مقالات حاكم المطيري

كشف الأستار عن شبهات الحوار

كشف الأستار عن شبهات الحوار

بقلم د. حاكم المطيري

رداً على ما كتبه خليل حيدر في صحيفة الوطن

1-5

الأمين العام للحركة السلفية

صحيفة الرأي العام 5/3/2004

كتب الأستاذ خليل حيدر ست مقالات في صحيفة (الوطن) بعنوان (الحوار السلفي الأميركي) عقد فيه محكمة تفتيش لفكر د. حاكم المطيري والحركة السلفية وحشد الأدلة التي تؤكد أن حاكم المطيري لا يؤمن بالحرية ولا بالتعددية السياسية ولا بالتداول السلمي للسلطة … الخ .

وقد حاولت نشر هذا الرد عليه في صحيفة (الوطن) ليطلع قراؤها عليه وهذا من حقهم غير أن «الوطن» اعتذرت عن نشره دفاعا منها عن حرية الكلمة من طرف واحد في عهد الديمقراطية والليبرالية الجديدة ؟! 

ولم أتفاجأ بما كتبه حيدر عني ولا عن الحركة السلفية خاصة وعن الحركة الإسلامية عامة فهو يعد من أشد كتاب الفكر العلماني تطرفا وأقلهم إنصافا مع كل مخالفيه سواء من كانوا من التيار الإسلامي أو التيار القومي العلماني فلا عجب أن تكون كتاباته فاقدة للحد الأدنى من المصداقية والموضوعية والحيدة العلمية وهي أبرز سمات مقالات حيدر وأخص خصائصها ولعل أعجب ما رأيت في مقالاته الأخيرة التي بعنوان (الحوار السلفي الأميركي) أنه لم ينقل ولو كلمة واحدة من ردودي عليه في صحيفة (الوطن) أكتوبر- نوفمبر 1999م وهي ست مقالات بعنوان (قبل بدء الحوار) فما السر يا ترى الذي حمل الأستاذ حيدر على عدم الرجوع إلى تلك المقالات؟ ولماذا لم يرجع إلى كتاباتي ومقابلاتي في صحيفة «الرأي العام» و«السياسة» و«القبس» والصحف الأخرى وفي بيانات الحركة السلفية ومقابلاتها؟ كما لم يشر لا من قريب ولا من بعيد للردود التي بيني وبينه مع أنها كلها في موضوع الحرية والتعددية والديمقراطية، وقد أجبت فيها آنذاك عن كل ما آثاره حيدر من شبه فلِمَ تجاهل تلك الحلقات في صحيفة «الوطن»؟! وسأحاول هنا كشف الأستار عن شبهات ذلك الحوار ليعلم الجميع مدى الأمانة العلمية التي تمتاز بها كتابات حيدر وهذه بعض النماذج :

أولاً: قال حيدر في «الحوار السلفي الأميركي»: «بعض كتابات د حاكم المطيري تبدو في غاية الحماس للانفتاح الديمقراطي أو التعددي وهذا ما يجعلك تحسبه نصيرا قويا وثابتا للتعددية الحزبية وحرية العمل السياسي بل والديمقراطية البرلمانية في بعض الأحيان وبخاصة إذا لم تسمع بقية أقواله! غير أن مجموعة أخرى من أفكاره لا تبدو منسجمة على الإطلاق مع هذا النفس التعددي ومن هذه المقالات التي كتبها د حاكم المطيري والتي تبين ضعف إيمانه بالحرية والتعددية السياسية مقال «بل أزمة إرادة» حيث يقول بالنص: «إننا لا ندعو إلى الحرية لكونها شرطا لتحقيق النهضة كما يتوهم الليبراليون العرب إذ الواقع يثبت أن النهضة تحققت في ظل أنظمة استبدادية» (الرأي العام 21/10/2001) ويبدي د. حاكم إعجابه بهتلر…. الخ)انتهى كلام حيدر!

قطعا لن يفهم القراء من هذا الدليل الواحد إلا شيئا واحدا وهو أن د.حاكم لا يدعو إلى الحرية ولا يؤمن بها بل يؤيد الاستبداد ويؤكد ذلك انه يثني على هتلر الدكتاتور النازي؟! هذا هو الاستنتاج الوحيد الذي سيتبادر إلى أذهان القراء عند سماع دليل الإدانة الذي أورده ضدي حيدر ليثبت به ضعف إيماني بالحرية؟

خاصة ولحرصه الشديد على النقل بأمانة جاء بعبارة حاكم المطيري (بالنص) حتى لا يرتاب أحد بصدق الأستاذ حيدر وأمانته؟! إلا أن القراء سيعجبون بل سيصدمون بل سيُصعقون عندما يكتشفون بأن دليل الإدانة هذا الذي ذكره حيدر (بالنص) هو أصدق دليل على براءة حاكم من هذه التهمة- كبراءته من اتهامات جهاز أمن الدولة له- وأنه أقوى دليل على مدى إيمان حاكم بالحرية وأوضح دليل على فقد الأستاذ حيدر للأمانة العلمية والموضوعية والمصداقية في النقل والنقد؟! وهذا هو نص العبارة كاملا ليطلع عليه القراء ثم يصدروا حكمهم حيث قلت في مقالي المنشور في «الرأي العام» بعنوان «بل أزمة إرادة»: «لقد نهضت أوروبا منذ أربعة قرون في عهد الملكيات الاستبدادية قبل أن تعرف حق الشعب وحق الفرد وحق المرأة وقبل أن تعرف الليبرالية أو الاشتراكية وكذا نهضت روسيا والصين في ظل حكم شمولي استبدادي ونهضت اليابان في ظل الإمبراطورية قبل أن تعرف الديمقراطية.. إننا لا ندعو إلى الحرية لكونها شرطا لتحقق النهضة كما يتوهم الليبراليون العرب إذ الواقع يثبت أن النهضة تحققت في ظل أنظمة استبدادية بل نحن ندعو إلى الحرية وندافع عنها لكونها حقا للشعوب والأفراد وهبهم الله إياها كما وهبهم الحياة سواء تحقق في ظلها تطور وازدهار أم لم يتحقق إذ جعلها شرطا للنهضة يفقد الحرية قيمتها ويقلل من أهميتها» انتهى كلامي بحروفه ليتضح مدى التضليل الذي مارسه الأستاذ حيدر مع القراء ببتر العبارة عن سياقها بطريقة (القص واللصق) التي يجيدها فإذا دليل الإثبات الذي في صالح د.حاكم المطيري يصبح دليل الإدانة الوحيد ضده بعد أن بتره حيدر على طريقة «لا تقربوا الصلاة» فأنا في تلك المقالة أؤكد إن الحرية حق من حقوقنا وهبها الله لنا كما وهب لنا الحياة فهي لهذا ضرورية للأفراد والمجتمعات لا كما يدعي الليبراليون (السمر) الذين ينادون بالحرية لأنها شرط من شروط التطور والتقدم إذ يفتح ذلك الاشتراط الطريق للاستبداد السياسي حين تتعثر النهضة في ظل الحرية فإذا كان الهدف هو النهضة بالأمة فالتاريخ يؤكد أن النهضة الأوروبية والروسية واليابانية والصينية تحققت في ظل أنظمة شمولية استبدادية قبل معرفة الأنظمة الديمقراطية الحديثة فمن الخطأ ربط استحقاق الشعوب للحرية لكونها شرطا للنهضة كما يزعم حيدر إذ يقلل ذلك من قيمة الحرية ويجعلها عرضة للمصادرة حين لا تتحقق في ظلها النهضة بل الحرية في نظرنا هبة من الله للإنسان يحرم مصادرتها عليه كما يحرم مصادرة حياته سواء تحققت بها النهضة أو لم تتحقق وقد عبر عن ذلك الخليفة الراشد عمر بن الخطاب حين قال دفاعا عن قبطي مسيحي (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) فهل هناك أوضح حجة من تلك العبارة على قوة إيماني بالحرية؟ وهل هناك أوضح من هذا النموذج على فقدان كتابات حيدر للأمانة العلمية والموضوعية والمصداقية؟ فما هي مشكلة الأستاذ حيدر؟ هل يريد أن يكون موضوعيا غير إنه لا يعرف السبيل؟ أم يعرف السبيل غير إنه لا يريد أن يكون موضوعيا؟!

إن الأدلة تؤكد أن هذه عادة لحيدر في كل كتاباته ومقالاته وهذا هو السر الخطير في عدم استشهاده بأي من الحلقات الست التي حاورته فيها على صفحات جريدة «الوطن» سنة 1999 وتجاهله للحوار الذي دار بيني وبينه في صحيفة «المستقلة» في لندن في مايو 1999 إذ فيهما ما ينقض كل شبهات حيدر التي أثارها آنذاك وكررها اليوم في (الحوار السلفي الأميركي) وفيها ما يكشف بوضوح أباطيله وأساليبه وأنه يجادل من أجل الجدل لا لمعرفة الحقيقة، ولهذا حرص أشد الحرص على ألا يشير من قريب ولا بعيد لتلك المقالات؟!

وإليك عزيزي القارئ ما جاء في الصحيفتين بالنص والحرف حيث قلت في ردي على حيدر الذي سأل هل يمكن إقامة دولة صناعية حديثة دون الارتباط بالغرب وبلا ديمقراطية فأجبت: (نعم، كل ذلك من الممكنات فقد قامت النهضة الأوروبية في عصر ملوك أوروبا الذين شجعوا العلم والعلماء قبل أن تقوم الأنظمة الليبرالية والديمقراطية كما استطاع الماركسيون في روسيا أن يجعلوا منها ثاني أقوى دولة في العالم واستطاعت أن تصل إلى القمر في ظل نظام استبدادي لم يشهد له العالم مثيلا في وحشيته كما استطاع هتلر أن يجعل من ألمانيا المحطمة في الحرب العالمية الأولى أقوى دولة في أوروبا في الحرب العالمية الثانية، ولم يكن نظامه ديمقراطيا ولا ليبراليا، وهذه الصين اليوم تعد أعلى دولة في معدلات النمو وهي عملاق القرن القادم مع أنها تحت سيطرة الحزب الشيوعي الذي ظل على عداء مع الغرب عقودا طويلة ولم يمنعه ذلك من التطور الصناعي إن الشروط التي يضعها الكاتب- حيدر- لتحقيق النهضة العربية هي شروط إيديولوجية وليست شروطا علمية فالواقع أكبر شاهد على بطلان هذه الشروط مع انه ليس هناك ما يمنع من التعامل مع الغرب والتواصل الحضاري والثقافي وتبادل المصالح المشتركة) (الوطن 21/10/1999م والمستقلة اللندنية 17/5/1999 )

فهل يمكن أن يفهم أحد من عبارتي هذه أنني أؤيد الأحزاب الشيوعية أو النازية مع إنني قلت عن النظام الشيوعي السوفيتي (نظام استبدادي دموي لم يشهد العالم له مثيلا في وحشيته؟)، وهل هناك أحد ينكر أن هذه الأنظمة الاستبدادية أقامت نهضة صناعية كبرى في بلدانها ونهضت بأوطانها مع إنها ليست ديمقراطية ولا ليبرالية فما الذي يمنع الشعوب العربية والإسلامية من إقامة نهضة صناعية مع احتفاظها بقيمها وتراثها ودينها الذي كان أول من دعا إلى الحرية الإنسانية؟ولماذا يشترط العلمانيون العرب أن ترتمي الأمة في أحضان الغرب من أجل النهضة والتقدم كما يدعو إلى ذلك خليل حيدر؟

وقلت أيضا في «الوطن 11/11/1999»: (إن كثيرا من دول العالم العربي والإسلامي والعالم الثالث كانت ومازالت حليفة للغرب منذ نصف قرن ومع ذلك لم تقم فيها نهضة صناعية ولم تتمتع شعوبها بالحرية والاستقرار كما في تركيا وباكستان وإيران قبل الثورة بل ظلت كثير من النظم الدكتاتورية والعسكرية تجد دعما غربيا على حساب الشعوب) وقد اعترف الرئيس الأميركي([1]) أخيرا أن بلده ومنذ ستين عاما كان يدعم الأنظمة الدكتاتورية في الشرق الأوسط؟!

