مقالات إبراهيم السكران

تسع جذاذات منثورة

الحمد لله وبعد،،
فهذه تسع فقرات علمية وسلوكية متناثرة، كنت قد كتبتها في أوقات متفاوتة، وليس بينها رابط إلا أنها تأملات وخواطر في تاريخ العلوم الشرعية، والهيئات النفسية العظيمة التي كان عليها أهل العلم رحمهم الله، فرأيت أن أدفعها بين إخواني على سبيل المذاكرة والمباحثة لأستفيد من تعقباتهم، فما رأيت شيئاً يحيي العلم ويقرص الهمة والتشمير مثل مدارسة العلم مع النظراء، وأشهد بالله أن تلك اللذة التي في مدارسة العلم مع الإخوان لا تعدلها مباهج الدنيا كلها:
1-وزن المحصول والإحكام:
 المرداوي في كتابه الذي يسيل حلاوة وعذوبة (التحبير شرح التحرير) قال عبارة خطيرة يستخلص منها معطى تاريخي هام في تاريخ علم أصول الفقه، وهو مركزية كتابي المحصول للرازي، والإحكام للآمدي، هذه المركزية طبعاً هي في عصر المؤلف، وهو القرن التاسع، وهو قرن ليس لدينا معلومات كثيرة عن التراتبية العلمية للمصادر فيه.
حيث يقول المرداوي عن مصادر كتابه:
(فنذكر فيه ما ذهب إليه أحمد وأصحابه أو بعضهم أولاً غالباً، ثم مذاهب الأئمة الثلاثة وأتباعهم إن كانوا مختلفين، ونزيد هنا غالب مذاهب الأئمة المشهورين، والعلماء المعتبرين، وطريقة المتكلمين من المعتزلة وغيرهم من المناظرين، وطريقتي الرازي والآمدي؛ فإن العمل في هذه الأزمنة وقبلها على طريقتهما)[التحبير شرح التحرير:1/3، تحقيق د.الجبرين]
نعم، أعرف أن المحصول والإحكام كتابان يملكان حضوراً مرجعياً معتبراً في علم أصول الفقه، لكن لم أكن أتوقع أن تكون مصدريتهما تبلغ هذا المبلغ، لدرجة أن يصرح المرداوي الحنبلي –وهو محرر المذهب- أن “العمل على طريقتهما” ، ولاحظ اللفظ مرةً أخرى “العمل”، والعمل لفظ فني شديد يستخدم للتعبير عن حصيلة العمليات المسبقة للمعرفة من استدلال وترجيح الخ حتى تنتهي بالعمل! فهو ليس مصدر معتبر، بل عليه العمل! ثم لاحظ سعة المدى التاريخي لحضور الكتابين، فقد قال المرداوي (في هذه الأزمنة وقبلها) هل هذا يعني أن هذين الكتابين اكتسبا هذه المنزلة الساحقة منذ القرن التاسع والثامن مثلاً؟! الله أعلم.
ومن المشتهر في أبحاث تاريخ أصول الفقه عبارة ابن خلدون عن المصادر الأربعة لأصول الفقه، وهي فقرة هامة، وعليها بعض الاعتراضات، كإهمالها للباقلاني مثلاً، ومع ذلك فعبارة ابن خلدون تتحدث عن المصادر النواتيّة لأصول الفقه، ولكن هذه العبارة للمرداوي أضاءت لنا عصراً آخر وهو المصادر الأصولية المركزية في القرن التاسع والثامن، أو المصادر التي (عليها العمل) في هذه الحقبة الزمنية!
2-أقرب مثال للمجتهد المطلق:
نقل المرداوي في التحبير كلام ابن حمدان في كتابه صفة الفتوى، حيث قال ابن حمدان رحمه الله (ومن زمنٍ طويل عدم المجتهد المطلق)، ونقل المرداوي أيضاً قول النووي في كتابه المجموع حيث قال النووي (فقد الآن المجتهد المطلق ومن دهر طويل).
 ثم نقل المرداوي تعقب ابن مفلح لهما حيث قال ابن مفلح بعد أن نقل كلام ابن حمدان والنووي (وفيه نظر).
 ثم جاء المرداوي ليبرهن بالمثال على بطلان فكرة خلو الزمان من مجتهد مطلق، وهذه الطريقة في البرهنة تسمى (المثال المضاد) (COUNTEREXAMPLE)) وهو معروف في تقاليد الحجاج الفلسفي، وهذا الأسلوب في البرهنة قريب من الفكرة المنطقية التراثية التي كانوا يقولون فيها: (الكلية السالبة تنقض بجزئية موجبة، والعكس).
