مقالات إبراهيم السكران

نقاش حول كتابات الدكتور حاكم المطيري



نقاش حول كتابات الدكتور حاكم المطيري
الكاتب المغمور
========================
الأخ الكريم ابوعمر.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هل تعرف الدكتور حاكم المطيري؟ هل اطلعت على كتابه “الحرية أو الطوفان” ؟ وكتابه الآخر “تحرير الإنسان” ؟ شدتني كثيراً (سيرته العلمية) المنشورة في موقعه الشخصي. ولكني تفاجأت ببعض أفكاره التي سمعتها منه مباشرة حول أولى خطوات الإصلاح والنهضة، هل هو واقعي؟ هل هو حالم؟ لست أدري.. سؤالي بكل اختصار: مامدى توافق طريقته مع منهج أهل السنة والجماعة؟
=======================
أهلاً بالصديق ناصر..
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ الفاضل د.حاكم المطيري بكل اختصار وتركيز “ثائر أممي” ، هذا الوصف المركب يختصر كل مايريده د.حاكم. فمشروعه كله يقوم على أمرين لاثالث لهما، أولهما: إشعال وتأجيج الثورة في نفوس الناس على النظم السياسية الفاسدة. وثانيهما: التنديد والاستنكار للحدود السياسية بين الدول القطرية العربية، ولذلك لايكاد يجلس مجلساًَ إلا تحدث عن اتفاقية “سايكس بيكو” بمرارة تكاد تعقد لسانه.

وأما كتابه “الحرية أو الطوفان” ففيه ميزة عظيمة جداً وهي جمع نصوص السلف التي تبين استقلالهم السياسي وصدعهم بالحق، والكتاب يوفر للباحث براهين جبارة لتفنيد الاتجاهين العلماني والجامي اللذين يصوران أئمة السلف على أنهم مجرد منادمين للسلاطين يسيرون في أهوائهم (طبعاً العلماني يصور السلف كذلك ليسقطهم في عيون الناس، والجامي يصور السلف كذلك ليشرعن تبعيته وتملقه) والكتاب مفاعل نووي مذهل في إبادة كلا الفكرتين.

لكن يعيب الكتاب بشكل خاص –واتجاه الدكتور حاكم بشكل عام- أنه يختزل الاسلام في “الثورة السياسية” ، ويدفع باتجاه تسفيه كل المطالب الشرعية الأخرى، كتوحيد الشعائر، وتوحيد التشريع، وتزكية النفوس بمقامات الإيمان التي يحبها الله، ونشر السنن، وإماتة البدع، والحفاظ على الفضيلة والعفاف، الخ الخ.

بل ينظر إلى كل من تخصص في فرض كفائي من هذه الفروض الكفائية (كمقاومة البدع، أو مقاومة الرذيلة) على أنه يكرس الاستبداد عبر تشتيت التركيز عن القضية الكبرى والأولوية العظمى وهي الثورة السياسية.

ونتيجة لذلك سمعته مرة يتهجم على الاسلاميين باستهتار في موقفهم من الماركسيين والقوميين والليبراليين الوطنيين لأن هؤلاء كلهم –في نظره- يهدفون للحرية السياسية! لقد استبد بي الذهول وأخذ مني كل مأخذ! أما انحرافاتهم العقدية الخطيرة، ومشاقتهم لله ورسوله في قضايا الاقتصاد والسياسة والأخلاق؛ فيتكلف الاعتذار لها بأعذار فاترة، ويرى أنه لاداعي لأن ننظر إليها، المهم هو كون الشخص يدفع باتجاه الحرية السياسية والثورة على المظالم العامة. كل هذا في الوقت الذي يتشدد في التغليظ والتشنيع والتهويل من شأن “السلفي” الذي لجأ إلى مداراة السلاطين، ويتعامل معه باعتباره ارتكب الخطيئة الأبدية والخيانة العظمى. ومثل هذا التقابل في الموقفين يفضح كلياً سلم الأولويات المضمر.  
ولذلك إذا سألته عن موقفه من الليبراليين ستراه يقسمهم إلى قسمين: قسم مناضل ضد الفساد السياسي، وقسم موالي للنظم الفاسدة. ثم يضخم شأن الأول ويدين الثاني. وهذا يكشف لك أن المعيار عنده في تقييم الناس ليس “القرب والبعد من الشريعة” ، بل المعيار عنده هو “حجم المكون الثوري” .

ولذلك حين أقرأ للدكتور حاكم، أو أستمع لحديثه، أشعر أن الوحي والشريعة عنده، ليست إلا وسيلة للثورة، وليست معياراً وميزاناً في حد ذاتها.

