

بل إن الناقد السعودي المعروف عبدالله الغذامي في كتابه الخطيئة والتكفير حين شرح أسس السيميولوجيا نقل نقلاً عن الإمام أبي حامد الغزالي وقارنه بما وصلت إليه السيميولوجيا الحديثة ثم ذكر أنه يبدو أن السيميولوجيا الحديثة لم تكد تتقدم شيئاً بعد الغزالي!

وما نقله الغذامي عن الغزالي مبثوث عند غيره من علماء التراث, وأحياناً بشكل أكثر تفصيلاً.

والمقصود هاهنا ذكر أن أكثر هذه التقنيات التفسيرية الحديثة لم تأخذ دويها الاعلامي بسبب جدتها بقدر ما هو مغالاتها في تحويل الدافع الطبيعي إلى عامل حاسم ومطلق يجيب على كل الظواهر.

وقد سبقت الاشارة الى أن الأداتين المفضلتين في خطاب أنسنة التراث هما أداتي التسييس والمديونية, بل كادا أن يكونا محور تلك الأطروحات التفسيرية كلها, بحيث تؤول اليهما كل تلك النتائج.

والجدير بالذكر أن الأصول الرئيسية لتلك التأويلات هي أصلاً اطروحات استشراقية مبكرة رددها كبار المستشرقين أمثال شاخت ونللينو وجولدزيهر وغيرهم, وإنما كان الدور الجوهري الذي لعبه الفرانكفونيون العرب هو دور “الشراح” الذين أعادوا صياغة وترتيب تلك النتائج, وأكثروا من التنويع عليها, وغالب الاضافة لدى الشراح العرب إنما هي استلهام النماذج الاستشراقية في تطبيقات جديدة, أو اكتشاف شواهد جديدة لتلك النظريات التفسيرية, أما التخلص من طوق تلك الآليات الاستشراقية واستكشاف دور “النص” في تشكيل الحياة العامة للتاريخ الاسلامي فهو نادر فيهم.

والواقع أن أداة “المديونية” بمعنى تتبع حضور الآخر في الذات, أي استكشاف أثر الثقافات السابقة على الثقافة اللاحقة هي في أصلها جزء من منظومة الأدوات العلمية لتحليل الخطاب, وقد وظفها المبدعون في التراث الاسلامي بشكل رائع ولكن دون مغالاة ولاتعسف ولاتكلف, بل باعتبارها عامل ضمن شبكة عوامل مركبة, لا باعتبارها العامل الحاسم, ولابتكلف رد كل شئ اليها.

فالدراسات الاستشراقية –وتبعاً لذلك شراحها من الفرانكفونيين العرب- تحاول رد كل مفاهيم التراث الاسلامي التشريعية والسلوكية الى الثقافات السابقة للاسلام وتصوير التراث كحالة اقتراض ثقافي, ويستبعدون الوحي من أن يكون منبعاً لتلك التصورات.

بينما لم يكن علماء التراث الاسلامي بهذه المغالاة والتطرف, بل تحدثوا كثيراً عن ماكان الأئمة يسمونه “علوم الأوائل” وانتقدوا استمداد بعض مفاهيم علم الكلام وأصول الفقه والتصوف منها, ولكنهم لم يشطبوا الوحي والنص من دوره الجوهري في تشكيل التراث, وهذا يؤكد ماسبقت الاشارة اليه من الفارق بين بنية الاعتدال الاسلامي وبنية الغلو المعرفي الغربي.

وهذه المقارنة تكشف بجلاء أن مالدى هذه التفسيرات الاستشراقية وشراحها العرب من الحق فقد قرره علماء التراث الاسلامي, وماأضافوا الى ذلك فأغلبه فروض واحتمالات باطلة, تستند في غالبها الى التشابه الفيلولوجي لا إلى المستند التاريخي.

ومن أكثر أسباب هذا الضلال الاستشراقي غياب الوعي بمعطيين أساسيين, أولهما: دور النبوات وبقايا الكتب السماوية في تشكيل ثقافات الأمم السابقة للاسلام, وثانيهما: حجم المفاهيم المشتركة بين الكتب السماوية كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد).

وتبعاً لهذين المعطيين فإن جزءاً كبيراً من ظاهرة التشابه المفاهيمي بين ثقافات الأمم المتأثرة بالنبوات ليس نتيجة اقتراض ثقافي بينها, بقدر ماهو انعكاس لمصدر متقارب المفاهيم, بل يصل أحياناً لحد التطابق.

وأما أداة “التسييس” وهي التنقير عن الخلفيات السياسية للخطاب التراثي فأكثرها افتراضات وتهويلات وسوء ظن, وحين نتأمل في ظاهرة التفسير المادي/السياسي للتراث فاننا نشعر بالألم من حالة “التناقض التفسيري” الذي يقع فيه غلاة المدنية.

ففي قراءة التراث يميلون الى تقديم قراءة تاريخانية تحيل الافكار الى خلفيات السياق الاجتماعي والسياسي, فيفسر علم الفقه بصراعات القوى, وعلم العقيدة بمعارك المذاهب, وعلم الحديث بطلب السوق, وعلم التفسير بالموروث الثقافي, وهكذا.

بينما في قراءة الفكر الغربي لاتتم قراءته بمنظور تاريخاني يكشف البعد الذاتي, بل تتم قراءته بنيوياً باعتباره مجرد نسق ثقافي نقي متعالٍ, ومعزول عن الخلفيات والدوافع البشرية والسياسية والعنصرية, فيصور باعتباره مجرد فلسفة تستهدف الاستنارة والسلام الانساني وسعادة البشرية.

ومقارنة هذين المشهدين تشي بالتناقض المذهل في نظرية التفسير, فلايمكن تصور أن تكون حضارة كاملة تقرأ تاريخانياً, وحضارة أخرى تقرأ بنيوياً, فتفاوت التقنية التأويلية بهذا التناقض الحاد يكشف عن انحيازات نفسية عميقة أكثر من كون الخطاب رؤية معرفية.

والمتأمل في خطاب غلاة المدنية واللغة التي يعبرون بها عن منجزات الفلسفة الغربية والهالة التي يحيطون بها الأعلام الأوروبية ينكشف له هذا الانحياز النفسي بشكل واضح, فالتصور المطروح عن الفكر الغربي ليس “تصور علمي” معني بقراءة وتفسير الحالة الغربية كنسيج اجتماعي أو شبكة معقدة تمتزج فيها السياسة والمصالح والافكار والاخلاق والتيارات, بل تقدم صورة الفكر الغربي بلغة مناقبية وعبارات وجدانية هي أقرب الى الهيام منها الى القراءة المعرفية, فخطاب غلاة المدنية عن الغرب هو خطاب تبشيري وليس كما يزعمون من أنه خطاب تحليلي.

بل ويصل التطرف في تطويب الغرب -بمعنى تحويله الى طوبى- عند بعض غلاة المدنية الى مستويات أكثر من ذلك, فبعض غلاة المدنية اذا أخذ يتحدث عن المجتمع الغربي كأنه يصف “مدينة فاضلة” تتحقق على الأرض, فتأخذك التساؤلات أين هذا المجتمع المثالي الرومانسي الخالي من النزوات البشرية الذي يتحدث عنه هذا الكاتب؟

لتكتشف بعد ذلك أن هذا الكاتب حين يتحدث عن المجتمع الغربي فإن ذهنه يمر بثلاث مراحل: ففي البداية يركِّب “الصورة المثالية” الحالمة في ذهنه, ثم ينسبها لهذا “المجتمع الغربي”, ثم يحاكم المجتمعات الأخرى عن عدم وصولها لهذا المستوى الغربي المتقدم؟!

فالمجتمع الغربي يطابق المثال الذهني الطوباوي المفترض, وليس هو الواقع الغربي الذي نعرفه جغرافياً وفكرياً, بمعنى أنه تحول الغرب الى “مقولة مرجعية” تستحضر لأغراض التقييم والقياس ومحاكمة التجارب البشرية الأخرى, أكثر من كونها للدلالة على حضارة معينة معروفة جغرافياً وفكرياً ولها سياقاتها الخاصة.

وهذه السيرورة الذهنية تشابه الى حد كبير بعض متفقهة المدنية الذين إذا لم يستحسنوا بذوقهم المحض شيئاً قالو: هذا لاينسجم مع الشريعة. فنسبوا ذوقهم للشريعة, ثم حاكمو الوقائع على أساس مخالفتها لهذه الشريعة التي زعموها.

وحتى لايكون الكلام تجريدياً أذكر أن أحد كتاب الغلو المدني أفرد عدة مقالات يتحدث فيها عن ظاهرة “القبيلة” في المجتمع العربي والمحلي خصوصاً, وخلع عليها كل ألقاب الذم التي حملها قاموسه, ثم أخذ يتحسر بسبب أن ثقافتنا تحمل جذور العنصرية بخلاف الثقافة الغربية الخالية من هذه العنصريات.

فلاأدري عن أي غرب يتحدث هذا الكاتب؟ فالصراعات الكبرى في الثقافة الأوروبية كانت تدور حول تمايزات الأعراق الغربية, وقد أشعلت على أساسها حروب كبرى, وقامت على اساسها مشروعات دول, والولايات المتحدة التي ينظر اليها غلاة المدنية باعتبارها نموذج المساواة لم يصل الى سدة الحكم فيها طوال عمرها الرئاسي لارجل أسود ولا أنثى حتى هذه الساعة, ومع ذلك كله فإن هذا الكاتب يحاكمنا الى هذه الثقافة زاعماً نقاءها الاثني, فهذا مما يدل على أنه ركب صورة ذهنية مثالية ثم نسبها للمجتمع الغربي ثم أخذ يحاكم المواقف اليها.

بمعنى أن الغرب تحول عند بعض غلاة المدنية الى صورة متخيلة غير موجودة هي أشبه بالمطلق والمتعالي منها بالواقعي والانساني, وعليه فيبدوا أن غلاة المدنية هم الذين بحاجة الى أنسنة تصوراتهم عن الغرب, بمعنى كشف البعد الانساني والذاتي في مضامين الفكرة الغربية, لاقراءتها باعتبارها فكرة سماوية مجردة عن السياق التاريخي.

والحقيقة أن هذا الانبهار المرضي فضلاً عن كونه متصادم مع الوحي والواقع, فانه مضر أيضاً بالنفسية المسلمة, فان الاعتماد على جاهزية المنتج الغربي يسبب تسلل الشلل الى امكانيات الانتاج, ولذلك فان تجارب النهوض الآسيوية كلها كانت تؤكد أهمية عنصر “الثقة بالذات” في نجاح التنمية.

وبعض غلاة المدنية قد أغلق الباب بينه وبين نقاد الثقافة الغربية, عن طريق مسلمة مسبقة وهي أن “نقد الثقافة الغربية ناشئ عن الجهل بها” فكلما رأى ناقداً للثقافة الغربية افترض أنه ينقدها بسبب أنه لايعرفها.

وهذا تصور غير صحيح بتاتاً, بل إن رموز نقد الفكر الغربي هم أكثر اطلاعاً من كثير من المبشرين بالفكر الغربي, وسأضرب مثلاً هنا بأربعة مشروعات ضخمة: وهي مشروع فيلسوف المغرب “د.طه عبدالرحمن” لاعادة تقويم التراث وحق الاختلاف الفكري والفلسفي وتأصيل الفلسفة واستكشاف العلاقات الدقيقة بين الألسنية والمنطق, ومشروع “د.ابويعرب المرزوقي” لربط جذر المشكلة الفلسفية والفكرية بالفلسفة الاسمية في صورتها التيمية/الخلدونية, ومشروع “د.عبدالوهاب المسيري” لدراسة ظاهرة العلمانية الشاملة -أو مايمكن تسميتها بظاهرة المادية- في التصور الغربي, ومشروع “د.ادوارد سعيد” لتتبع تجليات “ارادة الهيمنة” في البنية التحتية للمنتج الثقافي الغربي كظاهرة الاستشراق والسرديات الكبرى في التاريخ الغربي.

فهؤلاء الرموز الأربعة لنقد الفكر الغربي ليسوا جهالاً به, بل هم أخبر به من كثير من المبشرين بالغرب من غلاة المدنية, ومع ذلك فهؤلاء الرموز الأربعة لديهم موقف صارم غير ودي تجاه الثقافة الغربية, وهذا مما يكشف أن نقد الثقافة الغربية ليس انعكاساً للجهل بها.

وبعض غلاة المدنية يستنكر هذا النقد الاسلامي للثقافة الغربية, وينعى على الاسلاميين غياب انبهارهم بمعجزة الحداثة الغربية, ويردد أن المجتمع الغربي ليس فيه مما يخالف الاخلاق الا المشكلة الجنسية فقط, بينما يتمتع المجتمع الغربي بأخلاقيات العمل كالصدق والأمانة ونحوها, وأن المجتمع الغربي استطاع أن يمؤسس العدل والأخلاق, فالاسلاميون كمن دخل قصراً فخماً فاشتغل بالنظر الى سلة المهملات وترك جمال القصر وابداعه, وهذه الفكرة منتشرة كثيراً عند غلاة المدنية.

والحقيقة أن هذا المثل المضروب مثل مضلل خادع, وإنما المجتمع الغربي كقصر فخم المظاهر لكن أساساته مهددة بالانهيار, فهل من العقلانية أن نستغرق في جمال مظاهره ونستنفر الناس لدخوله, أم أن نحذر الناس من انهياره الوشيك؟

ومما يكشف ذلك أن الثقافة الغربية تعاني من اضطراب حاد على صعيد الالهيات, فغالب الناس في ذلك المجتمع يعاني من تشوش عميق في هذا الأساس الجوهري, أما أغلب النخب المثقفة فهي إما لائكية أو أن قضية الدين عندها قضية مؤجلة غير محسومة, فالعالم الغربي نتيجة عدم تشرفه بالايمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم لايزال محروماً من التصورات الصحيحة الدقيقة عن الله والمعاد والنبوات والعالم العلوي والمستقبل بعد الموت ونحوها من المطالب العالية.

فهذا السؤال الجوهري وهو: ماذا خسر الغرب حين كفر بنبوة محمد؟ لايزال غائباً عن كثير من المثقفين المسلمين وللأسف.

فالمجتمع الغربي حين كفر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم خسر تحقيق مستقبل جيد بعد فناء البشرية وأصبح مهدداً بمخاطر كارثة جهنم, وخسر التعرف على محتوى الوحي, وهي تلك المعلومات الثمينة التي حملها آخر رسول أرسله خالق الكون الينا.

ولذا لم يستوعب كثير من مثقفي وفلاسفة الغرب مادلت عليه العلوم الالهية من أن هرم الأولويات هو عمارة النفوس بالله, بتألهه والتعلق به, وتجريد الذات لمراده ومحبوباته.

كما أن المجتمع الغربي لم يهتد لكثير من أصول وتفاصيل العدل التي كشفها الوحي, فلم يهتد الى كارثية الربا والميسر والمسكرات والفواحش, ولم تتطور عقليته التشريعية الى معرفة كثير من تفاصيل نظام الاثبات والقضاء الشرعي والحدود الجنائية وقواعد العلاقات الأسرية التي دل عليها الوحي, بل لم يهتد الى كثير من سنن الفطرة في الطهارة وازالة الأدران والتي نبهنا اليها الوحي .

بل إن المجتمع الغربي يعاني من “ظاهرة الوثنية” التي هي أحط مستويات التخلف, وكثير من غلاة المدنية لايتنبه لظاهرة الوثنية في المجتمع الغربي نتيجة كونه يعتقد أن الوثنية هي السجود لصنم فقط, بينما مفهوم الوثنية في القرآن أوسع من ذلك نتيجة سعة مفهوم العبودية, فإن الانصياع التام للهوى الشخصي واللذة الخاصة عبادة للهوى, ولذلك قال تعالى:

{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} (23) سورة الجاثية

وقال سبحانه:

(أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا}

وتبعاً لتأليه الهوى فان الانسان الخاضع لمتطلبات المادة خضوعاً تاماً جعله النبي صلى الله عليه وسلم عبداً للمال, فقال كما في الصحيح (تعس عبدالدينار, تعس عبدالدرهم).

فهذه النصوص تبين وجهاً من وجوه الوثنية وهو تأليه الهوى وعبودية المادة.

فكم هو مؤلم أن يغيب عن مفكر مسلم حجم انتهاكات الشريعة في الحضارة الغربية, ويرى أنه ليس في المجتمع الغربي الا مشكلة “الجنس” فقط, والواقع أن التدقيق في مثل هذه المقالات يكشف أن كثيراً من ذلك ناتج عن المغالاة في قيمة الحضارة المادية, والزهد في قيمة العلوم الالهية الموروثة عن الرسل, وهذا مما يؤكد أن الغلو المدني ينبوع الانحراف الثقافي.

ومع ذلك فلو سلمنا لغلاة المدنية بأنه ليس في المجتمع الغربي من تقصير الا الفوضى الجنسية, كاتخاذ الأخدان والسفاح وسن تشريعات زواج المثليين, فان ذلك كافٍ في كشف انحطاط وظلامية وتخلف هذا المجتمع, وحاجته الماسة والسريعة للتنوير بالعلوم الالهية, فظاهرة المثلية والشذوذ ليست مجرد سلة مهملات صغيرة بل هي أحد موجبات الغضب الالهي العام, ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى عاقب قرية سدوم باهلاكها هلاكاً عاماً لما انتشرت فيها ظاهرة المثليين, كما قال تعالى:

{ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ, مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ}

وقال سبحانه عنهم أيضاً:

{ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ, فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ, إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ, وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ, إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ}

فاذا كانت ظاهرة المثلية تستوجب هذا الغضب الالهي العارم فكيف يجوز تهوين الأمر وعرضه باعتباره مشكلة محدودة مع أن المجتمع الغربي بلغ بالمثلية تنظيمها تشريعياً وحفظ حقوق منحرفيها, ولم يناهض ظاهرة المثلية في المجتمع الغربي الا المؤسسة الكنسية نتيجة ماتبقى لديها من نور النبوات, ومع ذلك فان بعض الكنائس أطفأت ماتبقى من هذا النور الطفيف واعلنت احترامها لهذه الظاهرة المنحرفة.

أما القول بأن المجتمع الغربي استطاع أن يمؤسس العدل والأخلاق, فانه كما استطاع أن يمؤسس بعض هذه, فإنه أيضاً استطاع وبكفاءة أن يمؤسس كثيراً من تطبيقات الرذيلة والجريمة والظلم, ويوفر لها أرقى الامكانيات التكنولوجية.

أما مايشيعه غلاة المدنية من تشبع المجتمع الغربي بأخلاقيات الصدق والأمانة في العمل التجاري, فان بعض ذلك موجود حقيقة كما هو موجود في غيرهم من الأمم, ولكن كثيراً منه ليس صدقاً وأمانة يبتغى بها وجه الله وليس نابعاً من الاخلاص لخالق الكون سبحانه, بقدر ماإنها “مصداقية تسويقية” مدفوعة بحسابات الربح والخسارة المادية ومهارات “الماركيتنج”.

ويكشف ذلك احصائيات حجم الاختلاسات والسطو المنظم وفنون الجريمة في المجتمع الغربي, والذي تعرضه دوماً الدراسات الاجتماعية باسهاب, وتقتبس منه الصحافة أحياناً بعض النماذج, وهذا مما يؤكد أيضاً حاجة الغرب الى العلوم الالهية لتصحيح الدوافع.

ومن أوجه التناقض التفسيري الذي سبقت الاشارة اليه عند غلاة المدنية أنهم يرون أن التفسير السياسي لمفاهيم التراث وافتراض أن ثمة صفقات خفية بين رموز التراث والسلطة هو خطاب علمي متنور مستوعب للأدوات الانثروبولوجية, أما نقد الكتاب المعاصرين فهو دخول في النيات وتنقيب عما في القلوب وشق عما في الصدور, فاتهام نيات أئمة القرون المفضلة يعتبر خطاباً علمياً, أما اتهام الكتاب التجديفيين والروائيين العبثيين فهو دخول في النيات, فأي تناقض أبشع من ذلك.

وخلاصة الأمر من هذه الفقرة أن أضخم المخاطر من أنسنة التراث –بمعنى تفسيره مادياً- هو إساءة الظن به واسقاط قيمته, وبالتالي انفصال الشاب المسلم عن “النماذج الملهمة” والتي تغذيه بالإيمان والقيم, فيعرض عن التفاعل مع أخبار القرون المفضلة في عبوديتهم وعلمهم وزهدهم وجهادهم, حتى يذبل إيمانه وتذوي حيويته الدعوية, فانبتات الجذور استسلام للعاصفة.

أنسنة العلاقات:

من أهم المقولات عند غلاة المدنية قولهم (يجب أن نعمل للإنسان بما هو إنسان, بغض النظر عن هويته وعقيدته ودينه) ويرددون كثيرا لفظ “الإنسان” بصيغة مطلقة بدون إضافات تقيد أو تخصص, ويحمل بعضهم شعار “الأخوة الإنسانية” او “الآدمية المشتركة” أو “المذهب الإنساني” ونحوها من اللافتات التي تدور حول هذا المعنى.

والواقع أن هذه الدعوة -وإن كان البعض يرددها بحسن نية- إلا أنها تضمر سلخ الأوصاف القرآنية القطعية التي ميز الله على أساسها بين الناس وفاوت في العلاقات طبقاً للتفاوت فيها, كوصف المؤمن والمسلم والفاسق والكافر والمشرك والمنافق, ووضع هؤلاء جميعاً في مرتبة واحدة بناء على اشتراكهم في الإنسانية, ليصبح المسلم واليهودي والوثني على حد سواء لا فرق بينهم طالما أنهم يعملون لسعادة الإنسانية والسلام البشري!

يا ترى كم من الآيات يجب أن ننزعها من المصحف ليمكن للمرء تقبل هذه الدعوة؟ إن مجرد التأمل في هذه الدعوة وتصور مآلاتها ومؤداها كافٍ لردع المسلم -الذي يقدر الله حق قدره- عنها والتبرؤ منها.