المهم أن المرداوي لما أراد أن يأتي بمثال على المجتهد المطلق لينقض القول بخلو الزمان من مجتهد مطلق قال:
(قال ابن مفلح لما نقل كلامهما: “وفيه نظر” ، وهو كما قال، فإنه وجد من المجتهدين بعد ذلك جماعة، منهم: الشيخ تقي الدين بن تيمية، ونحوه)[التحبير شرح التحرير: 8/4069، تحقيق د.السراح]
لا أخفي أنني حين بلغت هذا الموضع كأنما سكب المرداوي في فمي عصيراً بارداً .. اللهم ارحم المرداوي، وارفع قدره، كما عرف أقدار أهل العلم الربانيين المحققين.
3-لحظة استدماج المقاصد في أصول الفقه:
 كل من تتبع تاريخ أصول الفقه منذ استحسان وقياس أهل الرأي، واستصلاح وعمل المدينة في الحجاز، وآحاد أهل الحديث، ثم رسالة الشافعي وحسمها لكثير من المسائل، ومروراً بالقاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري والباقلاني والجويني والغزالي، والفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي، ثم الرازي والآمدي حتى الوصول للسبكي في جمع الجوامع والمنظومات التي دارت حوله كالكوكب والمراقي، وحتى لو واصلنا إلى لحظة إرشاد الفحول؛ فسيدرك المتابع أن (المتن الأصولي الرسمي) ليس فيه مساحة واضحة لمقاصد الشريعة، وبقي علم مقاصد الشريعة يدرس كنشاط أصولي لا صفي.
أؤكد أنني أعني بهذا الرصد علم أصول الفقه طبعاً، أي بمعنى آخر بالنسبة إلى الدائرة النظرية لأصول الفقه، أما علم مقاصد الشريعة في مستواه التطبيقي فقد كان شديد الحضور، بل ممزوجاً ومعجوناً في أوصال فقه أئمة الإسلام كفقه عمر وابن مسعود وابن مالك وأحمد وابن عبد البر وابن تيمية وابن القيم وأضرابهم، لكن بالنسبة إلى (المتن الأصولي الرسمي) كان علم مقاصد الشريعة يعاني من حضور شاحب، برغم أنه من المفترض أن يكون جزءاً من علم أصول الفقه، كما هو في منطقه المعرفي كذلك، بل حتى الشاطبي وهو أهم من اعتنى بتنظير مقاصد الشريعة إنما أفرده في كتاب، ولم يمزجه بعلم أصول الفقه في صيغته المدرسية.
وبحسب تتبعي الشخصي المحدود فإنني أرى أن: أول من استدمج علم مقاصد الشريعة داخل المتن الرسمي الأصولي هو ابن عاصمالغرناطي الأندلسي (ت 829هـ) في منظومته الأصولية (مرتقى الوصول) التي بلغت (850) بيتاً تقريباً.
وابن عاصم هو صاحب أشهر منظومة في علم القضاء وهي (تحفة الحكام)، وهذه المنظومة هي التي كان عليها العمل القضائي في أقاليم المغرب العربي، وعليها شروحات وحواشٍ مشهورة كشرح ميارة والتسولي والتاودي وابن رحّال وغيرهم.
ومما كان يلفت انتباهي أنني كنت ألاحظ أن مهندس القانون المدني المصري د.عبد الرزاق السنهوري (ت 1971م) قد أولى اهتماماً واضحاً لأرجوزة ابن عاصم القضائية هذه “تحفة الحكام” وشروحها وحواشيها كالتسولي والتاودي في بعض مقارناته بين القانون والفقه، وكنت أتساءل ما الذي يدفع هذا القانوني السنهوري للاهتمام بشروح أرجوزة ابن عاصم القضائية؟
ثم زال استغرابي لما رأيت الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور (ت 1390هـ) يقول في كتابه “أعلام الفكر الإسلامي في تاريخ المغرب العربي” ما يلي:
 (أصبحت تحفة الحكام عمدة القضاء التي لا يتجاوزها متجاوز في بلاد المغرب العربي..، ومن اعتماد عليها وعلى شروحها في القرن الحاضر عند سن القوانين الجديدة لأحكام الأحوال الشخصية في مصر، وسوريا، وتونس، والمغرب الأقصى)[نقلاً عن الكتاب النفيس: اصطلاح المذهب: ص586]
 فعلمت أن العناية بأرجوزة ابن عاصم هذه لا يقتصر الأمر فيها على السنهوري بل هو شأن عام للمتصدين للتقنين في العالم العربي كما رصد ذلك الفاضل بن عاشور رحمه الله وهو ممن لا يمكن التشكيك في خبرته بتاريخ الفقه عموماً، فهذا الرجل، أعني الفاضل ابن عاشور له بحثان بديعان يبرهنان عمقه في استيعاب تاريخ الفقه، أحدهما بعنوان (المصطلح الفقهي في المذهب المالكي) طُرح في مجمع اللغة في عام 1387هـ، والآخر بعنوان (امتزاج الأزهر بالزيتونة) قدم لمجمع البحوث الإسلامية عام 1389هـ، وكلا البحثان مطبوعان في كتابه (ومضات فكر)، وهل يمكن –مثلاً- لشخص قرأ رصد ابن عاشور لاستعارة المصنفين لأدوات ابن عرفة في صياغة الاصطلاحات إلا أن ينبهر بإمكانياته رحمه الله؟!
