مقالات فؤاد أبو الغيث

اليقين أو موت الليث

إن الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا من يهده الله ؛ فلا مضل له ، ومن يضلل ؛ فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، أما بعد :
اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ؛ فاطر السموات والأرض ؛ عالم الغيب والشهادة ؛ أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون : اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم .
هذا الجواب على ما أورده أخي الأستاذ رائد بن محمد السمهوري – وفقه الله وسدده – في مقاله ( ابتلاع الليث فريسته بعد الميث ) ، وقد سميت هذا الجواب ( اليقين ) ؛ لأني – ولله الحمد – على مثل اليقين مما أقوله ، ومن غلط السمهوري على شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – . وقد جعلته في جدول تسهيلاً للناظر فيه ، ومن أهم محتوياته :
● لا خلاف في أن عقوبة الدنيا المشروعة من الهجران إلى القتل لا تمنع أن يكون المعاقب عدلاً أو رجلاً صالحًا ، كما بين شيخ الإسلام ؛ لأن غرض العقوبة قد يكون دفع فساد الاعتداء ، والمعاقَب متأوِّلاً، ولكن هذا لا ينطبق على مسألتنا .
● السمهوري يفترض في الرجل الذي يشوش بالجهر بالنية أنه يقول : صحيح أن الرسول لم يأمر به ، ولكنه لم ينه عنه ، وهذا يقتضي أنه يجيزه، والرجل يوجبه ، فاحتمال هذا القول من الرجل غير وارد ؛ فإن أورده لجهله ؛ فيجاب عنه بما رد به على السمهوري .
● ليس الكلام على حال الرجل المذكور قبل تعريفه الشريعة وإزالة شبهته ، وإنما عن حاله بعد ذلك …
● تبديل شرع الله يكون بالإضافة كما يكون بالتغيير .
● تحريم الجهر بالنية في الصلاة مقطوع به .
● أدلة منع الجهر بالنية قاطعة ، لا تبقى معها شبهة .
● الكتابة في الصحف والمواقع الإلكترونية ليست مجرد إعلان رأي .
● لو كان معنى الداعية إلى البدعة هو المعلن بها لكان معنى قوله : ( ولكن توبته قبل هذا تحتاج إلى ضد ما كان عليه ؛ من الدعاء إلى الهدى …إلخ ) الإعلان بأنه على السنة ، وهذا خلاف الظاهر!!
● سبب الاشتباه : أن كل داعية معلن ، وليس كل معلن داعية .
● الكفر يقتل به غير الداعي ، ولكن ليس من هذا الباب الذي يجري عليه الكلام ، وهو قتل المبتدع ، وإنما من باب قتل المرتد ، وهذا قد قلته في الغصة ، وقد أورده السمهوري في الميث ، ولكن لم يفده أي معنى !!!
● معنى (كون التعزير غير مقدر) أنه يختلف من حيث الجنس والقدر ؛ بحسب كبر الذنوب وصغرها ، وبحسب حال المذنب ، وبحسب حال الذنب في قلته وكثرته ؛ فإذا كان التعزير بالقتل ؛ وجب أن يكون على ذنب مغلظ ، وعلى هذا يسير شيخ الإسلام ابن تيمية ، فليس في كلامه جواز قتل المبتدع بدعة غير مغلظة .
الموضوع رأي السمهوري ملحوظات وأسئلة لاختبار الفهم رأي فؤاد ملحوظات وجواب سؤال اختبار الفهم
معنى قول الدكتور عبد العزيز قاسم : ( يا رائد السمهوري الرجل أجاب على سؤالك في آخر فقرته، وهي بالمناسبة ليست رياضيات فعلا ، 1+1=2 فعالم الأفكار ليست كعالم الأرقام ) قال لك الرجل: إن ما كتبته يا فؤاد أنت شخصيًا هو ليس رياضيات! وعللها لك بأن عالم الأفكار ليس هو عالم الأرقام.