لقد بين كتاب الله بشكل جلي واضح أن الإنسان إذا أعرض عن الإسلام والوحي فقد تكريمه الفطري الكوني الذي ذكره تعالى في قوله {ولقد كرمنا بني آدم} وأصبح مهاناً منحطاً في نظر الله ونظر أهل الإيمان, ولذلك لم تأت الشريعة بالمدح والتعظيم المطلق لـ”الإنسان” كما يتوهم بعض غلاة المدنية, بل إن القرآن بين في مواضع كثيرة ذم “الإنسان” إذا فقد شرف الإيمان ومن ذلك قوله تعالى:

{قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ}[عبس:17]

وقوله تعالى:

{وَكَانَ الإنسان كَفُورًا} [الإسراء:67]

وقوله تعالى:

{إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ مُبِينٌ} [الزخرف:15]

وقوله تعالى:

{إِنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُود}

وقوله تعالى:

{كَلا إِنَّ الإنسان لَيَطْغَى}

ومن تدبر المواضع القرآنية التي ورد فيها مفهوم “الإنسان” وجد أن الله سبحانه وتعالى يذم جنس الإنسان بمذام متنوعة ثم يستثني من عموم هذا الذم أهل الإيمان.

ومن ذلك أن الله تعالى تعالى أقسم بالزمان على أن الإنسان في خسارة تامة كما قال تعالى:

{وَالْعَصْرِ, إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ}

ثم أتبعها باستثناء أهل الإيمان من هذه الخسارة فقال:

{إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}

وذم الله جنس الإنسان بصفة الهلع والجزع والشح ثم استثنى أهل الإيمان كما قال تعالى:

{إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا, إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا, وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا, إِلا الْمُصَلِّينَ} [المعارج:19-22].

وذم الله جنس الإنسان بصفة القنوط والجحود والبطر ثم استثنى أهل الإيمان كما قال تعالى:

{ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نزعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ, وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ, إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}

وذم الله جنس الانسان بصفة الظلم والجهل, ثم أعقب ذلك بالتمييز التفصيلي في جنس هذا الانسان الظلوم الجهول على أساس الموقف الديني فقال تعالى:

(وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا, لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}

وهذا المعنى المتضمن ذم جنس “الانسان” ثم استثناء أهل الايمان له نظائر كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, بل إن الله هدد الإنسان تهديداً مدوياً بقوله تعالى:

{يَا أَيُّهَا الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}

ولذلك لما سمع الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رجلاً يقرأ هذه الآية قال: (غره والله جهله) والذي يبدوا أن عمر استنبط هذا المعنى من الآيات التي وصفت “الانسان” بالجهل كما سبقت الاشارة لبعض تلك الآيات.

فكيف يقال بعد ذلك أن الله كرم “الإنسان” وفضل “الإنسان” بغض النظر عن هويته الدينية, وأن الأديان لا تؤثر في كرامة الإنسان إيجاباً ولا سلباً, وأننا يجب أن نعمل لمفهوم “الإنسان” بغض النظر عن عقيدته, أو قول بعضهم لا تجعلوا الرأي الشخصي يفرق بين أبناء آدم, أليس في ذلك مشاقة لكلام الله سبحانه وتعالى الصريح؟

ومن الإنصاف أن نقول أن بعض الكتاب الذين يرددون هذه المقولة لم يتنبهوا لمضامينها المصادمة للميزان الإلهي, ولم تخطر ببالهم الآيات القرآنية في ذم الإنسان إذا فقد الإيمان.

وأتذكر أحد الكتاب المأخوذين بقضية الحضارة كان يردد في فترة سابقة: أن الإسلام السياسي همش “الإنسان” بينما القرآن كرمه وأعلى قدره, فكان يحاول أن يزاحم في قضية التأصيل ذاتها, ثم لما اصطدم بسيل الآيات القرآنية في منزلة غير المؤمن, تحولت نغمته السابقة وأصبح يردد: للأسف أن الإنسان في نصوصنا الدينية منزوٍ مهمش لا قيمة له, فتحول من إدانة الإسلاميين المعاصرين إلى إدانة نصوص الكتاب والسنة.

هذه الإلماحة السابقة إنما هي إشارة مختصرة لصلة هذا المذهب الإنساني بأصول الوحي, أما صلته بالواقع فالمذهب الإنساني في الحقيقة رؤية رومانسية حالمة, إذ لا يوجد أصلاً دولة من الدول اليوم شرقيها وغربيها تعمل للإنسان المطلق, بل تجدها تميز في الجنس الإنساني إما على أساس وطني أو قومي أو عرقي أو غير ذلك من المقاييس, فكيف نتقبل تمييز هذه الأمم بين المواطن وغير المواطن, ولا نقبل تمييز الله بين المسلم والكافر؟!

ومن أهم الآثار السلبية لهذه الدعوة أنها تضيع الثواب والأجر عند الله للعامل, فبدلاً من أن يعمل الإنسان لنفع المسلمين مبتغياً الثواب عند الله, يصبح يعمل لنفع الناس مسلمهم وكافرهم بهدف إنساني محض لا بهدف التقرب لله.

ومن قدر له أن يعايش بعض الغربيين ولو لفترة محدودة, ويحاورهم حول تصوراتهم عن غاية الحياة, ومعنى السعادة, ووظيفة المال, وقيمة الإيمان, وتفاصيل نظامهم الاجتماعي, فستتأكد له الصورة التي رسمها القرآن عن شخصية الكافر.

من رأى أولئك الكفار لاهثين في لجام الملاذ, منكبّين على الموائد, لايبالون مأتاها ومخرجها, ولا يرفعون رأساً بطيباتها من خبائثها, ويتضاحكون عالياً في ليلة غاب عنها القمر, ولم يستعدوا للقاء الله طرفة عين, فسيفريه العجب فرياً وهو ينظر إليهم ويتذكر قوله وتعالى في سورة محمد:

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ}

فعلاً والله.. ألا ماأعظم هذا التشبيه الإلهي, أرأيت كيف تغيب رؤوس الأنعام في قلال العشب لا ترفع أعناقها إلا لتعود مرة أخرى, ليست مهمومة بلقاء الله, ولاتفكر في خالق ولا نبي ولا وحي ولا عبادة ولا بعث ولا حساب ولا عذاب ولا مستقبل أخروي حتى يفجؤها يومٌ يقتص فيه للشاة الجلحاء من الشاة القرناء, فتلك حياة الكافر.

وانظر إلى كتاب الله كيف يعيد سبحانه هذا التصوير والتشبيه بالأنعام مرة أخرى, مشيراً إلى علة ذلك وهي استغراق هؤلاء المساكين عقولهم وحواسهم في تدبير معاشهم الحاضر والإعراض عن الاستدلال بها على الله والاستعداد للقائه في الحياة المستقبلية القريبة, بل جعلهم هذه المرة في مرتبة أحط من مرتبة الأنعام كما قال سبحانه في سورة الأعراف:

{لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا, وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا, وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا, أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ, بَلْ هُمْ أَضَلُّ, أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}

ويأتي سبحانه مرة ثالثة بذات التشبيه, وذات التعليل, وذات المرتبة, فيقول سبحانه في سورة الفرقان:

{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ, إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ, بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا}

بل زاد سبحانه وتعالى في بيان دناءة وخسة مرتبتهم فجعلهم سبحانه في مرتبة أسوأ الدواب فقال في سورة الأنفال:

{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}

وقال في موضع آخر من الأنفال:

{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}

وفي موضع آخر من كتاب الله شبه الله سبحانه وتعالى نوعاً من الكفار بأرذل من ذلك فقال سبحانه في سورة الجمعة:

{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ}

وضرب الله سبحانه مثلاً آخر أشد بشاعة لنوع آخر من الكفار وهم الذين بلغوا مرتبة من العلوم ولكنها لم تقدهم إلى الإيمان بالله, فشبههم بما هو أقبح من كل ماسبق, فقال سبحانه في سورة الأعراف:

{فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا}

فكل من أعرض عن هذا الإسلام ونور الوحي فهو في هذه المرتبة المنحطة, ولذلك وصفهم الله بالرجس لما تبرمت صدورهم عن قبول الإسلام, كما قال سبحانه في سورة الأنعام:

{فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام , وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء, كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}

وذكر الله عنهم هذا الرجس أيضاً في سورة يونس أيضاً فقال سبحانه:

{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ, وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}

فيالله العجب, كيف صار كثير من الأذكياء في مرتبة الأنعام والدواب في المعيار الإلهي؟! بل جعل بعض هذه أحياناً أشرف منهم! آيات قرآنية كأنها ضرب من الخيال في عصر الأنثربولوجيا الفرانكفونية, لكنها حقائق الوحي..

هذا بعض من صورة “الكافر” في كتاب الله, وهذه مرتبة الكافر في المعايير الإلهية, وهي فقط نماذج أوردتها للمقارنة بفكرة المذهب الإنساني الذي لا يفرق في جنس الإنسان على أساس الإيمان والكفر, ليتبين حجم التناقض والهوة التي ارتكبها هذا المذهب البائس.

فكم هو شعور عاصف بالألم حين يكتشف الإنسان أن معاييره غير تابعة للمعيار الإلهي, فيتفاجأ بمشاعره وأحاسيسه الداخلية تعظِّم من قد حطَّ الله منزلته, وتستهين بمن رفع الله شأنه!

فكيف نكرم من قد أهانه الله, والله تعالى يقول:

{وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء}.

يتيبس الذهول في نظرات المرء حين يرتطم بكارثة معاييره وموازينه الشخصية وهي تتعارض مع معايير وموازين جبار السموات والأرض.

وإن كانت تلك المعايير والموازين الشخصية في كثير من الأحيان معايير مضمرة غير معلنة, لكنها حقيقة غامضة تتنكر في زي التمدن, وتمتح من نبع الهوى, وتظهر آثارها في خلجات الترحيب واستبشار الوجوه.

هذه حقائق الوحي, وهذا حكم الله وقراره, وهذا قضاء جبار السموات والأرض, إن كنا فعلاً نؤمن بالله, ونفخر بمضامين كلامه سبحانه, ونلتزم بمقرراته, ونقدره حق قدره.

أما التحرج من حقائق الوحي, والتدسس عنها مجاملةً لوسائل الاعلام, وتربيتاً على أكتاف الذوق الجماهيري الحديث, فلن تغير من حقائق الوحي شيئاً إلا إن استطعت أن تحجب الشمس بكف أرعشها الخجل.

أفيكون ربنا سبحانه أهون الناظرين إلينا فنجاملهم على حساب وحيه وحكمه وقضائه سبحانه, كيف ونحن نقرأ معيار صريح الإيمان (ثم لايجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت)؟!

ومما انبنى على هذا “الميزان الإنساني” أن بعض غلاة المدنية إذا تعرض لبعض الشخصيات غير المسلمة ذات الوزن التاريخي إما بسبب منجز معرفي أو بسبب نزعة سلمية فإن بعضهم يتجرأ ويجزم بأنه في “الجنة” وأنه لا يمكن أن يدخل “النار” حتى لو كفر بالإسلام.

ومن الإنصاف أن أذكر أن ثمة فئة من غير المسلمين صادقة في أحاسيسها ومشاعرها, ومخلصة في بذلها لا تطلب مصلحة, ولا حمية لقومها, ولا رياء وظهوراً, ولا حباً في الذكر الحسن, ولا جاهاً عند الناس, ولا طلبا لاحترام الآخرين, وإنما هي نزعة إنسانية رؤوفة محضة من بقايا الفطرة الربانية فيهم, وهذه الفئة المتجردة من حظوظ النفس -وان كانت محدودة عزيزة الوجود بطبيعة الحال- إلا أنه ماذا ستنفعها كل أخلاق الدنيا طالما أنها كافرة بـ “نبوة محمد” صلى الله عليه وسلم؟! ماذا تنفع الإنسان كل أعمال الدنيا إذا كانت نفسه لم تعمرها الضراعة والإخبات ولم تتزك بالعلم بالله ومعاملته سبحانه وتعالى؟!

هذا “أبوطالب” لم يؤذِ مسلماً واحداً, بل كان أذاه للكفار, فقد كان سنداً لرسول الله صلى الله وسلم في دعوته فنصره وحامى عنه, وتلطف له وأحبه, بل لقد كان في نفسه يعلم صدق خبر محمد عن نبوته, وبذل جاهه وشيئاً من سمعته في سبيل الذود عنه, بل وأوذي فيه, وما تطاول الكفار على النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات ابوطالب, ومع ذلك هو في ضحضاح من نار, بل لقد نهى الله ابن أخيه محمد صلى الله عليه وسلم الذي انتفع بحمايته من أن يدعوا له, ولم يجعل ذلك أبسط الوفاء له! وماذاك إلا لأنه أعرض عن الانصياع التام لحكم الوحي.

وهذا عبدالله بن جُدعان ملأ الجزيرة العربية بالأعمال الإنسانية المحضة من إغاثة الملهوفين وإيواء الضعفة ومع ذلك لم ينفعه ذلك لأنه لم ينكسر يوماً بين يدي الله كما روى الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين, فهل ذاك نافعه؟ فقال صلى الله عليه وسلم:

(لا ينفعه, إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)

وهذا حاتم الطائي كان يتعشق الإحسان للناس في جزيرة قاحلة, ويبذل من ماله الخاص ليطعم الجائع ويكسو العاري, ومع ذلك لم ينفعه ذلك في ميزان الله لا لشيء إلا لأنه لم يؤمن بالوحي, فقد روى أصحاب السير أنه لما وصلت “سبايا طيء” وقفت ابنة حاتم الطائي وقالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أبي كان يحمي الذمار, ويفك العاني, ويشبع الجائع, ويكسو العاري, ولم يرد طالب حاجة قط, أنا ابنة حاتم طيء, فقال رسول الله :

(يا جارية هذه صفة المؤمنين حقاً, ولو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه..)

فليس لأعماله وزن في ميزان الله لأن “قبول هذه الأعمال معذوق بالإيمان” كما يعبر ابن كثير رحمه الله ..

لن يغني هؤلاء الإنسانيين -على قلتهم- أنهم مؤمنون بالله, أو أنهم لم يشركوا بالله في عبادته, أو أنهم قدموا نفعاً للبشرية -كما يقوله بعض المفكرين- طالما أنهم لم يؤمنوا بـ”نبوة محمد” صلى الله عليه وسلم .. ولذلك قال مفسر المعتزلة العلامة جارالله الزمخشري:

(من لم يجمع بين الإيمانين: الإيمان بالله وبرسوله فهو كافر)

وقد دل على ذلك قوله تعالى في سورة الفتح:

{وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا}

فمن لم يجمع الإيمانين فهو كافر.

وقد علل الله سبحانه حبوط كثير من الأعمال بالكفر بـ”نبوة محمد” صلى الله عليه وسلم وقرنها بالكفر به سبحانه كما قال تعالى:

{وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ}

وقال تعالى أيضاً:

{فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ}

فلو فرضنا عملاً إنسانياً محضاً لايريد به صاحبه مالاً ولا منصباً ولا جاهاً ولا ظهوراً ولا شهرةً ولا تصدراً ولا رياسةً ولا طلباً للذكر الحسن عند الناس ولا أي مصلحة مادية أو معنوية فان ذلك كله –على فرض وجوده- لاينفع صاحبه طالما أنه كافر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم, فأعمال الكفار كلها حابطة في ميزان الله بمجرد أن يعرضوا عن شيء من مضامين الوحي كما قال تعالى في سورة محمد:

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ, ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}

وقد شبه الله حبوط أعمال الكفار تشبيهات ذات دلالة بليغة فشبهها سبحانه تارة بالهباء كما قال سبحانه في سورة الفرقان:

{وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا}

وكشفت هذه الآية أن هذه الأعمال التي جاء بها الكفار يوم القيامة هي “أعمال محمودة” في ذاتها وحسنة في أصلها, لكن الله لم يقبلها منهم ولم تنفعهم, ولو لم تكن محمودة في ذاتها لم يجعلها هباءً, بل لجعلها وبالاً, فإن الآثام تحتسب على الكافر ولا تذهب هباء, وإنما الذي يذهب هباء هو العمل المحمود في أصله لكنه لم يقبل لفوات شرط القبول.

وفي موضع آخر جعل الله أعمال الكفار كالرماد المتطاير كما قال في سورة ابراهيم:

{مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ}

وجعلها في موضع آخر كالسراب الزائف كما قال في سورة النور:

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا}

ومما هو لصيق الصلة بهذه الرؤية أنك تجد غلاة المدنية يتحدثون عن خيرية العالم المعاصر, وجمال الإنسانية المعاصرة, ونحو ذلك, ويعتبرون الحديث عن حجم الضلال “نظرة سوداوية” منعكسة عن رؤية همجية ونحو ذلك.

والواقع أن الحديث عن غلبة الفساد والضلال على العالم هي رؤية قرآنية تضافرت آيات القرآن على تأكيدها, ومن ذلك قوله تعالى:

{وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103]

وقوله سبحانه:

{وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام:116]

وقال سبحانه وتعالى:

{وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [سبأ: 20]

وجاءت كثير من آيات القرآن بنسبة أوصاف من الذم إلى أكثر الناس, فقال تعالى:

{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} وقال سبحانه {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا} وقال سبحانه {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ} وقال سبحانه {وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأوَّلِينَ}

بل إن الله سبحانه وتعالى ذكر أنه لو آخذ الناس بكل ذنوبهم لما بقي أحد كما قال تعالى:

{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ}

وقال سبحانه في موضع آخر:

{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} [ فاطر:41-45]

ونحو هذه الآيات الكثيرة التي تكشف غلبة الضلال والفساد في جنس الإنسان بما يتناقض مع الرؤية الحالمة التي يروجها بعض غلاة المدنية.

وخلاصة الأمر أن مفهوم الأنسنة في هذا السياق ينطوي على استبعاد المضمون الديني من صياغة علاقاتنا بالآخرين, وهذا انحراف عن الوحي يؤول بصاحبه إلى مآلات خطيرة, نسأل الله أن يعفو عنا جميعاً.

خصوم الدعوات كمعطى تاريخي:

كثير من غلاة المدنية يميلون إلى تصوير الواقع الثقافي اليوم باعتباره مجرد “اختلاف فكري” ويحاولون دوماً تغييب “الدافع الديني” كعامل فاعل في رسم المسافات بين الفرقاء, صحيح أن هناك مساحة واسعة من الاختلاف الفكري هي “اختلاف اجتهادي” لايجوز شرعاً تصعيده إلى معاقد الولاء والمفاصلة, وصحيح أيضاً أن ثمة نزراً من المتسرعين المنتسبين للإسلاميين تحت أقنعة إلكترونية مستعارة يفسقون ويضللون على أساس مسائل اجتهادية, هذا ما لا يجوز إنكاره.

ولكن عين الباطل سحب هذه التصور على كافة هذا الاختلاف بأريحية صالون ثقافي أو عرض أكاديمي, وتصور أن كافة الاختلاف الفكري اليوم إنما هو مجرد “اجتهادات ثقافية”.

ومما بنوا على ذلك أنه يجب أن ننظر للكتاب المنتسبين للإسلام اليوم نظرة واحدة, ولايقبل التمييز والتفاوت بينهم على أسس دينية, فكل من انتسب للإسلام وجبت موالاته سواء كان معروفاً بالتقوى والفقه في الدين ونصر الإسلام أم كان معروفاً بالإعراض عن الوحي والقدح في قطعيات الشريعة, فكلهم مسلمون ومايطرحونه مجرد اجتهادات فكرية, ولذلك يتضايق غلاة المدنية من استحضار المفاهيم الشرعية كمفهوم الإفساد في الأرض ومفهوم النفاق ونحوها من المفاهيم أثناء بحث الشأن الثقافي.

والواقع أن هذه الرؤية تتضمن تغييب الكثير من معطيات الوحي, وسنشير إلى بعض ذلك:

فأولاً وقبل كل شئ يجب أن نقر أن ثمة قانون تاريخي وهو أنه لا يخلو زمان من وجود ظاهرة “خصوم الدين” ممن يجاهرون بمشاقة الله ورسوله, وقد كشف القرآن الكريم عن هذا القانون التاريخي كما قال تعالى:

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِين}

وبين سبحانه نوعي الأعداء بقوله سبحانه:

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ }

وهؤلاء الخصوم المحادين للدعوات الإلهية لا تكاد تخلوا منهم بقعة من الأرض كما قال تعالى:

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا}

فهذه ظاهرة دل عليها الوحي وأكدها التاريخ, فلا يجوز اعتبار القضية كلها قضية فكرية لا صلة لها بالموقف من الدين والوحي.

ولكن مع يقيننا بهذه الظاهرة التاريخية الشرعية فإنه لا يجوز ربط التصنيفات الفكرية المحدثة بهذا الوصف الشرعي مطلقاً, فثمة في الساحة اليوم تصنيفات فكرية متعددة بعضها مستقى من مذاهب غربية وبعضها الآخر مستوحى من تجارب تراثية, وهناك جدل في إلحاق التكفير أو التفسيق أو عداوة الإسلام بمثل هذه الألقاب, والواقع أن هذه التصنيفات الفكرية هي ألقاب محدثة أصلاً لا يعلق عليها مدح ولا ذم شرعي مطلق, وإنما المدح والذم الشرعي المطلق يكون بالأوصاف الشرعية التي علق الله ورسوله عليها الأحكام, في تفاصيل منظمة في باب الأسماء والأحكام من علم أصول الدين.

فالمدح والذم المطلق إنما يعلق باسم المحسن والمؤمن والمسلم والفاسق ومن في قلبه مرض والفاجر والمشرك والكافر والمنافق ونحوها, وتعيينها في الشخص المعين يكون باستفراغ الوسع في سبر تحقق الشروط وانتفاء الموانع.

ولا يقال طبعاً إنه لا يمكن الجزم بمعرفة الإيمان مثلاً ونحوه من الأعمال القلبية, وأننا لم نؤمر بالتنقيب عن قلوب الناس, فإن الإيمان ونحوه من الأعمال القلبية له نوعان من الأحكام: أحكام أخروية كالجزم بمصير المعين في جنة أونار, فهذا إلى الله.

وأحكام دنيوية كالموالاة والشهادة له بالخير فهذا يعرف في الدنيا وتعلق عليه أحكامه بالنظر إلى آثاره والتوسم في أماراته وآياته في الشخص المعين, ولذلك قال تعالى:

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الْكُفَّارِ}

فدل على إمكانية معرفة ظاهر الإيمان في الشخص المعين بالتوسم في أماراته, لا بالتنقيب عما استتر من مكنوناته.

ومما ينبغي التنبه له أن الولاء في الشريعة ليس على درجة واحدة كما يتوهمه غلاة المدنية, بمعنى ليس درجة واحدة يستوي فيها كل مسلم, بل الولاء للمسلمين درجات, فيتفاوت بحسب مافي المسلم من الإيمان والعمل الصالح وموالاة الوحي والقرون المفضلة, وهو نظير كون البراء والمعاداة تتفاوت بحسب ما في الكافر من مسالمة ومحادة ونحوها.