المهم أن الذي صنعه ابن عاصم في منظومته الأصولية (مرتقى الوصول) أنه عقد باباً سماه (فصلٌ في المقاصد الشرعية) ثم ساق فيه (27) بيتاً لخص فيها بعض مفاهيم مقاصد الشريعة، ولا يقتصر الأمر عند هذا الفصل بل نثر في المنظومة عدداً آخر من قضايا مقاصد الشريعة.
لكن: من أين جاءت ياترى هذه الفكرة لابن عاصم وهو يؤلف متناً في أصول الفقه؟ كيف تمتع علم مقاصد الشريعة بهذا الحضور في منظومة أصولية رسمية؟ هذا الاهتمام المقاصدي كيف تسرب إلى العقلية العلمية لابن عاصم؟
هذا سؤال علمي/تاريخي لا يخفي شيئاً من الاستغراب طبعاً، ولكن يتبدد هذا الاستغراب حالما يعلم الباحث أن ابن عاصم أصلاً هو تلميذ للشاطبي!
وهاهنا ينتهي السر كله..
فابن عاصم متأثر كثيراً بشيخه الشاطبي، واعتنى بكتاب شيخه الموافقات، وأدخل كثيراً من قضايا مقاصد الشريعة التي أصّلها الشاطبي في منظومته الأصولية، وسأضرب لذلك مثالاً واحداً:
من أبدع ما صاغه الشاطبي في الموافقات تنبيهه على أن استثناء بعض الجزئيات لمانع معين لا يقدح في (الكليات الشرعية) وهذا التنبيه في غاية الأهمية في حفظ الكليات وحفظ عموم العمومات الشرعية، وهو يحل إشكالاً عويصاً لدى الناظر في قواعد العلوم الشرعية إذ تهتز القواعد في صدره كلما تملصت منها بعض الفروع، ويقول الشاطبي رحمه الله:
(الكليات لا يقدح فيها تخلف آحاد الجزئيات) وقال (لا ينخرم الكلي بانخرام بعض جزئياته) [الموافقات للشاطبي: 1/373، 381، 314، طبعة الرسالة].
هذا التأصيل البديع للشاطبي لا يوجد في كتب أصول الفقه بحسب ما أعلم، وقد نظمه ابن عاصم وأدخله للمتن الأصولي المدرسي حيث يقول ابن عاصم في منظومته:
(وليس رافعاً لكليّاتها ** تخلفٌ لبعض جزئياتها)
وربما يوجد ما يشابهه في كلام أهل العلم في علم القواعد الفقهية وأنها أغلبية، ولكن مثل هذا التقرير فيه إشكالات وقد توسع في عرضها ومناقشتها شيخنا د.يعقوب الباحسين في كتابه القواعد الفقهية، وكان شديد الحماس لتثبيت قاعدية القاعدة وكلية الكليات، واعتبار ما خرج منها إنما خرج لفقد شرط أو طروء مانع.
بل إن ابن عاصم نظم الموافقات كاملة في منظومة مستقلة اسمها (نيل المنى)، كان بعض طلبة العلم –بيض الله وجوههم- قد نسخوها من المخطوطة ونشرت في صيغة (وورد)، ولا أعلم هل طبعت أم لا؟
وابن عاصم عبقري في النظم إلى الغاية، ولمنظوماته ميزات، أهمها طبعاً منزلته العلمية، ثم هذه (السلاسة) المدهشة في منظوماته، حتى أنها تحرج شارحها! إذ لا يوجد فيها غموض يستحق الشرح، وكل ما في الشروح هو –غالباً- تتميم للمعلومة لا تحليل لألفاظ المنظومة، لأن منظومات ابن عاصم شارحة نفسها بنفسها، بل في كثير من المواضع تكون ألفاظ المنظومة أوضح من ألفاظ الشارحين!
ومن أعظم ميزات ابن عاصم أنه شديد الانتباه إلى ثغرة (التضمين) في المنظومات العلمية، والتضمين هو أحد العيوب الشعرية في علم العروض، وهو معضلة من أعسر المعضلات على حفّاظ المنظومات.
والتضمين هو أن يفتقر معنى البيت إلى البيت الذي يليه، أي أنه لا تكون في البيت الواحد فكرة مكتملة، فيتعسر على حافظ النظم الاستشهاد العلمي بالبيت الواحد، وقد وضح معنى التضمين العلماء الذين صنفوا في علم العروض، حيث عرفه الخزرجي (626هـ) في منظومته في علم العروض المسماة (الرامزة الشافية) بقوله:
(فواتر، ودارك، راكبْ، اجف تكاوساً ** وتضمينها إحواج معنى لذا وذا).