وكأن الأخ فؤاد لا يكفيه أن يقول له قاسم إن ما كتبه فؤاد ليس رياضيات فعلاً أي أنه نفى أن ما كتبه فؤاد نفسه (الرياضي المرعب) هو رياضيات! ما المراد بالضمير (هي) في كلام الدكتور عبد العزيز قاسم ؟ كنت طلبت الحكم على : استعمال العددين 1 و 0 في جملة رياضية أنشأها السمهوري ، وحكم كتابة (ك = 1) ثم استبدال عبارة ( ك1) بعبارة ( ك = 1 ) ؛ فاعتبر السمهوري تعليق الدكتور عبد العزيز المذكور جوابًا على ذلك ، وإنما قال الدكتور عبد العزيز هذا الكلام تعليقًا على مطالبته بالإجابة على سؤاله بنعم أو لا !! هي : يعني المسألة موضوع البحث .
اتهام السمهوري أبا الغيث بأنه أدخل كلامه في كلام ابن تيمية دون تمييز كان مثال السمهوري لذلك قبل الغصة قولي : والجاهر بنيّته معتقدًا وجوبها لا شبهة له في خطاب الرسول ، وإنما قد يشتبه عليه بقول بعض المتأخرين من أتباع الأئمة : إن اللفظ بالنية واجب ، وليس الجهر بها ، ومع هذا ؛ فهذا القول خطأ صريح مخالف لإجماع المسلمين ، ولما علم بالاضطرار من دين الإسلام عند من يعلم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه . فمن يشوش على الصفوف الذي حواليه بالجهر بالنية ، وينكر عليه بأن : هذا الذي تفعله ما هو من دين الله ، وأنت مخالف فيه السنة، فلا يرجع ، ويقول: هذا دين الله الذي بعث به رسله ، ويجب على كل مسلم أن يفعل هذا ؛ يجب تعريفه الشريعة ، واستتابته من هذا القول ؛ فإن أصر على ذلك ؛ قتل . فهذا محل الخلاف ، وليس حاله قبل تعريفه الشريعة ، وإزالة شبهته ، واستتابته من هذا القول . “.
أما هذا النص الملوّن بالأحمر فقد ذكره (المروّض) أبو الغيث بعد كلام ابن تيمية كأنه من كلام ابن تيمية!! ولكنه كلام أبو الغيث أدخله على نص ابن تيمية!! دون أن يشير أو ينبه وقد أجبت عن هذا في الغصة فقلت : قد حبرت هذا الكلام دون كلام ابن تيمية الطويل قبله ، والذي بدأ بالسؤال ثم الجواب وأوله الحمد لله ، وانتهى بقوله : والله أعلم . فلم أدخل كلامي على كلام ابن تيمية، ولا فيه !! وإنما علقته بعد كلامه محبرًا مميزًا عنه !! 
غيَّر السمهوري المثال بعد الغصة فقال : ظن الأخ فؤاد أنه بما أعلنه بتحبير كلامه تمييزًا له عن كلام ابن تيمية أنه بهذا يقيم الحجة عليّ حين وصفته بعدم الدقة، والواقع أنه خالف كلامه ولم يميّز كلامه تحبيرًا عن كلام ابن تيمية كما ادّعى بل خالف كلامه مخالفة صريحة.
وسآتي بما يدل على كلامي هذا، يقول أبو الغيث:
” والسمهوري أدخل الدعوة إلى البدعة ، وهو المعنى الشامل ، في معنى الإعلان والجهر والإظهار ، وأهمل معنى الطلب الزائد على مجرد الإعلان والجهر والإظهار، وظاهر كلام شيخ الإسلام الذي بين فيه مأخذ قتل المبتدعة أن لقتلهم مأخذين ؛ الثاني منهما : ما في الدعاء إلى البدعة من إفساد لدين الناس ؛ أن مراده ( الدعاء ) بالمعنى المعروف في القرآن وفي لسان العرب ، وهو الطلب ، قال : ( والمأخذ الثاني : لما في الدعاء إلى البدعة من إفساد دين الناس ، ولهذا كان أصل الإمام أحمد وغيره من فقهاء الحديث وعلمائهم ؛ يفرقون بين الداعي إلى البدعة ، وغير الداعي في رد الشهادة ، وترك الرواية عنه ، والصلاة خلفه ، وهجره , ولهذا ترك في الكتب الستة ومسند أحمد الرواية عن مثل : عمر وابن عبيد ، ونحوه ، ولم يترك عن القدرية الذين ليسوا بدعاة ، وعلى هذا المأخذ ؛ فقتلهم من باب قتل المفسدين المحاربين ؛ لأن المحاربة باللسان ؛ كالمحاربة باليد ، ويشبه قتل المحاربين للسنة بالرأي ؛ قتل المحاربين لها بالرواية ، وهو قتل من يتعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قتل النبي الذي كذب عليه في حياته , وهو حديث جيد ؛ لما فيه من تغيير سنته .
