مقالات إبراهيم السكران

هربوا من الرق الذي خلقوا له فبلوا برق النفس والشيطان

 

لاحظت أن بعض الشباب الذي انحرف انحرافا حاداً عبر قراءات فكرية مشبوهة (وهم قليل)؛ يتصور أن القيود الشرعية تحصر حريته الشخصية
ويتصور أن هؤلاء المتمسكين بهذه القيود الشرعية أنهم أسرى ومحبوسين وأنه استطاع هو أن يحقق حريته الذاتية.
والواقع أن هذا تصور مغلوط كلياً، لأنه لا يوجد بشر كائناً من كان يستطيع أن يتخلص من العبودية والخضوع والذل والاستكانة والانكسار
فإما أن يتشرف الإنسان فيكون الإنسان عبداً خاضعاً ذليلاً لله تعالى، قال تعالى (فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم)ـ
وإما أن يستنكف الإنسان عن العبوديةوالخضوع لله، فيكون عبدا لمن دون الله،فهذه عبودية حقيرة ليس فيها من الشرف ذرة، والعبوديات الحقيرة كثيرة جدا
فإذا استنكف عن العبودية لله؛ فإنه لابد أن يستجيب لتزيين الشيطان،ويطيعه فيما يأمره به، فيصير عبدا للشيطان الحقير، بعد أن كان عبداً لله العظيم
تأمل كيف عرض القرآن العبوديةللشيطان(ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لاتعبدوا الشيطان) وهل رأيت أحدا يسجد للشيطان؟إنما جعل طاعة الشيطان عبادة له
وقال خليل الله ابراهيم (يا أبت لا تعبد الشيطان) برغم أن أباه لم يسجد ولم يركع للشيطان، وإنما جعل طاعة الشيطان عبادة له
فهذا الذي استنكف عن شرف التدين والخضوع لله؛ مسكين، والله مسكين، لقد اختار العبودية لأرذل مخلوق، بعد أن كان عبداً للخالق نفسه
ومنها: عبادة الهوى، تأمل كيف عرضها القرآن (أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا) (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم)ـ
بالله عليك هل رأيت أحداً يضع هواه صنماً مجسداً فيسجد له أو يركع، أو يطوف حوله، أو يذبح له ؟! فكيف صوره القرآن بأنه إله؟ إنها الطاعة والخضوع
هذا الذي خضع لهواه وخنع، وصار لا يستطيع أن يرد هواه عن شئ؛ هو عبد ذليل حقير لهواه، فأيهما أشرف عبد للهوى المخلوق، أم عبد لله الخالق؟!
بل جعل الله طاعة الأمراء والعلماء في إباحة ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله “ربوبية” (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) ـ
ومن أعجب هذه المعاني أن النبي جعل الخضوع للمال”عبادة” ، فقال في البخاري (تعس عبد الدينار) فهل رأيت أحداً يسجد للدينار؟ لا، وإنما سجد قلبه له
بل هناك ما هو أسوأ من ذلك، فقد شاهد الناس جميعاً في واقعهم وفي كتب الأدب والسير: كيف يصبح بعض الناس عبداً لمعشوقة تسيره، يكاد يسجد قلبه لها
بل بعض الناس يعبد صديقاً يحبه، فإذا أمره بمعصية الله عصى، وإذا أمره بطاعة الله أطاع، في استسلام عجيب، فأي عبودية هذه؟!ـ
حين تتخلص من قيود الشرع فأنت تختار طوعاً الانحطاط من عبادة الخالق العظيم، إلى عبادة الشيطان والهوى والدينار وغيرها من الكائنات الحقيرة
باختصار شديد: (لا ينفك الإنسان عن عبودية، فاختر من تعبد) ـ
والأساس المعرفي لهذه القضية هي أن العبودية جزء مكون في بنية الإنسان، فالله خلقنا مفتقرين (والله الغني وأنتم الفقراء)فالافتقار أصل في الآدمية
وكل ماسبق لخصه ابن القيم في بيت عبقري فقال:

هربوا من الرق الذي خلقوا له ** فبلوا برق النفس والشيطان

 * من صفحته على تويتر

2011

اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.