كما قلت في ردي على حيدر في «الوطن 7/10/1999» (هل يريد حيدر إيهام القراء بأني أؤيد الأنظمة الماركسية والنازية؟ إذا كان مجرد استشهادي بهذه النماذج يعده حيدر تأييدا لمناهج هذه الأنظمة فمشكلة حيدر ليست في اللغة والتعبير بل في الاستنتاج والتفكير! فأنا أؤيد قيم الحرية والديمقراطية لا لأنها شرط للنهضة وإنما لأنها حق للإنسان وللشعوب يحرم مصادرتها عليها سواء تحقق بهذه المبادئ تطور ونهضة أم لم يتحقق فلا أنا بالذي نفيت ضرورة الديمقراطية ولا أنا بالذي أيدت المناهج الروسية والصينية والنازية فأين هي الموضوعية؟!) انتهى ردي على شبهة حيدر التي أثارها ضدي آنذاك وهو رد واضح جلي فلماذا أعاد نفس الشبه بعد خمس سنوات؟

كما قلت أيضا في ردي عليه في «الوطن 11/11/1999» (إننا نؤيد الحرية السياسية والاقتصادية والعلمية والفكرية كحق من حقوق الأفراد والشعوب ونؤمن بضرورة المشاركة الشعبية في اختيار السلطة ومشاركتها في اتخاذ القرار ومحاسبتها غير أننا نرفض فصل الإسلام عن الدولة وواقع الحياة ونرفض تعطيل الشريعة الإسلامية ومصادرة إرادة الأمة التي تريد أن تعيش في ظل قيم دينها بدعوى الحرية الفردية إننا لا نرفض الليبرالية التي تعني الحرية ولا الديمقراطية التي تعني حكم الشعب وإنما نرفض العلمانية التي تهدم دين الأمة سواء كانت علمانية دكتاتورية أم علمانية ديمقراطية وسواء أكانت علمانية اشتراكية أو علمانية رأسمالية وسواء كانت علمانية قومية أو علمانية شعوبية لأننا بالعلمانية نخرج من الإسلام فهذا ما نؤمن به وندعو إليه لا إيمانا منا بالمفاهيم الغربية وإنما إيمانا منا بالإسلام الذي أكد كرامة الإنسان في قوله تعالى (ولقد كرمنا بني آدم) ([2]) وأكد حرية الاعتقاد كما في قوله تعالى (لا إكراه في الدين)([3]) (وأكد مبدأ المساواة كما في الحديث (الناس سواسية) وأمر بالشورى كما قال تعالى (وأمرهم شورى بينهم) ([4]) و(شاورهم في الأمر) ([5]) وأوجب العدل بين الناس جميعا كما قال تعالى(اعدلوا هو أقرب للتقوى) ([6]) كل هذه المبادئ العامة في إطار قوله تعالى (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) ([7]) فهذه الحريات والحقوق الإنسانية إنما هي حكم الله سبحانه وتعالى)انتهى كلامي بحروفه فهل يحتاج الأستاذ حيدر إلى البحث عن عبارة هنا وعبارة هناك لمعرفة موقفي من الحرية والديمقراطية التي تعني حكم الشعب بينما رأيي واضح وضوح الشمس في رائعة النهار في ردودي عليه حول نفس الموضوع وفي جريدة «الوطن» بالذات وقبل أن أصبح أمينا عاما للحركة السلفية؟

ثانياً: ومن الأدلة أيضا على فقد كتابات حيدر للأمانة العلمية قوله في (الحوار السلفي) 21/1/2004: (اللافت للنظر أن الحركة السلفية قد تجنبت حتى استخدام كلمة الديمقراطية في البيان الذي تضمن أهدافها ونشر تحت الرؤية الإصلاحية وبينما طالبت الحركة الجميع بتبني هذه الرؤية فإن الحركة لم تطرح رؤية ديمقراطية للكويت ومنطقة دول مجلس التعاون وتحاشت تماما استخدام كلمة الديمقراطية)؟! وقال أيضا في الحلقة السادسة: (فالحركة السلفية تتجاهل الديمقراطية برمتها وقد اجمع العالم العربي على ضرورتها للنهضة والتقدم)؟

أقول: ما الذي يفهمه القراء من النص الذي أورده حيدر استنادا إلى الرؤية الإصلاحية للحركة التي طرحتها قبيل الانتخابات([8])؟ قطعا سيفهم الجميع بأن الحركة ضد الديمقراطية التي تعني حكم الشعب وأنها لشدة رفضها لحكم الشعب للشعب تحاشت حتى مجرد استخدام كلمة ديمقراطية!! وكم ستكون المفاجأة كبيرة حين يعلم القراء بأن ما جاء في الرؤية الإصلاحية للحركة السلفية ـ التي كتبتها أنا بصفتي أمينا عاما لها ـ هو الآتي: «إن تعزيز المرجعية الإسلامية في تحقيق الإصلاحات السياسية وتطوير ممارسات العمل السياسي في دولة الكويت هي المدخل الصحيح والضروري لحل جميع المشكلات التي أدت إلى التخلف على جميع الأصعدة وفي كل المجالات وهي نتيجة طبيعية للأزمة السياسية التي تتمثل في تهميش حق الشعب الكويتي في المشاركة في اختيار حكومته بشكل مباشر وحقه في محاسبتها وطرح الثقة بها كما يؤكده الإسلام الذي هو دين الدولة وتقرره الشريعة الإسلامية التي هي مصدر التشريع الرئيسي فيها كما في قوله تعالى (وأمرهم شورى بينهم) ([9]) وأول الأمر ورأسه الحكومة كما قال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب (الإمارة شورى بين المسلمين) وكما قال الخليفة الراشد أبو بكر الصديق مؤكدا حق الأمة في محاسبة السلطة وعزلها (إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني) وهو ما أكده الدستور الكويتي الذي نص على أن الشعب هو مصدر السلطات وقد أدى ذلك كله- أي تهميش حق الشعب- إلى استلاب مجلس الأمة صلاحياته وتهميش دوره وتجاوز إرادته الشعبية في كثير من القرارات والمشاريع بسبب الممارسات السياسية التقليدية التي أصبحت عائقا أمام عملية الإصلاح الشاملة ومانعا من قيام مجتمع مدني عصري يواكب تطور المجتمع الدولي من حوله ويتم فيه اتخاذ القرارات وممارسة العمل السياسي وفق أسس برلمانية تقوم على أساس المشاركة الشعبية في اختيار الحكومة البرلمانية وفق مبدأ التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة من خلال تطوير جذري للممارسات يتجاوز الأعراف السياسية التقليدية التي أثبتت عجزها عن مواكبة التطورات التي يشهدها العالم في مجال حقوق الإنسان وحقوق الشعوب إلى أعراف دستورية جديدة أكثر قدرة على مواجهة التحديات وأكثر تعبيرا عن إرادة الشعب الكويتي وتطلعاته تقوم على:

(1) إقرار مبدأ التعددية السياسية وحق الشعب الكويتي في المشاركة في اختيار حكومته عن طريق تكليف الكتلة السياسية الأكثر عددا في مجلس الأمة بتشكيل الحكومة البرلمانية.

(2) إقرار حق إشهار الأحزاب السياسية التي شارت إليها المذكرة التفسيرية للمادة 56 عند حديثها عن التجمعات السياسية التي يشاورها رئيس الدولة عند تشكيل الوزارة وإصدار قانون ينظم شؤونها أسوة بالأنظمة الملكية التي سبقت في هذا المضمار كالأردن والمغرب بدلا من تركها تعمل خارج دائرة القانون وبعيدا عن الرقابة الشعبية وهو حق كفلته المواثيق الدولية وتقره الشريعة الإسلامية.

(3) تعديل قانون الدوائر الانتخابية لتصبح الكويت كلها دائرة انتخابية واحدة للقضاء على الفئوية والطائفية والقبلية والمناطقية التي أدت إلى تقسيم المجتمع الكويتي إلى مناطق داخلية ومناطق خارجية كما أدت إلى بروز ظاهرة شراء الأصوات والرشوة وتزييف إرادة الشعب بسبب قانون الدوائر الانتخابية الحالي ليصل إلى المجلس من لا يمثل الأمة.

(4) توسيع دائرة المشاركة الانتخابية بتخفيض سن الناخب إلى 18 سنة والسماح للعسكريين بالتصويت أسوة بالحرس الوطني.

(5) إلغاء قانون التجمعات رقم 65 لسنة 1979 الذي يمنع الأفراد من الاجتماع العام إلا بإذن من المحافظ والذي يجرم مثل تلك الاجتماعات مصادرا بذلك الحق الدستوري الذي نصت عليه المادة رقم 44 من الدستور.

(6) تعديل قانون المطبوعات بما يتناسب مع المادة 36 من الدستور التي كفلت حق إبداء الرأي وإلغاء حق السلطة التنفيذية بتعطيل المطبوعات وجعل حق إصدار الصحف مكفولا للجميع وليس للحكومة أن تصادر هذا الحق وإنما تنظمه وفق الأنظمة واللوائح.

(7) فتح المجال أمام حق إشهار جمعيات النفع العام والنقابات المهنية كما كفلته المادة 43 من الدستور التي نصت على (حرية تكوين الجمعيات والنقابات على أسس وطنية وبوسائل سلمية)، وقد تم مصادرة هذا الحق سنة 1985.