وهذا المعنى ظاهر في آيات القرآن وتصرفات النبي صلى الله عليه وسلم وفقهاء أصحابه, وقد دلت على ذلك آيات “عامة” يدخل فيها المسلم وغيره, وليست مختصة بالكافر, فقد ذكر الله سبحانه أن المؤمن والفاسق وإن كانا يشملهما اسم الإيمان لكنهما لايكونان في منزلة واحدة كما قال تعالى:

{أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ}

وقال تعالى في سورة الجاثية:

{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}

وقال تعالى في سورة ص:

{أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ}

ثم قال بعدها:

{أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}

ومن المعلوم أن مطلق الفسق واجتراح السيئات والإفساد في الأرض والفجور كلها لا تخرج المسلم بمطلقها من الإسلام، فيبقى صاحبها مشمولاً بهذا التمييز في المنزلة والمكانة عند الله, وميزان المسلم تبع لميزان الله تعالى.

وتفاوت الولاء فرع عن تفاوت المنزلة الدينية الظاهرة, ولذلك فإن الله تعالى فاوت الولاء بحسب منزلة المؤمن فقال سبحانه:

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ, وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا}

فانظر كيف جعل صيغة العلاقات تتفاوت بحسب التفاوت في درجة الإيمان والمجاهدة, فمن آمن وهاجر كانت له الموالاة التامة, ومن آمن ولم يهاجر نقصت ولايته بقدره, فكيف بمن اشتغل بإثارة المشتبهات وتزيين الفنون الغربية وتسويغ ما تضمنته من الفواحش والقيم المنحطة.

وهكذا كانت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه في التعامل مع المسلمين في عصره فإنه يزيد في موالاة المسلم بحسب قيامه بشعائر الدين الظاهرة, وينقص في موالاته للمسلم بقدر نقصه في أمر الله.

ولذلك هجر النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك وصاحبيه خمسين ليلة -كما في البخاري ومسلم- حتى قال الطبري: (قصة كعب بن مالك أصل في هجران أهل المعاصي).

ولما قالت زينب للنبي صلى الله عليه وسلم: “أنا أعطي تلك اليهودية” تعيب بذلك صفية, هجرها النبي زهاء شهرين فقد روى الامام ابوداود عن عائشة قالت:

(اعتل بعير لصفية بنت حيي, وعند زينب فضل ظهر, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزينب: أعطيها بعيرا, فقالت: أنا أعطي تلك اليهودية؟! فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فهجرها ذا الحجة والمحرم وبعض صفر)

والحقيقة أن التطبيقات الخاطئة في فهم تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم وسلوكياته في سيرته, خصوصاً في مثل هذه القضايا, يجب أن لا تدعونا للانقلاب على هذا الأصل كله, فقد كان هذا منهج أئمة القرون المفضلة فقد استفاض عنهم تفاوت الولاء بحسب قيام المسلم بالكتاب والسنة, ونقص موالاته بحسب ابتعاده عنها, وقد لخص الغزالي القدر المشترك في هذه الأخبار المستفيضة فقال في عبارته الجميلة:

(طرق السلف اختلفت في إظهار البغض مع أهل المعاصي، وكلهم اتفقوا على إظهار البغض للظَّلَمة والمبتدعة، وكل من عصى معصية متعدية إلى غيره).

ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه أن الصحابي الجليل عبدالله بن عمر لما أخبره يحيى بن يعمر عن قوم أنكروا القدر قال ابن عمر: (إذا رجعت إليهم فقل لهم: ابن عمر يقول لكم: إنه منكم بريء، وأنتم منه براء).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية :

(وأما إذا أظهر الرجل المنكرات: وجب أن يعاقب علانية بما يردعه عن ذلك من هجر وغيره ، فلا يسلم عليه، ولا يرد عليه السلام، إذا كان الفاعل لذلك متمكناً من ذلك من غير مفسدة راجحة, وينبغي لأهل الخير والدين أن يهجروه ميتاً كما هجروه حياً، إذا كان في ذلك كف لأمثاله من المجرمين, فيتركون تشييع جنازته، كما ترك النبى – صلى الله عليه وسلم – على غير واحد من أهل الجرائم ، وكما قيل لسمرة ابن جندب : إن ابنك مات البارحة، فقال : لو مات لم أصل عليه ، يعني لأنه أعان على قتل نفسه فيكون كقاتل نفسه، وقد ترك النبي الصلاة على قاتل نفسه, وكذلك هجر الصحابة الثلاثة الذين ظهر ذنبهم في ترك الجهاد الواجب حتى تاب الله عليهم ، فإذا أظهر التوبة أظهر له الخير).

فسائر ما روي من جنس هذه المواقف التي اتخذها النبي صلى الله عليه وسلم وفقهاء أصحابه وأئمة القرون المفضلة إنما هو نوع من “البراء الأصغر” الذي يدور مع علته وجوداً وعدماً, وهو مرتبط أيضاً بالمصلحة الشرعية فإذا عارضته مفسدة راجحة لم يكن محموداً.

وانعكاساً لتفاوت الولاء بحسب تفاوت المنزلة, فإن العقوبة على التعرض للمؤمنين تتفاوت بحسب تفاوت منازلهم أيضاً, فهو مطرد منعكس, فمن عادى ولياً لله ليس كمن عادى مسلماً فاجراً, ولذلك قال تعالى في الحديث القدسي (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب).

على أية حال .. فإن تفاوت الموالاة وتفاوت المعاداة هما فرع عن الأصل العظيم الذي ينتظم الشريعة كلها, وهو أصل العدل والقسط, فالشريعة لا تسوي بين المختلفين كما أنها لا تفرق بين متماثلين, وهو معنى الميزان الذي ذكره الله سبحانه في عدة موضع من القرآن, كقوله تعالى:

{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}

وقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي أَنزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ}

وقوله تعالى: {وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ}

وهذه النصوص الشرعية تكشف سقوط دعوى غلاة المدنية حين قالوا أن البراء لايكون إلا من الكافر أو من الكافر المحارب, أو أن الولاء للمسلمين لا يتفاوت.

على أنه لو لم ترد تلك النصوص الخاصة في البراء الأصغر, فإن الاستدلال بالنصوص الواردة في البراء الأكبر على البراء الأصغر كافٍ في بيان الحق, وهو من ضرب الأمثال التي أشار القرآن إلى كونها تبيانا لكل شئ, فهو استدلال ببعض المعنى لا أنه قياس شمول ولا قياس أولى, فيؤخذ من جزء الحكم بقدر ما تحقق من جزء العلة إذا لم يوجد ما يعارضها.

وهذا النوع من الاستدلال كان من منهج النبي صلى الله عليه وسلم وفقهاء أصحابه وعموم أئمة القرون المفضلة, فكانوا يستدلون بما نزل في الشرك الأكبر على الأصغر, ويستدلون بما نزل في عقوبات الكفار بأوصاف معينة على من شاركهم من المسلمين في عين ذلك الوصف.

ففي سنن الترمذي عن أبى واقد الليثى أن النبي وأصحابه لما مروا بالكفار وهم يتبركون بشجرة ذات أنواط طلب بعض الصحابة أن يكون لهم شجرة يتبركون بها, فهذا التبرك الذي طلبوه كان شركاً أصغر, ومع ذلك فقد نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم واستدل بآية نزلت في الشرك الأكبر فقال صلى الله عليه:

(قلتم و الذى نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم ءالهة قال أنكم تجهلون)

ولما رأى الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رجلاً من المسلمين في يده خيط يستعمله كتميمة, قطعه وتلا قوله تعالى (ومايؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) فاستدل بما نزل في الأكبر على الأصغر بجامع بعض المعنى.

ولما سئل ترجمان القرآن عبدالله ابن عباس عن قوله تعالى في سورة البقرة (فلاتجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) قال : هو كقول الرجل “لولا الله وأنت” ففسرها بقادح أصغر, برغم كونها في القادح الأكبر, لاشتراكهما في أصل التفات القلب لغير الله.

وعندما مر علي بن أبي طالب بقوم يلعبون الشطرنج على وجه محرم يفضي لترك الواجب الشرعي نهاهم وتلا قوله تعالى (ماهذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون) فاستدل بآية في الشرك على المعصية بجامع شدة التعلق المفضي لانتقاص قدر الله جل وعلا.

وفي قوله تعالى (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) قال غير واحد من السلف كعلي بن أبي طالب والضحاك وغيرهم هم “الحرورية”, برغم كون الآية نزلت قبل أن يخلق الحرورية أصلاً, وذلك منه رضي الله عنه استدلال بمانزل في الأكبر على الأصغر, بجامع بعض المعنى.

وهذا الوجه من الاستدلال بما نزل في الأكبر على الأصغر بجامع اشتراكهما في أصل المعنى شائع مستفيض في فقه القرون المفضلة, ومن طالع التفاسير الأثرية المعنية بنقل تأويل النبي وأصحابه والتابعين رأى كثرة ما فيها من هذا الضرب من الاستدلال.

وكثير من الكتاب اليوم يظنون أن “النفاق” الذي تحدث الله عنه في القرآن وأسهب في تصويره إنما هو النفاق المحض الذي هو إبطان الكفر وإظهار الإسلام, وتبعاً لذلك يستبعدون وجوده ويستعظمون استحضار هذا المصطلح الشرعي, ويهولون على من ينبس به.

والواقع أن النفاق ليس محصوراً في النفاق المحض, فإن النفاق المحض الخالص قليل في المسلمين اليوم ولله الحمد, حتى أن حذيفة -وهو أعلم الصحابة بأسرار النفاق- قال كما روى البخاري في الصحيح عنه: (إنما كان النفاق على عهد النبي صلى الله عليه وسلم, فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان).

ولكن هناك ما هو غير النفاق المحض وهو أن يقع الإنسان في “شعبة” من شعب النفاق –نسأل الله السلامة والعافية- فربما تجارت بالإنسان فأهلكته وربما أدركه لطف الله جل وعلا.

ولذلك روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شعب النفاق العملي (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا, ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه “شعبة من النفاق” حتى يدعها..الحديث)

وشعب النفاق تكون في الوقوع في عمل من أعمال المنافقين, كما قال صلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على “شعبة من نفاق” )

ولذلك فرق الله في القرآن كثيراً بين اسم “المنافق المطلق” وبين المسلم الذي “في قلبه مرض” أي شعبة من النفاق, وعطفهم على بعضهم في كثير من المواضع مبيناً اشتراكهم في بعض شعب النفاق, كما قال تعالى:

{إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ}

وقال تعالى أيضا:

{لئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ..الآية}

وقد علق الإمام ابن كثير على الآية الأولى وهي قول المنافقين ومن فيهم شعبة نفاق حين ادلهمت الأزمة الأمنية: “ماوعدنا الله ورسوله إلا غرورا” تعليقاً مشبعاً بالبلاغة حيث قال:

(أما المنافق فنجم نفاقه، والذي في قلبه شبهة أو حسِيْكَة ضَعُف حاله فتنفس بما يجده من الوسواس في نفسه؛ لضعف إيمانه وشدة ما هو فيه من ضيق الحال).

وشعب النفاق كما هي شعب الإيمان كلاهما يعرف بالتوسم في الأمارات والأحوال والآيات والعلامات كما قال تعالى في سورة محمد:

{وَلَوْ نَشَاءُ لأرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ}

وأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض أمارات شعب النفاق وشعب الإيمان في صحيح البخاري فقال: (آية الإيمان حب الأنصار, وآية النفاق بغض الأنصار)

وهذه العلامات والآيات تورث التهمة, فتقوى وتضعف بحسبها, وقد كان الصحابة –خلا حذيفة- لايعلمون أسماء المنافقين تعييناً, بل كان النبي صلى الله عليه وسلم لايعرف بعضهم كما قال تعالى (لاتعلمهم نحن نعلمهم), وإنما كان الصحابة يعلمون كثيراً منهم بحسب هذه الأمارات فيكون فيهم متهماً بذلك, ولذلك فإن كعب بن مالك رضي الله عنه حين تخلف عن الغزاة في قصته الشهيرة ذكر أنه لم يجد في المدينة إلا من كان متهما ومغموزاً بالنفاق, كما روى البخاري عن كعب أنه قال:

(فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه النفاق)

أي مطعونا عليه في دينه ومتهما بالنفاق, كما ذكر غير واحد من شراح الصحيح.

ومن تدبر شعب النفاق التي ذكرها الله في مواضع متفرقة من القرآن خصوصاً مطلع البقرة والتوبة والأنفال ونحوها من السور المدنية علم سر قلق الصحابة من النفاق, فالصحابة لم تكن خشيتهم الأساسية أن يبطنوا الكفر ويظهروا الإسلام, فهذا أمر ظاهر, وإنما كانوا يخشون أن يقع أحدهم في شعبة من شعب النفاق الدقيقة, ولذلك وصف التابعي الجليل ابن أبي مليكة حالهم فقال كما في صحيح البخاري:

(أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه)

ومما يبين ويوضح أن قلقهم الأساسي لم يكن من النفاق الخالص وإنما كان من شعب النفاق تتمة هذا الأثر حيث يقول ابن أبي مليكة:

(ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل)

فتبين أنهم عنوا نقص الإيمان الكامل بما يعارضه من شعب النفاق, وإنما كانت خشيتهم من شعب النفاق لأن شعب النفاق قد تتجارى بالإنسان حتى تهلكه, فيزداد وارد هذه الشعب حتى يضعف المحل عن احتمالها فيخرج منه نور الإيمان والعياذ بالله, كما قال تعالى:

{فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا}

وجاء نظير هذا المعنى في التوبة فقال تعالى:

{وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ}

ثم إن شعب النفاق إذا نقلت المرء إلى اسم النفاق المطلق فإن هذا النفاق التام يتفاوت أيضاً بحسب شدة صاحبه في مناهضة وبغض أمر الله ورسوله, فهناك المنافق وهناك من مرد على النفاق, كما يقال شيطان وشيطان مريد, كما قال تعالى:

{وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ}

ومن أعظم شعب النفاق التبرم بمرجعية الوحي, وازدراء القرون المفضلة, واللهج بذكر الكفار وامتلاء القلب بتعظيمهم, هذه كلها من شعب النفاق, والتي يقاربها كثير من الكتاب اليوم فمستقل ومستكثر.

وحتى لا يكون الكلام تجريدياً نذكر بعض الأمثلة, فحين يكتب أحد رموز الفرانكفونية المشهورين عدة دراسات يقول فيها أن “القرآن أسطوري البنية” ويحاول في دراسات كثيرة أن يربط القرآن بالثقافات السابقة للإسلام ويتكلم عن حجم الاقتراض الثقافي, أو حين يكتب باحث شهير آخر في رسالته الجامعية بأن القصص الفني في القرآن هي مجرد “أساطير” لا حقيقة لها وأنه يجوز نقدها تاريخياً, أو حين يقول رائد التغريب المطلق بأن “حديث الكتب السماوية عن إبراهيم وموسى لا تعني مصداقية الوجود التاريخي”, أو حين يكتب باحث آخر بأن “القرآن منتج ثقافي” كحصيلة التفاعل مع البيئة العربية, مع محاولاتهم المستمرة لربط القرآن بالموروث الديني عند ورقة بن نوفل أو بحيرى الراهب أو غيره, ونحو ذلك.

فهل يشك باحث صادق امتلأ قلبه بتعظيم الله وقدره حق قدره أن هذا كله من شعب النفاق؟! هل يشك إنسان يعظم الله أكثر من تعظيم الذوق الحديث بأن هذه المقالات من “الإفساد في الأرض” ومن “الفجور” الذي قال الله عنه:

{أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ, أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}

فمالفرق بين هذا النمط من الباحثين الذين يربطون القرآن بالأساطير السابقة للإسلام وبين قول كفار قريش:

{وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا, فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا}

وهي ذات نظرية كفار قريش حين زعموا أن القرآن مأخوذ من غلام مسيحي اسمه “جبر” كان يبيع عند الصفا وهو عبد لابن الحضرمي, كما ذكر ذلك ابن اسحاق في السيرة, ونص الله على مقالتهم تلك وأشار بوجه دقيق إلى بطلانها نتيجة استحالة التواصل اللغوي, فقال سبحانه:

{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ, لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ}

وقريب من هذه الأقول الشنيعة قول أحد الباحثين “أن الشريعة والسلف اعتقلانا, فيجب أن ننطلق من البرهان أي العقل المطلق” فهذا معنى مخيف, لا يتسامح تجاهه إلا من ضعف قدر الله في قلبه.

وكثير من هؤلاء المثقفين المأزومين تجاه “النص المؤسس” كما يسميه بعضهم يغمغمون في العبارة ويراوغون ويرسلون كلاماً مشتبها حول مقدسات الوحي وَجَلاً من حميَّة الناس لدينهم, ولا يوجلون من الله وهم ينتهكون حرمته, ولو كان لدى القارئ المسلم فسحة أكثر من ذلك لرأيت تصريحاً أكثر بجاحة وأشنع, وهذه أيضاً من شعب النفاق فقد أخبرنا الله سبحانه أن الخوف من الجمهور أكثر من الخوف الله من شعب النفاق كما قال سبحانه:

{لأنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ}

وجاء نظير هذا المعنى في سورة النساء فقال سبحانه:

{إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً}

وقد أمرنا الله أن نعرض عن هذا الضرب ولا نواليه, كما قال تعالى :

{وإذَا رَأَيْتَ الَذِينَ يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ}

بل إن دعوتهم إلى تجاوز فهم القرون المفضلة الذي اعتقلنا –كما يزعمون- هو مما أيقظنا الشارع إلى حدوثه وحذرنا من أهله فقد روى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:

«سيكون في آخر أمتي ناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم».

وأمارة هذا الضرب من الناس اتباع المتشابهات وترك المحكمات والشغف بالتفسير الغريب على طبيعة الوحي وسيرة النبي وأصحابه, كما قال تعالى:

{هُوَ الَذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ}

وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أكد هذه الأمارة التي ذكرتها الآية فقال صلى الله عليه وسلم:

(فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم)

وذكر ذلك النبي صلى الله عليه في سياق آخر كما روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:

« ما من نبي بعثه الله تعالى في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب ، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف: يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون مالا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل »

والمقصود من هذا كله أن الباحث العاقل المنصف المتجرد إذا تأمل نصوص الوحي الإلهي ورأى أن الشارع اعتبر خيانة الأمانة وفجور الخصومة وترك تحديث النفس بالجهاد وبغض الأنصار والارتياب في وعد الله ونحوها كلها من “شعب النفاق” فإنه لايشك طرفة عين أن التبرم بمرجعية الوحي, والإزراء بفهم القرون المفضلة, واللهج بتعظيم الكفار, وربط القرآن بالأساطير السابقة للإسلام, واعتبار الشريعة والسلف قد اعتقلانا, أنها كلها شعب من النفاق أشد وأبشع, ولا موقع للمجاملة في مثل هذه القضايا.

وبعض الناس يرى أن هذا فيه شيء من المبالغة, والحقيقة أن ما سبق من الآيات يكشف أن ما ذكرنا دون ما جاءت به الآيات أصلاً, ومع ذلك سأضرب لذلك مثلاً أتمنى أن يوضح الصورة أكثر: إذا كان مجرد “الجهر بالصوت” عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يتصادم مع توقيره بما يصل إلى “حبوط العمل” كله كما قال تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَاتشعرون}

فكيف سيكون شأن من ينقر ويقمش ويجمع ساقط المرويات ليهز ثقة القارئ في القرآن والسنة؟

شتيمة الدوغمائية:

يلاحظ المتابع لخطاب غلاة المدنية ولعهم المبالغ فيه بذكر “النسبية” واتهام المخالفين لهم بمصطلحات الوثوقية والدوغمائية واليقينية ونحوها.

والنسبية في المسائل الاجتهادية حق لا مرية فيه أقره الشارع في حديث “لايصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة”, ولكن المؤلم في خطاب غلاة المدنية أن بعضهم يتحدث نظرياً عن النسبية فيما دون القطعيات, ولكنك تكتشف أن هذه النسبية لا تتوقف أصلاً, بل تمتد وتمتد يوماً بعد يوم, فكل من خالف في قطعي من قطعيات الوحي سواء كان متقدماً أم معاصراً تجد من يبرر له ذلك بشعار النسبية.

ومن واقع تجربة مرة فإن أكثر من قرأت له من غلاة المدنية عن النسبية وجدته في بادئ الأمر يتحدث عن النسبية في الاجتهاديات، وهذا مستوى محمود لا شك فيه, إلا أنه بعد فترة يقفز إلى تطبيق النسبية في كل شئ, فكثير من غلاة المدنية يجعلون كل شئ “نظراً شخصيا محضاً”, ولا يجعلون لمعطى من المعطيات الشرعية -مهما كان قطعيته وحسمه وصراحته ووضوحه- شأنا يستحق الجزم واليقين المطلق.

ومما بنوا على أصل النسبية أنهم يسمون الغيرة على الشريعة والفضيلة “توتراً” ويطلقون على الداعية الذي يغضب ويتمعر وجهه إذا انتهكت الأصول الشرعية “متوتراً” أو يسمونه “نزقاً” ونحو هذه الأوصاف والعيوب.

ومما بنوا على أصل النسبية أيضاً التبرم بالحديث عن “شرف هذه الأمة” وفضلها على سائر الأمم, وينزعجون كثيراً من الحديث عن اجتباء هذه الأمة واصطفائها وحب الله لها, ويرونه لوناً من الوهم والتضليل والوثوقية.

ومما بنوا على أصل النسبية أيضاً أنهم يسمون إنكار المنكرات الشرعية ونهي المقصر “إقصاءً”, ولذلك يتباهى كثير من غلاة المدنية ببرودهم أمام مظاهر التقصير الديني باعتبارها “حرية شخصية”, ويجعلون سجية “التواصي” التي شرفها الله “وصاية” ويكثرون من تنقصها.

فإذا تأمل القارئ هذه الظاهرة اعتصره الألم وهو يرى محامد الوحي تتحول إلى مذامّ بألاعيب الألفاظ وتزويق المفردات.

والحقيقة أن من راقب مآلات النسبية رأى أنها الطريق الذي يقود المرء خطوة خطوة إلى “العدمية” المحضة التي لا تكاد تثبت شيئاً, وتجعلك غير قادر على الحماس لأي معطى شرعي, وتسلب المرء فضيلة اليقين وتقحمه في كهوف الارتياب والحيرة والتردد.

