مقالات فؤاد أبو الغيث

سجال بين السمهوري وأبو الغيث : ترويض الليث

أهم المحتويات :
– حكم القدرية عند الإمام مالك
– السمهوري أدخل الدعوة إلى البدعة ، وهو المعنى الشامل ، في معنى الإعلان والجهر والإظهار ، وأهمل معنى الطلب الزائد على مجرد الإعلان والجهر والإظهار
– قال ابن تيمية : قتل المبتدع – بدعة غليظة – الداعية من باب قتل المفسدين المحاربين ؛ لأن المحاربة باللسان ؛ كالمحاربة باليد . اهـ والمحاربة أكثر من مجرد الإعلان والجهر والإظهار …
– الجاهر بنيّته معتقدًا وجوبها لا شبهة له في خطاب الرسول
– من أمثلة نقص الدقة في كلام السمهوري   
– بينت علة قتل من يشوش بالجهر بالنية ، ويقول: هذا دين الله الذي بعث به رسله ، ويجب على كل مسلم أن يفعل هذا ؛ استظهارًا ، ولم أنسب إلى ابن تيمية أنه صرح بهذه العلة ، ولم أقل : إنها منطوق كلامه ، كما يفعل السمهوري !!
– قياس السمهوري التعزير بالقتل على التعزير برد الشهادة والرواية بجامع أن كليهما عقوبة وتعزير ؛ فاسد !!
– استعمال السمهوري للأدوات الرياضية وقع فيه حشو ، واسألوا عبد العزيز قاسم أو عبد الغني الطنطاوي !!
– وأخيرًا : الجواب على سؤال الليث السمهوري !!
قال الأستاذ رائد السمهوري – وفقه الله – في رده ” انقضاض الليث على مغالطات أبي الغيث ” : ( إن ما كتبه لا علاقة له بالمنطق الصوري لا من قريب ولا من بعيد ؛ لأن المنطق يقوم على مقدّمات إذا سلّمها الخصم أدّت إلى نتائجها، ولا بد أن تكون المقدّمات مبنية على دليل وليس على مجرّد الدعاوى والمصادرات، كما أن للمنطق أشكالاً وضروبًا منتجة وغير منتجة ) .
ولم يذكر أن المقدّمات المبنية على دليل ، وليس على مجرّد الدعاوى والمصادرات، وأن الأشكال والضروب المنتجة ؛ ليست موجودة في الرد الذي كان بعنوان ” بيان غلط السمهوري على شيخ الإسلام المنصوري بالمنطق (الصوري ) ” ، وإن كان هذا هو مفهوم كلامه ، وسيتبين – إن شاء الله تعالى – بمناقشة نقضه لذلك الرد أو انقضاضه عليه ؛ أي المنطقين أقوم قيلاً ، وأهدى سبيلاً ، كما سيتبين – إن شاء الله تعالى – نصيب هذا الإنكار العام لمنطقية ذلك الرد من الصحة .
وقد جعلت كلامي محبرًا تمييزًا له ؛ ليسهل على الليث الانقضاض عليه . والله المستعان .
ضرب الليث السمهوري قبل أن يرد على بيان غلطه بالطريقة التي وصفها بالعجائبية – وقد صارت كذلك باستعماله لها !!- ضربة خاطفة معتادة منه ، وقد اعتدنا – بدورنا – على أن لا نترك مثل هذا يمر دون مناقشة ، وذلك حيث قال : ( أما تكفير القدرية فقد أنهيت مع الأخ فؤاد نقاشي فيها لأنها ليست موضوعنا، وهو يصر على الدخول فيها! ويحتج عليّ بحجج تفصيلية يريد مني نقاشها!
ويريد مني أن أقرّ بتكفيرهم .. مع أن الإمام مالكًا كان يدعو لقتل القدرية لإفسادهم لا لكفرهم كما صرّح ابن تيمية!) .
وهذا كلام ابن تيمية الذي قال السمهوري : إنه صرح فيه بأن الإمام مالكًا كان يدعو لقتل القدرية لإفسادهم لا لكفرهم ، قال كما في مجموع الفتاوى (28/346) : ( وجوز طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما : قتل الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة ، وكذلك كثير من أصحاب مالك، وقالوا : إنما جوز مالك وغيره قتل القدرية لأجل الفساد في الأرض لا لأجل الردة ) فلم يقل ابن تيمية بلسانه ولا بقلمه : إن الإمام مالكًا كان يدعو لقتل القدرية لإفسادهم لا لكفرهم ، كما يفهم من كلام السمهوري .
وحكم القدرية عند الإمام مالك وغيره فيه تفصيل ، كما يدل على ذلك قول شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (7 / 387) : (لما اشتهر الكلام في القدر ؛ ودخل فيه كثير من أهل النظر والعباد صار جمهور القدرية يقرون بتقدم العلم ، وإنما ينكرون عموم المشيئة والخلق . وعن عمرو بن عبيد في إنكار الكتاب المتقدم روايتان ، وقول أولئك كفرهم عليه مالك والشافعي وأحمد وغيرهم ) .
ويعني بأولئك : الذين ينكرون تقدم العلم .
وقوله (23/349) : ( وكذلك قال مالك رحمه الله والشافعي وأحمد في القدري : إن جحد علم الله كفر ، ولفظ بعضهم : ناظروا القدرية بالعلم ؛ فإن أقروا به خصموا ، وإن جحدوه كفروا . وسئل أحمد عن القدري : هل يكفر ؟ فقال : إن جحد العلم كفر ، وحينئذ فجاحد العلم هو من جنس الجهمية ).
أما المسائل التي قال : إنه سيرد عليها بالمثل فهي :
المسألة الأولى: هل الداعي هو المعلن.