انتهى نص الرؤية الإصلاحية السياسية للحركة السلفية الذي صغته أنا من ألفه إلى يائه بحروفه وكلماته فهل هناك أكثر وضوحا في الطرح الديمقراطي من هذه الرؤية؟ وهل في القوى السياسية بما فيها المنبر الديمقراطي والتجمع الديمقراطي من طرح مثل هذا الطرح السياسي الواضح والصريح والداعي إلى تقرير حق الشعب في اختيار حكومته البرلمانية وحق إشهار الأحزاب السياسية والنقابات المهنية وجمعيات النفع العام وإلغاء القيود التي تنتهك حقوق الإنسان وحريته كقانون المطبوعات وقانون التجمعات؟

وما الحرية التي يتباكى عليها حيدر إذا لم تكن هي ما دعت إليه الحركة السلفية في رؤيتها الإصلاحية من إقرار حق الشعب في اختيار حكومته وإقرار حق إشهار الأحزاب والتداول السلمي للسلطة فيما بينها بتكليف الكتلة البرلمانية الأكثر عددا بتشكيل الحكومة وترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث واستقلال السلطة القضائية واحترام حقوق الإنسان ومساواة الجميع أمام القانون وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص لكل مواطن دون تمييز طائفي أو فئوي إلى غير ذلك من الحقوق والحريات التي دعت الحركة السلفية إلى إقرارها؟ ولم تكتف الحركة بالمبادئ والعموميات بل طرحت رؤيتها بشكل مفصل محدد واضح حتى لا يقال إنها تطرح شعارات عامة كالديمقراطية والحرية دون أن تحدد مرادها من هذه الألفاظ ومع كل ذلك خرج عليها حيدر ليقول بأنها تتجاهل الديمقراطية برمتها وإنها لم تدع إلى الديمقراطية وانها تحاشت حتى مجرد ذكر لفظ الديمقراطية و(إن الحركة السلفية لم تطرح رؤية ديمقراطية للكويت ولا لمجلس دول التعاون الخليجي) هكذا بلا موضوعية ولا مصداقية ولا أمانة علمية؟!!

مع أن كل ما سبق ذكره يؤكد ليس فقط إيمان الحركة السلفية بهذه المبادئ بل وأسبقيتها إلى طرحها لها قبل أي حركة سياسية لا في الكويت فقط بل في منطقة الخليج العربي كلها ولم تطرحها اليوم بل طرحتها قبل سنوات عديدة كما جاء في الوثيقة التي قدمتها الحركة السلفية للقوى السياسية قبل ثلاث سنوات وقبل أحداث 11 سبتمبر وقبل الحملة الاستعمارية الجديدة على العالم العربي بدعوى تحريره والقامة أنظمة ديمقراطية! كما دعونا في الخطاب المفتوح الموجه مني كأمين عام للحركة السلفية إلى حكومات مجلس التعاون الخليجي في مؤتمرها الأخير في الكويت([10]) حيث دعونا إلى إقرار حق شعوب الخليج في اختيار حكوماتها ولو في ظل ملكيات وإمارات دستورية وفتح الباب للتعددية السياسية والتداول السلمي بين القوى السياسية فيها …. الخ، فكيف يزعم حيدر بعد هذا كله أن الحركة لم تطرح رؤية ديمقراطية لا للكويت ولا لدول مجلس التعاون الخليجي؟

إن مشكلة حيدر ليست مع حاكم المطيري بل مشكلته مع المصداقية في النقل والموضوعية في النقد وفقدان كتاباته ومقالاته الحد الأدنى الذي يجب على أي كاتب يشعر بالمسؤولية وأمانة الكلمة المحافظة عليه فليس من المعقول ولا المقبول أن يأتي كاتب يدعي الموضوعية فيزعم- بعد كل ما سبق ذكره- أن حاكم المطيري لا يؤمن بالحرية ولا بالتعددية ولا بحق الشعب في اختيار حكومته وكما قال الأول:

وكيف يصح في الأذهان شيء ….. إذا احتاج النهار إلى دليل؟!


[1]- جورج دبليو بوش، الرئيس الثاني والأربعون للولايات الأمريكية المتحدة.

[2]- الإسراء، آية (70).

[3]- البقرة آية (256).

[4]- الشورى، آية (38).

[5]- آل عمران، آية (159).

[6]- المائدة، آية (8).

[7]- المائدة، آية (49).

[8]- الانتخابات البرلماني في دولة الكويت (2003).

[9]- الشورى، آية (38).

[10]- نشر في صحفتي الرأي العام والسياسة بتاريخ (21 ديسمبر – 2003 )

كشف الأستار عن شبهات الحوار

رداً على ما كتبه خليل حيدر

في صحيفة الوطن

2-5

بقلم د. حاكم المطيري

الأمين العام للحركة السلفية

صحيفة الرأي العام 9/3/2004

ثالثا: تتجلى مشكلة الأستاذ حيدر في أنه يحب ممارسة هواية (الكتابة) باستخدام طريقة (القص واللصق) فليس له في عامة مقالاته فكرة واضحة أو رأي أصيل بل يقتات من أجل الاستمرار في ممارسة هوايته على ما كتبه الآخرون ومن ثم أصبح يمارس هذه الهواية كهدف في حد ذاته يشبع به رغباته (الهوائية) بغض النظر عما يقع فيها من تناقض وتهافت وفقدان للموضوعية والأمانة العلمية! لقد زج حيدر باسم حاكم المطيري في حوار من ست حلقات ليكتشف القراء بان تسعين في المئة من الحوار لا علاقة لحاكم المطيري به إلا سوء الطالع حين وقع اختيار حيدر على موضوع (الحوار السلفي الأميركي) ليمارس من خلاله هوايته ويملأ به زاويته في صحيفة «الوطن» فقد كان جل الحوار بل كله مع غير حاكم المطيري!لقد كتب حيدر في الحلقة الأولى ثمانين سطرا وثمانمائة كلمة في نصف صفحة لم ينقل سوى ثلاث عبارات من كلامي كان باستطاعته لولا العي أن ينقدها في ثمانية أسطر لا ثمانمائة سطر!!

لقد ذكر حيدر في المقال الأول الإخوان المسلمين والسلفيين وطالبان والجهاد الإسلامي وحزب التحرير وحزب الله والجماعة الإسلامية ثم ذكر الطوائف السنة والشيعة ثم عرج على الدول فذكر مصر وباكستان واندونيسيا والشام والخليج وفلسطين والكويت… الخ ثم لم ينس الشعوب فذكر الإيرانيين والمصريين والعراقيين والفرنسيين والروس والأسبان والأتراك والخليجيين والإيطاليين… الخ؟! ثم تذكر حيدر فجأة أنه يرد في هذا المقال على حاكم فقال (ونعود هنا مرة أخرى إلى ما قاله حاكم المطيري) ولا ادري ما هي مشكلة حيدر بالضبط فهل يريد أن يحاكم كل تلك الطوائف والحركات بسببي أم يريد محاكمتي بجريرة تلك الحركات؟ وما علاقتي أنا والحركة السلفية بكل هذا الحديث الممل الذي لا يفتأ حيدر يكرره في كل مقالاته عن الحركات الإسلامية؟ كما نقل في الحلقة الثانية عبارات مطولة لمرشدي حركة الإخوان المسلمين كمصطفى مشهور وعمر التلمساني وحامد أبو النصر ولبعض الإسلاميين الآخرين كعبدالله علي المطوع والشيخ محمد العثيمين والناطق باسم التجمع السلفي سالم الناشي وناظم المسباح … الخ ثم في آخر المقال تذكر أنه يحاور حاكم المطيري فجاء بعبارات لي مسخها من سياقها كعادته حتى لم تعد تمت لي بأدنى صلة فصار الحوار كله مع غيري؟!

لن أراجع مدى أمانة النقل في عبارات أولئك الشيوخ وسأفترض جدلا ـ وإن كان مثل هذا الافتراض مستحيلا غير داخل في حيز الإمكان ـ أن الأستاذ حيدر اخطأ ولو مرة واحدة فالتزم بالأمانة العلمية بلا قصد منه!ولم يحرف في تلك العبارات وهو خطأ منه غير مقصود بلا شك! سأفترض كل ذلك جدلا فما دخل حاكم المطيري والحركة السلفية بتلك الأقوال؟ وهل يريد حيدر أن يحاورني بأقوال الآخرين؟ وهل يعقل أن يجادلني بآراء المخالفين؟ ما الذي يريد حيدر أن يقوله للقراء في حواره مع حاكم المطيري؟ إن كان يريد إثبات أن المطيري لا يؤمن بالتعددية السياسية ولا بالتداول السلمي للسلطة ولا بحق الشعوب في حكم نفسها وحقها في اختيار حكوماتها كما يزعم فالواجب على حيدر أن يقتصر على العبارات التي تؤكد هذه التهمة من مقالات حاكم نفسه لا من عبارات غيره من الإسلاميين ـ الذين قد يخالفون المطيري في هذا الموضوع جملة وتفصيلا ـ كما فعل حيدر عندما لم يجد أي عبارة يستطيع بها إثبات هذا الاتهام ضد حاكم فأخذ يؤكده بعبارات سالم الناشي وناظم المسباح!

وإن كان حيدر يريد إثبات أن من الإسلاميين من يرفض التعددية السياسية ويرفض حق الشعوب في اختيار حكوماتها فليحاورهم حيدر كما يشاء لا أن يحاور حاكم في أشهر قضية دعا إليها منذ أن أصبح أمينا عاما للحركة السلفية بأقوال من خالفوه فيها؟!

إن ما يمارسه حيدر هو ضرب من العبث لا يمت إلى الحوار بأدنى نسب فالواجب أن يحاورني فيما قلت لا فيما لم أقل! وأن يجادلني في آرائي لا في آراء الآخرين الذين قد يخالفونني الرأي! وأن يحاكمني إلى صريح ألفاظي لا أن يبترها أو يخترع لها معنى لم يخطر لي على بال ثم يحاورني فيما أخطأ هو في فهمه لا فيما هو معنى كلامي؟!
لقد بدا تناقض حيدر في حواره معي واضحا جليا فأكد حيدر للقراء أن حاكم لا يؤمن بالحرية ولا بالتعددية بل ويميل إلى الاستبداد بل وتأييد نظام هتلر!

