ابراهيم السكران : إطلاق تكفير الأعيان الموقّعين على ألفاظ المذاهب السياسية الغربية

إطلاق تكفير الأعيان الموقّعين على ألفاظ المذاهب السياسية الغربية
ابراهيم السكران

الحمد لله وبعد،،
من أرسل التكفير بالتعيين على جماعات المجاهدين الموقّعين على بيان فيه ألفاظ المذاهب السياسية الغربية فطريقته لا توافق الطريقة العلمية في “باب الأسماء والأحكام”، وسأعلّق على ذلك في هذه النقاط المقتضبة الموجزة، وهي (12) فقرة، وأسأل الله أن يهديني ويسددني للقول بالعلم والعدل:
1-أن ألفاظ المذاهب الغربية كالديمقراطية والاشتراكية والتعددية والوطنية الخ صارت ألفاظاً مجملة بعد أن تفاوت الناس في الأخذ بها، من مكاشح بصرائح ما فيها من المعنى الباطل، وبين ملفّق بينها وبين النصوص الشرعية، وبين مسلّط للنصوص الشرعية عليها والتمييز بين ما فيها من الحق وما فيها من الباطل، وهي قاعدة “الاستفصال في الألفاظ المجملة” عند أهل السنة، وقد طبقها أهل السنة في ألفاظ العقيدة المحتملة للكفر وهي أشد من ألفاظ المذاهب السياسية الغربية.
2-بعض الخائضين ظن هذه الألفاظ للمذاهب السياسية الغربية هي ذاتها مناط تكفير وسبب ردة، وهي بذاتها ناقض من نواقض الإسلام، فتراه يصرّح بالتكفير تارةً، وتارةً يدرأ التكفير لمانع التأول أو الجهل، وعليه فإنه يرى أنه إذا أقام الحجة ساغ له تكفيرهم وهذا خطأ، فهذه الألفاظ المحدثة المجملة المحتملة ليست بذاتها مناط تكفير وليست بذاتها ناقضاً من نواقض الإسلام، بل المناطات والنواقض هي المعاني المقررة شرعاً للخروج من الإسلام الواردة في النصوص الشرعية، مما قد تتناوله هذه الألفاظ وقد تخرج عنه بحسب قصود أصحابها.
3-أن عامة الجماعات الجهادية الموقّعة على مثل هذه البيانات المجملة المحتملة لها كلام مفصل مبيّن وبيانات منشورة صريحة فيها ما يناقض المعنى الباطل، ومن أرسل تكفير المعيّن في اللفظ المجمل المحتمل وترك كلامه المفصّل المبيّن فقد تنكّب الطريقة العلمية. والأقسى من هذا أن تحمل كلمات مثل هذا البيان على قصد أسوأ المشاركين في المؤتمر، ثم يكفّر فضلاء الحاضرين بقصد أسوأ مفاوضيهم!
4-أن كثيراً ممن يكفر الأعيان بألفاظ المذاهب الغربية وخصوصاً النظم السياسية القانونية الغربية لا يميّز بين تجويز النظام الباطل في نفسه، وبين تجويز المشاركة فيه والرضوخ له لدفع شر أكبر، فيجعل كلا الأمرين كفراً وردة!، بينما الثاني هو ما عليه عامة أئمة العصر كابن سعدي وأحمد شاكر وابن باز وابن عثيمين وغيرهم، وفيه الفتاوى المتعددة لابن تيمية، وقد نقلت نصوص الأئمة في جواز المشاركة في النظام السياسي المخالف للشريعة في رسالة “مفاتيح السياسة الشرعية”.
فينبغي على من يتبنى تكفير الأعيان في مسألة “المشاركة في النظام الديمقراطي لدفع شر أكبر” أن يطّرد ويلتزم لازم قوله، وإلا تناقض، ولازم قوله تكفير الأئمة والعلماء المجوزين للمشاركة للإصلاح، ومن أظهرِ وأبينِ التناقض تكفير المشارك في الديمقراطية والبرلمان لدفع شر أكبر، وعدم تكفير من أفتى له بالمشاركة!، فكيف يُكفّر الفاعل المستفتي ولا يُكفّر من أفتى له بالفعل؟، وليس وجه الاحتجاج هنا بوجود المخالف من كبار الأئمة والعلماء في جواز المشاركة في النظام السياسي المخالف للشريعة لدفع شر أكبر، بل وجه الاحتجاج هنا هو تناقض المدعي في إطلاق تكفير الأعيان اتقاء الشنعة.