ولذلك فإن جبريل حين جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله في ذلك المجلس الذي قررت فيه أصول الدين الثلاث الإحسان والإيمان والإسلام, جعل أشرف هذه المراتب هي “الاحسان” وعرف الإحسان باليقين الحاسم الذي ليس دونه أدنى تردد, بحيث لا يوجد في قلب المرء إلا هذه الحقيقة, فقال “الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه”, فجعل الإحسان هو امتلاء القلب بحقيقة الألوهية بحيث كأنه يشاهد الله عياناً, والواقع أن من لهث خلف سراب النسبية فقد أغلق الباب بينه وبين هذه المنزلة التي هي أشرف منازل الدين, فبدل أن يجاهد نفسه لتستيقن أصبح يجاهد نفسه لترتاب.

والحقيقة أن التأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يكشف لنا بكل وضوح أن الحماس والغيرة على الشريعة والغضب لله ورسوله من المقامات المحمودة وليس توتراً ولا نزقاً ولا وصاية ولا إقصاء.

فمن ذلك ماروى البخاري في صحيحه من حديث عائشة أن النبي لما رأى قرام التصاوير يستعملونه ستراً تلون وجهه من الغضب.

وروى البخاري أيضاً من حديث ابن مسعود في حديث الذي يتأخر عن صلاة الغداة (لطول الصلاة) قال ابن مسعود: فما رأيت النبي أشد غضباً في موعظة منه.

وروى البخاري أيضاً من حديث زيد بن خالد الجهني في الذي سأله عن ضالة الإبل قال “فغضب رسول الله حتى احمرت وجنتاه, أو احمر وجهه” ثم قال: (ما لك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها حتى يلقاها ربها).

وروى البخاري أيضاً من حديث ابن عمر أن النبي لما رأى القذاة في المسجد “تغيظ”.

وغيرها كثير وإنما أردنا المثال لا الاستيعاب, حيث تبين هذه الأحاديث غيرة النبي صلى الله عليه وسلم وغضبه لله في مسائل من الأصول ومسائل من الفروع, فغضب من تطويل الصلاة ومن تعليق الصور ومن التقاط ضالة الإبل ومن القذاة في المسجد وغيرها.

ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في شؤون الإسلام ببرود معرفي كما يتصور غلاة المدنية, بل كانت تظهر عليه آثار الغضب والغيره, ففي صحيح مسلم من حديث جابر قال:

(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه, وعلا صوته, واشتد غضبه, حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم, ويقول بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى)

فكيف يقال بعد ذلك إن الغيرة على محكمات الإيمان والشريعة والفضيلة والغضب لله ورسوله من التوتر والنزق الوصاية والإقصاء ونحوها من الشتائم؟

فالغضب لله ورسوله ليس انتقاماً شخصياً, وشهوة تسلط على الناس, بل هو من أسمى مقامات الإيمان التي تعكس عمق تشرب القلب لحب الله ورسوله.

أما التباهي والافتخار بالبرود واللامبالاة والسلبية أمام مظاهر التقصير الديني باعتبارها “حرية شخصية” فهذا مرض ينبغي على الإنسان معالجته لا قيمة راقية يدعى إليها, فقد كان من أسباب لعن بني إسرائيل هو برودهم وسلبيتهم إزاء مظاهر التقصير الديني, كما قال تعالى:

{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ* كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [المائدة:78-79]

ومن أهم وسائل سلامة المجتمع من كوارث الغضب الإلهي وجود نخبة تغار على الحرمات الشرعية, كما قال تعالى:

{فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلا قَلِيلا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ}

وأما اجتباء هذه الأمة واصطفاؤها وخيريتها وتشريفها بالشهادة على الناس فهو من محكمات الوحي, كما قال تعالى:

{ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } [ الحج : 78]

وقال سبحانه وتعالى أيضاً:

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143]

وهذه النصوص مجرد شواهد فقط, وإلا فالكتاب والسنة مليئة بنظائر ذلك, بحيث أن من تأملها وتدبرها علم قطعية القدر المشترك بينها وبطلان ما يعارضها من مفاهيم الغلو المدني.

تعظيم الذهنيات:

غلاة المدنية يعظمون “المعاني الذهنية” القائمة على النظر والفكر والرأي والتجريد وعويص المعاني ودقائق المفاهيم وإمكانيات الخطاب وثروة المفردات, ويفتحون لها الصوالين الفكرية والاستضافات الثقافية, ويتحدثون كثيراً عن “لذة المعرفة” ويتلذذون بها لذة حقيقية لا مصطنعة, ويملكهم العجب من المتمكنين في هذه الحقول المعرفية, ويجعلونها معيار التقييم في النظر إلى الناس والأفراد, وينزلون الناس منازلهم بحسب براعتهم في هذا الباب وحدة نظرهم.

أما “المعاني السلوكية” القائمة على تزكية النفوس, وتطهير إراداتها, ونهيها عن الهوى, وكفها عن الشهوات, وردعها عن غرائزها, ودقائق معاملة الله سبحانه وتعالى, وما يليق به سبحانه وما لا يليق به, والطريق إلى عبوديته, والإخبات بين يديه, والتضرع له سبحانه, وطول القنوت في محراب الافتقار, وسائر الشعائر ومقامات الإيمان ومدارج التعبد, فينظرون إليها باعتبارها قيمة شخصية لا يطربهم الحديث عنها والتنافس فيها, ولا يعجبهم إقحامها في المجالس.

وما ذاك إلا لأن القوم أصحاب نظر لا أصحاب عمل, وأصحاب ذهنيات لا أصحاب إرادات, فمنزلة العقل –الذي هو مَلِك الفهم- عندهم مقدمة على منزلة القلب –الذي هو ملك الجوارح- بل لا منزلة للقلب بجانب العقل أصلاً.

ولذلك فإن المعظم وصاحب الجاه عندهم ومن ينصاعون لسلطته وينحنون لرياسته ويتفانون في إكرامه وتوقيره وتبجيله والتباهي بلقائه إنما هو صاحب الباع في المعارف النظرية والذهنية والعقلية, ومن يملك القدرات الفكرية والإمكانيات الفلسفية.

أما ذلك الشخص التقي الذي حباه الله بالعلم به سبحانه وتعالى, وقوة الإرادة بالانكباب على عبوديته والاستعلاء على داعي الهوى والغريزة, والإقبال على كتابه, وإفناء الساعات في مناجاته, لكن ليس له باع في الذهنيات والمعارف العقلية فينظرون إليه كشخص بسيط ساذج, ويسمونه في كثير من الأحيان “درويشاً” استخفافاً به وزهداً في حاله, وفي أحيان كثيرة ينظرون إلى ربانيته واستغراقه في معاني العلم بالله سبحانه كتعبيرٍ عن فشله في المعارف الفكرية ودقائق النظر وأبواب العقليات.

وأصل هذه الحالة تعود إلى إشكالية فلسفية طرحت منذ أيام الفلسفة اليونانية ولا زالت حية كفلسفة ضمنية وإن كانت غير معلنة في شكل نظري منظم, وهذه الإشكالية الفلسفية يلخصها التساؤل التالي: (بماذا يكون كمال النفس الإنسانية؟)

والواقع أن الفلسفة اليونانية القديمة قدمت إجابة مبكرة على هذه الإشكالية لخصتها في عبارتها الدارجة وهي أن (كمال النفس الإنسانية يكون بالعلم بالمجهولات والإحاطة بالمعقولات).

والفلاسفة المتقدمون يتكلمون كثيراً عن أقسام اللذات وحقيقتها, وقد انتقل ذلك إلى علماء الكلام الإسلامي, وقد صنف عمدة متأخري الأشاعرة الإمام فخر الدين الرازي -صاحب مفاتيح الغيب والمحصول والمباحث المشرقية ونحوها مما أصبح مرجع كثير من المتأخرين- كتاباً تكلم فيه عن أقسام اللذات وجعلها ثلاثة أقسام, وذكر منها “اللذة العقلية” وشرح شيئاً من حقيقتها وأسبابها.

وهذه العبارة الفلسفية وهي كون (كمال النفس الإنسانية يكون بالعلم بالمجهولات والإحاطة بالمعقولات) تلقاها فلاسفة الإسلام المتقدمين كالفارابي وابن سينا ومن بعدهم عن الفلسفة اليونانية, وكثر تناقلهم وتداولهم لها بنصها كمسلمة فلسفية يبنى عليها ما بعدها.

ولا يزال جماهير المفكرين والمشتغلين بالشأن الفلسفي إلى اليوم يعظمون المعرفة المحضة والمعاني العقلية والعلمية المجردة ويرونها أعلى الكمالات, وينزلون صاحبها بحسب منزلته فيها وتضلعه منها, سواء كان هذا التصرف معلناً, أم تتم ممارسته بشكل منهجي منظم وإن كان غير مصرح به, فقيمة الإنسان داخل هذه النخب بحسب معرفته العقلية والمدنية.

وقد ناقش المحققون من علماء الشريعة هذه الفلسفة على ضوء أصول الوحي الإلهي, وكشفوا تعارض هذه الفلسفة مع المنظور القرآني لكمال النفس الإنسانية, حيث بنيت هذه الرؤية على أساسين, أولهما أن الكمال بمجرد العلم والمعرفة, وثانيهما أن أكمل العلوم هي المعارف العقلية والمدنية.

وهذان الأساسان كلاهما أساسان باطلان مصادمان لأصول الوحي, فأما الأساس الأول فإن الكمال في القرآن ليس بمجرد العلم ولكن بالعمل بالعلم, وأما الأساس الثاني فإن أكمل العلوم ليس المعارف العقلية والمدنية وإنما العلوم الإلهية بما تتضمنه من العلم بالله وكتبه والمعاد ونحوها من المعاني والمضامين الراقية السامية.

ويتلخص الرد على هذه الفلسفة كلها بآية واحدة من كتاب الله وهي قوله تعالى:

(فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ, وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ)

فهذه الآية تضمنت جملتين أولهما بينت أشرف العلوم وهو العلم بالألوهية, وثانيهما بينت أشرف الأعمال وهو العبودية, ودلالة هذه الآية بطريقة ضرب الأمثال التي هي منهج القرآن في الدلالة والبيان.

وهذه الفكرة الفلسفية كان لها آثار ضخمة في بنية الفلسفة القديمة والحديثة, بل تكاد أن تجدها كالنواة الإبستيمية المضمرة في كثير من الأطروحات الفكرية المعاصرة, ولذلك قال الإمام ابن تيمية في درء التعارض:

(ونفس المقدمة الهائلة التي جعلوها غاية مطلوبهم وهو أن “كمال النفس في مجرد العلم بالمعقولات” مقدمة باطلة)

وقدم الإمام ابن تيمية ضمن مناقشته لهذه الفلسفة تحليلاً للأساسات الداخلية لهذه الفكرة, حيث يقول في درء التعارض:

(وضلالهم من وجوه: منها ظنهم أن الكمال في مجرد العلم, والثاني:ظنهم أن ما حصل لهم علم, والثالث:ظنهم أن ذلك العلم هو الذي يكمل النفس, وكل من هذه المقدمات كاذبة)

ثم أخذ في تفاصيل ذلك, والذي يعنينا الاشارة اليه هنا أنه نتيجةً لهذه الرؤية الضمنية في بنية خطاب غلاة المدنية فقد تراجعت قيمة العبودية وسلوكيات الفضيلة والعفة, ويشير الإمام ابن تيمية لذلك في الصفدية بقوله:

(فنفس عبادة الله وحده ومحبته وتعظيمه هو من أعظم كمال النفس وسعادتها, لا أن سعادتها في مجرد العلم الخالي عن حب وعبادة وتأله)

وعلى أية حال فإن منزلتي “النظر والعمل” كلاهما مطلبان شرعيان نبهت عليهما فاتحة الكتاب, ولم تأت الشريعة بذم أصلهما, ولكنها جاءت بتهذيبهما وتكميلهما, وتبيين مراتبهما, وإنما يقدم النظر مطلقاً جمهور الفلاسفة, ويقدم العمل مطلقاً جمهور الصوفية, وكلاهما لون من الانحراف, ولذلك قال الإمام ابن تيمية:

(وكل واحد من طريقي النظر والتجرد: طريق فيه منفعة عظيمة وفائدة جسيمة, بل كل منهما واجب لا بد منه, ولا تتم السعادة إلا به, والقرآن كله يدعو إلى النظر والاعتبار والتفكر, وإلى التزكية والزهد والعبادة, وقد ذكر القرآن صلاح القوة النظرية العلمية, والقوة الإرادية العملية, في غير موضع, كقوله تعالى{هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} فالهدى كمال العلم, ودين الحق كمال العمل, وكقوله سبحانه أيضاً {أولي الأيدي والأبصار}) الفتاوى2/59

وهاهنا ملحظ طريف جداً من دقائق الحكمة الشرعية المتعاضدة مع الحكمة الكونية, ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد ابتلى كل طائفة من عباده من جنس غريزتها وهواها المركوز فيها, فاختبرها الله شرعاً بما يوافق واقعها كوناً, فمن حباه الله بالقدرات العقلية الباذخة ابتلاه سبحانه وامتحنه بالاستسلام والانقياد والخضوع للوحي والعمل بما فيه إذ العمل شاق على أمثال هذه النفوس.

ومن آتاه الله قوة الإرادة اختبره الله سبحانه وتعالى باتباع البرهان والحجة وعدم المغالاة في الرهبنة تحقيقاً للذة روحية غريزية, إذ حبس النفس عن الاسترسال في الروحانيات فوق ما أمر الله شاق على أمثال هذه النفوس.

فابتلى الله الأذكياء وأصحاب العقول بحمل النفس إلى العبودية, وابتلى الله الروحانيين وأصحاب العبادة بحبس التعبد على هدي محمد صلى الله عليه وسلم واقتصاده وسنته, وقد نبهت على ذلك خاتمة الفاتحة بمثالي “المغضوب عليهم” و “الضالين” ودلت عليهما أبلغ دلالة على طريق ضرب المثل.

ومن تأمل هذه الإشكالية الفلسفية, واتجاهات الناس فيها نظرياً وعملياً, انكشف له سر ذلك الزهد العميق لدى غلاة المدنية في قيمة “التفقه في الوحي”, في مقابل الشغف والتفاني في الاطلاع على “العلوم المدنية” وتعظيم صاحبها, بل جعل فقه الشريعة أدنى المراتب باعتباره لا يدرس أموراً معقولة ولا مدنية, وإنما قصاراه أن يدرس تفاصيل الأمور العملية, كما قال الإمام ابن تيمية في الصفدية:

(وأما العلم النظري فجعلوه هو الغاية, بناء على أن كمال النفس في العلم, فرأوا “الفقه” هو العلم العملي, فجعلوه أدنى المراتب)

وقد كشف لنا القرآن عن هذه النزوة البشرية, ونبهنا إلى أن ننظر إلى العلوم الإلهية باعتبارها أعظم من كل ما على الأرض من العلوم والمظاهر المدنية, بل ونبه ربنا على مقام “الفرح والاغتباط بالقرآن” كما في قوله تعالى في سورة يونس:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ, وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ, وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ, قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ, فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ, هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}

فجعل هذا “القرآن” من أعظم الممتلكات التي تستدعي الفرحة والسرور, كما قال ربنا تماماً في هذه الآية “فبذلك فليفرحوا”.

وقد لاحظ القارئ الأول “أبي بن كعب” رضي الله هذا المعنى العظيم الذي تضمنته هذه الآية, فحين روى أبي بن كعب للتابعين قصته المعروفة التي جاء فيها أن الله سبحانه أمر نبيه محمداً أن يقرأ على أبي بن كعب سورة بعينها من القرآن, سأله التابعي الجليل عبدالرحمن بن أبزى قائلاً: (يا أبا المنذر، فَفَرحت بذلك؟) فقال أبي بن كعب: (وما يمنعني عن ذلك والله سبحانه يقول:”قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) كما خرجه أحمد في مسنده عنه.

ولذلك ذكر العلامة الراغب الأصفهاني أنه لم يرخّص في الفرح إلاّ في هذه الآية في سورة يونس!

وفي كثير من المواضع في القرآن يقارن تعالى بين قيمة الوحي وقيمة الممتلكات الدنيوية, وينبه المؤمنين بهذا الوحي إلى مضامينه أعظم مما يرونه من المظاهر الدنيوية كقوله تعالى:

(وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ, لاتَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ)

وسننتقل إلى إشكاليتين وثيقتي الصلة بتعظيم الذهنيات وهما التعليل المادي للشريعة والانفعال الوجداني بالوحي, وسنعالجهما في الفقرتين اللاحقتين.

التعليل المادي للشريعة

كثير من غلاة المدنية في محاولتهم لتكريس أهمية الشأن المدني يحاولون ربط الشعائر والشرائع بالحضارة, فتراهم يقولون إن غاية الشعائر هي تهذيب “الأخلاق الاجتماعية” وغاية التشريع هو “سياسة المصالح العامة”.

وقد شاركهم مثل هذا الطرح بعض المنتسبين للاتجاه الإسلامي -بحسن نية- حيث كان مقصودهم تقريب الإسلام إلى النخب الثقافية التغريبية, فتكلموا في مقاصد الشريعة على هذا الأساس, وكان من أكثر الأسباب التي ساعدتهم على هذا الوهم فهمهم غير الدقيق لعبارات بعض متأخري الأصوليين في علم مقاصد الشريعة وعلم السياسة الشرعية حول المصلحة والضروريات الخمس ونحوها.

ومن كتب من المنتسبين للفكر الإسلامي متابعاً لهذه الاتجاهات إنما حمله على ذلك أنه رأى في ظاهر هذه الفكرة تعظيماً للشريعة وحمداً لها, ولم يتنبه لآثارها ومآلاتها ولوازمها.

ومن مقتضيات هذه الرؤية -التي وصل إليها كثير من غلاة المدنية- أنهم لما رأوا بعض المجتمعات غير المسلمة تهتم ببعض الأخلاق الاجتماعية وسياسة المصالح العامة شعروا أن هذه المجتمعات حققت مقصود الإسلام وإن لم تسلك وسائله, والعبرة بالغايات لا بالوسائل, بل إن بعضهم يردد العبارة الدارجة رأيت في الغرب إسلاماً بلا مسلمين, أي أنه رأى مقاصد الإسلام وإن لم يسلم هؤلاء, فتراجعت قيمة المأمورات والمنهيات الإلهية, لما اختزلت مقاصدها في الشأن الاجتماعي والمادي.

بل إنهم كثيراً ما يشيرون إلى أن فقهاء الإسلام المتقدمين والمعاصرين إنما اشتغلوا بتفاصيل المأمورات والمنهيات الواردة في نصوص الوحي, بينما الأمم المتقدمة حققت المقاصد دون هذا الإغراق في هذه التفاصيل, فكان مؤدى هذه الفكرة الزهد العميق في فقه الوحي, والانبهار بالمجتمعات الكافرة.

ومن آثار هذه الرؤية, أن تراجعت قيمة تفاصيل الوحي, ولذلك كتب بعض غلاة المدنية بأن الإنسان المهذب في سلوكه الاجتماعي لكنه لا يعبد الله أفضل من الشخص العابد لكن في سلوكه بعض الفظاظة, لأن الأول حقق المقصد والثاني حقق الوسيلة, والمقصد مقدم على الوسيلة.

بل إن بعض من امتهن التجديف في الشرعيات وصلت أسئلته واستشكالاته الجريئة إلى “الكبائر” فلا زلت أتذكر ماكتبه أحدهم حول دور التطور الحديث في رفع المحظورات وضرب لذلك مثلاً بأن “تحريم الخمر” إنما كان مقصوده الشرعي حفظ صحة البدن وضبط تصرفات العقل, فمع تطور الآليات التشريعية والأجهزة الصحية ومعامل الإنتاج والنظم الجنائية فإنه يمكن ضبط ذلك والسماح بقيود معينة بما يمكن معه تحقيق مصلحة الخمر التي أشارت اليها الآية “ومنافع للناس” مع درء المفسدة التي يتغيا الشارع درءها.

وكتب بعضهم يقول: أن المقصد الشرعي من تحريم المعاشرة خارج مؤسسة الزواج إنما هو حفظ النسب والنسل, فعليه فإنه لما تطورت تقنيات التحليل الطبي الحديثة لكشف النسب وتطورت نظم الرعاية الاجتماعية للطفل, فإن مقتضى ذلك مشروعية العلاقات غير المشروعة بين الجنسين, لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً, ولن تتحقق مفسدة اختلاط النسب وضياع النسل.

وهذه النماذج السابقة وإن كانت نماذج متطرفة ولم يكتب لها الانتشار بسبب بشاعة صورتها النهائية, إلا أنها مما يكشف المآلات الخطرة التي يؤول إليها ربط الشعائر والشرائع بمجرد مقاصد مادية أو اجتماعية أو مدنية ونحوها, والغفلة عن المقاصد الأولية التي نبه إليها الوحي.

وأساس هذه الانحرافات كلها هو الضلال في فهم مقصود الشارع بالشعائر والشرائع, واختزال تلك المقاصد كلها في المصلحة الاجتماعية والمدنية والمادية, حتى إذا تحققت بعض تلك المقاصد الاجتماعية من غير طريق الشريعة لم يعد أولئك يعقلون معنى للعبادات والتشريعات الإلهية, وسنشير إلى جملة من المقاصد بشكل مختصر إذ المقصود المثال وليس الاستيعاب, والمثال كافٍ في التنبيه على جنس هذه النظائر.

فأما العبادات الظاهرة والباطنة –مثال الظاهرة الصلاة ومثال الباطنة التوكل- فإنها أولاً وقبل كل شئ ليست في أصل تشريعها أساساً مجرد “وسائل” لغيرها, بل هي في ذاتها غايات ومقاصد مطلوبة مرغوبة محبوبة لله سبحانه وتعالى, فإن الله يحب أن يرى عبده يسجد ويقنت ويركع ويطوف ويعلي ذكره ويوقن به ويخلص له ويحبه ويرضى بقضائه, فإن الله تعالى تبعاً لألوهيته سبحانه يحب أن يرى العبودية من عبده.

فمقصود الله الأولي من تشريع هذه العبادات الظاهرة والباطنة أنه يحبها جل وعلا ويحب منا أن نقوم بها, ولذلك لما ذكر الله الطهارة قال {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ}

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله وتر يحب الوتر).

أما المقصود الأولي للعبد من القيام بهذه الأعمال فهو تحصيل رحمة الله كما قال تعالى {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}

أما ما ورد من دور العبادات في تهذيب الأخلاق كقوله تعالى{إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}

فغاية الدلالة في هذه الآية ونظائرها أن الأثر السلوكي إنما هو مجرد أثر يدخل في جملة المقاصد والحكم المحمودة لاأنه علة التشريع الأساسية, وفرق بين العلة والأثر, ثم إن هذه الآية وأمثالها بينت أن الأثر السلوكي لايقتصر على الأخلاق الاجتماعية فقط, بل يدخل في ذلك دخولاً أولياً سلوكيات الايمان كمحاذرة الفواحش والمنكرات.