وفي الحلقة الثانية أخذ حيدر يورد من عبارات بعض الإسلاميين ما يثبت به أن دعوة حاكم المطيري إلى التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة مرفوضة من قبل الإسلاميين أنفسهم وليس لها أي مرجعية فقهية إسلامية؟ بل وأشد من ذلك أنه بعد أن أثبت للقراء بأن الحركة السلفية لم تدع إلى الديمقراطية ـ أي حكم الشعب ـ وتجاهلتها برمتها إذا به يقول في آخر الحلقة الثانية من حواره (والواضح لي أن ما ورد في الرؤية الإصلاحية للحركة السلفية وما ورد في لقاء السيد أمين الحركة ما هو إلا تكرار لبعض مطالب الحركة السياسية الكويتية بمختلف توجهاتها منذ أن بدأت الحياة النيابية) وقال أيضا (يبدو أن المرجعية لمثل هذه المطالب الواردة في بيان الحركة السلفية لإصلاح الحياة النيابية في الكويت وإشاعة التعددية الحزبية في البلاد وفي العالم العربي ليست إسلامية بالضرورة بقدر ما هي التوجهات الديمقراطية وتجارب البلدان الأوروبية التي عاش فيها حاكم المطيري نفسه فترة الدراسة)؟

لقد اعترف حيدر أخيرا كما اعترف في الحلقة الأولى من (الحوار السلفي ـ الأمريكي) بان الحركة السلفية قد طالبات في رؤيتها الإصلاحية (بإقرار مبدأ التعددية السياسية وحق الشعب الكويتي في اختيار حكومته وإقرار حق إشهار الأحزاب وجعل الكويت دائرة واحدة وتخفيض سن الناخب وإلغاء قانون التجمعات وتعديل قانون المطبوعات وفتح المجال أمام إشهار جمعيات النفع العام) مع أنه اتهم الحركة قبل ذلك بأنها لم تطرح أي رؤية ديمقراطية حيث قال في نفس المقال (الحوار السلفي الأمريكي) 21/1/2004: (اللافت للنظر أن الحركة السلفية قد تجنبت حتى استخدام كلمة الديمقراطية في البيان الذي تضمن أهدافها ونشر تحت الرؤية الإصلاحية وبينما طالبت الحركة الجميع بتبني هذه الرؤية فان الحركة لم تطرح رؤية ديمقراطية للكويت ومنطقة دول مجلس التعاون وتحاشت تماما استخدام كلمة الديمقراطية)؟! وقال أيضا في الحلقة السادسة: (فالحركة السلفية تتجاهل الديمقراطية برمتها وقد أجمع العالم العربي على ضرورتها للنهضة والتقدم)؟؟ فإن لم يكن هذا تناقض بين أول كلامه وآخره فليس في الدنيا تناقض!

أقول اعترف الأستاذ حيدر أخيرا بأن الحركة طالبت بالتعددية السياسية… الخ إلا إنه عاب عليها أنها طالبت بكل ذلك (في إطار ما اعتبرته المرجعية الإسلامية.. والمعروف أن المرجعية الإسلامية التي تشير إليها الحركة السلفية تتضمن كذلك حركة طالبان وسياستها في أفغانستان والتجربة السودانية) انتهى اعتراض حيدر على عبارة (المرجعية الإسلامية) الواردة في الرؤية الإصلاحية للحركة السلفية وتبرع مشكورا بتفسير كلمة المرجعية وأنها تتضمن ـ كما هو معروف عند حيدر ـ ممارسات حركة طالبان وتجربة حكومة السودان؟ وهذا التفسير إن دل على شيء فإنما يدل على مدى ما يتمتع به حيدر من ظرف ودعابة وروح فكاهة فقد أصبحت ممارسات الحكومة السودانية وممارسات حركة طالبان الأفغانية ضمن المرجعية الإسلامية التي يجب الالتزام بها كما في كتاب (الحاشية الحيدرية) على رؤية الحركة السلفية!

ولست أعجب من جرأة الأستاذ حيدر على ركوب مثل هذا الشطط في تفسير وفهم كلام مخالفيه وإنما أعجب من سعة خياله وقدرته على الاختراع وإلا فهل يخطر على بال أحد يعرف أبجديات الفكر السلفي مثل هذا التصور فضلا عمن يدعي أنه متخصص في فكر الحركات الإسلامية؟!

أقول لا يحتاج حيدر إلى تفسير معنى كلمة (المرجعية الإسلامية) الواردة في الرؤية الإصلاحية للحركة السلفية لأن الرؤية نفسها تضمنت في أول باب منها فصلا عن المجال التشريعي وضرورة إصلاحه بتحديد المرجعية التي تتمثل في الشريعة الإسلامية وتفعيل المادة الدستورية التي تنص على أن دين الدولة الإسلام والشريعة مصدر رئيسي للتشريع ولو لم تتضمن الرؤية شيئا من ذلك لكان الواجب يقتضي أن يرجع حيدر لأدبيات الحركة السلفية لمعرفة معنى كلمة (المرجعية الإسلامية) بدلا من الاجتهاد في تفسيرها على نحو لا يقول به أي مسلم فضلا عن حركة سلفية تؤمن بأن المرجعية التي يجب التحاكم إليها هي الشريعة الإسلامية (الكتاب والسنة) لا آراء العلماء ولا أقوال الفقهاء، دع عنك ممارسات حركة طالبان وسياسات حكومة السودان! فهل أخطأت عندما وصفت كتابات حيدر بأنها تفتقد الحد الأدنى من الموضوعية والمصداقية؟ وللحديث بقية

كشف الأستار عن شبهات الحوار

رداً على ما كتبه خليل حيدر

في صحيفة الوطن

3 ـ 5

بقلم د. حاكم المطيري

الأمين العام للحركة السلفية

صحيفة الرأي العام 12/3/2004

رابعاً: لم يكتف حيدر بكل هذا العبث الجدلي فأخذ بالتعالم وهي آفة أهل هذا العصر فقال في الحلقة الثالثة:(ثم أخيراً ما هي هذه المراجع الفقهية الإسلامية الحديثة أو القديمة التي تناولت بشكل واضح موقف الإسلاميين من قضية تداول السلطة دخولاً وخروجاً؟ ومن من قادة العمل والفكر الإسلامي الحركي وافق عليها؟) وقال أيضاً: (ويتضح مما سبق أن العودة إلى الفقه السياسي للإسلام لا يسعفه كثيراً) انتهى كلامه بحروفه.

وهذا اعتراف صريح من حيدر بأننا دعونا إلى التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة غير أن الفقه الإسلامي ـ كما يزعم حيدر ـ لا يسعفنا مع أنه أكد في الحلقة الثانية أننا لا نؤمن بالتعددية ولا بالتداول السلمي للسلطة؟!

قطعاً من يقرأ هذه العبارة سيظن بأنه لا يوجد من سبق حاكم المطيري إلى الدعوة إلى التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة لا في القديم ولا في الحديث وأنه لا مرجعية تاريخية لمثل هذه الدعوة ولن أطيل على القراء وسأذكر له مثالين فقط من القديم ومن الحديث ينقضان كل هذه الدعوة العريضة ـ وما أكثر دعاوى حيدر وأعرضها ـ أما من القديم فقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم في سقيفة بني ساعدة في شأن الخلافة على فريقين المهاجرين والأنصار فقال الأنصار للمهاجرين (منا أمير ومنكم أمير) وقد جاء تفسير هذه العبارة كما في فتح الباري شرح صحيح البخاري 7/31 عن الزهري بإسناد صحيح قال: (إن الأنصار قالوا: نختار رجلاً من المهاجرين وإذا مات اخترنا رجلاً من الأنصار فإذا مات اخترنا رجلاً من المهاجرين كذلك أبداً فيكون أجدر أن يشفق القرشي إذا زاغ أن ينقض عليه الأنصاري وكذلك الأنصاري) وهذا تماماً مبدأ التداول السلمي للسلطة بين حزبين بأن يتم التداول لها بين المهاجرين والأنصار فتارة يتم اختيار الخليفة من المهاجرين وتارة من الأنصار لضمان عدم وقوع انحراف في السلطة إذ يصبح كل من كان منهما خارج السلطة رقيباً على من يتولاها ولم يرفض المهاجرون هذا المبدأ لكونه يصطدم بالنظرية السياسية الإسلامية بل احتجوا بأن العرب لا ترضى إلا بقريش لما بين العرب العدنانية والقحطانية في الجاهلية من تنافر فكانوا لا يرتضي بعضهم إتباع بعض إلا لقريش لأنهم أهل البيت الحرام وخدامه وسدنته فلهم من الخصوصية ما يجعل القبائل القحطانية ومنهم الأنصار ترضى بقيادتهم فقد احتج المهاجرون بالمصلحة وبرأي العرب الذين هم أصحاب الحق في اختيار الخليفة ـ إذ لم يدخل في الإسلام آنذاك إلا العرب ـ وقد أدرك الأنصار هذه الحقيقة وأن الواقع لا يساعد على تنفيذ مبدأ (منا أمير ومنكم أمير) مراعاة للمصلحة الظاهرة ولرأي الأغلبية وهم العرب الذي أسلموا.

وأما المثال الثاني من القديم فهو قصة التحكيم بين علي وشيعته من أهل العراق ومعاوية وشيعته من أهل الشام فقد ارتضى الحزبان مبدأ تحكيم الأمة والرجوع إليها لتختار من ترضاه منهما أو من غيرهما خليفة لها وقد حضر من اعتزل الفريقين من الصحابة وعلى رأسهم عبد الله بن عمر وتوصل الحكمان إلى: (عزل علي ومعاوية ثم يجعل الأمر شورى بين الناس ليتفقوا على الأصلح منهما أو من غيرهما) (انظر ابن جرير الطبري 3/112 وابن كثير 7/294)

وهذا إجماع من الصحابة كلهم علي وحزبه ومعاوية وحزبه والصحابة الذين اعتزلوا الحزبين على مشروعية الانتماء الحزبي السياسي وعلى مشروعية التنافس على السلطة وعلى حق الأمة في اختيار من تراه الأصلح لها منهما أو من غيرهما فليس في كل ذلك ما هو ممنوع شرعاً وإنما الممنوع هو القتال بين الفريقين ولهذا اعتزلهم أكثر الصحابة فلما ارتضى الحزبان مبدأ تحكيم الأمة والرجوع إليها بادر عبد الله بن عمر مع من اعتزل من الصحابة للحضور إذ هذا هو حكم الشريعة عند وقوع الخلاف والتنازع على السلطة.