والمحاربة أكثر من مجرد الإعلان والجهر والإظهار …”
نلاحظ أن:
النص كله محبّر
النص مزج بين كلام أبو الغيث وكلام ابن تيمية!
فأين التفريق في التحبير بين كلام أبو الغيث وابن تيمية؟!
جملة:”والمحاربة أكثر من مجرد الإعلان والجهر والإظهار”.
هي جملة أبو الغيث المحبّرة أدخلها على كلام ابن تيمية المحبّر! هل سبب الاتهام واحد؟ ! هنا أردت تمييز كلام ابن تيمية بـ(قال) وحصره بين قوسين إلا أني سهوت عن وضع قوس انتهاء الكلام ، ومع ذلك فلا أظن أن أحدًا لم يميز بين كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وكلامي وازن بين أمثلة فؤاد لقلة الدقة في كلام السمهوري ، وأمثلة السمهوري لعدم الدقة في كلام فؤاد فيما سبق ، وفيما سيأتي.
سبب القتل في قول ابن تيمية في جوابه عن حكم من يشوش على الصفوف الذي حواليه بالجهر بالنية ، وأنكر عليه ، ولم يرجع، وقال له إنسان : هذا الذي تفعله ما هو من دين الله ، وأنت مخالف فيه السنة. فقال : هذا دين الله الذي بعث به رسله ، ويجب على كل مسلم أن يفعل هذا، ويقول للمنكرين عليه كل يعمل في دينه ما يشتهي ؟
= يجب تعريفه الشريعة ، واستتابته من هذا القول ، فإن أصر على ذلك ؛ قتل الأخ فؤاد ينتقي من كلام ابن تيمية ما يشاء ويترك ما يشاء.
يقول ابن تيمية:” فهذا أصل عظيم أن عقوبة الدنيا المشروعة من الهجران إلى القتل لا يمنع أن يكون المعاقب عدلًا، أو رجلًا صالحًا كما بينت من الفرق بين عقوبة الدنيا المشروعة والمقدورة، وبين عقوبة الآخرة،واللّه سبحانه أعلم”. (مجموع الفتاوى 10: 377). فهذا تصريح وبيان من ابن تيمية بأنه قد يعاقب الرجل العدل والصالح بأنواع العقوبات المقدور عليها من الهجر إلى القتل دون أن يخل ذلك في عدالته وصلاحه. فليس كل من حكم عليه بالاستتابة والقتل هو بالضرورة مرتدًا، تمامًا كحال الجاهر بنيّته. هل أقوال ابن تيمية التي يوردها السمهوري واردة على محل واحد ، وهل ينتقي أبو الغيث مما ورد على محل واحد ما يشاء ويترك ما يشاء ؟! لا خلاف في أن عقوبة الدنيا المشروعة من الهجران إلى القتل لا تمنع أن يكون المعاقب عدلاً أو رجلاً صالحًا ، كما بين شيخ الإسلام ؛ لأن غرض العقوبة قد يكون دفع فساد الاعتداء ، والمعاقب متأولاً، ولكن هذا لا ينطبق على مسألتنا ، كما سيأتي أقوال ابن تيمية التي يوردها السمهوري ليست واردة على محل واحد
استدلال أبو الغيث بكلام ابن تيمية في الشرع المنزّل والمؤوّل والمبدّل لا يجوز إنزاله على الجاهر بنيّته معتقدًا وجوبه إلا بدليل، لأنه هنا لا يفتري ما يعلمه كذبًا على الله ورسوله ولا يهدف إلى تبديل الدين، بل يرى أن ما فعله هو الدين! هل يرد ما يقوله السمهوري على محل النزاع ؟ هذا محتمل قبل تعريفه الشريعة ، وإزالة شبهته ، واستتابته من هذا القول ، وقد سبق في الترويض التنبيه على أن الكلام عن حاله بعد ذلك ، وليس قبله ما يقوله السمهوري لا يرد على محل النزاع
هل للرجل الذي ورد الجواب السابق عليه = شبهة في خطاب الرسول ، وهل يرى ابن تيمية أن له شبهة في خطاب الرسول بإمكان الجاهر بنيّته المعتقد بوجوبها ـ على الرغم من أني لا أتفق مع هذا القول ـ أن يقول: إن عدم الثبوت لا يعني ثبوت العدم، وصحيح أن الرسول لم يأمر بالجهر بالنية في الصلاة ولكنه لم ينه عنه. ينظر : الفرق بين مقتضى الشبهة ، وقول الرجل قال الرجل : هذا دين الله الذي بعث به رسله ، ويجب على كل مسلم أن يفعل هذا ، وكذلك تلاوة القرآن يجهر بها خلف الإمام.