ولو كانت السلوكيات الاجتماعية هي علة التشريع الجوهرية من هذه العبادات لما كلف الله العباد بهذه الشعائر وتفاصيلها مع أننا نرى الكثير من الناس فيه سلوك اجتماعي حسن من دون هذه الشعائر, حتى أن الله ذكر عن بعض كفار اليهود أمانتهم مع كفرهم كما في قوله تعالى (ومن أهل من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك), بل لكان تكليف الله للخلق بهذه الشعائر لمجرد السلوك الاجتماعي تطويل للطريق وعبث ينزه الله عنه.

ثم يلي كونها أحوال مطلوبة في ذاتها مقاصد أخرى, وأعظم وأهم مقاصد الشعائر الظاهرة “تزكية النفوس” بمقامات الإيمان كالتضرع والخضوع والتذلل والافتقار والمناجاة والتمسكن ومناشدة الله والانطراح بين يديه واللجأ اليه وامتلاء القلب بحمده وشكره.

وهذه الغاية الجليلة وهي تزكية النفوس وعمارة القلوب بالله تشمل الشعائر والتشريعات, فإن أصول المأمورات وأصول المحرمات كلها تثمر للقلب طهارة وزكاة وسلامة هي من أعظم المبتغيات الإلهية, وسنذكر نماذج لذلك.

فمن ذلك أن الله تعالى حين شرع الصيام لم تكن غايته الجوهرية “الحِمية الصحية” كما يقوله غلاة المدنية ممن يجعلون التشريعات مبنية لمقاصد مادية محضة, بل إن هدفه الجوهري ما يورثه للقلب من التقوى كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}

وحين ذكر تشريع الزكاة والصدقة ربطها بالتزكية فقال :

{خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}

وحين ذكر الله تشريع الجهاد بين مايثمره للقلب من تمحيص وتزكية فقال تعالى:

{وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ}

وحين ذكر تشريعات الأسرة قال عن عضل الأولياء مولياتهم:

{فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ}

وحين ذكر أدبيات الاستئذان قال سبحانه:

{وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ}

وحين ذكر أصول الفضيلة كغض البصر وضبط الغريزة ذكر أثرها في التزكية فقال:

{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ}

وقال عن أخلاقيات الحجاب:

{ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن}

وحين ذكر تشريعات القضاء والشهادات قال سبحانه:

}وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}

ومن تدبر هذه النصوص -وأمثالها كثير- علم قطعاً أن من أعظم غايات ومقاصد التشريع تزكية النفوس وعمارة القلوب بالله, أما تهذيب الأخلاق الاجتماعية وإقامة المصالح العامة فهي من جملة غاياتها ومقاصدها التي يحبها الله, لكن لايجوز اختزالها فيها وقصرها عليها, فضلاً عن تقديمها على أصل الإيمان والفرائض.

وغلاة المدنية لايكادون يرفعون رأساً بهذا المقصد الحيوي الجليل, بل ويعدون من ينبه عليه مجرد واعظ سطحي لايعقل الإشكاليات الفكرية والفلسفية والمدنية, فكم هو مؤلم أن تكون أعظم المبتغيات الإلهية قيمة هامشية لدى المثقف المسلم, بل إن الله سبحانه بين أنه أرسل الرسل إلى الأمم ثم عاقب عليها ألوان الأزمات كل ذلك بهدف أن تتضرع تلك الأمم إلى الله, ذلك المقام وتلك الكسرة التي يحبها الله من عبده كما قال سبحانه في سورة الأنعام:

{وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ}

وأكد هذا المقصد الإلهي في الآية التي تليها فقال سبحانه:

{فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ}

بل إن الله سبحانه ما أرسل الأنبياء إلا لهذه الغاية وهي أن يقف الإنسان موقف الضراعة بين يدي الله كما قال سبحانه في سورة الأعراف:

{وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ}

ويرسل الله العقوبات على الأمم ليذكرهم سبحانه بمقصد التضرع إليه كما قال سبحانه في سورة المؤمنون:

{وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ}

ولذلك فإن أول شعور وإحساس يغمر الإنسان حين يؤمن بهذا الوحي هو “الإخبات” له كما قال تعالى في سورة الحج:

{وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ}

وكشف لنا سبحانه أنه لا قيمة للأمم بدون هذا التضرع كما قال سبحانه:

{قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم}

هذه المعاني الجليلة التي يريدها الله من العباد, والتي هي الهدف من خلق الإنسان أصلاً, وهي زبدة مشروع الرسالات منذ بدء الخليقة, لا يجوز تغييبها واختزال الشرائع بغايات مادية محضة.

وحين يتذكر الإنسان مقصود الله سبحانه بالضراعة والإخبات, وحب الله سبحانه وتعالى لهذه الحال الإيمانية, وكيف أرسل الرسل ووالى النعماء والضراء طلباً لها من عباده, فإنه لابد أن يتذكر معها دوماً قصة تضرع النبي صلى الله عليه وسلم حتى أشفق عليه أبوبكر من شدة اجتهاده في الضراعة.

حديث عجيب, يهتف فيه محمد بربه, ويشفق عليه ابوبكر, وصادف أن الذي رأى ذلك المشهد ورواه هو عمر بن الخطاب, الرجال الثلاثة في تاريخ الإسلام!

ففي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب أنه قال:

(لما كان يوم بدر نظر رسول الله إلى المشركين وهم ألف, وأصحابه ثلاث مائة وتسعة عشر رجلاً, فاستقبل نبي الله القبلة, ثم مد يديه, فجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني, اللهم آت ما وعدتني, اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض, فما زال يهتف بربه, ماداً يديه, مستقبل القبلة, حتى سقط رداؤه عن منكبيه, فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه, فألقاه على منكبيه, ثم التزمه من ورائه, وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك, فإنه سينجز لك ما وعدك, فأنزل الله عز وجل: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين..)

ولذلك لما كانت “تزكية النفوس” هي المدار الذي تدور عليه الأعمال فإن الله جعل المفاضلة بين الناس بحسب ما قام في هذه القلوب من معاني الإيمان, وجعل سبحانه أصل المؤاخذة يتعلق بكسب القلب كما قال تعالى:

{وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة:225]

وانعكاساً لذلك جعل التغيير والإصلاح يبدأ بإصلاح هذه القلوب وعمارتها بمعاني الإيمان, كما قال تعالى:

{إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}

فإذا انتهت هذه الدنيا وبدأت الحياة المستقبلية المؤبدة فإن الله سبحانه وتعالى إنما يزن هذه القلوب والنفوس وما في الصدور, كما قال تعالى:

{أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ* وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ}

ومن أعظم غايات التشريع التي تغيب عن غلاة المدنية مقصد “ابتلاء التسليم والامتثال” فإن المؤمن يتلقى للتنفيذ, أما من في قلبه مرض فتجده معرضاً عن الأمر أو باحثاً عن التسويغات, ولذلك فإن الله تعالى حين ذكر اختلاف الشرائع بين الأمم بيَّن أن المقصود منها إنما هو “اختبار الانقياد” كما قال تعالى:

{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم}

وحين حرم الله الصيد على المحرم ابتلى الله أصحاب محمد بصيد قريب من يديهم وقت الحظر ليختبر تسليمهم وانقيادهم كما قال تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ} [المائدة:94]

وقريب من ذلك حين ابتلى الله بني اسرائيل بصيد قريب من يديهم وقت الحظر فقال تعالى:

{إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ}

وعبر تعالى عن مقصد اختبار التسليم والانقياد تعبيراً عاماً شاملاً فقال سبحانه:

{ثم جعلناكم خلائف من بعدهم لننظر كيف تعملون}

وهذه الفكرة التي يرددها غلاة المدنية حول غاية الشعائر والشرائع لها صلة بالأساس الفلسفي الذي أشرنا إليه في فقرة سابقة والمتعلق بجوهر كمال النفس الإنسانية, فكل اتجاه فكري أو فلسفي يربط مقصود الشريعة طبقاً لرؤيته حول كمال النفس الإنسانية, لاطبقاً لدلالات القرآن حول مقاصد الشريعة.

وقد قدم الإمام ابن تيمية مناقشة رائعة لهذه الإشكالية توقف فيها عند مشهدين: المشهد الفلسفي, ومشهد متأخري الأصوليين, وبين ما في هذين من قصور في تحليل غاية التشريع, وبرغم طول النص إلا أننا نحتاجه لأهميته:

(وكثير من الناس يقصر نظره عن معرفة ما يحبه الله ورسوله من مصالح القلوب والنفوس ومفاسدها, وما ينفعها من حقائق الإيمان, وما يضرها من الغفلة والشهوة, فتجد كثيراً من هؤلاء في كثير من الأحكام لا يرى من المصالح والمفاسد إلا ما عاد لمصلحة المال والبدن, وغاية كثير منهم إذا تعدى ذلك أن ينظر إلى “سياسة النفس وتهذيب الأخلاق” بمبلغهم من العلم, كما يذكر مثل ذلك المتفلسفة وأمثالهم؛ فإنهم يتكلمون في سياسة النفس وتهذيب الأخلاق بمبلغهم من علم الفلسفة, وما ضموا إليه مما ظنوه من الشريعة, وهم في غاية ما ينتهون إليه دون اليهود والنصارى بكثير, وقوم من الخائضين في “أصول الفقه” وتعليل الأحكام الشرعية بالأوصاف المناسبة, إذا تكلموا في المناسبة وأن ترتيب الشارع للأحكام على الأوصاف المناسبة يتضمن تحصيل مصالح العباد ودفع مضارهم, ورأوا أن المصلحة “نوعان” أخروية ودنيوية: جعلوا الأخروية ما في سياسة النفس وتهذيب الأخلاق من الحكم؛ وجعلوا الدنيوية ما تضمن حفظ الدماء والأموال والفروج والعقول والدين الظاهر, وأعرضوا عما في العبادات الباطنة والظاهرة من أنواع المعارف بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله وأحوال القلوب وأعمالها: كمحبة الله وخشيته وإخلاص الدين له والتوكل عليه والرجا لرحمته ودعائه وغير ذلك من أنواع المصالح في الدنيا والآخرة, وكذلك فيما شرعه الشارع من الوفاء بالعهود, وصلة الأرحام، وحقوق المماليك والجيران, وحقوق المسلمين بعضهم على بعض, وغير ذلك من أنواع ما أمر به ونهى عنه, حفظا للأحوال السنية وتهذيب الأخلاق, ويتبين أن هذا جزء من أجزاء ما جاءت به الشريعة من المصالح, فهكذا من جعل تحريم الخمر والميسر لمجرد أكل المال بالباطل؛ والنفع الذي كان فيهما بمجرد أخذ المال) مختصراً

على أية حال..فمع يقيننا بأن الشعائر كالصلوات والصيام والنسك والذكر والنحر ونحوها طريق لتزكية النفوس وتهذيب أخلاقها وتنقيتها وتطهيرها من شوائب المادة التي تعلق بالافئدة, ولكن أيضاً ينبغي الوعي بأن الإسراف في تأكيد مقاصدها السلوكية يورث ضعف قيمتها, إذ يحولها إلى وسائل صرفة وأدوات محضة يمكن الاستغناء عنها بغيرها ما دام أن المراد والهدف النهائي هو تزكية النفس وتنقيتها, بمعنى أن الإنسان إذا وصل لـ”صفاء الروح” بأي طريق كان فقد حقق المقصود الالهي, دون أن يتعنى سلوك هذه الشعائر والالتزام بها, وهذه الفكرة الساذجة قد انطلت على بعض المتصوفة وعثر فيها كثير من غلاة المدنية.

وقد لاحظ الإمام ابواسماعيل الهروي(481هـ) ملاحظة مبدعة تستثير الدهشة حول دور الخلل في تعليل الأحكام في إضعاف قيمة الحكم الشرعي بما يترتب عليه انكماش الدافعية, حيث يقول رحمه الله في كتابه المعروف منازل السائرين:

(تعظيم الأمر والنهي: هو أن لا يعارضا بترخص جاف, ولا يعرضا لتشديد غال, ولا يحملا على علة توهن الانقياد) منازل السائرين,81

فربط الشعائر بعلل سلوكية محضة, أو ربط التشريعات بحكم اجتماعية محضة: من أعظم ما يوهن الدافع لها, والسبب في ذلك أن نظر الإنسان دوماً يتشوف للغايات ولا يكترث بالوسائل, وهذه اللفتة أكدتها الظواهر المشاهدة والتجارب الحية, فما إن يستغرق المثقف في علل الشعائر وحكم التشريعات حتى تراه بعد ذلك غير مكترث بها, بل وينعى على من اشتغل بتتبع تفصيلات الوحي, وينظر الى ذلك كنوع من السذاجة في فهم أعماق الشريعة.

وقد حلل الامام ابن القيم هذه اللقطة المبدعة لأبي اسماعيل الهروي وهي “حمل الأمر والنهي على علة توهن الانقياد” حيث يقول في كتابه المدارج:

(وقوله: “ولا يحملا على علة توهن الانقياد” يريد أن لا يتأول في الأمر والنهي علة تعود عليهما بالإبطال, كما تأول بعضهم تحريم الخمر بأنه معلل بايقاع العداوة والبغضاء والتعرض للفساد, فإذا أمن من هذا المحذور منه جاز شربه كما قيل:

أدرها فما التحريم فيها لـذاتها * ولكن لأسباب تضمنها السكر

إذا لم يكن سكر يضل عن الهدى* فسيان ماء في الزجاجة أو خمر

وقد بلغ هذا بأقوام إلى الانسلاخ من الدين جملة, ومن العلل التي توهن الانقياد: أن يعلل الحكم بعلة ضعيفة لم تكن هي الباعثة عليه في نفس الأمر, فيضعف انقياد العبد إذا قام عنده أن هذه هي علة الحكم, ولهذا كانت طريقة القوم عدم التعرض لعلل التكاليف خشية هذا المحذور, وفي بعض الآثار القديمة: يا بني إسرائيل لا تقولوا لم أمر ربنا, ولكن قولوا بم أمر ربنا. وأيضا: فإنه إذا لم يمتثل الأمر حتى تظهر له علته لم يكن منقادا للأمر, وأقل درجاته أن يضعف انقياده له. وأيضا: فإنه إذا نظر إلى حكم العبادات والتكاليف مثلا, وجعل العلة فيها هي جمعية القلب والإقبال به على الله, فقال أنا أشتغل بالمقصود عن الوسيلة, فاشتغل بجمعيته وخلوته عن أوراد العبادات, فعطلها وترك الانقياد بحمله الأمر على العلة التي أذهبت انقياده, وكل هذا من ترك تعظم الأمر والنهي, وقد دخل من هذا الفساد على كثير من الطوائف ما لا يعلمه إلا الله, فما يدري ما أوهنت العلل الفاسدة من الانقياد إلا الله, فكم عطلت لله من أمر, وأباحت من نهى, وحرمت من مباح, وهي التي اتفقت كلمة السلف على ذمها) مدارج السالكين 2/297

ومما يوضح ذلك ويبينه أن الملك الذي يصدر أمره إلى أحد مؤسسات دولته بتحقيق “هدف” معين عبر “قانون”معين، لا يرضيه أن يصلو إلى ذات الهدف مع مخالفة قانونه الذي فرضه عليهم. فكذلك ملك الملوك من باب أولى –ولله المثل الأعلى- لا يرضيه أن ندع ما شرعه لنا من الشعائر ووسائل التزكية, بل إن الالتزام بهذه الوسائل الإلهية جزء من عملية التزكية ذاتها, فإن من تعبد لله بالغاية التي أرادها والوسيلة التي شرعها جميعاً, خير وأحب إلى الله ممن تعبده بالغاية واستكبر عن وسائله سبحانه.

ومما يدخل في مأزق “التعليل المادي للشريعة” استدلال بعض غلاة المدنية بقوله تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} على أن المراد بها العدل السياسي وتداول السلطة ونحوها, وأن وظيفة الانبياء جاءت أساساً لمقاومة الاستبداد السياسي.

والحقيقة أن العدل السياسي إنما هو جزء من معنى الآية, وهو جزء شريف ولا شك, لكنه ليس هو المعنى الأولوي أصلاً, فضلاً عن أن يكون هو المعنى المطابق.

وهذا يشابه من فسر قوله تعالى (والميزان) بأنه المنطق العقلي, وهذا كله إما تفسير للنص بجزء المعنى الذي ليس هو أشرف معانيه, وإما إقحام معنى في الآية لا تدل عليه.

فإن القسط في القرآن هو العدل وضده الظلم, وذلك ليس مختصاً بالعدل السياسي أو مناهضة الاستبداد, بل هو شامل للعدل العام والخاص, فكل مأمورات الشريعة نوع من العدل, وكل منهيات الشريعة نوع من الظلم, فالشريعة أصلاً كلها أمثال مضروبة للقيام بالقسط, ورأس القسط والعدل في الشريعة هو تجريد القلب من كل ما سوى الله وعدم التفاته لغيره, كما قال تعالى: {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين}.

والتفات القلب لغير الله قد يكون بصرف عبادة تامة فتكون وثنية كبرى كما قال تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم}, وقد يكون التفات القلب إلى طلب الجاه بين الناس فهذا أطلق النبي عليه اصطلاح “الشرك الأصغر” كما قال في الرياء (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. فسئل عنه فقال: الرياء).

فكل التفات للقلب لغير الله سواء كان بعبادة غير الله أو بميل القلب إلى ثناء المخلوقين: فهو ظلم يعارض القسط الذي جاءت به الانبياء.

وليس المقصود –حاشا لله- التزهيد في منزلة الاحتساب السياسي والتصدي للعدل العام, وإنما المقصود بيان منزلته في الإسلام وأنه دون الإيمان والفرائض, وإلا فإن التصدي للقيام بالعدل العام من أشرف معاني هذه الآية ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم من ضحى بنفسه من أجل العدل العام من “سادة الشهداء” والسيادة في الشهادة أمر زائد على مجرد الشهادة, كما في الحديث الذي رواه الحاكم بسند حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(سيد الشهداء حمزة، و رجل قام إلى إمام جائر فأمره و نهاه فقتله)

ووجه كونه “شهيداً” أن التصدي للعدل العام من أفضل منازل “الجهاد” كما روى أهل السنن وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري، وجابر, وأبي أمامة، وطارق بن شهاب وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر)

وفي رواية (أحب الجهاد إلى الله كلمة حق تقال لإمام جائر).

وقد كان من أسباب عقوبة أهل “مدين” مظالم الأموال العامة, ولذلك قام فيهم نبيهم شعيب بهذا الأمر, كما قال تعالى:

{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ}

كما كان من أسباب غضب الله على فرعون استعلاؤه السياسي واستضعافه للناس كما قال تعالى:

{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ}

وقد لخص الإمام أبو حامد الغزالي في الإحياء منهج القرون المفضلة في ذلك فقال:

(واستمرار عادات السلف على الحسبة على الولاة قاطع بإجماعهم على الاستغناء عن التفويض، بل كل من أمر بحروف فإن كان الوالي راضياً فذاك، وإن كان ساخطاً له: فسخطه له منكر يجب الإنكار عليه, فكيف يحتاج إلى إذنه في الإنكار عليه, ويدل على ذلك عادة السلف في الإنكار على الأئمة).

على أنه من الملاحظ في خطاب غلاة المدنية غياب حديثهم عن منكرات المظالم العامة أصلاً, وإنما غالب مادة حديثهم تدور حول: الحريات السلوكية والإبداع الثقافي واتهام التراث وربط المؤسسات الدعوية بالعنف والتصفيق للمنجز الغربي ونحوها من القضايا, وسبب غياب الحديث عن منكرات المظالم العامة ما ينطوي عليه من إحراجات يفضلون تحاشيها.

وفريضة الإنصاف تقتضينا أن نقول أن من تصدى للقيام بالعدل العام -ابتغاء وجه الله- وإن كان لديه غلو في بعض جوانب المدنية إلا أنه أشرف وأنزه وأجلّ من المنهمكين في لمز السنة واتهام التراث وتبجيل الغرب والتأليب ضد العمل الدعوي وتصيُّد زلات المحتسبين والتشنيع على الفتاوى الدينية وتلميع النظم ونحوها من القضايا الصحفية البائسة, فأين هذا من ذاك؟!

والذي يعنينا الإشارة إليه هاهنا أن تبيين منزلة الاحتساب السياسي والتصدي للعدل العام وأنه دون الإيمان والفضيلة والفرائض لا يخدش في قيمته ولايغض من شأنه, وإنما الذي يوهن قيمته وينفر الناس عنه -لو أردنا المصارحة- إنما هو مغالاة بعض المنتسبين له فيه, حتى قادهم ذلك إلى الإزراء بأئمة الهدى والمحققين من أهل العلم والفضل, والحط على بعض القرون المفضلة, واتهام جماهير فقهاء السلف بمداهنة السلطة العباسية, ولمز مصادر التراث الإسلامي وأنها اشتغلت بالهوامش, ونحو ذلك مما كان هدفه حشد الاهتمام بالاحتساب السياسي.

حيث ظن بعض هؤلاء المنتسبين لقضيتي “العدل والشورى” أن تفريغ الاهتمام من قضايا الالهيات وتفاصيل التشريع التي اعتنت بها القرون المفضلة سيقود تلقائياً إلى الانخراط في مشروعات التصدي للعدل العام وتداول السلطة ودسترة النظام السياسي ونحو ذلك من القضايا, والحقيقة أن هذا الأسلوب كثيراً ما يأتي بنقيض المقصود فيجعل الشاب المسلم المعظِّم للسلف يرتاب بمثل هذه الدعوات ويزهد فيها أساساً, وهذه نتيجة طبيعية فإن الغلو كثيراً ما يأتي بنتائج عكسية.

والمغالاة في قضية التصدي للعدل العام حملت بعضهم إلى مآلات كارثية, حتى أن بعض المنتسبين لهذا الاتجاه أصبح يصرح بأن مقصود النبوة إنما هو إقامة العدل الدنيوي ونحو ذلك, وهذا فهم مغلوط له نتائج خطرة, سبق أن أشرنا اليها, وقد أشار لذلك الإمام ابن تيمية في الصفدية:

(ومما يبين فاسد قولهم-أي الفلاسفة- أنهم يزعمون أن المقصود بالرسالة إنما هو إقامة عدل الدنيا)

والغاية من هذه الاشارة المختصرة تأكيد قضيتين متوازيتين لايمكن فصلهما, أولهما: أن التصدي للعدل العام منزلة من أشرف منازل الجهاد, وثانيهما: أن حشد الاهتمام بالاحتساب السياسي لايكون عن طريق الازراء بأئمة القرون المفضلة ولا باختزال الشريعة في هذه القضية.