بل وأوضح من ذلك كله ترشيح عمر للستة وهم أفضل الصحابة وأكفؤهم ووقوع التنافس بينهم وبعد التنازل من بعضهم انحصر الترشيح بين عثمان وعلي فقام عبد الرحمن بن عوف بإجراء استفتاء عام كما في تاريخ ابن كثير 7/151 إذ جاء فيه: (نهض عبد الرحمن يستشير الناس فيهما حتى خلص إلى النساء في خدورهن والولدان في المكاتب وحتى سأل من يرد من الركبان والأعراف إلى المدينة في مدة ثلاثة أيام بلياليهن) ثم أعلن عبد الرحمن نتيجة الاستفتاء العام في المسجد وبحضور الصحابة والمتنافسين فيها وهما عثمان وعلي وقال ابن عوف (يا علي إني نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان أحداً) فبايع الجميع عثمان بعد الاستفتاء العام ولم يعترض علي رضي الله عنه على هذه النتيجة ولم يشكك في صحتها قال ابن حجر في الفتح 13/197: (وسكوت من حضر من أهل الشورى والمهاجرين والأنصار وأمراء الأجناد دليل على تصديقهم عبد الرحمن فيما قال وعلى الرضا بعثمان).

فكل هذه الأمثلة تؤكد مشروعية التنافس على السلطة بالطرق السلمية وعلى مشروعية التداول السلمي بين الأحزاب السياسية وعلى حق الأمة في اختيار من تشاء ليحكمها وحقها في عزله وخلعه وعلى مشروعية الاستفتاء العام وأخذ رأي النساء والشباب الصغار في مثل هذا الموضوع عملاً بقوله تعالى (وأمرهم شورى بينهم).

أما في العصر الحديث فقد دعا العلامة السلفي المحدث الفقيه القاضي أحمد شاكر الحسيني نسباً المصري بلدا رجال القانون سنة 1941م إلى العمل على تطبيق الشريعة الإسلامية في كتابه (الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر التشريع في مصر) ص 34 ثم بين الطريق الذي سيلتزمه لتحقيق هدفه حيث قال فيه: (سيكون السبيل إلى ما نبغي من نصر الشريعة السبيل الدستوري السلمي أن نبث في الأمة دعوتنا ونجاهد فيها ونجاهر بها ثم نصاولكم عليها في الانتخاب ونحتكم فيها إلى الأمة ولئن فشلنا مرة فسنفوز مراراً فإذا وثقت الأمة بنا ورضيت عن دعوتنا واختارت أن تحكم بشريعتها طاعة لربها وأرسلت منا نوابها إلى البرلمان فسيكون سبيلنا وإياكم أن نرضى وأن ترضوا بما يقضي به الدستور فتلقوا إلينا مقاليد الحكم كما تفعل كل الأحزاب إذا فاز أحدها بالانتخاب ثم نفى لقومنا بما وعدنا من جعل القوانين كلها مستمدة من الكتاب والسنة).

وقد دعا إلى ذلك أيضاً آخر شيوخ الإسلام في الدولة العثمانية الشيخ مصطفى صبري كما في حاشية كتابة (العقل والعلم) حيث دعا علماء مصر ودعاتها إلى العمل السياسي السلمي والحصول على الأغلبية البرلمانية من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية التي اجتهد الاستعمار في إقصائها وتعطيلها وتحكيم القوانين الوضعية مكانها.

كما أيد العلامة السلفي الفقيه المفسر عبد الرحمن السعدي ـ شيخ ابن عثيمين ـ الأنظمة الجمهورية في مقابل الأنظمة الدكتاتورية حيث قال في تفسيره 3/457: (لو سعى المسلمون الذين تحت ولاية الكفار وعملوا على جعل الولاية جمهورية يتمكن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية لكان أولى من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية وتحرص على إبادتهم وجعلهم عملة وخدماً لها نعم إن أمكن أن تكون الدولة للمسلمين وهم الحكام فهو المتعين ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة فالمرتبة التي فيها دفع ووقاية للدين والدنيا مقدمة).

فهذه بعض النصوص عن أئمة الفكر السلفي المعاصر تؤيد دعوتنا إلى التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة والعمل على إقامة نظام حكم شعبي تصان فيه الحقوق والحريات للأفراد والمجتمعات للمسلمين ولغير المسلمين إذ المقصود تحقيق المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها وإقامة العدل والقسط بين الناس كافة سواء في دولة إسلامية أو دولة غير إسلامية.

وبهذا يظهر بجلاء مدى التضليل في قول حيدر عن دعوتنا إلى التعددية السياسية بأنها ليس لها مرجعية إسلامية وأنها من تأثر الحركة السلفية وحاكم المطيري بدراسته في الغرب؟ فهذا هو الشيخ المحدث أحمد شاكر وهو من كبار أئمة أهل السنة في هذا العصر يدعو سنة 1941م إلى التزام العمل بالطرق السلمية الدستورية والعمل الحزبي المنظم من أجل الحصول على الأغلبية البرلمانية ليصل إلى الحكم من يختاره الشعب كما تفعل الأحزاب السياسية وفق ما يقضي به الدستور المصري آنذاك من التداول السلمي للسلطة مع أنه من أشد العلماء رفضاً للقوانين الوضعية بل يرى التحاكم إليها ردة وخروجاً عن الملة إلا أنه يفرق بين الدستور الذي هو وثيقة وعقد بين الحاكم والمحكوم يتضمن مبادئ عامة يبطل منها ما قد يعارض أحكام الشريعة الإسلامية ويعمل بما لا يتعارض معها من مبادئ كما هو حكم سائر العقود التي تتضمن شروطاً فاسدة فتصح العقود وتبطل الشروط وبين القانون الذي هو أحكام فيها معنى الإلزام مضاهاة لحكم الله ورسوله ومحادة لما جاء به القرآن والسنة وهو كفر صراح وهذا الفرق بين الدستور والقانون لا يدركه أكثر الإسلاميين الحركيين فضلاً عن العامة وإنما يدركه الفقهاء الكبار والقضاة الأفذاذ كأحمد شاكر رحمه الله تعالى وقد فصلت القول في الفرق بين القانون والدستور في مقالي (البيان فيما أشكل على مجلة الفرقان) رقم (4) و(5).

وهذا هو السبب الذي جعل حيدر يتجنب مقالاتي (البيان فيما أشكل على مجلة الفرقان) وكذا تجنب ردودي عليه بعنوان (قبل بدأ الحوار) وهي ست حلقات منشورة في صحيفة الوطن إذ كل تلك المقالات وغيرها كثير تؤكد مدى إيمان حاكم المطيري بضرورة التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة وإشهار الأحزاب وحماية حقوق الإنسان وكلها تكشف مدى تهافت شبه حيدر حول هذا الموضوع ولهذا تجنبها وكأنه لم يسمع بها وأخذ ينبش في القبس والرأي العام والسياسة طمعاً في أن يعثر على ما يدين به حاكم المطيري؟

بل وأغرب من ذلك وأعجب أنه في الوقت الذي يتحدى حيدر أن نذكر له (من قادة العمل أو الفكر الحركي الإسلامي من وافق عليها) أي على التعددية السياسية؟ نجد لحيدر نفسه نصاً أثبت فيه بأن كبار رجال الفكر الإسلامي المعاصر يؤيدون الأنظمة الديمقراطية حيث ذكر في مقاله المنشور في الوطن 9/9/1999م بعنوان (حوار مع حاكم المطيري) رقم (4) شهادة القرضاوي والغزالي وعدنان سعد الدين حيث قال حيدر بعد أن ذكر تأييد الشيخ القرضاوي للديمقراطية كنظام للحكم تتحقق فيه الشورى والعدالة والحرية: (وممن لشهادته الإسلامية قيمة كبرى بحق الديمقراطية الأستاذ عدنان سعد الدين مراقب الأخوان المسلمين السوريين سنة 1975 وأحد القياديين المعروفين في الفكر والعمل الإسلامي.. وفي مقابلة صرح الشيخ محمد الغزالي بأن الديمقراطية تحتاج إلى شعوب ترتفع إلى مستواها إلى شعوب أرقى من العالم العربي حتى تستوعب الديمقراطية)؟!

هكذا إذن؟ فإذا قال أحد الإسلاميين لا للديمقراطية الغربية جاء حيدر بالأدلة القاطعة من أقوال كبار الفكر الإسلامي التي تؤكد مشروعية الديمقراطية وأنها لا تتعارض مع الإسلام! وإذا دعا حاكم المطيري إلى التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة وإلى حكم الشعب أنبرى حيدر ليؤكد أنه ليس هناك لا في القديم ولا الحديث من طرحها وليس في رجال الفكر الإسلامي من وافق عليها؟ فهل هناك ضرب من العبث أشد تضليلاً وأضل سبيلاً من هذا الأسلوب الذي يستخدمه حيدر في مقالته وكتاباته وحواراته؟

ثم هب جدلاً أنه لا يوجد أي مرجعية فقهية تؤيد التعددية السياسية فإن ذلك لا يضر شيئا إذ لا نحتاج إلى أي مرجعية سوى الكتاب والسنة إذ هما المرجعية لكل مسلم وأقوال العلماء يحتج لها ولا يحتج بها وكما قال الخليفة الراشد علي رضي الله عنه (لا يعرف الحق بالرجال فاعرف الحق تعرف أهله) وما المذاهب الفقهية سوى مدارس لفهم الكتاب والسنة فلا عصمة لأحد ولا حجية لقول أحد إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإذا ثبت يقيناً أن الإمارة شورى بين المسلمين كما قال تعالى (وأمرهم شورى بينهم) وثبت أن الخلفاء الراشدين تم اختيارهم بالانتخاب وبالرضا دون إجبار وإكراه وإذا ثبت رضا الصحابة بمبدأ ترشيح عمر للستة وإقرارهم جميعاً لهذه الطريقة في اختيار الحاكم مع أنها من أوضح صور التعددية السياسية حيث تم فتح الطريق للتنافس بين عدد من المرشحين للوصول إلى السلطة عن طريق اختيار الأمة لواحد منهم بشكل سلمي بواسطة الاستفتاء العام إذا ثبت كل ذلك فما المانع من تحقيق هذه المبادئ بالنظم والوسائل الحديثة؟ فعلى حيدر أن يذكر النصوص الشرعية التي تتعارض مع هذه المبادئ السياسية ؟! وللحديث بقية

كشف الأستار

عن شبهات احوار

رداً على ما كتبه خليل حيدر

في صحيفة الوطن

4- 5

بقلم د. حاكم المطيري

الأمين العام للحركة السلفية

صحيفة الرأي العام / 3/2004

ولعل أطرف ما في حوار حيدر هجومه على الفكر السلفي ووصمه إياه بأقذع الأوصاف كما في قوله في الحلقة الأولى عن مشكلة السلفيين بالذات وأنها تتمثل في: (عدائهم الحاد للغرب وللولايات المتحدة وبسبب تبنيهم لنظام ديني مغلق يصطدم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وقانونياً مع كل ما هو سائد تقريباً في دول العالم) وقال في الحلقة الثانية: (ونحن نعرف مثلاً أن الفكر السلفي في أوائل القرن العشرين كان ضد حقيقة كروية الأرض وضد حقيقة أن البخار أصل الماء وضد التلفون واللاسلكي والراديو والسيارة وضد تعليم اللغة الإنجليزية وضد ترجمة القرآن … الخ)؟!