5-ومن أوجه التناقض أيضاً أن “تنظيم القاعدة” منذ ابن لادن ود.الظواهري وعطية الله وأبو يحي الليبي وغيرهم، لم يكفروا “حماس” المشاركِة في النظام الديمقراطي التعددي البرلماني، ودافع عطية الله في رسائله عن حماس المشاركة في الديمقراطية دفاعاً ظاهراً، وأثنى د.الظواهري على إسماعيل هنية، وساند ابن لادن الثورات وهي ترفع بعض شعارات الدولة المدنية ونحوها، ود.الظواهري ناصر مرسي الذي قبل بالديمقراطية والدستور الديمقراطي، فلو كان هذا من أظهر نواقض الإسلام وأصول الملة –كما يقوله بعض مكفّري الأعيان بألفاظ المذاهب الغربية السياسية- فيلزم المكفّر أن يكفر تنظيم القاعدة ورموزه، وإلا تناقض، وأكرر أن وجه الحجة هنا ليس مخالفة تنظيم معين في المسألة، بل وجه الحجة تناقض مكفّر الأعيان بألفاظ المذاهب الغربية السياسية.
وهذه الأمور السياسية الدبلوماسية دخلت في مثلها حركة طالبان أيضاً، كمثل الالتزامات التي وقّعتها لفتح مكتب سياسي لها في قطر، ونحوها من الوقائع المعروفة في هذا الشأن. فيلزم المكفّر لأعيان الموقعين على بيانات فيها ألفاظ المذاهب السياسية الغربية أن يكفّر حركة طالبان الإسلامية، وإلا تناقض، وليس وجه الحجة هنا فعل طالبان، بل وجه الحجة هنا تناقض المكفّر.
6-وكذلك كثير من رموز الجهاد المعاصر تركوا مناطق الجماعات الجهادية والمجتمعات المسلمة وذهبوا للاستقرار في دول غربية دون “إكراه”، ووقّعوا على وثائق احترام القانون الغربي، وهي شروط الدخول والإقامة التي تفرضها تلك الدول، فيلزم من كفّر الموقّعين على البيان أن يكفر هؤلاء، وليست الحجة بفعل هؤلاء المقيمين هناك، بل موضع الحجة هنا تناقض المكفّر للأعيان بمثل هذه التوقيعات على ألفاظ المذاهب السياسية الغربية.
برغم أن من وقّع على البيان المتضمن بضع عبارات محتملة متأولاً أن أهل الشام في حاجة شديدة، وأن “الحاجة العامة تنزّل منزلة الضرورة” كما قرر الفقهاء هو أقرب تأولاً من مفكر جهادي يذهب للدول الغربية دون إكراه ويوقّع على احترام قوانينها الكفرية الصريحة ويستقر فيها.
فمن زاوية علمية بحتة: كيف يعذر في التوقيع على أوراق الديمقراطية والقوانين الوضعية مفكّر جهادي يختار دون إكراه الإقامة في ظل دول الصليب، ولا يعذر مجتمع شامي ينزف أطفاله ونساؤه أن يوقّع على مثل هذه الأوراق؟! وكيف يكون الأول من رؤوس القائمين بالتوحيد ويكون الثاني من أشرار الوالغين في الشرك ونواقض الإسلام؟ هل هذا كلام علمي؟ والله لم يتبيّن له توجيه لمثل هذا البتّة.