والسمهوري يفترض أنه يقول : صحيح أن الرسول لم يأمر به ، ولكنه لم ينه عنه ، وهذا يقتضي أنه يجيزه ، والرجل يوجبه ، فاحتمال هذا القول من الرجل غير وارد ؛ فإن أورده لجهله ؛ فيجاب عنه بما رد به على السمهوري . 
ولئن رفع رسول الله صوته بالنية في الحج قائلاً: خذوا عني مناسككم، والأمر يقتضي الوجوب، فإني أستفيد أن الجهر بالنية واجب بهذا، وأقيس نية الصلاة عليه. بالطبع أنا لا أقول بهذا القول، ولكنه ممكن عقلاً أن يشتبه الأمر على إنسان بهذه الطريقة. من الأمثلة على مدى دقة السمهوري قول السمهوري على لسان الرجل : ( ولئن رفع رسول الله صوته بالنية في الحج قائلاً: ( خذوا عني مناسككم ) خطأ ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرفع صوته بالنية قائلاً : ( خذوا عني مناسككم ) ، بل قال : ( لبيك اللهم عمرة وحجاً ) ، وقد قال : ( خذوا عني مناسككم ) ، ورفع الصوت بالنية في الحج جاء على خلاف الأصل ؛ فلا يقاس عليه ، وهذه ليست شبهة في خطاب الرسول المتعلق بالصلاة 
فليس هذا من الشرع المبدّل لأنه لا نص في تحريم الجهر قطعيًا فبدّله الجاهر ما معنى الشرع المبدل ؟ تحريم الجهر بالنية في الصلاة مقطوع به ، وإن لم يكن نصًا، كما سيأتي ، على أنه ليس معنى الشرع المبدل أن يبدل النص فقط . بل يشمل أيضًا الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فمن قال : إن هذا من شرع الله ؛ كذبًا وافتراء ؛ فقد شرع ما لم يأذن به الله ، كما قال الرجل : هذا دين الله الذي بعث به رسله ، ويجب على كل مسلم أن يفعل هذا . وفي هذا تبديل للشرع بغيره ؛ لأن المشروع النية بالقلب أو الإسرار بالنية . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في القواعد الفقهية النورانية : ( والترك الراتب سنة ، كما أن الفعل الراتب سنة ، بخلاف ما كان تركه بعدم مقتض أو فوات شرط أو وجود مانع ، وحدث بعده من المقتضيات والشروط وزوال المانع ما دلت الشريعة على فعله حينئذ ؛ كجمع القرآن في المصحف وجمع الناس التراويح على إمام واحدا وتعلم العربية وأسماء النقلة للعلم وغير ذلك مما يحتاج إليه في الدين بحيث لا تتم الواجبات أو المستحبات الشرعية إلا به وإنما تركه صلى الله عليه وسلم لفوات شرطه أو وجود مانع
فأما ما تركه من جنس العبادات مع أنه لو كان مشروعا لفعله أو أذن فيه ولفعله الخلفاء بعده والصحابة فيجب القطع بأن فعله بدعة وضلالة) التبديل يكون بالإضافة كما يكون بالتغيير
ولكن المسألة أنه لم يثبت وعدم الثبوت لا يعني ثبوت العدم . فكما لم يثبت عن النبي الأمر به ، فكذلك لم يثبت عنه النهي عنه. ينظر : الفرق بين مقتضى الشبهة ، وقول الرجل هذا الذي قاله السمهوري على لسان الرجل يناسب حاله لو كان يقول بجواز الجهر بالنية في الصلاة لا بوجوبه . أمعن السمهوري في الكلام الذي لا يناسب حال الرجل
إن مجموع كلام ابن تيمية يفيد أنه يعزّر التعزير البليغ على هذه البدعة، ولو وصل الأمر إلى القتل. وهكذا فابن تيمية هنا يأمر بقتل رجل في بدعة فقهية متعلقة بالنية في الصلاة وليست متعلقة بأصول الإيمان. متى يصل التعزير على الجهر بالنية في الصلاة إلى القتل ، ومتى لا يصل ؟ التعزير على هذه البدعة لا يصل إلى القتل ، وقد سبق في مقالاتي أن للجهر بالنية في الصلاة أحوال ، وأن الكلام على سبب القتل في هذه الحالة المعينة ، وأنه ليس لمجرد الجهر بالنية ، ولا للإصرار على ذلك ، بل للإصرار على القول بوجوبه بعد تعريفه الشريعة وإزالة شبهته ، وإذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية قال عن القول بأن اللفظ بالنية واجب : (هذا القول خطأ صريح مخالف لإجماع المسلمين ، ولما علم بالاضطرار من دين الإسلام عند من يعلم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه ، وكيف كان يصلي الصحابة والتابعون ؛ فإن كل من يعلم ذلك يعلم أنهم لم يكونوا يتلفظون بالنية ، ولا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ولا علمه لأحد من الصحابة .