وبالمناسبة .. هو في هذا الاتجاه (أعني اختزال الاسلام في الحرية السياسية) يتقارب كثيراً مع د.النفيسي ود.عبدالله الحامد ود.الأحمري ومهنا الحبيل وبقية المجموعة النضالية السياسية التي تكتب في مجلة العصر.  
أعني أن مشكلة د.حاكم بأنه ارتبكت في ذهنه أولويات خطاب الشريعة، فهو يجعل الحرية السياسية ليست رأس أولويات الشريعة فقط، بل الأولوية الوحيدة، ويصور كل اهتمام بسواها على أنه يحلب في قدح المستبد.

وأما من جهة التأصيل الكلي لقضايا (الفقه السياسي السني) فالكتاب فيه ثغرات كبيرة جداً، من أمثال: التعسف في حمل دلالة بعض الأدلة، والتغييب التام لنصوص الطاعة الوفيرة في الصحيحين (لأنه ليس لديه جواب عنها ففضل تحاشيها)، وإهدار الاعتبارات الشرعية التي حملت أئمة أهل السنة على ذم الخروج المسلح: كعمل الصحابة مع المتغلبين، وقاعدة موازنة المصالح والمفاسد، وإشارات النصوص إلى التغلب.

أما اجتهاده وإتعاب نفسه ليثبت بأن بعض الفقهاء –كالجويني والماوردي ونحوهم- تأثروا بمجاملة السلاطين فهذا حق لايشك فيه أحد، بل أهل السنة صرحوا بنظير ذلك في كثير من مسائل العقيدة والفقه كالإرجاء والحيل الفقهية ونحوها. ولكن هذا لايؤثر على الحقائق الموضوعية ذاتها. فقضايا الفقه السياسي السني تشكلت أصلاً قبل أن يولد الجويني والماوردي! كما أنك تقول أن بعض المشائخ المنتسبين للعلوم الشرعية ساروا في هوى السلطان، لكن مادخل ذلك في القضايا الشرعية ذاتها في علاقتها بالأدلة؟ والتي تشكلت وقررت في كتب أهل العلم قبل أن يلبس هؤلاء مشالحهم؟! فالتسييس –دوماً- هو آلية مريحة للتخلص من عبء المناقشة الموضوعية لاعتبارات الأحكام الشرعية.

 وعلى أية حال.. فخير مثال على التأثر بالميول السياسية هو كتاب حاكم نفسه، فميوله الثورية الأممية قادته بشكل واضح إلى تغييب نصوص رئيسية في موضوع الطاعة، والتعسف في حمل نصوص أخرى. وهو ضحية لرد فعل حاد تجاه الطرح المشوه لنصوص الطاعة.

ومن عجائب هذا الكتاب –أعني كتاب الحرية أوالطوفان- أنه يضخ من خلاله وعلى طول فقراته كمية هائلة من مبررات وحيثيات “الخروج المسلح”، ثم يتظاهر ببرود مكشوف بأنه لايرى الخروج المسلح! . وأتذكر أنني قرأت قديماً لأستاذه د.النفيسي رسالة صغيرة في تعزيز شرعية الخروج المسلح.  
وجذر الأزمة التي يعاني منها هذا الخطاب ليست شأناً جديداً، بل هي مشكلة شائعة وقديمة في ذات الوقت، وهي ينبوع المحدثات، وهي المغالاة في شأن له أصل شرعي حتى يضيع غيره من أوامر الله ورسوله، فيكون ملوماً على مغالاته لا على أصل اهتمامه.

ومثال ذلك أنك تجد رجلاً مولعاً بالغزارة العقلية والنظرية، أو بالتطور التنموي التقني، أو بالحريات السياسية، أو بالبعد الروحي، أو بالفنون الجمالية، الخ الخ من هذه الحقول وهذه برغم أن كلها حق مطلوب شرعاً، إلا أنهم ينهمكون في المغالاة في جانب واحد منها حتى يحولوها من كونها “عاضد” لبقية المطالب الشرعية الأخرى، إلى كونها “نقيض” له لايجتمعان.

ولذلك كثيراً ماترى عناصر هذا الخطاب يقولون (لماذا تتكلمون عن البدع، تكلموا الفساد السياسي) فهم لايريدون مقاومة كلا المنكرَين، حيث يجتهد في كل جبهة منها محتسبون، بل يريدون أن يجعلوا أحدهما بديلاً للآخر. فالاحتساب السياسي عندهم ليس عاضداً للاحتساب على البدع مثلاً، بل هما نقيضان. ولذلك تراهم يتسامحون ويتوددون ويتلطفون مع الرافضة والعلمانيين بشرط أن يكونوا من المطالبين بالحريات السياسية. وهذا مايسميه القرآن (تبعيض الكتاب) ومن تأمل جمهور المحدثات علم أن هذا من أعظم أسبابها.

