مقالات إبراهيم السكران

النشاط الطلابي أحد خصوم العنف لا مصدره

في يوم الثلاثاء الماضي طرح الخبير في جماعات الإرهاب الأستاذ فارس بن حزام مقالة تفسيرية لظاهرة العنف توصل فيها بكل وضوح إلى النتيجة التالية (الأنشطة اللاصفية وحلقات التحفيظ هي القاسم المشترك بين خلايا العنف).
وفي تقديري الشخصي أن هذه النتيجة المرسلة غير المبرهنة من شخص متخصص كالأستاذ فارس شديدة الضرر بإحدى أهم المؤسسات المدنية الفاعلة في مجتمعنا المحلي، ولكي نبرهن خطأ هذا التفسير يجب علينا أن نبدأ بالقصة من أولها فلا يخفى على أي مؤرخ للفكر الإسلامي أن الأنشطة الطلابية المدرسية وحلقات التحفيظ في السعودية هي في جوهرها امتداد للفكر التربوي الإسلامي الذي أطلقه المصلحون الإسلاميون في أوليات القرن الماضي ووصل إلى منطقة الخليج عبر رواد التربية الإسلامية أمثال الشيخ الفاضل مناع القطان والشيخ محمد سرور والأستاذ محمد قطب ونحوهم، ومن ثم تشكلت في المنطقة ثقافة تربوية تجلت في رسائل الأستاذ محمد أحمد الراشد، والدورية الشهرية المعروفة مجلة البيان، ومحاضرات الدعاة الإسلاميين المحليين، وهذا الفكر التربوي المسيطر على الأنشطة اللاصفية قد اتخذ منذ البدء موقفاً حاسماً غير قابل للتفاوض ضد العنف وطموحات الصدام، ومن يضع هذه الأنشطة الطلابية في قفص الاتهام ويرى أنها كانت وعاء العنف ففي تقديري أنه لا يعرف أساساً صيغة العلاقة المتوترة بين الجهاديين والتربويين في الداخل الإسلامي، ولم يستوعب السياق الفكري الذي نشأت فيه جماعات العنف الفوضوي الحالية.
ذلك أن جماعات العنف نشأت كحالة انشقاقية وساخطة ضد العمل الحركي الإسلامي التربوي، حيث يرى الجهاديون أن التربويين الإسلاميين يعملون في مشروعات إصلاحية طويلة المدى وغير مثمرة وأن الحل الحقيقي هو المبادرة برفع السلاح، ويحمل التربويون الإسلاميون ذات الموقف غير المرتاح تجاه الشباب المنخرطين في الجيوب الجهادية، حيث يرون أنهم شباب متهورون لا يعون طبيعة الحياة القائمة على الاندماج والإصلاح من الداخل، وليس سراً أن صورة الشاب القاعدي في المخيال التربوي هي صورة سلبية وغير مرغوبة، وبطبيعة الحال انعكست هذه الروح العامة في المنظومة التربوية على مشرفي الأنشطة الطلابية وحلقات التحفيظ في السعودية، بل إن أفكار التربويين الإسلاميين لم تقتصر على التأثير على أنماط الأنشطة الطلابية بل تعدت ذلك إلى التأثير في صياغة تشريعات السياسة التعليمية في السعودية الصادرة عام 1389ه حيث تضمنت كثيراً من قيم ومفاهيم الخطاب التربوي.
وقد استمرت هذه العلاقة غير الودية بين الاتجاهين، ولذلك فإن الإمام حسن البنا صرح تصريحاً حاداً ضد الجهاديين الذين قاموا بعمليات تفجير داخلية فقال عنهم (ليسوا إخوانا لنا وليسوا مسلمين)، وقد حذر الأستاذ محمد قطب – باعتباره إحدى أهم مرجعيات النشاط التربوي في السعودية – في كتابه التأسيسي واقعنا المعاصر من ظاهرة التهور الجهادي والقيام بعمليات عسكرية، بل إن الشيخ محمد سرور وصل به الأمر إلى حد الفتيا بوجوب تبليغ الجهات المختصة عن أي خلية جهادية! وقد أصدر الدعاة التربويون المحليون بيانات مشتركة تؤكد جميعها على اعتبار عمليات العنف الأخيرة عمليات تخريبية، وقد بلغ بهذه العلاقة المتوترة أقصاها الرمز الجهادي أيمن الظواهري في كتابه الحصاد المر الذي حشد فيه مئات الوقائع والأحداث التي يرى أنها تدين الاتجاه التربوي الإسلامي وتثبت فشل استراتيجياته الاندماجية.