وفي بعض نسخ الرامزة (وتضمينها إخراج معنى لذا وذا) وهي التي اعتمد عليها الدماميني (ت827هـ)، وهو تلميذ ابن خلدون، في شرحه على المنظومة المسمى (العيون الغامزة على خبايا الرامزة) وإن كان الدماميني نبّه على أن لفظة “إحواج” أظهر في المعنى.
وتعريف الخزرجي لم يكن واضحاً، وأحسن منه في نظري تعريف ابن الحاجب (ت646هـ) في منظومته في علم العروضالمسماة (المقصد الجليل في علم الخليل) حيث عقد فصلاً لعيوب الشعر، قال فيه ابن الحاجب عن عيب التضمين:
(تضمينهم أن يكون البيت مفتقراً ** إلى الذي بعده، كأنه وصلا)
وفي بعض نسخ المنظومة (تتميمهم) وهو اللفظ الذي ورد في شرح ابن التركماني (ت 744هـ) على منظومة ابن الحاجب، وهو اصطلاح آخر –أيضاً- لذات المفهوم، فيسمى (التضمين) ويسمى (التتميم) بل ويسمى (المبتور) أيضاً.
ومن أوائل من شرح مفهوم التضمين أبو هلال العسكري (ت395هـ) في كتابه الصناعتين (ص36) أثناء شرحه للتعريف الأجنبي الذي رواه الجاحظ (ت255هـ) عن عناصر البلاغة.
وأما أول من سمى هذه الظاهرة الشعرية (المبتور) فأظنه –والله أعلم- قدامة بن جعفر (ت337هـ) وكان شرحه لها بديعاً يعكس امتزاج أدوات اللغة في تعابيره، وتأمل بالله عليك كيف يشرح قدامة مفهوم التضمين، حيث يقول:
(ومنها المبتور: وهو أن يطول المعنى عن أن يحتمل العروض تمامه في بيت واحد، فيقطعه بالقافية، ويتمه في البيت الثاني)[قدامة بن جعفر، نقد الشعر: ص209، تحقيق خفاجي]
وشرح قدامة لمفهوم التضمين لم يكتفِ بالمظهر الخارجي للمفهوم وهو انقسام المعنى بين بيتين، بل تلاحظ أن قدامة يشرح الحالة النفسية للشاعر، وكأنه معه، ويستخدم في الشرح الأدوات الفنية للعلم، فمن خلال شرح قدامة يستوعب القارئ خلفيات التضمين لا التضمين فقط.
وذكر ابن فارس في مجمل اللغة ومقاييس اللغة، كلاهما؛ أن التضمين يسمى –أيضاً- تعاظل، والتعاظل التداخل.
ومما ينبغي أن يميز فيه في مفهوم التضمين التمييز بين التضمين في الشعر الجمالي، والتضمين في النظم العلمي، ذلك أن التضمين في الشعر الجمالي هناك من استحسنه من أئمة اللغة والأدب، ولم يعدوه عيباً شعرياً، ويبدو أن أول من صرح بأن التضمين لا يعد عيباً أبو الحسن الأخفش (ت215هـ)، ووافقه عليه أبو الفتح ابن جني (ت392هـ) نقله عنهما ابن سيده في المحكم، ومن المتأخرين ابن الأثير (ت637) في المثل السائر (ص3/201) ، برغم أنه في المتن الرسمي العروضي استقر الأمر على اعتبار التضمين عيباً من عيوب الشعر.
وأما التضمين في النظم العلمي فلا أشك أنه معضلة، وعيب يجب تحاشيه، ورأيت المجربين لحفظ المنظومات تتواطأ مواقفهم على استحسان البيت الذي يحوي فكرة علمية كاملة، ولذلك تروج مثل هذه الأبيات التي تحتضن في بيت واحد فكرة علمية مكتملة، أكثر من الأبيات التي تتشرذم فيها الفكرة العلمية في عدة أبيات، كما أن القارئ يستلطف أن يكون الكتاب في مجلد واحد، ويستثقل توزيعه في عدة مجلدات.
ويستعمل التضمين كاصطلاح آخر لمعانٍ مختلفة، كاستعماله في الأدب بمعنى الاقتباس، واستعماله في الفقه بمعنى الكفالة، وليس هذا محل حديثنا.
وبمناسبة الحديث عن ابن الحاجب صاحب هذه المنظومة العروضية، فإنني أود الإشارة إلى ظاهرة مثيرة للاهتمام حول هذ الرجل.
فابن الحاجب –في تقديري- هو أسعد شخصية متونية في التراث الإسلامي، فما إن ينهي المتن في منزله رحمه الله، إلا وقد طارت أقاليم الإسلام به متنافسةً في الشروحات والحواشي عليه! وكأنما الشراح والمحشّون ينتظرونه ينهي متنه الجديد ليبدؤوا بدورهم مهمتهم!