على أني حين أراهم يلومون المختصين العقديين في الاهتمام بالتوحيد والبدع، وإشغال الناس بها، أكاد أن أغرق بالضحك! نحن اليوم نعاني من تقصير خطير من المختصين العقديين وبقية طلاب العلم في بيان التوحيد والسنة للناس، وهؤلاء يقولون لم أشغلتمونا بالتوحيد والبدع؟! ولم أرهم مرة واحدة يقولون: لم أشغلنا الرياضيون والفنانون والمطربون والشعراء والروائيون بالتفاهات؟!! لست أدري والله من الذي أشغل الناس ؟!

بل انظر في صحافتنا ولن تجد إلا الأخبار والمقالات السياسية، وانظر في مجالسنا العامة وستجدها معمورة بالنقاشات السياسية وقضايا الخدمات، ولن تجد نسبة العقيدة في الإعلام والمجالس العامة إلا أقل النصيب، ومع ذلك تراهم يصرون على أنكم أشغلتمونا بالعقيدة!

فبالله عليك انظر كيف صار تقصير المختصين في العقيدة في بيان التوحيد والبدع تهويلاً وتضخيماً وإشغالاً للناس، وكيف صار تفاهات الإعلام والفن والمنتديات ترفيها مطلوباً؟!

حين ترى شخصاً تبرع بانقاذ غريق، فمن الجور أن تلوم الرجل المنقِذ لم أنقذ حياة الغريق وترك محفظته وأمواله تغرق، بينما لاتنبس ببنت شفة تجاه من جلسوا يغنون ويرقصون على الشاطئ ولم يساهموا بشئ أصلاً !

وأتذكر مرة في حادثة أثارت انتباهي كثيراً في أحد المجموعات البريدية أن المشاركين كانوا يزجون يومياً بعشرات المشاركات المليئة بالصور، والطرائف والنكات، والقصائد، والقصص القصيرة، والألغاز، ومقاطع الفيديو، والأخبار السياسية، ونحوها، ولما شارك أحد الموجودين مرة بفتوى عقدية نقلها عن ابن عثيمين رحمه الله، اشعل أحدهم الحرب عليه وأخذ يردد طوال اعتراضه: (أشغلتمونا بالعقيدة وتركتم مصالح الناس؟!) لاحول ولاقوة إلا بالله! كل هذه الطرائف والصور السخيفة ليست إشغالاً، وصارت مقالة عقدية واحدة إشغالاً؟!

وتراهم يقولون دوماً (أين القضايا الحقيقية، أين حاجات الناس الفعلية؟) هذا السؤال يتكرر كثيراً كثيراً، وهو سؤال في غاية الخطورة، لأن معناه الضمني أن (الإيمان بالله ولوازمه) ليست قضية حقيقية عندهم، وليست من الاحتياجات الجوهرية للناس، بل هي قضية مزيفة، وترفية.

على أية حال.. الفيصل في ترتيب الأولويات هو “القرآن” لاغير، وليس المألوف، أوالذوق، أو الميول الشخصية، هذا هو مؤدى رضا الانسان بالله رباً.  
والذي يقرأ القرآن لاتخطئ عينه -إن كان صادقا في طلب الحق- أن المظالم والفساد السياسي منكر كارثي يجب أن يوجد في الأمة من يصدع بالحق فيه، ولكن الانحراف العقدي كتحييد حاكمية الوحي، أو تزيين الرذيلة، فإنه أشنع منه وأخطر، فإن الرسل كلهم اعتنوا بإقامة العدل وحفظ كرامة الناس من امتهان الولاة، لكن عنايتهم بافراد الله في الشعائر والتشريعات وتعظيم الله وتوقيره وحفظ الفضيلة أعظم وأتم عناية، هذه قضية واضحة في القرآن أتم الوضوح، فإن أعظم العدل هو التوحيد، وأعظم الظلم هو الشرك، كما قال تعالى (إن الشرك لظلم عظيم)، ومن أشهر أنواع الشرك “شرك التشريع” والذي لايكاد يخلو منه مجتمع من المجتمعات المعاصرة.  
نريد إصلاحيين سياسيين يأخذون الدين جملة، ويجعلون بعضه عاضداً لبعض، وليسوا يبعضونه، ويجعلون بعضه نقيضاً لبعض.

أعود لأؤكد –فقط- على أن الوظيفة الإيجابية لكتاب د.حاكم هو أنه -في نظري- ترسانة معلومات ممتازة لاجتثاث التجيّم ممن ابتلي به. وقد جربته فعلاً مع بعض المبتلين بشبهات التجيم فكان ترياقاً ساحراً. وهذه هي الوظيفة الإيجابية للكتاب في نظري. وهي معالجة شبهات التجيم عبر الكشف المكثف لنصوص السلف في: الإنكار العلني، والصدع بالحق، والاستقلال عن النظم السياسية الفاسدة.

والله أعلم.
ابوعمر – الكاتب المغمور
اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.