ومن المعلوم أن الهمم والدواعي متوفرة على نقل ذلك لو كان ذلك، وأنه يمتنع على أهل التواتر عادة وشرعًا كتمان نقل ذلك ، فإذا لم ينقله أحد ؛ علم قطعًا أنه لم يكن )؛ فكيف بالقول بأن الجهر بالنية واجب ؟!! تحريم الجهر بالنية في الصلاة مقطوع به
وكل ما سنردّ به على من اشتبه عليه أمر الجهر بالنية فهو صحيح غير أن هذا لا يزيل أن له شبهة تصرف عنه الاتهام بالردة لماذا ؟ وعلام يدل هذا ؟! سبق أنه ليس الكلام على حاله قبل تعريفه الشريعة وإزالة شبهته ، وإنما عن حاله بعد ذلك … هذا يدل على أن أدلة منع الجهر بالنية قاطعة ، وأنه لا تبقى له شبهة
لاسيّما إذا علمنا من حاله ما ورد في السؤال عنه وهو هذا: ” سُئِلَ: عَنْ رَجُلٍ قِيلَ لَهُ: لَا يَجُوزُ الْجَهْرُ بِالنِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: صَحِيحٌ أَنَّهُ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَمَرَ بِهِ، لَكِنْ مَا نَهَى عَنْهُ، وَلَا تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ جَهَرَ بِهَا.
ثُمَّ إنَّهُ قَالَ: لَنَا بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ، وَبِدْعَةٌ سَيِّئَةٌ، وَاحْتَجَّ بِالتَّرَاوِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا جَمَعَهَا، وَلَا نَهَى عَنْهَا”. (الفتاوى الكبرى 1: 285).
فهذه أيضًا من الشبَه التي يعتمد عليها الجاهر بالنية. وهو ما يصرفه عن أن يكون مرتدًّا كما يزعم الأخ العزيز. ما مرجع الضمير في (حاله) و (عنه) ؟ هذا سؤال آخر ، وكلام السمهوري يوهم أن الضمير في (حاله) و(عنه) يعود إلى حال الرجل الذي كان السؤال عنه فيما تقدم … وأظنه إذا قيل له : إن هذا غير ذاك ؛ يقول : إنما عنيت من اشتبه عليه أمر الجهر بالنية ، وقد سبق مرارًا أن الكلام ليس على كل من جهر بالنية ، وإنما الكلام على من يشوش على الصفوف الذي حواليه بالجهر بالنية ، وأنكر عليه ، ولم يرجع، وقال له إنسان : هذا الذي تفعله ما هو من دين الله ، وأنت مخالف فيه السنة. فقال : هذا دين الله الذي بعث به رسله ، ويجب على كل مسلم أن يفعل هذا، ويقول للمنكرين عليه كل يعمل في دينه ما يشتهي ؟
فقال شيخ الإسلام عنه : … يجب تعريفه الشريعة ، واستتابته من هذا القول ، فإن أصر على ذلك ؛ قتل … هذه حالة أخرى لا تنطبق على الحالة التي هي محل البحث
مراد ابن تيمية بالداعية إلى بدعته فالمعلن لبدعته والمجاهر بها والذي يكتب عنها في الصحف لا يشترط أن يطلب من الناس اتباعه، وإعلانه لبدعته قد يقنع الناس بما يقول ويكون بهذا قد أضلّهم! ويكونون بهذا قد اتبعوه على بدعته!.