بالطبع لم يسأل حيدر نفسه لماذا يورد كل هذه الشبه وما دخلها في موضوع (الحوار السلفي الأمريكي) الذي كان حول الديمقراطية والتعددية السياسية فالمهم عند حيدر هو ممارسة هوايته المحببة إلى نفسه وإن أدى ذلك إلى ممارسة لعبة القفز على الحقائق فمقالاته أشبه بصندوق العجائب ففيها كل ما يخطر على بال القراء فلا يوجد أي ترابط موضوعي بين الفقرات في كتاباته وهي تذكرنا بالكتاب الأسود فيه كل شيء وليس فيه شي؟!

ومع ذلك لن أدع الأستاذ حيدر يهنأ بهوايته هذه ولن أتركه يمارس دجله وشعوذته المعرفية على القراء وسأجيب على ما أثاره من شبه على الفكر السلفي المعاصر ليعرف القراء مدى التعالم الذي يدعيه حيدر في كتاباته فهو يقول (نحن نعرف أن الفكر السلفي في أوائل القرن العشرين كان ضد كروية الأرض) ونحن نقول لحيدر هذه القضية بالذات محل إجماع ليس في الفكر السلفي بل بإجماع المسلمين كافة منذ عصر الصحابة ومع بعدهم وقد نقل اتفاقهم على كروية الأرض شيخ الإسلام ابن تيمية كما في الفتاوى 5/150 حيث قال (اعلم أن الأرض قد اتفقوا على أنها كروية الشكل وهي في الماء المحيط بأكثرها والأفلاك مستديرة بالكتاب والسنة والإجماع) وقال أيضاً في 6/587 في تفسير قوله تعالى (يكور الليل والنهار ويكون النهار على الليل): (التكوير التدوير والليل والنهار وسائر أحوال الزمان تابعة للحركة فإن الزمان هو مقدار الحركة والحركة قائمة بالجسم المتحرك فإذا كان الزمان موصوفاً بالاستدارة كان الجسم أولى بالاستدارة) بالطبع سيصعق حيدر عندما يقرأ مثل هذه العبارات عن إمام من أئمة الفكر السلفي فهو لا يتصور أن هناك حضارة إسلامية سادت العالم ألف سنة ازدهرت في ظلها جميع العلوم والمعارف العلمية كالفلك والطب والكيمياء والميكانيكا والتي علي أساسها قامت الحضارة الإنسانية المعاصرة باعتراف عشرات العلماء الغربيين المنصفين ولهذا لا يتردد حيدر في رمي الفكر السلفي بكل ما يتصوره تخلفاً ورجعية دون أن يجهد نفسه بالبحث والمراجعة وتحري الدقة في النقل فبينما يدعي ابن تيمية إجماع المسلمين على كروية الأرض وعلى كروية الفلك الذي يحيط بها بل وينقل ذلك الإجماع عن علماء القرن الرابع حيث قال في الفتاوى 6/586: (حكى إجماع المسلمين على ذلك غير واحد من أئمة الإسلام مثل ابن المنادي من أصحاب أحمد بن حنبل وابن حزم وابن الجوزي ولا أعلم في علماء المسلمين المعروفين من أنكر ذلك) بينما يأتي حيدر بعد ألف سنة ليدعي أن الفكر السلفي في أوائل القرن العشرين كان ضد كروية الأرض؟! فهل هناك تضليل أشد من هذا الذي يمارسه حيدر؟ إن الفكر السلفي ليس مذهباً فقهياً أو مدرسة واحدة كما يتوهم حيدر بل هو أشبه بالأيديولوجيا ففي كل المذاهب الفقهية المشهورة علماء سلفيون ففي الحنابلة والشافعية والمالكية والحنفية وأهل الحديث والشيعة الزيدية علماء سلفيون فمن رواد الفكر السلفي المعاصر من أل البيت النبوي الشريف السيد محمد رشيد رضا الحسيني العلوي صاحب مجلة (المنار) والسيد عبدالرحمن الكواكبي الحسيني مؤلف كتاب ( طبائع الاستبداد) و (أم القرى) والذي دعا فيه إلى السلفية ونبذ المذهبية والطائفية والسيد محب الدين الخطيب الحسني والسيد محمد شاكر الحسيني وابنه أحمد شاكر والسيد محمود شكري الألوسي الحسيني والسيد جمال الدين القاسمي الحسيني فكل هؤلاء الأئمة الأعلام من آل البيت الشريف سلفيون وكلهم من رواد النهضة المعاصرة ومن رواد الحركة الإصلاحية العربية الحديثة ومن دعاة التحرر من الاستبداد والاستعمار ومن علماء الفكر السلفي المعاصرين أيضا ابن باديس رئيس جمعية علماء الجزائر والبشير الإبراهيمي وعامة علماء نجد كمحمد بن إبراهيم والشيخ السعدي …الخ فمن هو المقصود من هؤلاء عند حيدر في قوله ( نحن نعرف أن الفكر السلفي في أوائل القرن العشرين كان ضد كروية الأرض ….الخ )؟

وأما الإدعاء بأن الفكر السلفي ضد حقيقة أن البخار أصل المطر فهي فرية أخرى لم أسمع بها إلا من حيدر ولم أطلع عليها إلا في صندوق عجائبه ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام كثير في الحقائق الكونية موافق لما وصلت إليه أحدث النظريات العلمية الحديثة كأصل المطر وأنه من بخار الماء كما في الفتاوى 24/ 262 حيث قال ( والمادة التي يخلق منها المطر هي الهواء الذي في الجو تارة وبالبخار المتصاعد من الأرض تارة وهذا ما ذكره علماء المسلمين والفلاسفة يوافقون عليه ) فهذا رأي أكبر أئمة الفكر السلفي يؤكد قبل سبعمائة سنة ــ دع عنك أوائل القرن العشرين ــ أن أصل المطر هو من الهواء والبخار المتصاعد من الأرض وينقل ذلك عن علماء المسلمين؟!

وأما اللاسلكي والسيارة والراديو …الخ فقد دخلت هذه المخترعات إلى كل بلدان العالم الإسلامي وفي كل بلد علماء سلفيون ومنها المملكة العربية السعودية وفيها كبار علماء الفكر السلفي فلم نسمع أن أحدا منهم حرمها مع بعد نجد آنذاك عن أسباب الحضارة والمدنية فضلا عن علماء الفكر السلفي في مصر والشام والعراق والمغرب والهند وغيرها من البلدان التي كانت أكثر تأثرا بالمدنية الحديثة .

وأما قول حيدر في الحلقة الأولى : (صراع المجتمع الكويتي مع التيار السلفي بالذات يمتد إلى قرن وأكثر وقد دخلت البلاد ودخل المجتمع في صراع عسكري ضده منذ 1920م وحرب الجهراء على الأقل ؟كما وقف في وجه هذا التشدد السلفي شعراء الكويت ورجال الدين فيها قبل عشرات السنين ) فهو أوضح دليل على مدى قصور معرفة الأستاذ حيدر بالفكر السلفي من جهة وتاريخ الكويت من جهة أخرى وعلى مدى تعالمه وادعاءاته التي لا حصر لها وإلا كيف يتحدث عن فكر إسلامي عريض يمتد من أقصى الهند شرقا إلى أقصى المغرب غربا بهذه السطحية والاختزالية؟ ألا يعلم الأستاذ حيدر المتخصص في الجماعات الإسلامية أن رواد الحركة الإصلاحية في الكويت هم من علماء الفكر السلفي؟ ألا يعلم بأن علامة الكويت وقاضيها عبد الله الخلف الدحيان كان سلفيا كما وصفه بذلك علماء عصره الذين راسلهم وراسلوه وعلى يده تتلمذ أكثر علماء الكويت وبه تأثروا وآخرهم شيخنا العلامة الحنبلي السلفي الشيخ محمد الجراح؟ وأن مؤرخ الكويت الشيخ عبدا لعزيز الرشيد مؤلف كتاب (تاريخ الكويت) كان سلفيا أثريا كما هو ثابت بتوقيعاته على بعض كتبه بخط يده وهو ممن تأثر خُطا شيخه الدحيان وخُطا السيد رشيد رضا الذي زار الكويت مدة وكان له الأثر الرئيس على الحركة الفكرية الإصلاحية فيها كما ذكر ذلك خالد العدساني في مقدمة مذكراته؟ ألا يعلم حيدر أن الشيخ يوسف بن عيسى القناعي وهو من رواد الحركة الإصلاحية والنهضة العلمية في الكويت كان سلفيا أثريا؟ وهل يعلم بأن السيد الشاعر عبد الجليل الطبطبائي كان أيضا سلفيا وله قصيدة مشهورة في نصر الدعوة السلفية النجدية؟ فمن أين أتى حيدر بتلك الطوام التاريخية التي تزعم أن الكويت دخلت في صراع مع التيار السلفي ؟ ومن هم العلماء والشعراء الذين تصدوا للفكر السلفي في الكويت منذ عشرات السنين ؟ ألا يريد حيدر أن يكون موضوعيا ولو مرة واحدة ولو بطريق الخطأ ؟!

إن الفكر السلفي باختصار يقوم على أساس العودة في فهم الإسلام إلى ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة وآل البيت قبل ظهور البدع والانحرافات والطوائف والمذاهب وقد كان من أشهر الدعاة إلى هذا الفكر في العصور المتأخرة في المغرب الإسلامي الإمام الشاطبي مؤلف كتاب الاعتصام والموافقات وفي المشرق الإسلامي ابن تيمية وفي اليمن الإمام الشيعي الزيدي السيد محمد بن إبراهيم الوزير مؤلف (العواصم) و( الروض الباسم ) وهو من علماء القرن التاسع الهجري وقد اقتفى أثره كبار علماء المذهب الشيعي الزيدي كالسيد المقبلي مؤلف ( العلم الشامخ) ثم السيد الأمير الصنعاني ثم قاضي قضاة اليمن الشوكاني وفي نجد الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب وأتباعه وفي الهند ولي الله الدهلوي ثم السيد صديق حسن خان الحسني وغيرهم من العلماء والمصلحين في كل مصر وحين ولا أريد هنا أن أتتبع كل شبه حيدر التي لا تنقضي وإنما أردت فقط بيان مدى تعالمه وعدم موضوعيته وفقدان كتاباته للأمانة العلمية والحد الأدنى من الموضوعية والمصداقية وللحديث بقية.