7-أن النظام السياسي الباطل لا يقتصر على الديمقراطية ومكوناتها، بل حتى النظام المستبد الذي يلتزم أحكاماً وأعرافاً مخالفة للشريعة هو مثله من جهة الحكم بغير ما أنزل الله، والعالم اليوم غلب على دوله ونظمه إما أن تكون دولة ديمقراطية تجعل السيادة للشعب، أو دولة مستبدة هرقلية كسروية تكون السيادة فيها للحاكم ويفرض فيها الدكتاتور أحكاماً وقواعدَ وأعرافاً مخالفة للشريعة، وعليه فإن من كفّر بالمشاركة في الديمقراطية لدفع الشر الأكبر عليه أن يلتزم التكفير بالمشاركة في النظام المستبد الهرقلي الذي يلتزم أحكاماً وقواعد مخالفة للشريعة في سياسته، وحينذاك يظهر أن هذا القائل يلزمه تكفير عامة علماء ودعاة المسلمين اليوم لأنهم لا يخلون من المشاركة في هذه النظم السياسية الديمقراطية أو النظم المستبدة الهرقلية التي تلتزم أحكاماً مخالفة للشريعة، ووجه الاحتجاج هنا ليس مجرد كثرة من سيكفّرهم هذا القائل، بل وجه الحجة هو تناقض المدعي في هذا التكفير خوف الشنعة.
وقد سمعت من يقول ممن يشارك هؤلاء بعض أصولهم “المجتمعات المسلمة اليوم إما دول ديمقراطية تجعل السيادة للشعب أو دول دكتاتورية تجعل السيادة للفرد”، فإذا كان ذلك كذلك فيلزم من كفّر بالمشاركة في النظام الديمقراطي أن يكفّر بالمشاركة في النظم الدكتاتورية المعاصرة، وبهذا يظهر أن كل علماء ودعاة المسلمين اليوم الذي يعملون في المؤسسات الحكومية هم -بحسب هذا التأصيل- كفّار! فيلزم المكفّر للأعيان الاطراد وإلا تناقض.
8-بعض من كفّر أعيان الموقعين على البيان المتضمن لألفاظ الديمقراطية والتعددية ونحوها هو نفسه يقرر أن “تنظيم الدولة” قائم على أصول وأحكام مناقضة للشريعة فيلزمه -أيضاً- لكي يطّرد أن يكفر أعيان المشاركين في “تنظيم الدولة”، فإن احتج أن الغلاة مبتدعة متأولون فيقال له: وهكذا الموقعون على البيان من المجاهدين وعامة المشاركين من العلماء والدعاة والحركات الإسلامية في النظم الديمقراطية هم متأولون، فكيف اعتبر تأويل الغلاة في المشاركة في تنظيم يحكم بغير ما أنزل الله، ولا يعتبر تأويل علماء ودعاة في المشاركة في نظام ديمقراطي في دولة مسلمة لتخفيف الشر قدر الإمكان؟
9-أن مثل هذه المؤتمرات محل الجدل يكون فيها من المفاوضات والمناقشات والمحاورات والمجادلات والصيغ والقصود ما يفتقر للمتصدر للحكم على الأعيان فيها لدقة التصور والاطلاع على وقائع المؤتمر أو مناقشة أصحابه، فأما إرسال الأحكام من وراء البحار فور ظهور نبأ التوقيع وسحبه على جماعات جهادية كاملة بمثل هذا الخبر عن توقيع على بيان مجمل محتمل، فهذا سلوك غير علمي، وليس من طرائق أهل العلم والحكمة والغيرة على الشريعة والتوحيد، والغالب أنه يندم عليه قائله إن كان فيه عقل وعلم، وتراه يضطر للتراجع وتأويل عباراته، وأنه كان يقصد كذا وكذا، وأن الناس فهموه خطأً، ونحو ذلك، وهذه عاقبة الاستعجال.
10-أن كثيراً ممن استعجل وأطلق تكفير الأعيان بمثل هذا التوقيع على ألفاظ المذاهب السياسية الغربية لم يتنبه بادئ الأمر إلى أثر إطلاقه التكفير وأنه لن يكفّر فقط شخص الموقّع الذي هو مندوب سياسي، بل سيلزمونه بتكفير كل تلك الجماعات الجهادية التي انتدبت ممثليها، فاتضح له أنه كفّر أمماً من المجاهدين وهو لم يحضر وقائع المفاوضات ولا عرف قصود الموقعين ولا عرف وجه تأولهم، وأن هذا التكفير المرسل لفضلاء المجاهدين المعينين بمجرد قراءة بيان لمؤتمر كان خطأ واستعجالاً، فرام بعد ذلك ترقيع الموقف بالتأول لعباراته السابقة، ولو تريّث ولزم الطريقة العلمية لم يفتقر لهذا الاعتساف والرجوع بالتأويل لعباراته.