وهذا يعني أن هناك فلسفتين إصلاحيتين متناقضتين بين التيارين، فالتيار التربوي هو في جوهره اتجاه اندماجي في المؤسسات الاجتماعية، بينما التيار الجهادي اتجاه صدامي مع مؤسسات المجتمع، وما أكثر المشاهد الواقعية التي تؤكد هذه النزعة الاندماجية في التيار التربوي، فمن ذلك مشاركة مخرجات الاتجاه التربوي بشكل واسع ومنافس في الكليات العلمية والتقنية كالحاسب والطب والهندسة ونحوها، والمشاركة المدنية في الانتخابات البلدية، حيث اكتسحت التيارات الإسلامية التربوية غيرها من الكتل الثقافية الأخرى عبر آلية انتخابية حديثة، والمشاركة الإعلامية الجريئة في القنوات الفضائية، والمشاركة المحترمة والجادة في مؤتمرات الحوار الوطني السعودي، في الوقت الذي يستهتر فيه التيار الجهادي بكل هذه المظاهر والمكتسبات ويكثر من التزهيد فيها والتندر بها ولمز أصحابها، بل وكثيراً ما يرسل دعوات انترنتية موجهة لرموز التيار التربوي للمناظرة حول المسائل الفاصلة بين التيارين.
فإذا كان هذان التياران الإسلاميان يحملان كل هذا التناقض البنيوي والتعارض في فلسفة الإصلاح فكيف تنسب نتائج أحدهما إلى الآخر؟! وكيف يفسر العنف الجهادي الصدامي بالثقافة التربوية الاندماجية؟!
أما نماذج العنف التي وجدها الخبير فارس بن حزام ذات تاريخ تربوي فهي في حقيقتها حالات متسربة وثائرة على النمط التربوي ومتذمرة من استراتيجياته، فهي في لحظة تبديل التذكرة والمسار لا أنها تواصل رحلتها التي ابتدأتها.
وفي تقديري أن تفتيش الخبير فارس عن قواسم مشتركة ليصل إلى تفسير العنف كان بحثاً ظاهرياً شكلياً وليس تحليلاً رأسياً يستهدف قراءة مضمون خطاب العنف والسياق الاجتماعي الذي نشأ فيه، فالقواسم المشتركة بين خلايا العنف يجب أن تبقى فروضا بحثية يتم تحديد نجاعتها التفسيرية عبر فحص قدرتها على الإجابة على كافة معطيات الظاهرة، وليس أي قاسم مشترك يمكن تبنيه كخلفية للظاهرة، فمثلاً توظيف النصوص الشرعية ونصوص الإمام ابن تيمية هو قاسم مشترك بين خلايا العنف وفي ذات الوقت المؤسسة الدينية الرسمية توظف ذات هذه النصوص وتتبنى مواقف سياسية تقف على النقيض منها، كما أن الارتكاز على مفهوم الشهادة في سبيل الله هو قاسم مشترك بين خلايا العنف وفي ذات الوقت قوات الأمن السعودي المقاومة لها توظف ذات المفهوم وتطلق على أفرادها لقب الشهداء، والشيء ذاته ينطبق على توظيف خبرات وتقنية الانترنت، وتقنيات الثقافة العسكرية الحديثة، إلى غير ذلك من النماذج الكثيرة، وهذا يعني أنه إذا قامت خلايا العنف بتوظيف سلبي لتقنيات إيجابية فيجب أن لا ننقلب على هذه التقنيات لمجرد التوظيف السلبي.
ولو شئنا الوضوح والصراحة فإن مركب العنف نشأ نتيجة تفاعل في الكيمياء السياسية بين عنصرين لا ثالث لهما: عنصر الأفكار التكفيرية المنتزعة من المنظومات المذهبية وعنصر الاحتقان السياسي في العالم الإسلامي تجاه الهيمنة الأمريكية المتغطرسة والمستعلية، وبالتقاء هذين العنصرين انفجر مركب العنف في المعمل الاجتماعي.
وخلاصة الأمر.. أن الأنشطة الطلابية وحلقات التحفيظ والمراكز الصيفية هي في حقيقتها أوعية مدنية تعمق المشاركة الجماهيرية وقيم الإصلاح الواقعي، وإذا أردنا تقليص ظاهرة العنف فيجب أن نتوسع فيها ونرشدها ونمولها ونثمن التضحيات النبيلة فيها لا أن نتجنى عليها بأنها هي التي خرجت خصومها!.

هذه المقالة نشرت عام 1427 هجرية

اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.