 وابن الحاجب ظاهرة متونية تستحق التحليل التاريخي فعلاً، فمن راقب النشاط العلمي المدهش حول متونه لا يمكنه إلا اعتباره فريداً في هذا المجال، وأن لدى ابن الحاجب سراً خاصاً في صناعة المتون الله أعلم به!
ابن الحاجب لا أعرف له نظيراً في شيوع واعتماد متونه العلمية في الفنون.
وخذ أمثلةً على ذلك في خمسة علوم ألف فيها ابن الحاجب متوناً صارت الأصل في بابها، وهي: الفقه، وأصول الفقه، والنحو، والتصريف، والعروض:
ألّف ابن الحاجب في علم النحو متن (الكافية) وسرد لها د.موسى العليلي (124) شرحاً مفصِّلاً معلومات كل شرح كما في تحقيق د.العليلي لكتاب الوافية شرح نظم الكافية (ص27)، وبعض هذه الشروح باللغات غير العربية! وذكر للكافية (9) منظومات نظمت هذا المتن المنثور! و(4) شروح لهذه المنظومات. وبحسب اطلاعي فإن د.العليلي هو أوسع من تتبع النشاط العلمي حول (الكافية) فرصدُه أوسع مما ذكره حاجي خليفة وبروكلمان، بل أوسع مما ذكره طارق الجنابي في كتابه المتخصص عن ابن الحاجب.
وأردف ابن الحاجب كتابه الكافية في علم النحو، بمتن آخر هو (الشافية) في علم الصرف، وانهالت على هذا المتن الشروح والحواشي والمنظومات، فذكر حاجي خليفة لها قرابة (15) شرح وذكر أنها شروحها المتداولة فقط! ونظمها ثلاثة علماء، بل وذكر حاجي خليفة أنها ترجمت للغة التركية، وشرحت أيضاً باللغة الفارسية!
وألف ابن الحاجب في علم الفقه المالكي (جامع الأمهات)، وقد سرد د.أحمد نجيب، في تحقيقه للتوضيح لخليل زهاء (40) شرح لهذا الكتاب، ومنذ خرج هذا الكتاب هيمن على الفقه المالكي كله، حتى قال الحجوي في وصفه (نَسَخ ما تقدمه)[الفكر السامي: 2/271]. ومختصر خليل الذائع الصيت هو اختصار له أصلاً، وخليل قبل أن يختصر مختصره منه كان قد شرح جامع الأمهات في كتابه التوضيح، فانظر لعناية خليل بهذا الكتاب حيث شرحه واختصره، بل من الطريف فعلاً أن كتابه هذا في فروع الفقه المالكي شرحه علماء من المذاهب الأخرى، كابن دقيق العيد الشافعي!
وألف ابن الحاجب في علم أصول الفقه (مختصر المنتهى) وذكر له حاجي خليفة أكثر من (30) شرح، هذا غير المختصرات والنظم للكتاب، بل إن الأحاديث التي وردت في كتاب ابن الحاجب الأصولي اعتنى علماء الحديث بتخريجها في مصنفات مستقلة، فخرج أحاديث كتابه هذا: ابن الملقن، وابن كثير، والزركشي، وابن حجر، وغيرهم.
وألف ابن الحاجب في علم العروض منظومة (المقصد الجليل) وذكر د.العمودي في تحقيقه لشرح ابن التركماني (14) شرحاً لهذه المنظومة. والطريف فعلاً أن هذه المنظومة ترجمت للألمانية ونشرها فريتاغ في 1830م.
فبالله عليك هل تعرف عالماً في تاريخ العلوم الإسلامية حصدت المتون التي ألفها في العلوم مثل هذا الاهتمام بالشرح والحواشي والنظم وتخريج الأحاديث؟! أما أنا فبحسب اطلاعي لا أعرف نظيراً لابن الحاجب كظاهرة متونية.
ابن الحاجب مثّل في تاريخ التراث الإسلامي وزارة معارف لإنشاء المناهج الدراسية..
المهم .. أن الذي يبدو لي أن ابن عاصم الغرناطي هو أول من استدمج المقاصد في المتن الأصولي الرسمي. والله أعلم.
4-الوصية الراقية:
 كثيراً ما يطلب الناس ممن يتوسمون فيه الخير أن يوصيهم بوصية، إما في وداع، أو في اللحظات الأخيرة قبل الموت، فيذكر لهم كليات جامعة، أو شيئاً من خلاصات تجاربه في الحياة، ويتفاوت أهل العلم والخير في الوصية، وفي موقف مدهش من الإمام هرم بن حيان (ت 26هـ)، وهو أحد من ولي بعض رايات الجهاد في خلافة عمر وعثمان رضي الله عنهما، حيث أوصى من سأله بوصية عجيبة، فقد روى ابن سعد (ت230هـ) في كتابه الطبقات أنه قيل لهرم بن حيان أوصنا فقال:
(أوصيكم بخواتيم سورة النحل {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} إلى آخر السورة {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون})[طبقات ابن سعد:7/132].