وأقرب مثل يوضح ذلك أن المجاهد في سبيل الله اذا غالى في “قضية الجهاد” بحيث قدمه على العناية بأصول الايمان أو الفرائض أو استخف بالصحابة أو التابعين أو تابعيهم لأجله بحيث صار يملأ قلوب مستمعيه بالغل للقرون المفضلة فان رايته الجهادية تصبح راية مذمومة ينفر منها الشاب المسلم أكثر من كونها تجذبه.

الانفعال الوجداني بالإيمان:

يلاحظ المتابع أن بعض غلاة المدنية إذا قدر لأحدهم أن يتعاطى مع بعض نصوص الوحي فإنما يميل إلى التعامل معها كخطاب معرفي بحت يتضمن قضايا معرفية محضة, وليس كخطاب إيماني حي يتضمن رسالة, ولذلك ينفرون من مظاهر الانفعال الوجداني أمام القرآن, كالإطراق المخبت واستكانة الجوارح وذرف الدموع واقشعرار أطراف الجسد, وينظر بعضهم إلى هذه الحالات الإيمانية باعتبارها نزعة طهرية مبالغ فيها أقرب إلى سذاجة الوعاظ منها إلى الرزانة المعرفية.

وهذا التصور ناشئ بسبب الجهل بمراد الله من الإنسان حين يقرأ كلامه سبحانه وتعالى, وماهي الحالة الأسمى والأرقى أمام الوحي, إن مجرد استشعار أن الوحي إنما هو “كلام إله” كافٍ لهز المؤمن من أعماقه, وقد حكى الله لنا في صور مشرقة جذابة أحوال أهل الإيمان وكيف كانت انفعالاتهم الوجدانية أمام الوحي, تلك الصور كانت تحمل ثناء ضمنياً على تلك الحال, فلما ذكر الله مسيرة الأنبياء عقب بذكر حالهم إذا سمعوا آيات الوحي حيث يقول تعالى:

{أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا}

فهذه الآية تصور “جنس الأنبياء” لا بعضهم وهم أكمل البشرية وأشرفها, وهم الأرقى بالتنوير الحقيقي, وهم الأسمى عن الظلاميات الحقيقية, فانظر كيف يستقبلون آيات الوحي بالخرور إلى الأرض ساجدين وباكين, فأي انفعال وجداني أعظم من ذلك؟

ويصف تعالى في مشهد آخر صورة الخرور والبكاء فيقول تعالى:

{وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء:109]

ويصف تعالى مشهداً آخر لأهل الإيمان وهم يستقبلون آيات الوحي فيقول تعالى:

{وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} [المائدة:83]

ويعتبر تعالى أن الانفعال الوجداني بالوحي من سلوكيات العلم والمعرفة الحقيقية كما يقول تعالى:

{قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا} [الإسراء:107]

ويصف تعالى مرة أخرى أثر القرآن الجسدي وليس الوجداني فقط فيقول تعالى:

{ اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ}

بل إن الله سبحانه وتعالى يجعل هذه التأثر النفسي أمام الوحي من مقتضيات وآثار الإيمان التي إن غابت فإنما تدل على ضمور الإيمان, إن لم يكن ذهاب أصله, كما قال تعالى:

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}

وكما هي عادة القرآن فإنه اذا ذكر حالا محمودة, فإنه يذكر ضدها ويذمها تتمة للبيان واستكمالاً للدلالة, ولذلك يقول تعالى:

{فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 22]

بل إن الله ضرب لنا مثلاً للتأثر بالوحي من تدبره وتأمله امتلأ خجلاً من حاله وحياء من الله, فإن الله تعالى ذكر أن أشد أنواع الجمادات وهي الجبال والحجارة لو أنزل عليها هذا القرآن لتأثرت وانفعلت به, حيث يقول تعالى:

{لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله}

ويقول تعالى:

{وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة:74]

وقال تعالى:

{وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} [الرعد:31] .

بل إن الشجر ذاته يتأثر بذكر الله, ففي صحيح البخاري من حديث ابن عمر وجابر كليهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انتقل إلى المنبر حَنّ الجذع وجعل يئن كما يئن الصبي الذي يُسَكَّن, وذلك من شدة فقده للذكر والوحي من رسول الله, حتى أن الحسن البصري لما جلس مرة يروي هذا الحديث لأصحابه بكي ثم قال: (أنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه من جذع شجرة).

بل إن هذا التأثر النفسي والوجداني لا ينحصر فقط في الاستماع للوحي, بل إن المؤمن لا يملك نفسه أمام سائر حقائق الإيمان, فالمؤمن قد يسيطر عليه الحزن والبكاء نتيجة فوات “عمل صالح” يتقرب به إلى الله, وهذا الموضع لا يعقله غلاة المدنية, فلو شاهدوا رجلاً يبكي لفوات عبادة من العبادات لامتلؤوا انتقاصاً له, مع أن الله تعالى يحكي لنا طرفاً من أحوال الصحابة وكيف يتأثرون لفوات عمل صالح فيقول تعالى:

{وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ} [التوبة:92]

فإذا كان ذلك كذلك فكيف يليق بنا أن نستمع للوحي وحقائق الإيمان ببرود معرفي محض؟! وكيف يليق بنا أن نتعامل مع الانفعال الوجداني بالوحي والإيمان باعتباره لوناً من السذاجة الوعظية؟ الواقع أنه لم تفقد هذه الأحوال العظيمة قيمتها إلا بسبب تعظيم المدنية الدنيوية وعلومها المادية, ويكفي للعاقل أن يقرأ هذا العرض الإلهي:

{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نزلَ مِنَ الْحَقِّ, وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ}

مأزق التعظيم النظري للكلي:

غلاة المدنية يكثرون من ذم الحفاوة بالجزئيات وتفاصيل الشريعة, وحين يناضل الفقيه الشرعي أو المفكر المسلم من أجل مسألة شرعية فإنهم يجابهونه بأننا يجب أن نرتفع عن الجزئيات ونهتم بالكليات, وأن المهم ليس أعيان المسائل وإنما المهم الأصول العامة, وأننا يجب ألا نغرق في الخاص ونهمل العام, ونحو هذه العبارات, وبعضهم يحاول أن يسند هذه الفكرة بنصوص تراثية من علم مقاصد الشريعة حول أهمية “الكليات الشرعية” وخصوصاً من رائد المقاصد الإمام الشاطبي رحمه الله.

والحقيقة أنه هذه النظرة للعلاقة بين الجزئي والكلي تنطوي على إهدار شئ من معطيات الوحي, بل تحولت إلى آلية منظمة لابتلاع المفردات الشرعية وتغييبها باسم العناية بالكلي والعام ونحوه.

ومن أهم أوجه الخلل في هذه الرؤية أنها غيبت دور الجزئي في حفظ الكلي, فافترضت أن الجزئي نقيض للكلي, والواقع أن الجزئي هو التحقق الواقعي للكلي, فكل تطبيق واقعي يحمل في مضامينه معنى الكلي, إذ الكلي انما هو القدر المشترك المستخلص من استبعاد العارض والطارئ وإبقاء المعنى المشترك.

فإذا عظمنا الكلي وغيبنا تطبيقاته تحول هذا التعظيم إلى تعظيم نظري شكلي لا حقيقة له, ولنضرب على ذلك مثلاً, فإنك تجد بعض الكتاب يقول لك يجب أن نهتم بالفضيلة كقيمة كلية كبرى لا أن نهتم بتطبيقاتها الجزئية, ثم يفتت كل الآليات التي تعزز هذه القيمة ويتسامح في فتح كل الذرائع التي تعارض هذه القيمة, ويدعي بعد ذلك أنه ينظر إلى “الفضيلة” كقيمة لا كتطبيقات, فهذا إنما حفاظه على كلي الفضيلة حفاظ نظري شكلاني غير حقيقي.

ومن ادعى تعظيم كلي “الدعوة والبلاغ” ولكنه استهان بقيمة أفراد وآحاد وسائل الدعوة الشرعية, فهذا إنما تعظيمه للدعوة تعظيم نظري غير حقيقي.

وعليه فكلما كان الإنسان أكثر تعظيماً لجزئيات الشريعة كان أكثر تعظيماً للكليات الضمنية فيها, وكلما كان الإنسان مستهيناً بجزئيات الشريعة كان أكثر استهانة بالكلي المتضمن فيها, فلا طريق لتعظيم الكلي إلا بتعظيم جزئياته وتطبيقاته, وبذلك يتبين أن دعاوى تعظيم الكلي التي يرددها غلاة المدنية إنما هي وسيلة لتفريغ الكلي من محتواه باسم تعظيمه.

وقد شرح الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات “دور الجزئي في إقامة الكلي” وذلك في فصل خاص عقده لهذه المسألة وساق فيه الأدلة, ومن ذلك قوله رحمه الله:

(فالجزئيات مقصودة معتبرة في إقامة الكلي.., وحين كان ذلك كذلك: دل على أن الجزئيات داخلة مدخل الكليات في الطلب والمحافظة عليها)

ثم أشار الشاطبي إلى كون الكلي إنما هو مجرد “مفهوم نظري” ولذلك كان جمهور المناطقة يؤكدون أن الكلي إنما يوجد في الذهن أما ما هو خارج الذهن فإنما هو تطبيقاته, وهذا يعني أن من عظم الكلي دون تطبيقاته فإنما عظم مفهوماً نظرياً ذهنياً محضاً لا واقع فعلياً له, كما يقول الشاطبي في الاستدلال لهذه القضية:

(ومنها: أن الجزئيات لو لم تكن معتبرة مقصودة في إقامة الكلي لم يصح الأمر بالكلي من أصله, لأن الكلي من حيث هو كلي لا يصح القصد في التكليف إليه, لأنه راجع لأمر معقول لا يحصل في الخارج إلا في ضمن الجزئيات, فتوجُّه القصد إليه من حيث التكليف به توجه إلى تكليف ما لا يطاق, وذلك ممنوع الوقوع, فإذا كان لا يحصل إلا بحصول الجزئيات فالقصد الشرعي متوجه إلى الجزئيات, وأيضا: فإن المقصود بالكلي هنا أن تجرى أمور الخلق على ترتيب ونظام واحد لا تفاوت فيه ولا اختلاف, وإهمال القصد في الجزئيات يرجع إلى إهمال القصد في الكلي, فإنه مع الإهمال لا يجري كلياً)

ومن وجه آخر فان المتأمل في أخبار أهل الكتاب التي ساقها الله في القرآن يلاحظ أن أهل الكتاب كانوا يعظمون ويقدسون كتبهم السماوية, ومع ذلك فإن الله سبحانه وتعالى ذمهم وعابهم, لأن تعظيمهم وتقديسهم لتلك الكتب السماوية إنما كان تقديساً نظرياً وتعظيماً شكلانياً لا حقيقة له ولا أثر تطبيقي فعلي, فلم ينفعهم ذلك.

فليس المراد إذن “تقديس النص” شكلياً, أو تقديس المفاهيم نظرياً, وإنما إقامة الحقائق والمعاني واقعاً حياً معاشاً.

ولذلك روى أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لأصحابه: (يوشك أن يرفع العلم) قال له زياد بن لبيد: يا رسول الله، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونُقْرئه أبناءنا، ويُقْرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

( ثكلتك أمك يا ابن لبيد! إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة، أوليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى، فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله, ثم قرأ: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ)

فكشف النبي صلى الله عليه وسلم للصحابي الجليل زياد بن لبيد -وهو أنصاري مهاجري- أن القضية ليست في وجود النص وحفظ ألفاظه, وإنما في إقامته واقعاً حياً معاشاً على الأرض, وإقامته لا تكون إلا بإقامة تفاصيله وتطبيقاته.

والمقصود أن مراعاة الجزئي هي الطريق لإقامة الكلي, وإنما يعاب الجزئي إذا صادم الكلي, أما إذا لم يصادمه ولم يعارضه فإن إهدارَه إهدارٌ للكلي كما سبق بيانه.

فكرة السلم المطلق:

بعض غلاة المدنية يردد فكرة السلم المطلق, ويدعو إلى مواجهة مشروعات الاحتلال العسكري الصريحة بلغة الحب ورحابة الصدر الأعزل ونحو ذلك من الافكار الحالمة المستلهمة من نموذج الحكيم الهندي المعروف “المهاتما غاندي”, وبعضهم يبالغ في تبجيل غاندي وعرضه كمخلص.

والحقيقة أن شريعة الله سبحانه وتعالى أرقى وأحكم من شريعة غاندي, وهذا الموضع موضع خطير على الإيمان لتضمنه المعارضة العملية لمحكمات الوحي, فإن الله سبحانه وتعالى شرع البر للمسالم والإثخان للمعتدي, وقد أمرنا الله بذلك كما في قوله تعالى:

{فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ}

وفي موضعين من كتاب الله تعالى في سورتي التوبة والتحريم أمرنا سبحانه أمراً صريحاً بالغلظة للمعتدين فقال تعالى:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 73 ، والتحريم:9]

وأمرنا سبحانه بالإثخان في قوله تعالى:

{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ}

وأمر سبحانه الملائكة بقوله:

{فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال:12]

وأمر سبحانه بالتشريد للمعتدين فقال سبحانه:

{فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} [الأنفال:57]

بل إن الله سبحانه وتعالى نهانا إذا نشبت المعركة مع المعتدي أن نبدأ الدعوة للسلام وإنهاء الحرب إذا كنا نحن الطرف الأقوى فقال تعالى {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون} وهذا توجيه إلهي صريح لا تستطيع كل تعسفات النظرية السلمية أن تفرغه من محتواه.

فإذا كان جبار السموات والأرض -كما في الآيات السابقة- يحثنا على مواجهة المحتل والمعتدي بالإثخان والغلظة وضرب الرقاب والتشريد في الأرض وعدم البدء بالدعوة للسلام, ويحببنا في هذه الأعمال الشريفة ويثيبنا عليها, فكيف يتجرأ عاقل ويستدرك على الله جل وعلا ويرى أن رأي رجل هندوسي وثني أحكم وأرقى؟!

والله ولو امتلأ القلب بتوقير الله وقدره حق قدره لامتنع أصلاً أن يزاحم حكم الله بحكم رجل هندوسي, ولا يرتاب عاقل أن هذا الموطن الذي يقدم فيه حكم غير الله أن فيه شعبة من شعب النفاق التي حذر الله المسلم من الوقوع فيها, كما في قوله تعالى {فليحذر الذين يخالفون عن أمره}.

هذا طبعاً من حيث علاقة فكرة السلم المطلق بنصوص الوحي, أما علاقتها بالواقع فهي فكرة رومانسية طريفة, ذلك أن جمهور الأمم المعاصرة اليوم تمجد أبطالها القوميين ذوي البسالة في المعارك الكبرى, وترفعهم بحسب عبقريتهم في ازهاق الأعداء وصناعة الانتصارات القتالية الحاسمة, وتبني لهم النصب التذكارية في مراكز المدن, وهذا أمر مشاهد معلوم.

ومواجهة المحتل بالإثخان والتشريد ونحوها لا تعني الإخلال بأخلاقيات الجهاد الشرعي, كاستهداف أمن البلدان الإسلامية, أو انتهاك فريضة الله في المعاهَد والمستأمَن ومن له شبهة أمان, فهذا انحراف عن الجهاد الشرعي الشريف لا يخالف في ذلك أحد من فقهاء الإسلام المتقدمين أو المعاصرين ولله الحمد, وإنما الموفق من أخذ الكتاب كله ولم يقع في تبعيضه, فعمل بشريعة الإثخان والتشريد وراعى حقوق معصومي الدماء من المسلمين والمعاهدين والمستأمنين ومن لهم شبهة أمان, فإن التحرز في الدماء عنوان الديانة.

بل ما أقرب أن يقال –والعلم عند الله- أنه ما استطال أهل الأهواء اليوم على الدعوة إلا بشؤم معصية الله في انتهاك أخلاقيات الجهاد الشرعي, فبعد أن كان أهل الدعوة في منعة لا يرقى إليهم الشك أصبح الكثير منهم اليوم موضع الارتياب والرقابة, وتسلط عليهم كثير من أهل الباطل بالتعيير والتشنيع, وما أكثر ما تتسبب معصية فردية في ابتلاء عام يطال الأخيار وأفاضل الناس, ولذلك لما عصى الرماة هدي الله في الجهاد سلط الله الكفار حتى نالوا من رسول الله وكبار أصحابه, فكسرت رَبَاعِيتُه وشُجّ في وجهه، ودخل في وجنته الشريفة حلقتان من حلق المغفر، كما قال تعالى: {وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون}

وفي وقعة حنين لما تسربت معصية العجب إلى بعض الأفراد ابتلى الله المسلمين أفاضلهم ومن دونهم فضاقت عليهم الأرض بما رحبت كما قال تعالى: {ويوم حنين اذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت}.

فهذه العمليات المنحرفة التي استهدفت أمن البلدان الإسلامية واستهترت بضوابط الشريعة في عصمة الدماء, تسببت في تشويه الجهاد الملتزم بأخلاقيات الجهاد الشرعي وقيمه السامية, حتى أصبحت لا تكاد ترى من ينبس باسمه خوفاً من أن يجر بتهمة الإرهاب, وجرأت كثيراً من السفهاء على أن يستهينوا بشئ من مضامين الوحي ما كانوا يتجرؤون على الإعلان بمثلها, فأي شؤم لتلك العمليات أكثر من ذلك.

فهذه سنة كونية لآثار المعاصي على الدعوات لا يستوعبها العقل المادي وإنما يعقلها من امتلأ قلبه يقيناً بالآثار الغيبية, نسأل الله الكريم أن يتوب علينا جميعاً بواسع مغفرته ولا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.

فكرة الكفر السياسي:

بعض غلاة المدنية في محاولتهم لاستبعاد صيغة العلاقة الدينية مع الحضارة الغربية يقولون: لا يمكن لنا أن نتعامل مع الغرب بذات الأدوات والصيغ الدينية التي حملها الوحي تجاه الكفار, ذلك أن الواقع الغربي المعاصر يختلف جذريا عن الكفار قبل هذا العصر, فالكفار في سابق العصور كانوا يناهضون النبوات والدعوات بدوافع دينية محضة, أما المؤسسة السياسية الغربية في هذا العصر فهي تتحرك وتخطط بدوافع مصلحية لا دينية محضة, فهي تراقب الحراك الإسلامي بدوافع إمبريالية لا دوافع عقائدية, بمعنى آخر إنه “كفر سياسي” وليس في حقيقته “كفر عقدي”.

وهم يظنون بذلك أن هذا التصور ينبني عليه استبعاد القراءة الدينية والتعامل الديني مع المجتمع الغربي, وأن علينا ان نواجه الدوافع المصلحية بدوافع مصلحية مماثلة, لا أن نواجه الدوافع المصلحية بموقف ديني أو عقائدي.

والواقع أن منشأ الخلل في هذه الأطروحة ليس في تصور دوافع المؤسسة السياسية الغربية المعاصرة, وإنما في الآثار التي توهموا أنها تنبني على هذا التصور!

فالمؤسسة السياسية الغربية هي مؤسسة كولونيالية/استعمارية ليس في ذلك شك, لكن هل من قاوم الدين باعتباره يهدد مصالحه لا نقف منه موقف ديني؟

هذا التصور المختل نابع من الجهل بدلالات القرآن حول دوافع الكفار أساساً, فجمهور الكفار الذين تحدث الله عنهم وقص لنا خبرهم وشرع لنا مناضلتهم وكشف لنا سوء مصيرهم لم يكونوا مدفوعين أصلاً بقناعات دينية محضة, بل إنما قاوموا النبوات والدعوات واتباع الرسل لأنهم رأوا في الدين ما يهدد “مصالحهم” الدنيوية, كمصلحة الاحتفاظ بالنفوذ والرياسة, أو تهديد مصادر الثروة, أو الحمية للآباء, أو الحسد العرقي, أو غيرها.

ومع ذلك كله فقد اتخذ القرآن منهم موقفاً دينياً برغم أنهم مدفوعون في كفرهم بدوافع مصلحية مادية, بل إن هذا هو جوهر الابتلاء الديني بين الإيمان والكفر، وهو التنازل عن شهوات الدنيا ومصالحها من أجل الدين!

وانظر إلى رموز الكفار في القرآن الكريم تجد ذلك واضحا بيناً, فهذا فرعون وقارون وأهل الكتاب وأبو جهل وغيرهم إنما كانت دوافعهم للكفر دوافع مادية بحتة وليست دوافع عقائدية.

وفي نص مطول ومبدع لابن القيم حاول فيه تحليل دوافع الانحراف على ضوء القرآن نجتزئ منه هذا المقطع:

(قيام مانع: وهو إما حسد أو كبر, وذلك مانع إبليس من الانقياد للأمر, وبه تخلف الإيمان عن اليهود الذين شاهدوا رسول الله وعرفوا صحة نبوته, وهو الذي منع عبد الله بن أبي من الإيمان, وبه تخلف الإيمان عن أبي جهل وسائر المشركين, فإنهم لم يكونوا يرتابون في صدقه وأن الحق معه, لكن حملهم الكبر والحسد على الكفر, وبه تخلف الإيمان عن أمية وأضرابه ممن كان عنده علم بنبوة محمد.

السبب الرابع: مانع الرياسة والملك, وان لم يقم بصاحبه حسد ولا تكبر عن الانقياد للحق, لكن لا يمكنه أن يجتمع له الانقياد وملكه ورياسته فيضن بملكه ورياسته, كحال هرقل وأضرابه من ملوك الكفار, الذين علموا نبوته وصدقه وأقروا بها باطناُ, وأحبوا الدخول في دينه, لكن خافوا على ملكهم, وهذا داء أرباب الملك والولاية والرياسة, وهو داء فرعون وقومه ولهذا قالوا: أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون.