كشف الأستار

عن شبهات الحوار

رداً على ما كتبه خليل حيدر

في صحيفة الوطن

5

بقلم د. حاكم المطيري

الأمين العام للحركة السلفية

صحيفة الرأي العام /3/2004

خامساً: قال حيدر في الحلقة الثالثة من حواره: (هل يريد ـ أي حاكم المطيري ـ ديمقراطية بلا ليبرالية؟ كلا بالطبع فهو مثلاً في مقال بعنوان (نعم للتعددية السياسية) يصر على تعددية مريحة مفصلة للتيار الديني وحده فيقول في معرض حديثه عن التعددية: لا يمكن السماح بإشهار حزب يهدف إلى تقويض النظام العام للدولة وبهذا يستثنى المطيري في تعدديته السياسية والحزبية الأحزاب الأيديولوجية التي يعتبرها هدامة أي نفس حجج الأنظمة العربية ضد الإسلاميين اليوم) انتهى كلامه.

وهذا نموذج على الطريقة الاختزالية التي يستخدمها حيدر في فهم نصوص مخالفيه ليستنتج منها ما يريد هو أن يستنتجه لا ما تدل عليه هذه النصوص ذاتها! وإلا كيف يفهم حيدر من عبارتي التي نقلها عني أنني أريد تعددية مفصلة للتيار الديني وحده؟ مع أن العبارة التي أوردها من كلامي هي قيد قانوني تشترطه كل قوانين الدول التي فيها تعددية سياسية فلا تسمح الدول الديمقراطية للأحزاب بخوض الانتخابات إلا وفق هذا الشرط وهو أن لا تشكل خطراً على النظام العام الذي ارتضته الأغلبية وألا تسعى إلى تقويضه؟ فقد دعوت ومازلت أدعو وسأظل أدعو إلى تقرير حق الشعوب العربية والإسلامية في وضع النظم والدساتير التي تريدها هذه الشعوب لا ما فرضه عليها الاستعمار الغربي من نظم منذ دخوله قبل قرن إلى اليوم ولا ما تفرضه الأنظمة الدكتاتورية والعسكرية الاستبدادية المدعومة من الغرب أيضاً التي صادرت حق شعوبها في وضع النظم التي تريدها فمنذ مؤتمر لوزان بعد الحرب العالمية الأولى التي اشترطت دول الحلفاء فيه على تركيا إلغاء الخلافة العثمانية وإقصاء الشريعة الإسلامية وفرض العلمانية ومنذ دعم الاستعمار لانقلاب أتاتورك وتعميم الاستعمار لهذه التجربة العسكرية بعد إسقاط الخلافة في كل أقطار العالم الإسلامي منذ ذلك الحين والأمة تعيش أزمة هوية فلا يوجد شعب واحد في العالم العربي تم استفتاؤه حول الدساتير والقوانين التي تحكمه؟! ولهذا طرحنا هذا السؤال على كل من حاورنا في قضية الديمقراطية والتعددية السياسية الليبرالية وهو ما وجهناه لـ (ريتشارد بل) مستشار السفارة الأمريكية في الكويت حيث قلنا له: (إذا كانت الشعوب الإسلامية ترفض أي حزب يحمل أيديولوجيا تصطدم بالإسلام وما تؤمن به هذه الشعوب لماذا لا يكون لها الحق بأن تمنع أي حزب يصطدم بالنظام العام الذي تؤمن به من الوصول إلى السلطة فالقضية بالنهاية اختيار الشعوب) وهو نفس السؤال الذي وجهته للأستاذ حيدر في مقالي (قبل بدء الحوار) في الوطن 21/10/1999م حيث جاء فيه: (يحق لنا أن نسأل دعاة الليبرالية: لو فرضنا جدلاً أن شعباً مسلماً اختار بأغلبيته أن يحظر نشاط حزب شيوعي وأن لا يشارك في العمل السياسي إلى من يلتزم بدستور الدولة ويحترم نظامها العام الذي يقوم على الإسلام فهل لهذا الشعب الحق في فرض مثل هذا الرأي كما تقتضيه الديمقراطية ـ التي تعني حكم الشعب ـ أم لا يحق له ذلك كما تقتضيه الليبرالية ـ التي تعني الحرية ـ ؟ وأيهما نقدم إرادة الأمة أم إرادة بعض الأفراد؟) وهذا أيضاً هو محل الخلاف بيني وبين حيدر كما حددته له في مقالي (قبل بدء الحوار) في الوطن 11/11/1999م حيث قلت له (إذا أراد الأستاذ حيدر أن يستمر في حواره معي فأهلاً وسهلاً على خطة واضحة تقوم على:

أولاً: أن يحاورني في آرائي كما أحاوره في آرائه لا أن يحاور معي العالم الإسلامي كله بطوائفه وجماعاته وأحزابه ومذاهبه!

ثانياً: أن يكون موضوع الحوار في القضايا التي نختلف فيها التي حددتها بالأسئلة المنشورة في صحيفة المستقلة عن الليبرالية وتعريفها وحدودها؟ وكيف يمكن الجمع بين الديمقراطية التي تعني حكم الشعب والليبرالية التي تسعى إلى إطلاق حرية الفرد؟ وإلى أي مدى يمتد نطاق سلطة الشعب الذي تقرره الديمقراطية وإلى أي مدى يفسح المجال لحرية الفرد التي تقررها الليبرالية؟ ومتى يحق للأغلبية التي تسيطر على السلطة التشريعية أن تستخدم صلاحياتها في وضع النظم والقوانين التي تريدها أغلبية الشعب دون أن يقيد ذلك حرية بعض الأفراد؟ وهل في حظر الدول الغربية نشاط كثير من الأحزاب ـ كالحزب النازي في ألمانيا والشيوعي في كثير من دول أوروبا ـ هل في هذا الحظر انتهاك لليبرالية وحق الإنسان في اعتقاد ما يشاء من أفكار والدعوة إليها؟ ولو طالبت الأغلبية في دولة إسلامية حظر نشاط الأحزاب التي لا تحترم دين الدولة والأمة فهل للأغلبية الحق في ذلك كما تقرره الديمقراطية أم لا يحق لها ذلك لمصادمته لليبرالية وحقوق الإنسان؟)

فهذه القضية هي محل الخلاف بيننا منذ سنوات وبدلاً من أن يجيب حيدر على هذه الأسئلة ويحل لنا هذه الإشكالية بين الديمقراطية والليبرالية ذهب كعادته يشرق ويغرب ويتباكى على الأحزاب غير الإسلامية التي ستضطهد في ظل النظام الذي يدعو إليه حاكم المطيري؟ فأنا أتحدث عن هل للشعوب الحق في أن تضع من النظم والقوانين ما تريده الأغلبية وهل لها أن تمنع من لا يلتزم بنظامها العام من الوصول للسلطة؟ ولم أتحدث قط عن حق الإسلاميين في منع العلمانيين من الوصول للسلطة كما زعم حيدر الذي حاول إيهام القراء وتضليلهم عندما قال في الحلقة الأولى من (الحوار السلفي الأمريكي): (أليس الأمين العام نفسه يهدد بتكبيل التيار الليبرالي العلماني في ظل النظام الإسلامي؟) وقال أيضاً في الحلقة الثالثة: (من الواضح إذن رأي السيد الأمين العام لا يخرج عن التنظير البحت لحالة سياسية مثالية غير واقعية من التعددية السياسية مفصلة لتناسب التيار المهيمن على السلطة وهو التيار الإسلامي وجماعاته ويحاول د. حاكم أن يبرر مطاردة العلمانيين والليبراليين وربما كل الديمقراطيين في النظام الإسلامي القادم…)

