مقالات إبراهيم السكران

إذا كان القرآن شفاء فلماذا نحتاج علم النفس

القرآن وعلم النفس

هذا سؤال على الاسك :

إذا كان القرآن شفاء لما في الصدور فلماذا نحتاج علم النفس العلاجي الغربي؟
فكان جواب ابراهيم السكران :

الحمد لله وبعد،،
هذا السؤال مبني على مقدمتين :

الأولى: أن القرآن ليس إلا علاجاً للأدواء النفسية،

والثانية : أن القرآن كعلاج نفسي هو سبب وحيد ولا سبب شرعي آخر معه.
وكلا المقدمتين غير دقيقتين.

فالقرآن كما أنه ترياق للأدواء النفسية، فكذلك هو دواء للأمراض العضوية، كاللدغة والجرح والقروح وغيرها، وكلها جاءت فيها نصوص في الصحيحين أو أحدهما.

وفي صحيح مسلم (كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه، أو كانت به قرحة أو جرح، قال: النبي صلى الله عليه وسلم بإصبعه هكذا..) وذكر الرقية.

فقوله “اشتكى الشيء” عام في الوجع، وقوله “قرحة أو جرح” كلاهما مرضان جسديان لا نفسيان.
وفي صحيح مسلم (رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقية من العين، والحمة، والنملة).
و”الحمة” هي ذوات السموم، و”النملة” قروح تخرج في الجنبين سميت بذلك لأن المريض بها يشعر كأن نملاً يدب أو يعض.
واللدغة والنملة كلاهما مرضان جسديان عضويان.

ومن أراد تفصيلاً أكثر فليراجع في زاد المعاد لابن القيم تفصيلات غزيرة بعنوان (فصول في هديه – صلى الله عليه وسلم – في العلاج بالأدوية الروحانية الإلهية).

حسناً، هل يسوغ أن يقال إن الرقية جاءت للأمراض الجسدية فلنغلق علوم الطب المعاصرة اليوم والمستشفيات والضماد الخ؟

الجواب لا، لأن الرقية سبب شرعي لعلاج الأدواء الجسدية، لكنها ليست سبباً شرعياً وحيداً، بل سبب من ضمن جملة أسباب، وهي الأدوية الطبيعية الأخرى، ولذلك فإن من شرع الرخصة في الرقية للأدواء الجسدية هو الذي شرع ونبّه للحجامة والكي والحبة السوداء ونحوها، فتبيّن أن كون الرقية علاج لبعض الأمراض لا يعني أنها مقصورة ومحصورة عليها.

ومما يدلك على أن الآلام النفسية لا يقتصر علاجها على الرقية الشرعية أن الشارع نفسه أشار بالتلبينة وأنها “مجمة لفؤاد المريض، تذهب ببعض الحزن” وهذا في صحيح البخاري، والتلبينة علاج حسي لألم نفسي.

ومن المفاهيم الخاطئة المتصلة بهذا الأمر ظن بعضهم أن الأمراض النفسية عقوبات على المعاصي، وهذا خطأ، فإن المرض قد يكون عقوبة وقد يكون كفارة ورفعة درجات وقد يكون ابتلاء وقد يكون غير ذلك من الحكم الإلهية، ثم إن المرض الذي يكون عقوبة لا يقتصر أصلاً على المرض النفسي، بل المرض الذي يكون عقوبة قد يكون جسدياً وقد يكون نفسياً.

بل إن الآثار المروية في أن بعض المنكرات إذا ظهرت في أمة فشت فيهم أوجاع لم تكن في سابقيهم تتكلم أصالة عن الأمراض العضوية، وإن كان يدخل في عمومها المرض النفسي. فكيف يجعل المرض النفسي عقوبة مطلقاً؟!
بل أبواب الابتلاء الإلهي أعم من هذا، وجنسه مما قال الله فيه

{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}

ونقص الأنفس قد يكون نقصاً كلياً بالموت، أو نقصاً جزئياً بالمرض. وكلا الوجهين منقولان عن السلف.
وهذا الخطأ في تصور أن المرض النفسي عقوبة مطلقاً له آثار سلبية شديدة على المريض النفسي الذي يحتاج من المجتمع المحيط الحدب والتعاون وبث الثقة والتفاؤل، وملأ روحه بأن المرض النفسي كالمرض العضوي، كله بقدر الله، ولا داعي للخجل منه.

ومن جهة أخرى: فإن الله بفضله فتح على الخبرة البشرية المعاصرة اليوم في اكتشاف أسباب عظيمة من الأدوية للاضطرابات النفسية، كأدوية مضادات الاكتئاب (Antidepressant)، وخصوصاً في خط الاتصال بين الأعصاب والدماغ والآثار النفسية، فكل ما يكشفه الله لعباده من الأدوية هي من النعم التي تستوجب الشكر، ومزيد البحث والتجربة.
والله أعلم،،

اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.