هل تصدق .. أنني حين قرأت وصية هرم هذه عدت فعلاً وفتحت المصحف على أواخر النحل وأخذت أتأمل هذه الآيات الأربع التي ذكرها هرم رحمه الله، وأتساءل ما المعاني التي دعته ياترى إلى أن يوصي من سأله بهذه الآيات؟
5-طلابك هويتك:
قد يظن العالم أحياناً أن قصارى الأمر في مهمته التعليمية هي أن يحقق المسائل ويوضحها لطلابه، وتنتهي هاهنا مهمته، وهذا تصور غير دقيق، فالعناية بتربية طلاب العلم، والحرص عليهم، له أثر جوهري على العالم نفسه، حيث ينقلون علمه ويبثونه فيكتب الله للعالم من الأجور ما لا يخطر بباله بإذن الله، وتأمل كيف تفاوت نقل علم الصحابة بسبب الفارق في الطلاب، لا بسبب الفارق في القدرات العلمية! وقد نبّه على من اختُصّ من الصحابة بنقل علمهم الإمام ابن المديني(ت 234هـ) ، حيث روى الحافظ يعقوب الفسوي (ت277هـ) في تاريخه عن إمام الحديث علي بن المديني(ت 234هـ) أنه قال:
(لم يكن من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أحدٌ له أصحاب حفظوا عنه، وقاموا بقوله في الفقه؛ إلا ثلاثة: زيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس)[المعرفة والتاريخ للفسوي:1/353].
فتأمل في عبارة ابن المديني هذه كيف أن هؤلاء الثلاثة من الصحابة اختُصّوا بنقل علمهم أكثر من سائر الصحابة، وظاهرٌ أنه ليس بسبب كونهم أفقه من غيرهم، فلا شك أن مثل عمر وعلي ومعاذ ونحوهم من علماء الصحابة إما في درجة زيد وابن مسعود وابن عباس، أو بعضهم أفقه منهم، ولكن هؤلاء الثلاثة الذين ذكرهم ابن المديني إنما انتقل علمهم وانتشر بسبب طلبتهم، وكما عبّر ابن المديني (وقاموا بقوله في الفقه).
وتشبه هذه العبارة التي قالها ابن المديني (ت 234هـ) تحليلاً قريباً قاله الإمام الشافعي (ت204هـ) عن التركة العلمية لفقيه مصر ومحدثها ومفتيها الليث بن سعد (ت 175هـ) حيث روى أبو الشيخ الأصبهاني (ت 369هـ) بسنده عن الإمام الشافعي أنه قال:
(كان الليث بن سعد أفقه من مالك بن أنس، إلا أنه ضيعه أصحابه)[طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها، لأبي الشيخ:1/406].
وبسبب هذه الإمكانيات العلمية المدهشة للإمام الليث بن سعد فقد ألف ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) ترجمة خاصة عنه، باسم(الرحمة الغيثية في الترجمة الليثية) وهي رسالة مطبوعة مجموعةً ومفردةً، وليس من العسير إدراك اختصاص ابن حجر بالليث من جهة الاشتراك في البلد، فابن حجر وإن كان أصله من فلسطين، إلا أن مولده ووفاته في مصر، وأهل كل بلدٍ عادةً يعتنون بالترجمة لعلماء لبلدهم.
6-المرحلة العمرية للمهارة العلمية:
 يختلف الناس في تعيين الأنفع لطالب العلم من حيث التوسع في المطالعة، أو الانكباب على الحفظ، أو ملازمة الأشياخ، أيها أهم؟ مع اتفاقهم طبعاً على أنها كلها مهمة، والجمع بينها ضروري، ولكنهم يختلفون في تقدير ووزن الأكثر أهمية؟
وبغض النظر عن هذه المسألة، فإنه لا ينبغي الاختلاف في أن طالب العلم في مقتبل العمر يجب عليه أن يعتني بحفظ العلم أكثر من غيره، بسبب أن وقت المراهقة والشباب تكون الحافظة أقوى ما تكون، وهذه خصلة تفوت إذا لم يستغلها، فمن اشتغل بتوسع المطالعة أول شبابه ثم أراد الحفظ بعد أن كبر فات عليه ذلك ولم يستطعه، وكان قد عكس الأمر، ولذلك فتقديم ما يفوت على ما لا يفوت أولى وأعقل، وقد نبّه عدد من أئمة العلم والدين على ذلك، كما قال الإمام فقيه الكوفة علقمة النخعي (ت62هـ) وهو أخص تلاميذ ابن مسعود به، حيث روى أبو زرعة الدمشقي (281هـ) في تاريخه عن علقمة النخعي أنه قال:
(ما حفظت وأنا شاب، فكأني أنظر إليه في قرطاس)[تاريخ أبي زرعة: 650].