والسؤال الذي يطرح نفسه: من أين جاء حيدر بكل هذه الأوهام؟ وأين تحدث حاكم المطيري عن النظام الإسلامي الذي لا يقبل إلا الجماعات الإسلامية ويطرد من خالفهم؟ وأين هدد حاكم المطيري بتكبيل التيار الليبرالي … الخ؟ هل كل هذه الأوهام استنتجها حيدر من سؤالي الذي طرحته عليه قبل سنوات وطرحته على ريشارد بل المستشار السياسي الأمريكي عن حق الشعوب في وضع ما تشاء من النظم والقوانين وحقها في أن تمنع من تشاء من الوصول للسلطة حتى يحترم إرادتها ونظامها العام؟ وهل هناك في الدول الغربية دولة واحدة تسمح أن يصل للسلطة أو يشارك في الانتخابات من لا يلتزم بدستورها ونظامها العام أو من يسعى إلى تقويضه؟ أليس أول شرط للسماح للأحزاب هناك بخوض الانتخابات أن تلتزم بالنظام العام الذي ارتضته تلك الدول والشعوب؟ والغريب أن حيدر يعتبر ما أدعو إليه من تقرير حق الشعوب العربية في وضع النظم التي تريد وضرورة احترام إرادتها كما تقتضيه الديمقراطية كل ذلك يعده حيدر شبيهاً بحجج الأنظمة العربية العلمانية والدكتاتورية التي تمنع الإسلاميين وكل قوى المعارضة الأخرى من الوصول للسلطة بدعوى أنها خطر على النظام العام للدولة ؟ ولا أدري ما وجه الشبه بين حجتي التي تقوم على أساس إقرار حق الشعوب العربية في ذلك وحجة الأنظمة العربية الاستبدادية التي ليس فيها نظام واحد اختارته تلك الشعوب ليصل إلى السلطة فضلاً عن أن يمنع غيره من الوصول للسلطة؟ فالأستاذ حيدر لا يريد أن يجيب عن السؤال المطروح عليه منذ سنوات ولا يريد أن يعترف بحق شعوبنا في أن تضع النظم التي تريدها وأن تختار الحكومات التي تريدها ولا يريد أن يفرق بين حقوق الشعوب المسلوبة وممارسات الأنظمة الاستبدادية التي لا تمثل الأقلية فضلاً عن الأغلبية وبدلاً من ذلك يحاول إيهام القراء بأن التعددية السياسية التي يدعو إليها حاكم المطيري تقتصر على الجماعات الإسلامية وتقصي غيرهم؟ ولما رأى حيدر في مقابلتي مع المستشار الأمريكي عبارة صريحة واضحة تنسف كل تلك الأوهام التي نسبها لي وهي قولي للمستشار: (عندما يأتي أي حزب سياسي ويلتزم بالنظام العام من أي توجه كان فحينها إذا اختاره الشعب يمكن أن يصل إلى السلطة) أخذ حيدر يثير الشبه حول تلك العبارة فقال كما في الحلقة الثالثة: (يقدم المطيري استثناء محيراً فيقول: عندما يأتي أي حزب سياسي ويلتزم بالنظام العام… الخ ولكن كيف لحزب كهذا من أي اتجاه كان أن يتفاعل مع الحياة السياسية إن كان سيتحرك وسط كل هذه الموانع والمحاذير والأحكام الجاهزة المسبقة؟ ومن سيقرر إن كان الحزب المنافس سياسياً أم أيديولوجياً؟) ويقول أيضاً: (لماذا تعطي الحركة السلفية لنفسها حق الانفراد بفهم الإسلام والوصاية السياسية والبرلمانية على مختلف التيارات؟) وهكذا يصر حيدر على المكابرة وتضليل القراء فأنا لم أشترط لممارسة أي حزب للعمل السياسي إلا شرطاً واحداً هو الالتزام بالنظام العام الذي يقرره الشعب بإرادته الحرة وهو شرط تشترطه كل دول العالم الديمقراطية الغربية والشرقية فما هي الموانع والمحاذير والأحكام التي يتحدث عنها حيدر والتي ستحول دون تفاعل تلك الأحزاب مع الحياة السياسية؟ وما هي الوصاية التي تريد فرضها الحركة السلفية على غيرها من التيارات مع أنها أول حركة كويتية وخليجية تقدمت منذ ثلاث سنوات بوثيقة دعت فيها كل القوى السياسية وبلا استثناء إلى إقرار مبدأ التعددية السياسية وإشهار الأحزاب؟ ثم من قال بأن كل الأحزاب الديمقراطية والوطنية في العالم العربي ضد الإسلام والشريعة الإسلامية؟ إن أكبر الأحزاب السياسية في مصر ـ مثلاً ـ ليست أحزاباً علمانية وإن لم تكن أيضاً أحزاباً إسلامية بالمصطلح السياسي غير أنها ترى ضرورة استكمال تطبيق الشريعة الإسلامية لإصلاح الخلل التشريعي الذي مازال يمثل مظهراً من مظاهر الاستعمار الغربي الذي فرض قوانينه على الشعوب العربية والإسلامية بالقوة فكل الأحزاب الرئيسية التقليدية في مصر كالحزب الوطني وحزب الوفد وحزب العمل تقر بأن دين الدولة الإسلامية والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع بل وترفع شعار تطبيق الشريعة الإسلامية ولهذا تجد تأييداً شعبياً بل ودعماً من بعض علماء الأزهر الذين انضم بعضهم للحزب الوطني وبعضهم لحزب الوفد وبعضهم لحزب العمل وكذا الحال في السودان فأكبر الأحزاب هناك وهي حزب الأمة بزعامة المهدي والحزب الوطني الديمقراطي بزعامة المرغيني وحزب الجبهة القومية كلها كانت ترفع شعار الإسلام والعمل من أجل أسلمة القوانين بل إن التجربة البرلمانية الكويتية أثبتت أن الأغلبية الساحقة من أعضاء مجلس الأمة مع تعديل المادة الثانية لتصبح الشريعة الإسلامية مصدر التشريع الوحيد وهناك شبه إجماع شعبي على هذه القضية وقد صوت 47عضواً في مجلس الأمة الكويتية مع تعديل المادة الثانية ولم يكن عدد النواب الإسلاميين آنذاك يشكل أقلية فضلاً عن أكثرية مما يؤكد أن الأغلبية من الشعوب الإسلامية تريد الإسلام والشريعة الإسلامية وهذا ما لا يريد حيدر الاعتراف به ولهذا يصور الموضوع على أنه صراع بين الإسلاميين والديمقراطيين مع أن الصراع هو بين الشعوب الإسلامية التي تريد الإسلام واسترجاع هويتها المسلوبة وأقلية علمانية تقف تارة مع الأنظمة الدكتاتورية وتارة مع الأنظمة العسكرية وتارة مع الاستعمار الأجنبي من أجل فرض العلمانية وترسيخها في العالم العربي والإسلامي والحيلولة دون عودة الإسلام من جديد!

إن أكبر أزمة تواجهها الأمة الإسلامية منذ سقوطها تحت الاستعمار الغربي هي زمة الهوية والمجدأزماززيتبسمنتبنشمتينسأزمة الهوية والمرجعية حيث فرض الاستعمار العلمانية على العالم الإسلامي فرضاً بالقوة العسكرية وعمل على إقصاء الشريعة الإسلامية والحيلولة دون تطبيقها من جديد وهذا ما اعترف به عمداء كليات الحقوق والقانون في الجامعات العربية في مؤتمرهم سنة 1974م في بغداد حيث جاء في توصياتهم: (إن الشريعة الإسلامية قد أثبتت صلاحيتها لحكم البلاد الإسلامية كنظام قانوني شامل وأن انحسار مجال تطبيقها بعد صدور التقنيات الحديثة في أغلب البلاد العربية ليس راجعاً إلى قصور في أحكامها بل يرجع إلى أسباب عدة منها ما قام به الاستعمار من فرض قوانينه وأن استكمال مقومات الشخصية القومية العربية يقتضي الرجوع إلى هذه الشريعة والاعتماد عليها كمصدر أساسي للقانون العربي الموحد).

فهذه شهادة أهل الاختصاص من رجال القانون في هذا الموضوع تؤكد أن استكمال مقومات الهوية العربية يقتضي الرجوع إلى الشريعة كمصدر للقوانين وأن الاستعمار الغربي هو الذي قام بإقصائها وقد أدرك هذه الإشكالية وأن الأزمة التي يعيشها العالم الإسلامي هي أزمة هوية البرفسور الأمريكي (جون سبوزيتو) أستاذ الأديان والشئون الدولية ورئيس المجلس الأمريكي لدراسة المجتمعات الإسلامية في الخارجية الأمريكية سابقاً حيث قال: (إن بعض الغربيين يقولون أنه إذا تحسن الاقتصاد فلن يكون للحركات الإسلامية أي بروز لكن أولئك لا يفهمون القضية فهماً صحيحاً ولا يدركون أن المسلمين يريدون هوية إسلامية ولذلك فلا بد من النظر إلى أن تلك الحركات ستقوى وستستمر وسيصبح الإسلام جزء من المؤسسات الدستورية) وقال أيضاً عن أسباب النظرة العدائية الغربية للحركات الإسلامية: (عندما ينظر علماء الغرب إلى الحركات الإسلامية فإنهم يعدونها شيئاً خطيراً وهذه النظرة يعززها تعاملهم مع الطبقة العلمانية في تلك المجتمعات التي بطبيعة الحال تشوه صورة تلك الجماعات) وهذا تماماً ما يقوم به حيدر الذي ليس له قضية منذ أن عرفناه إلا التحذير من خطر الحركات الإسلامية والتبشير بالعلمانية بل والتشكيك في صلاحية الشريعة الإسلامية كما في مقال (حوار مع حاكم المطيري) في الوطن 14/9/1999م عندما قال: (كيف يمكن الجمع بين تطوير الاقتصاد والانفتاح على العالم وتطبيق الشريعة في الوقت نفسه؟) مما يؤكد أن مشكلة حيدر ليست مع الحركة السلفية بل مع الأمة الإسلامية التي تريد التحاكم إلى شريعتها واستعادة هويتها تلك الشريعة التي يشكك حيدر في صلاحيتها بينما قال عنها المستشرق الروسي (ليونيد سوكانين) أستاذ معهد القانون بأكاديمية العلوم الروسية: (أنا مؤمن بأن المبادئ القانونية الأساسية في الشريعة الإسلامية كمقاصدها وكلياتها تمثل قيماً أبدية خالدة ولا أشك في أن التشريع الإسلامية صالح لكل زمان ومكان أما الاستفادة من هذا الرصيد الكامن فيتوقف على المسلمين أنفسهم) فسبحان من ألهمها ليونيد الروسي وحرم منها حيدر الكويتي!

ومع وضوح هذه الأزمة التي تعيشها الأمة الإسلامية التي لم تتحرر من سيطرة الاستعمار من جهة وهيمنة الاستبداد من جهة أخرى منذ سقوط الخلافة العثمانية إلى يومنا هذا ومع إدراك كثير من الغربيين أنفسهم جذور المشكلة التي تتمثل في غياب الهوية والمرجعية مع كل ذلك يصر حيدر على الاستخفاف في هذا الموضوع مصادراً حق الشعوب العربية والإسلامية بالحرية وحقها في وضع ما تشاء من النظم التي تعبر عن هويتها كل ذلك بدعوى الخوف على حق الأقلية العلمانية!

وقد عبر الأستاذ محمد عابد الجابري عن هذه الإشكالية في كتابه (وجهة نظر) ص 102 – 105 حيث قال: (من الواجب استبعاد شعار العلمانية من قاموس الفكر القومي العربي وتعويضه بشعاري الديمقراطية والعقلانية فهما اللذان يعبران عن حاجات المجتمع العربي… إن هذه الفكرة أي العلمانية غريبة تماماً عن الدين الإسلامي وأهله فالدين الإسلامي ليس فيه سلطة روحية من اختصاص فريق وسلطة زمنية من اختصاص فريق آخر فطرح شعار العلمانية في مجتمع يدين أهله بالإسلام هو طرح غير مبرر وغير مشروع ولا معنى له… فعبارة فصل الدولة عن الدين عبارة غير مستساغة إطلاقاً في مجتمع إسلامي لأنه لا معنى في الإسلام لإقامة التعارض بين الدين والدولة إن هذا التعارض لا يكون له معنى إلا حيث يتولى أمور الدين هيئة منظمة تدعي لنفسها الحق في ممارسة سلطة روحية على الناس في مقابل سلطة زمنية تمارسها الهيئة السياسية وهي الدولة فمسألة العلمانية في الوطن العربي مسألة مزيفة إن الحاجة إلى الاستقلال في إطار هوية قومية واحدة والحاجة إلى الديمقراطية التي تحترم حقوق الأقليات والحاجة إلى الممارسة العقلانية للسياسة هي حاجات موضوعية فعلاً ومطالب معقولة وضرورية في وطننا العربي ولكنها تفتقد معقوليتها وضروريتها بل ومشروعيتها عندما يعبر عنها بشعار العلمانية … فإنه لا الديمقراطية ولا العقلانية تعنيان بصورة من الصور استبعاد الإسلام.. إعادة تأسيس الفكر القومي على مبدأي الديمقراطية والعقلانية بدل مبدأ العلمانية وإحلال الإسلام المكانة التي يجب أن يحتلها في النظرية والممارسة تلك من جملة الأسس التي يجب أن تنطلق منها عملية بناء الفكر القومي العربي) انتهى كلام الجابري الذي عده حيدر في حواره رقم 6 من كبار المفكرين العرب وقد شخص الجابري المشكلة تشخيصاً صحيحاً وهو يناقض تماماً ما ينادي به حيدر الذي يرى ضرورة العلمانية للعالم العربي والإسلامي وضرورة الأخذ بالليبرالية بمفاهيمها الغربية مهما اصطدمت بأحكام الشريعة الإسلامية؟!!

اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.