مقالات إبراهيم السكران

الحرية الليبرالية والتصورات الشرعية في الموقف من المخالف

الشخص الذي يعيش في غرفة صغيرة، لو أعطيته أي قطعة أثاث فسيحاول تشكيلها بما يتناسب مع مساحة غرفته، وإلا تخلص منها
وهكذا الشخص الذي تقوقع داخل صندوق (الحرية الليبرالية) يحاول تعديل الأحكام الشرعية لتتناسب مع صندوقه، أو يتخلص منها
 تلاحظ هذا السلوك مع: كل القيود والمفاهيم الشرعية التي تتعارض مع الحرية الليبرالية، مثل التعازير الشرعية، وبعض الحدود، والإلزام الشرعي، الخ
ومن أشهرها (التصورات الشرعية في الموقف من المخالف) مثل : الافتراق،والتبديع،والإنكار، الخ فلذلك تجد المفكرين داخل الصندوق الليبرالي في ورطة معها
وقد بين الله الافتراق(ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات) فلماذا لم يقل: كلكم وجهة نظر فلا يضلل بعضكم بعضا؟
وقال الله (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) فلماذا لم يقل الله كل السبل وجهات نظر فاحترموا بعضا؟
وقال الله (أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) فلماذا لم يقل الله كل فرقة اجتهاد فاحترموا بعضاً؟
وقال الله عمن سبق (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ) فلماذا لم يقل أن الفرق الدينية في تلك الأمم وجهات نظر كلها محترمة؟
وفي الصحيحين : (لا تزال طائفة من أمتى،قائمة بأمر الله،لايضرهم من خذلهم، أو خالفهم) فبين أنهم طائفة، وأن لهم مخالفين ومخذلين، فأي بيان بعد ذلك؟
وقال النبي في حديث الافتراق عن الطوائف الـ73 (كلها في النار إلا واحدة) فكيف يحكم بتضليل الطوائف؟ لم لم يقل كلها اجتهادات يريدون الوصول للحق؟
ولهؤلاء تجاه هذه المفاهيم عدة شبهات، من أشهرها شبهتان :ـ
الشبهة الأولى (السلف اختلفوا في بعض المسائل، فلا وجود لشئ اسمه منهج السلف) والثانية: (كل الطوائف تدعي أنها على الحق، فلا يجوز تضليل أحد)ـ
وكلا الشبهتان، وربِّ الموقوفين؛ شبهتان مستهلكتان،ممضوغتان حتى ذهب كل ما فيهما من النكهات الصناعية،وقد سئم أهل العلم والدعوة من الجواب عليهما
فأما الشبهة الأولى، وهي التذرع باختلاف بعض السلف، فهذا كمن يقول: الأطباء اختلفوا في بعض المسائل، فلا يوجد طب حقيقة.
أو من يقول: الاقتصاديون يختلفون في بعض المسائل، فكيف ندعي أنه يوجد حقائق اقتصادية؟
فمن يحتج بوجود الخلاف في الاجتهاديات، أو الخلاف الشاذ؛ ليلغي إمكانية معرفة الحق من أصله؛فهذا احتجاج في غاية الغرابة، ومجرد تصوره كاف لإبطاله
وأما الشبهة الثانية (جميع الطوائف تدعي أنها على الحق) وهذه والله العظيم لم أكن أتصور أنه لا زال يوجد من يتبناها، ومتى صارت الدعاوى حججا؟!ـ
حسنا يلزم على هذه الحجة أنه سيقال لك (اليهودي والنصراني كلهم يدعون أنهم أقرب لله، فعليه لا يجوز لك تضليلهم!) ماهذه الحجة؟!
وسيقال لك: (من يستغيث بالحسين احتجاجا بتأويل بعض النصوص؛ لا يجوز لك الإنكار عليه ولا تضليله، لأنه يعتقد أنه أقرب منك للحق) هل هذه حجة؟!ـ
وسيقال لك (المستبد الذي يسجنك محتجا ببعض التأويلات الفقهية؛ لا يجوز لك الإنكار عليه، لأنه يعتقد أنه على حق) هذه نتيجة النسبية لو كنت تعقل!ـ
وسيقال لك (المستبد الذي يلتهم المال العام محتجا ببعض التأويلات الفقهية؛ لا يجوز لك الإنكار عليه، لأنه يعتقد أنه على حق) هذا مبدؤك فالتزم به!ـ
وسيقال لك: (المستبد الذي يرى الشورى معلمة مطلقا، لا ملزمة؛ لا يجوز لك الإنكار عليه، لأن لديه تأويل فقهي) هذه مآلات الغلو في احترام المخالف!ـ
وسيقال لك: (اتق الله، كيف تسخر برأي ولي الأمر في النصيحة السرية؟! فهذا قول فقهي فاين احترام المخالف؟!) أرأيت كيف انقلبت قاعدتك عليك؟
بل هناك ما هو أكثر من ذلك، سيقال لك (الإنكار على المخالف قول فقهي معتبر، فلماذا تنكر على من ينكر؟!!) وتعال حلها عاد! ـ
يا عزيزي .. قضية الحرية الليبرالية، والمغالاة في احترام المخالف؛ طريق مزدوج (سيدين رايح جاي) فسيلزمك احترام كل الآراء السلفية التي تنبذها
إذا كنت تتبنى عدم الإقصاء، فلماذا تقصي من يرى الإقصاء؟ حتى الإقصاء نفسه رأي معتبر!ـ
وإذا كنت تتبنى (عدم الوصاية) فلماذا تمارس الوصاية على من يرى الوصاية؟! حتى الوصاية نفسها رأي معتبر !ـ
أمامي موروث ضخم لأئمة السلف في(المخالف)وهم جمعوا العلم والتجرد. وأمامي أفكار معاصرة لأناس لاعلم ولاإمامة، ومتأثرون بالليبرالية، فأيهما أصدق؟
هذه خواطر عابرة، وللاستزادة راجع فصلاً في الموافقات للشاطبي قرر فيه (أن الاختلاف مذموم) وفصل آخر قرر فيه (أن الشريعة كلها ترجع لقول واحد)
اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.