السبب الخامس: مانع الشهوة والمال, وهو الذي منع كثيراُ من أهل الكتاب من الإيمان خوفاً من بطلان مأكلهم وأموالهم التي تصير إليهم من قومهم, وقد كان كفار قريش يصدون الرجل عن الإيمان بحسب شهوته, فيدخلون عليه منها, فكانوا يقولون لمن يحب الزنا أن محمداً يحرم الزنا ويحرم الخمر, وبه صدوا الأعشى الشاعر عن الإسلام, وقد فاوضت غير واحد من أهل الكتاب في الإسلام وصحته, فكان آخر ما كلمني به أحدهم: أنا لا أترك الخمر وأشربها آمنا فإذا أسلمت حلتم بيني وبينها وجلدتموني على شربها, وقال آخر منهم بعد أن عرف ما قلت له: لي أقارب أرباب أموال وإني إن أسلمت لم يصل إلي منها شيء, وأنا أؤمل أن أرثهم أو كما قال, ولا ريب أن هذا القدر في نفوس خلق كثير من الكفار فتتفق قوة داعي الشهوة والمال وضعف داعي الإيمان, فيجيب داعي الشهوة والمال.

السبب السادس: محبة الأهل والأقارب والعشيرة، يرى أنه اذا اتبع الحق وخالفهم أبعدوه وطردوه عنهم وأخرجوه من بين أظهرهم, وهذا سبب بقاء خلف كثير على الكفر بين قومهم وأهاليهم وعشائرهم.

السبب السابع: محبة الدار والوطن, وإن لم يكن له بها عشيرة ولا أقارب لكن يرى أن في متابعة الرسول خروجه عن داره ووطنه إلى دار الغربة والنوى, فيضن بوطنه.

السبب الثامن: تخيل أن في الإسلام ومتابعة الرسول إزراءُ وطعناُ منه على آبائه وأجداده وذماُ لهم, وهذا هو الذي منع أبا طالب وأمثاله عن الإسلام, استعظموا آباءهم وأجدادهم أن يشهدوا عليهم بالكفر والضلال وأن يختاروا خلاف ما اختار أولئك لأنفسهم, ورأوا انهم إن أسلموا سفهوا أحلام أولئك وضللوا عقولهم ورموهم بأقبح القبائح وهو الكفر والشرك, ولهذا قال أعداء الله لأبي طالب عند الموت: ترغب عن ملة عبد المطلب؟, فكان آخر ما كلمهم به: هو على ملة عبد المطلب)

سلطة الغموض:

كثير من الشباب المنبهر بأطروحات غلاة المدنية إذا دخلت معه في حوار حول أعماق قناعاته اكتشفت أنه مأخوذ بلغة الخطاب وغموضه المبهر أكثر من حقائقه وبرهنته, وسلطة الغموض على شريحة من القراء هي في الحقيقة ظاهرة معرفية قديمة لا يمكن إنكارها.

ولذلك تجد بعض الكتاب يميل إلى التحذلق والتقعر في الكتابة وعدم القصد إلى المعاني مباشرة, حيث يشعر أن طرح الفكرة في قالب مباشر يبدد وهجها, وأن وضع الفكرة في طرق ملتوية يبهر القارئ ويجعله يذعن للنتيجة.

وهذا الإذعان والخضوع للغموض ناشئ عن عدة أسباب, منها أن بعض القراء يسلم لتلك النتائج لظنه أن عدم فهمه فرع عن عبقرية الخطاب وأنه فوق إمكانياته, ومنها أن بعضهم يعجبه أن يتميز عن جمهور الناس بشئ ما, فلذلك تبتهج نفسه بالخطاب المعقد حيث يحقق له فرادة شخصية.

وقد أشار الإمام ابن تيمية إلى هذه الظاهرة في درء التعارض فقال:

(وكذلك الأدلة التي فيها دقة وغموض وخفاء: قد ينتفع بها من تعودت نفسه الفكرة في الأمور الدقيقة, ومن يكون تلقيه للعلم عن الطرق الخفية التي لا يفهمها أكثر الناس أحب إليه من تلقيه له من الطرق الواضحة التي يشركه فيها الجمهور, ومثل هذا موجود في المطاعم والمشارب والملابس والعادات لما في النفوس من حب الرياسة, فهذه الطرق الطويلة الغامضة التي تتضمن تقسيمات أو تلازمات أو إدراج جزئيات تحت كليات, قد ينتفع بها من هذا الوجه في حق طائفة من الناظرين والمناظرين, وإن كان غير هؤلاء من أهل الفطر السليمة والأذهان المستقيمة لا يحتاج اليها, بل إذا ذكرت عنده مجها سمعه ونفر عنها عقله, ورأى المطلوب أقرب وأيسر من أن يحتاج إلى هذا)

فبعض القراء يكون قد اعتاد التعقيد فيصبح يتفاعل معه أكثر من الصياغة المباشرة, وبعض القراء يحب التعقيد لما يمنحه من الزهو الداخلي, كما يقول الإمام ابن تيمية في الرد على المنطقيين:

(وبعض الناس: يكون الطريق كلما كان أدق وأخفى وأكثر مقدمات وأطول كان أنفع له, لأن نفسه اعتادت النظر الطويل في الأمور الدقيقة, فإذا كان الدليل قليل المقدمات, أو كانت جلية, لم تفرح نفسه به.., فإن من الناس من إذا عرف ما يعرفه جمهور الناس وعمومهم, أو ما يمكن غير الأذكياء معرفته, لم يكن عند نفسه قد امتاز عنهم بعلم, فيحب معرفة الأمور الخفية الدقيقة الكثيرة المقدمات)

والحقيقة أنه لا يذعن أمام سلطة الغموض والتعقيد إلا القارئ ضعيف الشخصية, أما القارئ الواثق فإنه يعتبر التعقيد والغموض عياً في الكاتب لا ضعفاً في القارئ, ومن المؤسف أن سلطة الغموض من أشد الأمور تأثيراً على بعض القراء, خصوصاً من يتحاشى التهمة بعدم الفهم, فيظهر المشاكلة حذراً من الانتقاص, ويظهر ذلك خصوصاً في المصطلحات المعربة, أو الاصطلاحات المنقولة بتعابير وعرة غير موحية بدلالاتها, مع ما ينضاف إلى ذلك من تهويل المتحدثين بها, وفي حالة مشابهة يقول الإمام ابن تيمية في درء التعارض:

(ولكن هؤلاء عمدوا إلى ألفاظ مجملة مشتبهة تحتمل في لغات الأمم معاني متعددة, وصاروا يدخلون فيها من المعاني ما ليس هو المفهوم منها في لغات الأمم, ثم ركبوها وألفوها تأليفا طويلا بنوا بعضه على بعض, وعظموا قولهم وهولوه في نفوس من لم يفهمه, ولا ريب أن فيه دقة وغموضاً لما فيه من الألفاظ المشتركة والمعاني المشتبهة, فإذا دخل معهم الطالب وخاطبوه بما تنفر عنه فطرته, فأخذ يعترض عليهم, قالوا له: أنت لا تفهم هذا, وهذا لا يصلح لك, فيبقى ما في النفوس من الأنفة والحمية يحملها على أن تسلم تلك الأمور قبل تحقيقها عنده, وعلى ترك الاعتراض عليها خشية أن ينسبوه إلى نقص العلم والعقل)

ومما هو شديد الصلة بذلك أن كثيراً من غلاة المدنية إذا عبر لهم عن “المعنى المعين” باصطلاح شرعي أو تراثي استخفوا به واستعلوا عليه, وإذا عبر لهم عن ذات المعنى باصطلاح فكري حديث أو تعبير فرانكفوني معرب خضعوا للمعنى المتضمن به, لامتلاء قلوبهم بتعظيم المدنية الحديثة, وتبعية تفكيرهم لقوالب المعاني أكثر من المعاني ذاتها, وقد رصد الإمام ابن تيمية هذه الظاهرة وهي سلطة المصطلح ونفوذه الضخم على التفكير وكيف تسلبه القراءة الموضوعية الهادئة كما يقول في منهاج السنة:

(وكثير ممن قد تعود عبارة معينة إن لم يخاطب بها لم يفهم ولم يظهر له صحة القول وفساده, وربما نسب المخاطب إلى أنه لا يفهم ما يقول, وأكثر الخائضين في الكلام والفلسفة من هذا الضرب, ترى أحدهم يذكر له المعاني الصحيحة بالنصوص الشرعية فلا يقبلونها لظنهم أن في عبارتهم من المعاني ما ليس في تلك, فإذا أخذ المعنى الذي دل عليه الشرع وصيغ بلغتهم وبين به بطلان قولهم المناقض للمعنى الشرعي خضعوا لذلك)

وبرغم يقيننا أن الخطاب الغامض المعقد قد يكون أحياناً حالة غير سوية, إلا أنه لا يمكن إنكار أن بعض القراء قد يستفيد منه في شحذ ذهنه وصقل إمكانياته التحليلية والجدلية وقدرات التفنيد ونحوها, وهذا أمر مشاهد, ولذلك قال الإمام ابن تيمية في الرد على المنطقيين:

(فإن النظر في العلوم الدقيقة يفتق الذهن, ويدربه ويقويه على العلم, فيصير مثل كثرة الرمي بالنشاب وركوب الخيل, تعين على قوة الرمي والركوب وإن لم يكن ذلك وقت قتال, وهذا مقصد حسن, ولهذا كان كثير من علماء السنة يرغب في النظر في العلوم الصادقة الدقيقة: كالجبر, والمقابلة, وعويص الفرايض والوصايا والدور, لشحذ الذهن, فإنه علم صحيح في نفسه, ولهذا يسمى الرياضي, فإن لفظ الرياضة يستعمل في ثلاثة انواع: في رياضة الأبدان بالحركة والمشي كما يذكر ذلك الأطباء وغيرهم, وفي رياضة النفوس بالأخلاق الحسنة المعتدلة والآداب المحمودة, وفي رياضة الأذهان بمعرفة دقيق العلم والبحث عن الأمور الغامضة)

هل أضاع المسلمون دنياهم؟

بعض غلاة المدنية يرى أن كل ما نحن فيه اليوم من هوان وضعة إنما منشؤه غفلة المجتمع المسلم عن بناء الدنيا, بل إن بعض غلاة المدنية يقول بصراحة “المسلمون اليوم عمروا آخرتهم وأضاعوا دنياهم”, وبعضهم يقول: تطرق الخلل للمسلمين من جهة ضعف دنياهم لا من جهة ضعف دينهم, وبعضهم يقول: المسلمون اليوم بالغوا في شأن الآخرة حتى تخلفوا, ونحو هذه العبارات. وهذا التصور ناشئ عن مركزية المدنية والغلو فيها.

واذا عرضنا هذا التصور على أصول الوحي تبين كم فيه من إهدار لحقائق القرآن, فحب الدنيا والعناية بها هما أصلاً غريزة مركوزة في النفس البشرية ويستحيل بحسب سنن التاريخ أن تتحول الأمم الكثيرة إلى ظاهرة زهد شمولي مطْبِق كما يتصور غلاة المدنية عن واقع المجتمع المسلم, وقد كشف القرآن عن هذه الغريزة البشرية في قوله تعالى:

{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ}

وقال تعالى:

{كَلا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ}

وقال تعالى:

{بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [الأعلى:16]

بل إن أزكى النفوس البشرية التي تلقت التزكية النبوية مباشرة طالما عانت من مجاهدة “إيثار الدنيا” ونبهها القرآن في كثير من المواضع إلى التفاتها إلى الدنيا برغم اشتغالها التام بالعبادة والجهاد, فقال تعالى للصحابة المجاهدين حين اندفعوا يجمعون الغنيمة:

{مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ} [آل عمران:152]

فبالله عليك تأمل كيف يقول ذلك لهم, وينبههم إلى التفاتهم إلى الدنيا, وهم في حالة قد جمعوا فيها بين مشهد التضحية ومقام الصحبة.

وقال لهم حين مالت نفوسهم للسلم والفداء:

{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ} [الأنفال:67]

وقال لهم حين استثقل بعضهم مشقة الجهاد:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} [التوبة:38]

وقال لهم حين انتهوا من نسكهم وأخذوا يدعون الله ويلجأون اليه:

{فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} [البقرة:200]

فإذا كان “تعظيم الدنيا” غريزة مركوزة في النفس البشرية, وإذا كانت أزكى النفوس البشرية ومن تلقت التربية النبوية لم تسلم من التفات القلب إلى الدنيا واحتجاب حظ الآخرة في بعض المواطن, بل وهي في أعظم المواطن كالجهاد والحج, فكيف يقول غلاة المدنية أن المسلمين اليوم عمروا آخرتهم وزهدوا في دنياهم حتى تخلفوا؟

ثم إنه لو صح أن المسلمين اليوم عمروا آخرتهم –كما يقوله بعض غلاة المدنية- فإن نتيجة ذلك ليس ضياع الدنيا, بل النصر والتمكين وانهمار بركات الموارد الطبيعية, وهذا المعنى الغيبي لا يستوعبه العقل المادي, وإنما يعقله قلب المؤمن الذي امتلأ يقيناً بصدق الوعود الربانية, ومن قال بخلاف ذلك فقد عارض محكمات الوحي, وسيأتي الإشارة إلى شواهد ذلك.

تأجيل نتائج الاستقامة:

يحاول كثير من غلاة المدنية أن يجعلوا المأمورات والمنهيات الشرعية مرتبطة بالجنة والسلامة من النار فقط, ولا علاقة لها بسعادتنا وظفرنا وسلامتنا الدنيوية, فالدين لبناء الآخرة والمدنية لبناء الدنيا, أو كما يقول بعضهم: الدين شرط للنجاة الأخروية لا للنجاح الدنيوي, ولذلك يشعر بعضهم أن المجتمع الغربي ليس بحاجة فعلية إلى الإسلام لإصلاح دنياه, وإنما يحتاج الإسلام فقط لينجو من النار, وتبعاً لذلك يعبر بعضهم عن المجتمع الغربي بأنه الإسلام بلا مسلمين.

والواقع أن هذا جهل مؤلم بمضامين الوحي ودلالاته على الآثار الدنيوية للالتزام الديني, فقد دلت محكمات الوحي على خمسة آثار دنيوية للاستقامة الدينية وهي:

التمكين السياسي في الأرض, واستقرار الأمن في البلاد, والرخاء الاقتصادي, والطمأنينة النفسية, والسلامة من كوارث الغضب الإلهي.

فكيف يقال بعد ذلك أن الدين لبناء الآخرة فقط والمدنية لبناء الدنيا, أو أن المجتمع الغربي لا يحتاج الإسلام لإصلاح دنياه؟!

فقد أخبرنا الله خبراً قاطعاً لا يحتمل النسبيات وأشكال التأويل أن “الاستقامة تورث التمكين والأمن” كما قال تعالى:

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور:55]

وأكد تعالى هذا الوعد الرباني في محكمات كثيرة كقوله تعالى:

{وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ} [القصص:5-6]

ومن شدة اهتمام الله بهذا الوعد الرباني أخبرنا عن تتابع الأنبياء والكتب السماوية على تأكيده كما قال تعالى:

{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105]

وقال تعالى عن وعده لأنبيائه السابقين:

{ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ} [الصافات:171 -173]

وربط الله سبحانه وتعالى النصر العسكري على الأعداء بعمارة الآخرة, لا أن عمارتها سبب للهزيمة, كما قال تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} [محمد:7]

وقال تعالى:

{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} [الحج:40]

وقال تعالى:

{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [غافر:5]

وقال تعالى:

{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}

والمنطوق المصرح به في مثل هذه الآيات أن من نصر الله نصره الله, أما المفهوم الذي تضمنته فهو أن من لم ينصر الله فإن الله سيخذله, وهذا المفهوم ليس مجرد استنباط بل هو منصوص في محكمات أخرى, كقوله تعالى:

{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى:30].

وقال تعالى:

{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ}

وقوله تعالى:

{وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}

فحين يقرأ المؤمن هذه المحكمات وكيف يثنيها الله سبحانه وتعالى مرة بعد أخرى فإنه يشعر بالأسى والألم وهو يسمع بعض الشباب المسلم يردد أن المسلمين عمروا آخرتهم وأهملوا دنياهم.

كما دلت شواهد الوحي الكثيرة على أن الاستقامة الدينية تخلق الرخاء الاقتصادي وازدهار الموارد الطبيعية, كما في قوله تعالى:

{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ}

وأيقظ الله العقل المادي ونبهه على أن الاستقامة تورث الرزق بطريق لا يتنبه له المرء ولا يمكن حسابه بالحسابات المادية المحضة فقال تعالى في لفتة دقيقة:

{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً, وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ}

وهذا شأن عام في الأمم السابقة فقد قال تعالى لأهل الكتابين:

{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ}

وقال نوح لقومه:

{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً, يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً, وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً}.

وقال هود لقومه:

{وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ}

فهذه محكمات الوحي الصريح تتابعت على لسان الأنبياء تؤكد أن الاستقامة الدينية من أعظم أسباب الرخاء الاقتصادي وغنى الموارد, وأنا أسوق هذه الآيات، أدرك تماماً أن “العقل المادي” الذي تشبع بالثقافة الغربية الحديثة لايطيق ولا يستوعب هذه الوعود الإلهية, ولا يفكر إلا في الآليات الملموسة, والواجب إزاء ذلك أن لا ننجرف مع هذه العقول وتكوينها المتصادم مع مقتضيات الإيمان, وإنما الواجب أن نسعى قدر المستطاع إلى تنويرها بالوحي ودلالتها إلى تزكية النفوس حتى تستطيع عقولها أن تترقى من ماديتها السطحية فتوقن بوعد الله سبحانه وتعالى, فمن ذا سيكون أصدق وأبر وعداً من الله جل وعلا؟ ولذلك قال تعالى:

{وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ؟}

وقد دلت شواهد الوحي أيضاً على أن الخلل الديني من أهم أسباب الكوارث العظيمة الناشئة عن الغضب الإلهي, وهذه الحقيقة يتبرم بها كثيراً غلاة المدنية ويحاولون تحييدها, ويتضايقون من تفسير الكوارث على أنها عقوبات إلهية, ويحاولون دوماً أن يجعلوا الخلل الديني عقوبته أخروية فقط, أما الدنيا فمربوطة بقوانين طبيعية لا صلة لها بهذه التفسيرات الغيبية, وبعضهم يتجارى به التطرف ويسمي ذلك “تفسيراً ميثولوجياً” أي أسطورياً خرافياً.

والواقع أن هذا التصور يتضمن إهداراً وتضييعاً لأحد الركائز القرآنية في تصور التاريخ, فقد كشف القرآن في محكمات صريحة عن أن الخلل الديني له عقوبتان دنيوية وأخروية وقد ذكر سبحانه نوعي العقوبة كما في قوله تعالى:

{فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} [آل عمران:56]

وأشار في موضع آخر إلى نوعي العذاب بقوله:

{لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ}

ومن هذه العقوبات الدنيوية الكوارث الطبيعية وغلاء الأسعار وشح الموارد وانفراط الأمن وغيرها كثير كما قال تعالى:

{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}[الروم:41]

ويضرب الله لنا مثلاً عن دور الانحراف الديني في رفع الرغد والأمن كما يقول تعالى:

{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}

فهانحن نرى أن العقوبات الدنيوية إزاء الانحراف الديني ليست تفسيراً ميثولوجياً أو خرافياً, بل هي أحد المكونات الرئيسية لحركة التاريخ في التصور القرآني.

وبعض غلاة المدنية يردد دعوى مفادها أن (المعاجلة بالعقوبة استثناء لا ظاهرة تاريخية)، والحقيقة أن إهلاك الأمم المتجبرة المعرضة عن الوحي وطاعة الله ورسوله ومعاجلتها بالعقوبة ليس استثناء في مدونة التاريخ, أو حادثة شاذة خارقة للعادة, بل إن المعطيات التاريخية التي يقدمها القرآن تكشف أنه ظاهرة تاريخية فعلية! كما قال تعالى:

{وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ} [ الإسراء: 17]

ويذكر الله الأمم السابقة وكيف شملهم بنوعي العقوبة الدنيوية والأخروية فيقول تعالى:

{كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ, فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ}

ثم إن تلك الشعوب السابقة في التاريخ الإنساني كانت تمتلك إمكانيات مدنية وقوة اقتصادية وموارد هائلة ومع ذلك حين سخط الله عليها عاجلها بالعقوبة الدنيوية بسبب ذنوبهم كما قال تعالى:

{أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ} [الأنعام:6]

ويسرد القرآن شيئاً من عقوبات الأمم السابقة فيقول:

{فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا, وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ, وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرْضَ, وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا}

وانظر إلى مشهد الخراب المروع الذي يصوره القرآن وهو يقول:

{فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} [الحج:45]

فهذه الرؤية التي يتصورها غلاة المدنية تتضمن أن الإيمان والعمل الصالح والعبودية ليس لها آثار اجتماعية خارجية منفصلة, بل آثارها ذاتية خاصة, وهذا تصور مناقض للمحكمات السابقة, وقد أشار الإمام ابن تيمية إلى شيء من ذلك فقال في الصفدية:

(فقد علم بالاضطرار من النقل المتواتر, والتجارب المعروفة, أن الأعمال الصالحة توجب أمورا منفصلة من الخيرات في الدنيا, وأن الأعمال الفاسدة توجب نقيض ذلك, وأن الله تعالى عذب أهل الشرك والفواحش والظلم,كقوم عاد وثمود ولوط وأهل مدين وفرعون, بالعذاب المنفصل والمشاهد, الخارج عن نفوسهم, وأكرم أهل العدل والصلاح بالكرامات الموجودة في المشاهدة, وهذا أمر تقر به جميع الأمم, فكيف يقال إن العبادات والطاعات ليس مقصودها إلا ما يوجد في النفس من صلاح الخُلُق؟)

فإذا كانت الاستقامة الدينية تتعلق بها كل هذه النتائج الدنيوية الحيوية فهل يجوز للمسلم بعد ذلك أن يقول أن المسلمين عمروا آخرتهم وأضاعوا دنياهم, أو أن الدين شرط للنجاة لا النهضة؟

ومما هو شديد الصلة بهذه النظرة أن بعض غلاة المدنية يتحاشون النظر إلى قوة الكفار على أنها نوع من الإملاء والاستدراج الإلهي لهم, ويميلون إلى النظر اليها باعتبارها نتاج طبيعي لدأبهم وتفانيهم يستحقون نتائجه, لا أنهم مستكثرون من أسباب العقاب الإلهي!