7-حين يتشاغل الناس:
حين يطالع طالب العلم في هذا العصر عبودية السلف فإنه تمر به مشاعر ممزوجة بالعجب والاستغراب والحسرة على نفسه، تجد كثيراً من طلبة العلم ربما لامهم من حولهم وعتبوا عليهم أنهم لا يرون فيهم عبودية تكافئ علمهم أو مطالعتهم مثلاً، بينما تجد في حياة علماء السلف من يتألم أهله لعبوديته، ويتوددون إليه أن يخفف عن نفسه، كما كان –مثلاً- الإمام مسروق بن الأجدع (ت 63هـ) وهو من كبار التابعين صلى خلف أبي بكر وروى عن عمر وغيره، وقد روى ابن سعد (230هـ) في كتابه الطبقات أخباراً روتها زوجة مسروق نفسها:
(عن أنس بن سيرين، قال: بلغنا بالكوفة أن مسروقاً كان يفر من الطاعون, فأنكر ذلك محمد، وقال: انطلق بنا إلى امرأته فلنسألها، فدخلنا عليها فسألناها عن ذلك، فقالت: كلا والله ما كان يفر، ولكنه كان يقول: “أيام تشاغل فأحب أن أخلو للعبادة”, فكان يتنحى فيخلو للعبادة, قالت: فربما جلست خلفه أبكي مما أراه يصنع بنفسه, قالت: وكان يصلي حتى تورم قدماه)[طبقات ابن سعد: 6/81]. 
فانظر لعبارة مسروق “أيام تشاغل فأحب أن أخلو للعبادة”! رأى الناس منهمكين في أمور الدنيا فانصرف للعبادة، وانظر كيف يتهجد حتى تتورم قدماه فتنهمر دمعات زوجته من ورائه شفقةً عليه، وقارن ذلك كله بأحوالنا اليوم –إلا من وفقه الله- كيف تتقضى ساعاتنا في الفضول والترهات.
8-الأرصدة الدقيقة:
قضى الله سبحانه أن تكون هذه الحياة مبنية على الابتلاء والاختبار والفتنة، فيقدّر الله سبحانه على العبد أن تعرض له الفتن والمغريات ليبتليه ويختبره، كما قال الله في مفتتح العنكبوت (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)[العنكبوت:1-3].
ومما يعرض لطالب العلم من الفتن “فتنة المال”، فتعرض له أمورٌ فيها شبهة فيتفاوت الناس في الورع، وقد كان للسلف أخبار عجيبة في الورع في الأموال، فمن ذلك أن مسروق بن الأجدع (ت 63هـ) وهو من كبار التابعين، وروى عن كبار الصحابة, كان قد ولي على موضع يقال له “السلسلة” لمدة سنتين، ولم يرجع لبلده الكوفة بدرهم واحد، ولكنه تفاجأ بأمرٍ ما حين وصل إلى أهله، حيث روى المؤرخ ابن أبي خيثمة (ت279هـ) وهو من تلاميذ أحمد وابن معين، في تاريخه المشهور بسنده قال:
(غاب مسروق إلى السلسلة سنتين، ثم قدم، فلما قدم فنظر أهله في خرجه فأصابوا فأسا بغير عود، قالوا: غبت عنا سنتين ثم جئتنا بفأس بغير عود؟ قال: إنا لله، تلك فأس استعرناها نسينا نردها)[تاريخ ابن أبي خيثمة، س3: 3/113].
بالله عليك .. هل تعرف في الدنيا أمةً تتشرف بأئمة عندهم دقة ورع في الأموال مثل هذا؟!
يسترجع ويتألم رحمه الله من أجل فأس بلا عود استعارها ونسي إرجاعها وهو الوالي على البلد!
9-ورش وقالون .. وطرافة الإمام نافع:
نسمع دوماً في القراءات هذه قراءة ورش، وهذه قراءة قالون، وكلاهما –كما هو معروف- يرويان عن الإمام نافع (ت169هـ)، ونافع هو إمام دار الهجرة في القراءة.
وكثير من المستمعين للقراء وهم يسمعون مشايخ القراءة يقولون (اقرأ لورش، اقرأ لقالون) ربما ظن المستمعون أن هذه هي أسماء هذين القارئين فعلاً، كثير من الناس يظن أن ورش وقالون هذه هي أسماؤهم!
والحقيقة أن هذين (ورش، وقالون) هما لقبان لقّبهما بهما شيخهما نافع عليهم رحمة الله، ولكل من هذين اللقبين قصة طريفة.
فأما ورش (ت197هـ) فاسمه الحقيقي عثمان بن سعيد، وهو قبطي، أتى من مصر للإمام نافع في المدينة، وختم عليه عدة ختمات، ثم رجع لمصر يقرئ الناس، وذكروا في صفته الخَلْقية أنه (أشقر أزرق)، ولذلك كان يمازحه شيخه نافع فيشبهه بالطير الأبيض الذي يسمى (طير الورشان) فكان يقول له شيخه نافع (اقرأ يا ورشان، هاتِ يا ورشان، الخ)  ثم خفف اللقب وصار يلقب “ورش”!