فكثيرٌ من الكتّاب ممّن ليسوا على منهج السلف يكتبون في الصحف وفي المواقع الإلكترونية آراءهم المخالفة لما عليه أئمة السلف ولا يقتضي هذا أن يطلبوا من أحد اتباعهم، ومع هذا فإن كلامهم يؤثر في المتلقين ويصبح لهم أتباع وجمهور وأنصار!
أي أنهم يضلون الناس بهذا الإعلان! هل الكتابة في الصحف والمواقع الإلكترونية مجرد إعلان رأي ؟! لا يشترط في الدعوة أن تكون بلفظ ( الطلب ) ، وما قرره السمهوري من تأثير لكلام الكتاب فيمن يلقون ويوصلون كلامهم إليهم هو نوع من الدعوة ، وليس مجرد إعلان ، وإلا فما فائدة إعلان الرأي بالكتابة في الصحف والمواقع الإلكترونية ؟! الكتابة في الصحف والمواقع الإلكترونية ليست مجرد إعلان رأي
نصوص ابن تيمية الستة التي أتيت بها كان ابن تيمية يصرّح فيها بأن الفرق بين الداعية وغير الداعية عند السلف هو (الإعلان)!
فمن ذلك قول ابن تيمية:” :” ولهذا يفرقون بين الداعية وغير الداعية؛ لأن الداعية أظهر المنكرات، فاستحق العقوبة، بخلاف الكاتم” (مجموع الفتاوى 28: 205). هل في النصوص التي أوردها السمهوري تصريح بأن الفرق بين الداعية وغير الداعية هو الإعلان ؟! لا خلاف في أن المبتدع الداعية إلى بدعته : معلن لها ، مجاهر بها ، مظهر لها، ولكن الخلاف في مراده بالدعاء إلى البدعة في النص الذي بين فيه مأخذي قتل المبتدعة ، فقد وصف الدعوة إلى البدعة بالمحاربة باللسان ، ومعنى المحاربة أكثر من مجرد إظهار في نفسه : ( والمأخذ الثاني : لما في الدعاء إلى البدعة من إفساد دين الناس ، ولهذا كان أصل الإمام أحمد وغيره من فقهاء الحديث وعلمائهم ؛ يفرقون بين الداعي إلى البدعة ، وغير الداعي في رد الشهادة ، وترك الرواية عنه ، والصلاة خلفه ، وهجره , ولهذا ترك في الكتب الستة ومسند أحمد الرواية عن مثل : عمر وابن عبيد ، ونحوه ، ولم يترك عن القدرية الذين ليسوا بدعاة ، وعلى هذا المأخذ ؛ فقتلهم من باب قتل المفسدين المحاربين ؛ لأن المحاربة باللسان ؛ كالمحاربة باليد ، ويشبه قتل المحاربين للسنة بالرأي ؛ قتل المحاربين لها بالرواية ، وهو قتل من يتعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قتل النبي الذي كذب عليه في حياته , وهو حديث جيد ؛ لما فيه من تغيير سنته )
وقرر أن الداعية إلى البدعة هو من يطلب من غيره العمل بها ، أو بمعنى أدق وأشمل من يفسد أو يضل الناس بقوله أو بعمله، وليس هو من يظهرها ويعلن بها دون أن يدعو إليها أو يكون منه إفساد أو إضلال للناس بقوله أو بعمله ، وأن الدعوة في عرفهم بمعناها في اللغة ؛ ليس لها معنى يخالف معناها في اللغة ، حيث قال في الفتاوى (16/23) : (وأيضا فالداعي إلى الكفر والبدعة ، وإن كان أضل غيره ؛ فذلك الغير يعاقب على ذنبه ؛ لكونه قبل من هذا ، واتبعه ، وهذا عليه وزره ووزر من اتبعه إلى يوم القيامة مع بقاء أوزار أولئك عليهم ، فإذا تاب من ذنبه لم يبق عليه وزره ، ولا ما حمله هو لأجل إضلالهم ، وأما هم فسواء تاب أو لم يتب حالهم واحد ؛ ولكن توبته قبل هذا تحتاج إلى ضد ما كان عليه من الدعاء إلى الهدى ، كما تاب كثير من الكفار وأهل البدع . وصاروا دعاة إلى الإسلام والسنة ) .