11-أوصي إخواني المعظمين للشريعة والتوحيد والمحبين لنصرة الإسلام وأهله أن يتبينوا ويحترسوا في إطلاق تكفير المعينين من أهل القبلة، وخصوصاً المبادرة والمسارعة والاستعجال في تكفير العاملين للإسلام من العلماء والمجاهدين والدعاة والحركات الإسلامية، ولو تريث هذا المُكفّر وتأمل كم من دمٍ سيراق في الشام على ظهر فتواه وأنه سيأتي يوم القيامة وهذه الدماء معلقة برقبته لأوجب له هذا كمال الورع بإذن الله، ومن أعظم أسباب المسارعة للتكفير الحماسة لرأي سياسي معين، أو محبة تنبيه الناس ضد مؤامرة معينة يراها هذا المكفّر، فيظن أنه بإطلاق التكفير سيحجز الناس عن هذا الذي يراه خطأً سياسياً، وهذا خلل بالغ، فالتكفير حكم شديد في الشريعة ولا يليق استعماله في سوق الناس للآراء الشخصية في المسائل الاجتهادية السياسية والعسكرية، التكفير حكم شرعي وليس وسيلة إقناع وضغط في الجدل السياسي، وباب التخطئة أيسر من باب التكفير وأبعد عن المغبّة الشرعية.
12-هذا التعليق هو بحسب سؤال السائل، وأما تحليل البيان ومواضع الصواب فيه، ووجه الخلل الشرعي فيه، وهل يحقق المصلحة لأهل الشام أم لا؟ وهل فيه مؤامرة على الجهاد الشامي لسرقة ثمرته، أم هو مصلحة متقاطعة مع الفاعلين الإقليميين ضد تهديدات التمدد الإيراني؟ فهذا كله ليس محله هنا، فالبيان الشرعي لمناقضة النظام الديمقراطي للشريعة فصّلته في أبحاث سابقة منشورة، وأما التحليل السياسي للمؤتمر فهذا شأن أهل الخبرة ولا خبرة لي بهذا الفن. وإنما الجواب هنا فقط عن وجه الخطأ عند من أرسل تكفير المعينين على جماعات جهادية كاملة فور سماعه نبأ توقيعهم بياناً فيه استخدام لألفاظ المذاهب السياسية الغربية.
والخلاصة أن الذي يبدو لي -والله تعالى أعلم- أن أصل خطأ أصحاب هذا الاتجاه أمران:
الأول: جعل ما ليس بمكفّر مطلقاً مكفراً مطلقاً: وذلك أن ألفاظ المذاهب السياسية الغربية ليست بذاتها مناطات كفر وردة، بل ألفاظ مجملة محتملة يستفصل في قصد قائلها، ولذلك فمن قال أن هذه الألفاظ ردة يدرأ فيها الكفر بمانع التأويل والجهل فقوله خطأ، بل هذه الألفاظ بذاتها ليست مناط كفر وردة، بل لفظ مجمل يستفصل فيه.
والثاني: تناقض هؤلاء المكفّرين لأعيان الموقعين في تطبيق التكفير بألفاظ المذاهب السياسية الغربية، فطبقوها تارة على الأعيان وأحجموا عنها تارةً أخرى للشنعة، ومن أدق صور اضطرابهم جعلهم إياها تارة مكفراً منع منه مانع، وتارةً يرجعون عن كونه بذاته مكفراً ويقرون أنه لفظٌ مجمل، ويتبيّن هذا الاضطراب في جمع صور تطبيقاتهم لها.
والله أعلم،،
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه،،


أبو عمر

السادس من ربيع الأول لعام 1437هـ

اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.