يقول الذهبي في كتابه عن تاريخ قرّاء القرآن رحمهم الله:
(ونافع هو الذي لقبه بورش لشدة بياضه، والورش شيء يصنع من اللبن، وقيل لقبه بالورشان، وهو طائر معروف، وكان يقول “اقرأ يا ورشان، وهات يا ورشان”، ثم خفف، وقيل ورش، وكان لا يكرهه ويعجبه، ويقول “أستاذي نافع سماني به” وكان أشقر أزرق، وإليه انتهت رياسة الإقراء بالديار المصرية في زمانه.)[الذهبي، معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار:1/323، تحقيق قولاج].
ونقل ياقوت الحموي القصة بسياق أتم، حيث يقول ياقوت:
(وكان ورش أزرق أبيض اللون، قصيراً ذا كدنة، وكان نافع يلقبه بالورشان، وهو طائر معروف، لأنه كان على قصره يلبس ثياباً قصاراً، فكان إذا مشى بدت رجلاه مع اختلاف ألوانه، وكان نافع يقول له “اقرأ يا ورشان، وهات يا ورشان، وأين الورشان” ثم خفّف فقيل ورش، ولزمه ذلك حتى صار لا يعرف إلّا به)[ياقوت، معجم الأدباء: 4/1362، تحقيق إحسان عباس]
وأما قالون (ت220هـ) فاسمه الحقيقي عيسى بن مينا، وكانت قراءته متقنة، فأُعجِب شيخه نافع بقراءته، فلقّبه شيخه بلقب (قالون)، وقالون كلمة رومية معناها (جيد)، كما يروي الذهبي القصة فيقول:
(ونافع هو الذي لقبه قالون لجودة قراءته، وهي لفظة رومية معناها جيد)[الذهبي، معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار: 1/326، تحقيق قولاج]
وذكر ياقوت الحموي تفسيراً مختلفاً لسبب ذلك، حيث يرى أن شيخه نافع لقّبه قالون إشارة لأجداده الروم! يقول ياقوت:
(قال قالون: كان نافع إذا قرأت عليه يعقد لي ثلاثين،  ويقول لي “قالون، قالون” يعني جيد بالرومية، وإنما كان يكلمه بذلك لأن قالون أصله من الروم، جدّ جده عبد الله من سبي أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقدم به من أسره وباعه، فاشتراه بعض الأنصار فأعتقه)[ياقوت، معجم الأدباء: 5/2144، تحقيق إحسان عباس].
وكلمة (قالون) دخلت للسان العربي مبكراً، حتى أن علي بن أبي طالب لما استشار شريح في المرأة المطلقة التي أنهت العدة في شهر، فأعجب علي بقضاء شريح (فقال علي: قالون، وقالون بلسان الروم: أحسنت)[الدارمي: 883]. وفي رواية أن علي عقد بيده ثلاثين إشارة للشهر ثلاثين يوماً، ولعل نافع أخذ عقد الثلاثين بيده إشارة لهذه الرواية عن علي والله أعلم.
وفي منظومة القراءات المشهورة التي سماها مؤلفها (حرز الأماني) وسماها الناس (الشاطبية) عقد الشاطبي في أولها مقدمة تضمنت تعديد أئمة القراءات والرواة عنهم، حيث جعل أئمة القراءات السبعة (بدوراً) والرواة عنهم (شهباً) فيأتي بكل بدر/إمام، ويتبعه بشهابين/راويين، كما يقول الشاطبي:
(فمنهم بدور سبعة قد توسطت ** سماء العلى والعدل زهرا وكملا
لها شهب عنها استنارت فنوّرت ** سواد الدجى حتى تفرق وانجلا
وسوف تراهم واحداً بعد واحدٍ **  مع اثنين من أصحابه متمثلا)
ثم بدأ بنافع وراوييه ورش وقالون فقال عنهم:
(فأما الكريم السر في الطيب نافع ** فذاك الذي اختار المدينة منزلا
وقالون عيسى، ثم عثمان ورشهم  ** بصــحبتــه المجد الرفيــع تأثــلا)
ولاحظ كيف يشير الشاطبي لاسميهما، فأشار أن (قالون) اسمه عيسى، و (ورش) اسمه عثمان.
ثم لما أنهى الشاطبي تعديد القراء السبعة، ورواتهم الأربعة عشر؛ انتقل لشرح رموزه في منظومته.
والمراد .. أن (ورش وقالون) ليسا اسمان، بل لقبان، لقبهما بهما شيخهما إمام دار الهجرة في القراءة نافع رحمه الله، وهذا يوحي برحابة أئمة العلم، وسعة صدورهم، وممازحتهم لطلابهم وتلطفهم لهم.
رحم الله أهل العلم والإيمان، وجمعنا بهم في قصور الجنة بصحبة محمد صلى الله عليه وسلم.
والله أعلم.
أبو عمر
19/11/1433هـ

اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.