والواقع أن من أظهر قوانين التاريخ التي سطرها لنا الوحي “قانون الإملاء والاستدراج الإلهي” , فالقوة المادية وتعملق الإمكانيات التي بأيدي الكفار هي نوع من ذلك كما قال سبحانه:

{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ*وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}

وقال تعالى عمن يكذب بهذا الوحي:

{فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ}

وقد قص الله علينا طرفاً من ألوان هذا الإملاء والاستدراج الذي ترتجف له قلوب المؤمنين, فقال تعالى:

{فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [التوبة:55]

بل تأمل في هذا المشهد المخيف حين يخبر تعالى بأنه يزيد للمعرض كل شئ ثم يباغته بالعقوبة, كما قال تعالى:

{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً}

وقال سبحانه وتعالى:

{فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}

كما أن بعض غلاة المدنية يقول: هؤلاء خطباء المنابر يعدوننا منذ آماد بأن الله سيهلك الكفار وسينصر الإسلام ولم نر شيئاً! بل لا يزال الكفار في تقدم والمسلمون في تراجع, ويذكر الإسلاميون أن البيع مبارك والربا ماحق ولم نر الاقتصاد الغربي الربوي إلا يتعاظم واقتصاداتنا تنهار.

والحقيقة المؤلمة هي أن هذا الوعد بانتصار الإسلام والوعيد بسقوط الكفر ليست قضية فكرية يتبناها الإسلاميون, بل هي وعد ووعيد إلهي, وقد نبه الله سبحانه وتعالى رسله واتباع الرسل إلى أنهم سيواجهون مثل هذا الاعتراض المبطن بالسخرية من وعد الله ووعيده الدنيوي, كما قال تعالى:

{وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ}

والاستخفاف بوعد الله من شعب النفاق الخطيرة على الإيمان كما قال تعالى:

{وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا}

ولشدة تأثير هذا الكلام في أتباع الرسل فقد أكد تعالى على وعده فقال:

{فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ}

ولا سيما أن وعد الله ووعيده كثيراً ما يتحقق في اللحظات الحرجة أو في المشهد الأخير حين يستكمل الله سبحانه وتعالى سنة الابتلاء والتمحيص ويمر المؤمن بساعات الشدة كما قال تعالى:

{حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا}

ونبه سبحانه على أن المؤمن قد يمد الله في حياته حتى يشاهد العاقبة بكاملها وقد يتوفاه الله قبل ذلك لكن الله لا يخلف وعده كما نبه تعالى على ذلك في ثلاثة مواضع من كتابه فقال:

{فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ}

وقال سبحانه وتعالى:

{وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ}

وقال سبحانه وتعالى:

{وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ}

ونبه الله عباده المؤمنين الى أن هذا الامهال الالهي له حكم كبرى وليس عجزاً من الله سبحانه وتعالى كما قال تعالى:

{ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ} [النور: 57]

ولشدة الافتتان باستمرار الكفار في تقلبهم في قوتهم أشار القرآن الى عدم الاغترار بهذه الحال فقال تعالى:

{لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ} [آل عمران: 196].

ولذلك كله فقد أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نجيب على مثل هذا السؤال المتضمن استبطاء الوعد والوعيد بأن المسألة “مسألة وقت” كما قال تعالى:

{قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى}

نفوذ المخاطبين:

الحقيقة أن من تأمل كافة تلك القضايا التي ناقشناها في الفقرات السابقة فسيلاحظ أن بعض المنتسبين للدعوة قد قارب بعضها بحسن نية وتحت وطأة الرغبة الملحة في هداية الناس وتأليف قلوبهم وتحبيبهم في الخير والتودد لهم والدخول إلى قلوبهم من جهة ما تهواه, والمرجو أن يكون أمثال هؤلاء الدعاة تحت مظلة العذر الإلهي والكرم الرباني.

ولكن المأمول دوماً هو التواصي بالحق والتواصي بالصبر, حتى لا يقع الداعية في هوة التحرج من حقائق الوحي, أو التدسس عنها مجاملةً لوسائل الاعلام, أو تربيتاً على أكتاف الذوق الجماهيري الحديث.

ولطالما اشتد عجبي وأنا أتأمل آيات القرآن من كثرة تنبيه الله سبحانه لنبيه من مخاطر الوقوع تحت “سلطة الجماهير”, والحقيقة أن الكثيرين يظنون أن الصراع مع الهوى هو صراع مع هوى النفس الشخصي فقط, ولكن هناك ما هو أقوى على العامل للإسلام من ذلك, إنه الصراع مع أهواء المخاطبين, والرغبة في الاستحواذ على رضاهم وكسب تعاطفهم مع الإسلام.

لا أشد على العامل للإسلام من تلك الفتنة التي حذر الله منها نبيه وهي فتنة استمالة المدعوين, والرضوخ لهوى المكلفين, والانصياع لضغوط مألوفاتهم, وتوجيه التعاليم الإلهية بالشكل الذي يرتاحون به ويميلون اليه.

فالضعف البشري في تأويل النص باتجاه رضا الناس حقيقة لا يكاد يفلت منها داعية إلى الله, ولو لم تكن هذه الفتنة بهذه الخطورة لكانت كثرة تحذير الله لنبيه منها عبث ينزه القرآن عنه, فكثرة التنبيه فرع عن شدة الخطورة, وتثنية التحذير مرة بعد أخرى انعكاس لدحض الطريق ومزلة الأقدام.

ولا سيما إذا كان التحذير والتنبيه موجها إلى أكمل من أدى أمانة الرسالة على وجهها, فكيف بمن يليه في المنزلة والتسديد.

انظر مثلاً كيف صور الله الجماهير المتلقية وهي تحاول استمالة النبي عن مقررات الوحي وتعده بأن تنساق خلفه وتنصره فقال سبحانه في سورة الاسراء:

{وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً}

إنهم على استعداد تام للاتباع والانخراط في جملة المسلمين ولكن بشرط واحد, شرط واحد فقط, إنه “تبديل” بعض هذا الوحي الذي لاتروق لهم مضامينه!

وقد كشف القرآن في الآية التي تليها مباشرة أن هذا الاستسلام لنفوذ المخاطبين كان خطراً فعلياً على النبي صلى الله عليه وسلم لولا العصمة الإلهية ولذلك قال تعالى:

{وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا}

فإذا كان نفوذ المخاطبين كاد أن يبلغ تأثيره سيد المرسلين لولا العصمة الربانية فكيف يأمن من بعده ذلك؟

وقد أشار القرآن إلى هذا الإلحاح بتبديل الوحي كما قال سبحانه في سورة يونس:

{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ, قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ, قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي, إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ}

وكرر الله ذات التنبيه إلى خطورة “سلطة المخاطبين” فقال في سورة المائدة:

{وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ}

مع أن هذه الآية تحكي صفقة على “بعض الوحي” وليس “كل الوحي” إنما هي مجرد “تحوير” بعض الأحكام والتصورات فقط, ولكن الله سبحانه وتعالى مع كل ذلك نبه نبيه وحذره وسمى ذلك “فتنة”, وقد أجمع أرباب الطريق إلى الله على أن “الفتنة” موضع الابتلاء والامتحان والاختبار.

وليس المطلوب فقط هو الامتناع عن التنازل عن بعض مضامين الوحي, بل نحن مطالبون بقدر زائد على ذلك, وهو الفخر بهذه المضامين, والشموخ بها, وعدم التحرج منها, كما قال سبحانه في مطلع الأعراف:

{كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ}

وجعل الرضا بالحكم الإلهي وتصورات الوحي والخلوص من التحرج منها معيار “الإيمان” كما قال سبحانه:

{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}

ففي هذه الآية أكد هذا الشرط للإيمان بأنواع من الأدوات الألسنية لترسيخ المعنى كالقسم والنفي والتعقيب والتكرار والاسم المطلق وغيرها من الصيغ اللغوية للتأكيد مما هو مبسوط في مطولات المفسرين.

وهكذا تمضي آيات القرآن تثنّي مرة بعد مرة هذا التنبيه للنبي صلى الله عليه وسلم عن خطورة ضغوط أهواء المخاطبين كما قال سبحانه في سورة المائدة:

{وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ}

وفي لغة تحذير مدوِّية يضطرب لها قلب القارئ يقول سبحانه:

{وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ}

هذا التأكيد الإلهي البليغ المتكرر حول الصراع الشرس بين هذين القطبين “هوى المكلفين” و “كتاب الله” وأثر ذلك على الداعية المبلغ عن الله سبحانه ليس مجرد ملحوظة فكرية تُحتسى في مقهى مسائي, بل هي قاعدة عميقة نابعة من عظمة العلم الإلهي بسنن الدعوة وتبليغ الدين.

ويعيد سبحانه وتعالى ذات التأكيد على تعارض هذين القطبين “الهوى البشري” و “الوحي الإلهي” فيقول سبحانه في سورة القصص:

{فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ}

ويشير سبحانه إلى ذات التعارض فيقول في سورة الشورى:

{وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ}

والمواضع التي نبه الله نبيه فيها إلى خطورة سلطة المخاطبين, وضخامة نفوذهم على الداعية كثيرة جداً, ومن تدبر هذه المواضع, وقلَّب وجوه معانيها, ورأى ما فيها من تكرر الإشارة إلى مشقة مواجهة الهوى البشري على رسول الله صلى الله عليه وسلم, وتحذير الله سبحانه من الاستجابة لضغط أهواء الناس في تغييب بعض حقائق الوحي, ورأى كثرة ربط الله سبحانه بين النقيضين أهواء المكلفين وكتاب الله: انكشف له سر تعقيب الله سبحانه بذكر “الصبر” بعد ذكر “اتباع الوحي” وذلك في قوله سبحانه في سورة يونس:

{وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ}

فعلاً.. ما أحوج من أراد أن يجمع الوحي كله إلى “مقام الصبر”, الصبر على تعارض الوحي مع الهوى البشري, الصبر على تثاقل النفوس وتمنعها بحبال مألوفاتها, الصبر على الإلحاح النفسي الرهيب الذي يدفع الداعية إلى تلبية ما ينتظره الجمهور منه وإن كان لا ينسجم مع ما تمليه آيات الوحي.

وإن لم يعتصم العامل للإسلام بمقام “الصبر” فسيقع حتماً في سوق النصوص تجاه مراعي الشهوات الأرضية, بدل أن تعرج به هي في مدارات العبودية.

وأحياناً كثيرة لا يقع العامل للإسلام تحت ضغط الرغبة في هداية الناس, بل يقع ضحية تحاشي السخرية والاستهزاء, ذلك أنَّ من الملاحظ عند بعض غلاة المدنية أنهم يضعون كثيراً من المفاهيم والمصطلحات الدينية والتراثية الجادة في قالب ساخر أثناء أطروحاتهم النقدية, والواقع أن السخرية والاستهزاء من أمضى أدوات النفوذ والتأثير على الآخرين, ذلك أنها من أشد الأمور إيلاما لأصحاب المروءة, فتحجزهم عن كثير من المواقف تحاشياً أن يقعوا في مثار سخرية أو موضع استخفاف, ولذلك نبه الله الرسل والمصلحين على استغلال خصوم الدعوات الإلهية لهذه السلطة, فقال تعالى:

{وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ}

وقال تعالى:

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأوَّلِينَ, وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}

وأحياناً أخرى يواجه المصلحون جور الاتهامات السياسية, وأنهم يسعون للنفوذ السياسي ولعبة السلطة, والاستحواذ على الجمهور, ونحوها من الاتهامات التي تؤثر على سلوك العامل للإسلام في كثير من الأحيان, وقد نبه القرآن أيضاً على ذلك, وبين أن خصوم الدعوات الإلهية سيلوكون هذه الاتهامات السياسية, ولذلك اعتبر قوم فرعون أن موسى مجرد “طامح سياسي” يخطط للاستيلاء على أرض الوطن, كما نقل الله قولهم:

{قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى}

وذكروا أن موسى وهارون يهدفان للسلطة كما نقل الله قولهم:

{وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ } [ يونس : 78 ]

الشجن الأخير

عزيزي القارئ..صدقني ليس المقام مقام تحليلات فكرية باردة, ولا موضع استمتاع باسترسالات ذهنية تقدم على طبق مجاور لفنجان قهوة, لا يا صاحبي..كم أتمنى أن تشعر أن الأمر جلل, وأن ثمة ما يستدعي الجدية في النظر للموضوع.

يتبرم البعض ويتنمر فوق حواجبه عبوس الضجر حين يتمتم له العاملون للإسلام بمفصلية هذا الموضوع, وحدة الخيارات المطروحة فيه, وأن الرأي فيه مخوف مشرف إما على حافة الهاوية أو سلم النجاة, ويرمي هذا الطرح بأنه لون من النياحة والتباكي بلا جنازة أصلاً, أو على كثيب توهموه لحداً.

هذا “القرآن” ليس مجرد مخزون معرفي أو تراتيل طقوسية بل هو رسالة إلهية تحمل “قضية” هي فوق كل قضية, حتى قطعت بها أواصر موصولة, وسلت لها سيوف مغمدة, وسقطت لها عروش شامخة, وصعد بها رويعي الغنم مرتقى صعباً.

كم هو مؤلم أن يصبح الإبداع اليوم -في نظر كثير من المثقفين- هو أن لا تكثر من القرآن والسنة في كتاباتك, وأن لا تنير مقالاتك بذكر الله سبحانه وتعالى وبركة آياته وهدايتها, وإنما الإبداع هو الاستعراض بحشو مقالاتك بذكر فلان وفلان من الأسماء الفرانكفونية الرنانة, ومن هو دون الله من كلام المخلوقين, فتستبشر لك الوجوه وتحتفي بك النفوس.

بالله عليك تأمل في نفرة كثير من غلاة المدنية من النصوص الدينية وابتهاجهم بذكر الأعلام الغربية وقارنها بقوله تعالى في سورة الزمر:

{وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}

ويقول سبحانه في سورة الحج:

{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ}

الحقيقة أن “الصدود عن الوحي” والتبرم به مؤشر خطير على أن ثمة “شعبة نفاق” خفية في القلب تستدعي المبادرة إلى تنظيفه قبل أن يفوت الأوان, كما قال تعالى:

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلى مَا أَنزلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 61]

فالمصدرية الفكرية لون مما يجب إفراد الله فيه بالحكم, وإفراد الله بالحكم والطاعة أس العبودية والخضوع, وتدبر كيف حكى الله لنا حال الكفار في تعظيمهم من هو دون الله والشغف بذكره والتبرم بذكر الله, وقل في نفسك: ألا ما أشبه الليلة بالبارحة.

وفي ختام هذه الورقة النقدية يهمني كثيراً أن أؤكد مجدداً وبشكل خاص على أن هدف هذه الورقة ليس التزهيد في شأن اعداد القوة واتخاذ الامكانيات الحديثة, ولا تحريم الطيبات والرفاه.

وانما الباعث الجوهري على كتابة هذه الورقة تنامي الخلل في ترتيب الأولويات عند قطاع واسع من المثقفين بما ترتب عليه تضييع كثير من حقائق الوحي والاساءة لمشروع النهضة ذاته, حتى صارت العلوم المدنية هي الغاية والعلوم الالهية مجرد وسيلة تابعة لها, مع أن حقائق القرآن جاءت بعكس ذلك تماماً وجعلت العلوم الالهية هي الأصل وغيرها تابع خادم لها.

فهذه الفقرات السابقة لم يكن الهدف منها اسقاط قيمة المدنية أو الغاء أهمية الحضارة أو ترسيخ حالة الاستهلاك والتبعية في مجتمعاتنا المسلمة, وانما كانت مجرد مساهمة في اعادة ترتيب أولويات المثقف المسلم, وكشف تصورنا الاسلامي “المختلف” لمفهوم الحضارة والمدنية والتقدم والنهضة والتحديث, بهدف اعادة الاعتبار وكشف أولوية التزكية وشرف العلوم الالهية الموروثة عن خاتم الرسل, وحاجتنا اليها أولاً ثم حاجة العالم المعاصر اليها ثانياً.

أما استفراغ الوسع والاستطاعة في اعداد القوة واتخاذ الوسائل والامكانيات فهذا واجب شرعي محكم لاخلاف فيه, فالمسلمون اليوم بحاجة ماسة الى الامكانيات الحديثة لابلاغ الرسالة الاسلامية ولتحقيق الغاية الالهية الشريفة التي ذكرها الله في ثلاثة مواضع من كتابه في سورة التوبة والفتح والصف وهي قوله تعالى:

(هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق “ليظهره” على الدين كله)

ومثل هذه الغاية الالهية الشريفة لاتتحقق الا باتخاذ الوسائل الشرعية من اعداد القوة والامكانيات, ولذلك قال تعالى:

{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ } [ الأنفال : 60 ].

وفي الصحيحين من حديث ابن عمر:

(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر, وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة: اليد العليا خير من اليد السفلى, واليد العليا المنفقة والسفلى السائلة)

ولكن استفراغ الوسع والاستطاعة في اعداد القوة واتخاذ الأسباب والامكانيات لايعني الركون اليها وتعلق القلب بها, ولذلك لما قال نبي الله لوط لقومه:

{ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ}

علق النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك تعليقاً بليغاً, حيث روى الترمذي وغيره بسند حسن عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(رحمة الله على لوط، لقد كان يأوي إلى ركن شديد -يعني: الله عز وجل – فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه) .

كما ان الاستمتاع بالطيبات مما جاءت الشريعة بتقريره كما قال تعالى:

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ }.

ولذلك روى الامام مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) وقال:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)

ويمكن تلخيص هذه الاشكالية عبر تقسيم العلاقة بالممتلكات الدنيوية إلى ثلاثة مراتب رئيسية:

إما أن يكون الاهتمام ببناء الدنيا مربوطاً بغاية نصرة الاسلام وتحقيق قيمه, وإما أن يكون لمجرد اشباع احتياجات الانسان, وإما أن يكون بهدف المباهاة والمفاخرة والترف والمنافسة الدنيوية ونحوها.

فهذه المراتب الثلاث لخصها النبي صلى الله عليه وسلم ووصف كل مرتبة بوصف بليغ جامع وذلك في حديث الخيل الشهير, فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(الخيل ثلاثة: فهي لرجل أجر, ولرجل ستر, ولرجل وزر. فأما التي هي له أجر: فالرجل يتخذها في سبيل الله ويعدها له, فلا تغيب شيئا في بطونها إلا كتب الله له أجرا, ولو رعاها في مرج ما أكلت من شيء إلا كتب الله له بها أجرا, ولو سقاها من نهر كان له بكل قطرة تغيبها في بطونها أجر, حتى ذكر الأجر في أبوالها وأرواثها, ولو استنت شرفا أو شرفين كتب له بكل خطوة تخطوها أجر. وأما الذي هي له ستر: فالرجل يتخذها تكرما وتجملا, ولا ينسى حق ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها, وأما الذي عليه وزر: فالذي يتخذها أشرا وبطرا وبذخا ورياء الناس, فذاك الذي هي عليه وزر)

فهذا الحديث العظيم غني بالدروس والمعاني, وهو يختصر في عبارات موجزة كل ماأرادت هذه الورقة أن تقوله وزيادة, ويهمنا فيه الاشارة الى فضل الممتلكات والامكانيات الدنيوية حين توجه الى نصرة الاسلام ويبتغى بها وجه الله, حتى أن الإنسان يؤجر على تفاصيل حركاتها التي تقع منها أثناء فعل الطاعة وإن لم يقصد الانسان تلك التفاصيل, وقد أشار الى ذلك غير واحد من شراح الصحيحين, في مقابل بؤس وتفاهة تلك الممتلكات والامكانيات اذا اتخذت للمنافسة الدنيوية.

ويمكن اجمال بعض الغايات والنتائج التي سعت اليها هذه الورقة في الخطوط التالية:

-أن العبودية هي الغاية الكبرى, أما العلوم المدنية فهي وسيلة تابعة لها.

-أن التنوير الحقيقي هو الاستنارة بالعلوم الالهية التي تضمنها الوحي, وأن الظلامية والانحطاط الرئيسي هو الحرمان من أنوار الوحي مهما بلغت درجة العلوم المدنية.

-أن اشرف مراتب العمارة هي العمارة الايمانية, وأن جوهر وظيفة الاستخلاف هو تمكين الدين.

-أن الغلو المدني هو ينبوع الانحراف الثقافي وجذر التخبطات الفكرية المعاصرة.

-أن الاسلاميين ليسوا ضد المثاقفة, ولكن لديهم موقف تفصيلي يفرق بين الانتفاع والانبهار, ويفرق بين مستويات الانتاج في الحضارات الأخرى.

-أن خطاب أنسنة التراث آل الى تغييب دور النص في تشكيل التراث, ورد العلوم الاسلامية الى عنصرين: الثقافات السابقة وصراعات المصالح, بما ترتب عليه انفصال الشاب المسلم عن نماذجه الملهمة.

-أن المغالاة في مفهوم الانسان آلت الى طمس المعايير القرآنية في التمييز على أساس الهوية الدينية.

– أن التبرم بمرجعية الوحي, والإزراء بالقرون المفضلة, واللهج بتعظيم الكفار, من أكثر شعب النفاق المعاصرة التي تستدعي التحصين الايماني.

-أن المغالاة في النسبية يقود الى العدمية, بما يترتب عليه خسارة فضيلة اليقين ومنزلة الاحسان, والاغراق في الارتياب والحيرة واللاحسم.

-أن الغضب لله ورسوله اذا انتهكت محارمهما قيمة محمودة وليس توتراً ولانزقاً ولا دوغمائية ولاوصاية ولااقصاء.

-ان الاستغراق في ربط الشعائر بعلل سلوكية محضة, أو ربط التشريعات بحكم اجتماعية محضة, من أعظم أسباب توهين الانقياد وذبول الدافعية.

-أن تعظيم الكلي مع تجميد تطبيقاته يؤول الى تعظيم شكلي نظري لاحقيقة له, لأن الجزئي معتبر في اقامة الكلي.

-أن الاستقامة الدينية ليست لمجرد السلامة من النار, بل لها آثار دنيوية كبرى في جلب الخيرات ودفع الكوارث.

-أن الضعف البشري في تأويل النص باتجاه رضا الناس حقيقة لايستهان بسطوتها على العامل للاسلام الشغوف باستمالة المدعوين.

-أن استفراغ الوسع والاستطاعة في اعداد القوة واتخاذ الامكانيات من الواجبات الشرعية المحكمة.

وسائر المعاني التي تمت الاشارة اليها في هذه الخاتمة حول أهمية اعداد القوة سبقت الاشارة اليها متناثرة في سياق الفقرات السابقة, وانما أعدتها للتأكيد على هذه القضية واحترازاً مسبقاً من سوء الفهم, وهذه هي آخر فقرة حول علاقة الخطاب المدني المتطرف بأصول الوحي, ولم يكن القصد هو استيعاب ظواهر الخلل في الخطاب المدني المتطرف وانما ذكر نماذج يتبين بها ماهو من جنسها, وعسى أن يكون لنا لقاء قريب في الجزء الثاني الذي هو عن علاقة الخطاب المدني المتطرف بالفكر الحديث.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

الاثنين 10/06/1428هـ