فلو كان معنى الداعية إلى البدعة هو المعلن بها لكان معنى قوله : ( ولكن توبته قبل هذا تحتاج إلى ضد ما كان عليه ؛ من الدعاء إلى الهدى …إلخ ) الإعلان بأنه على السنة !! النصوص التي أوردها السمهوري ليس فيها تصريح بأن الفرق بين الداعية وغير الداعية هو الإعلان !!
وإذا كان المقصود بالداعية عند ابن تيمية المعنى اللغوي كما يدّعي الأخ فؤاد؛ فإن هذا ينقضه التفريق بين الداعي وغير الداعي بالإعلان وهو نص صريح وقطعي على بطلان مدّعى أبو الغيث.
ونظمه منطقيًا هكذا:
الداعية في اللغة وعند ابن تيمية هو من يطلب من الناس اتباعه.
المعلن في اللغة وعند ابن تيمية ليس هو الداعية.
ولكن ابن تيمية يقول إن منهج السلف أن الفرق بين الداعية وغير الداعية هو الإعلان!
أي أن الداعية الطالب من الناس اتباعه في السر ليس داعية عند السلف!
ولكنه يطلب من الناس اتباعه سرًا فهو داعية في اللغة!
إذن:
الداعية في اللغة، ليس هو الداعية عند السلف!
بطريقة أخرى:
الداعية ليس المعلن.
ولكن الفرق بين الداعية وغير الداعية هو الإعلان!
أي أن الفرق بين من يطلب ومن لا يطلب هو الإعلان!
ولكن من يطلب سرًا ليس معلنًا!
والشرط في اعتباره داعية عند السلف هو الإعلان!
يقتضي أن من يطلب سرًا ليس داعية ..
ومن يطلب جهرًا هو داعية!!
وهذا خلف وتناقض!
لأن الداعية بالمعنى اللغوي لا يشترط فيه الإعلان!
فإن إبليس يدعو سرًا.
وكثير من الدعوات تحدث سرًا!
وكل هذا لا يعد دعوة عند ابن تيمية وعند السلف. ما العلاقة بين الداعية والمعلن ؟ لم يقل ابن تيمية إن منهج السلف أن الفرق بين الداعية وغير الداعية هو الإعلان! وإنما قال : إن الفرق أن الداعية أظهر البدعة بخلاف الكاتم والساكت ومن أخفاها وأسرها ، ولا يلزم من هذا أن يكون معنى الداعية عنده وعند السلف غير معناها في اللغة ؛ لأن الداعية إلى البدعة بالمعنى اللغوي أظهر البدعة ، وهو بخلاف الكاتم والساكت ومن أخفاها وأسرها ،
والداعية في السر داعية في اللغة وعند السلف ، وهو معلن بالبدعة ؛ إذ لم يسرها في نفسه. وسبب الاشتباه : أن كل داعية معلن ، وليس كل معلن داعية. كل داعية معلن ، وليس كل معلن داعية
الداعي في اللغة لا ارتباط لها بالإظهار! ولا الإسرار ألا ارتباط بين الدعوة والإظهار ؟! الداعي في اللغة ينافي الإسرار في النفس !! الدعوة والإظهار متلازمان
تقييد قتل الداعية إلى بدعته بكون البدعة مغلظة إما أن يكون الكفر أو الجحود كافيًا بمجرده للتعزير بالقتل أو غير كاف بمجرده.
إن كان كافيًا بمجرده فإن الأستاذ فؤادًا محجوج بدعواه في قتل الجاهر بنيّته لأن المأخذ في قتله ـ عنده ـ هو الكفر. لأن هذا ينقض عليه الشرط الثاني: وهو الدعوة.
وإن لم يكن كافيًا بمجرده، فهو محجوج أيضًا بقول ابن تيمية بقتل الجاهر بنيّته بلا إضافة المأخذ الثاني الذي هو الدعوة.
فثبت على كلا الاحتمالين أن الأخ فؤادًا متناقض. ما علاقة القتل بالكفر بموضوع البحث ؟ الكفر يقتل به غير الداعي ، ولكن ليس من هذا الباب الذي يجري عليه الكلام ، وهو قتل المبتدع ، وإنما من باب قتل المرتد ، وهذا قد قلته في الغصة ، وقد أورده السمهوري في الميث ، ولكن لم يفده أي معنى !!! لا علاقة للقتل بالكفر بموضوع البحث
إن قراءة أبو الغيث للنص ليست قطعية بل هو يظن ظنًّا يعكّره عليه قول ابن تيمية:” وَالْأَئِمَّةُ الَّذِينَ أَمَرُوا بِقَتْلِ مِثْلِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ رُؤْيَةَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ، وَيَقُولُونَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، قِيلَ إنَّهُمْ أَمَرُوا بِقَتْلِهِمْ لِكُفْرِهِمْ، وَقِيلَ لِأَنَّهُمْ إذَا دَعَوْا النَّاسَ إلَى بِدْعَتِهِمْ أَضَلُّوا النَّاسَ، فَقُتِلُوا لِأَجْلِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَحِفْظًا لِدِينِ النَّاسِ أَنْ يُضِلُّوهُمْ”. (مجموع الفتاوى 12: 524).
فهذا تفريق واضح وصريح عند السلف الذين أمروا بقتل المبتدعة بين:
المأخذ الأوّل: الكفر أو الجحود أو التغليظ.
والمأخذ الثاني: الدعوة وما يلزم عنها من الإفساد فالأرض [كذا] ، وحفظًا لدين الناس.
هكذا إذن!..
في المسألة قولان:
قيل: لكفرهم
وقيل: لأنه إذا دعوا الناس أضلوهم.
فدل هذا التقسيم على أن المأخذين غير مرتبطين كما يتوهّم أبو الغيث. هل يلزم من النص المذكور نفي التقييد بالتغليظ ؟ الكفر يقتل به ، ولا يرتبط بالدعوة ، ولكن هذا من باب قتل المرتد ، وليس مما نحن فيه . والمأخذ الثاني لا ينفي التقييد بالتغليظ ، لأن البدع المذكورة بدع مغلظة ، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية المأخذين وعطف بينهما بالواو ، وليس بأو ، وقال : قتل هؤلاء له مأخذان ، وهذا لا يعني احتمالين كما يفهم السمهوري ، وفي قول ابن تيمية ما يدل على أن في الدعوة إلى البدعة إضلال للناس ، وفساد في الأرض لا يلزم من النص المذكور نفي التقييد بالتغليظ
إن كون التعزير عقوبة غير مقدّرة لا ينافي التقييد بالتغليظ، ولكنه أيضًا لا يوجب هذا التقييد. بل الأمر موكول إلى تقدير الحاكم، لأنه عقوبة تعزيرية غير مقدّرة. ما معنى (أن التعزير عقوبة غير مقدرة ) ؟ يفهم السمهوري من كون التعزير غير مقدر أنه لا يتقيد إلا بالمصلحة ، وفي ذلك يقول : وإذا ثبت أن مناط كون المبتدع داعية هو الإعلان، وأنه يعاقب تعزيرًا، فإن التعزير أدنى درجاته الهجر وأعلاها القتل . وهذا شأن التعزير في كل ما يندرج تحته مما يُستحقّ عليه التعزير بغض النظر عن نوع الذنب والمعصية التي لا تقدير في الشرع لعقوبتها. كل مستحق للتعزير يجوز فيه القتل إذا اجتهد الحاكم ورأى في قتله مصلحة. وكل داعية إلى بدعة مستحق للتعزير. ينتج: كل داعية يجوز قتله إذا رأى الحاكم في قتله مصلحة . فقوله : ( بغض النظر عن نوع الذنب والمعصية …) غير صحيح ؛ لأن معنى (كون التعزير غير مقدر) أنه يختلف من حيث الجنس والقدر بحسب كبر الذنوب وصغرها ، وبحسب حال المذنب ، وبحسب حال الذنب في قلته وكثرته ؛ فإذا كان التعزير بالقتل وجب أن يكون على ذنب مغلظ ، وعلى هذا يسير شيخ الإسلام ابن تيمية ، فليس في كلامه جواز قتل المبتدع بدعة غير مغلظة . معنى (كون التعزير غير مقدر) أنه يختلف من حيث الجنس والقدر بحسب كبر الذنوب وصغرها ، وبحسب حال المذنب ، وبحسب حال الذنب في قلته وكثرته

2010

اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.