وفيها ذكر أن دعا في القرآن ليست بمعنى أعلن .
وأن دعا عند ابن تيمية تعني أعلن (كما صرّح في أكثر من موطن) وذكر ستة نصوص عن ابن تيمية – رحمه الله – قال : إنه صرح فيها بأن الداعية هو المعلن والجاهر والمظهر .
واستنتج أن دعا عند ابن تيمية ليست بمعناها في القرآن !!!
ولا خلاف في أن المبتدع الداعية إلى بدعته : معلن لها ، مجاهر بها ، مظهر لها، ولكن الخلاف في مراده بالدعاء إلى البدعة في النص الذي بين فيه مأخذ قتل المبتدعة ؛ كما قتل الجعد بن درهم والجهم بن صفوان وغيلان القدري .
والسمهوري أدخل الدعوة إلى البدعة ، وهو المعنى الشامل ، في معنى الإعلان والجهر والإظهار ، وأهمل معنى الطلب الزائد على مجرد الإعلان والجهر والإظهار، وظاهر كلام شيخ الإسلام الذي بين فيه مأخذ قتل المبتدعة أن لقتلهم مأخذين ؛ الثاني منهما : ما في الدعاء إلى البدعة من إفساد لدين الناس ؛ أن مراده ( الدعاء ) بالمعنى المعروف في القرآن وفي لسان العرب ، وهو الطلب ، قال : ( والمأخذ الثاني : لما في الدعاء إلى البدعة من إفساد دين الناس ، ولهذا كان أصل الإمام أحمد وغيره من فقهاء الحديث وعلمائهم ؛ يفرقون بين الداعي إلى البدعة ، وغير الداعي في رد الشهادة ، وترك الرواية عنه ، والصلاة خلفه ، وهجره , ولهذا ترك في الكتب الستة ومسند أحمد الرواية عن مثل : عمر وابن عبيد ، ونحوه ، ولم يترك عن القدرية الذين ليسوا بدعاة ، وعلى هذا المأخذ ؛ فقتلهم من باب قتل المفسدين المحاربين ؛ لأن المحاربة باللسان ؛ كالمحاربة باليد ، ويشبه قتل المحاربين للسنة بالرأي ؛ قتل المحاربين لها بالرواية ، وهو قتل من يتعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قتل النبي الذي كذب عليه في حياته , وهو حديث جيد ؛ لما فيه من تغيير سنته .
والمحاربة أكثر من مجرد الإعلان والجهر والإظهار …
المسألة الثانية:
الجاهر بالنية يقتل ردّة أم تعزيرًا؟!
ذكر السمهوري قولي : ( الذي استدعى الاستتابة والقتل ليس مجرد الجهر بالنية . بل اعتقاده وجوب ذلك بدون موجب شرعي ، وقوله كما في السؤال : ( هذا دين الله الذي بعث به رسله، ويجب على كل مسلم أن يفعل هذا ) افتراء على الله ، وحكمًا بغير ما أنزل الله ، وتشريعًا لدين لم يشرعه الله ) .
ثم انقض عليه مناقضًا له بقوله : الجاهر بنيّته معتقدًا وجوبها بشبهة ؛ ظانًا أنها خطاب الرسل ، وأنه واجب شرعًا على كل مسلم ؛ ليس كافرًا خارجًا من الملة، مفتريًا حاكمًا بغير شرع الله عمدًا عن علم ؛ لأنه يعتقد أنه خطاب الرسول، ولا يرد ما أخبر به الرسول .
ونقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله :”والجهر بالنية لا يجب ولا يستحب باتفاق المسلمين، بل الجاهر بالنية مبتدع مخالف للشريعة، إذا فعل ذلك معتقدًا أنه من الشرع ؛ فهو جاهل ضال ، يستحق التعزير، وإلا العقوبة على ذلك إذا أصر على ذلك بعد تعريفه والبيان له، لاسيّما إذا آذى من إلى جانبه برفع صوته، أو كرر ذلك مرة بعد مرة فإنه يستحق التعزير البليغ على ذلك …”.
وقوله :”الجهر بالنية في الصلاة من البدع السيئة، ليس من البدع الحسنة، وهذا متفق عليه بين المسلمين، لم يقل أحد منهم أن الجهر بالنية مستحب ولا هو بدعة حسنة، فمن قال ذلك فقد خالف سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإجماع الأئمة الأربعة، وغيرهم وقائل هذا يستتاب فإن تاب وإلا عوقب بما يستحقه”. (الفتاوى الكبرى ج1: 285).
وقوله :” الجهر بلفظ النية ليس مشروعًا عند أحد من علماء المسلمين، ولا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا فعله أحد من خلفائه وأصحابه، وسلف الأمة وأئمتها، ومن ادعى أن ذلك دين الله، وأنه واجب، فإنه يجب تعريفه بالشريعة، واستتابته من هذا القول، فإن أصرّ على ذلك قتل …”.
وقوله : ” فمن تكلم بجهل وبما خالف الأئمة فإنه ينهى عن ذلك، ويؤدب على الإصرار، كما يفعل بأمثاله من الجهال ..”. (الفتاوى الكبرى ج1: 278 وما بعدها).
وقوله : “ومن نسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الباطل خطأ فإنه يعرّف، فإن لم ينته عوقب”. (الفتاوى الكبرى ج1: 189)
وهذا كذلك ليس محل خلاف ، وليس في كلام شيخ الإسلام ما ينفي أنه قد يقتل ردة ، كما في قوله : وقائل هذا يستتاب ؛ فإن تاب ، وإلا عوقب بما يستحقه” ، كما أن الكلام لم يكن على مدلول هذا النصوص . بل كان الكلام على مدلول نص آخر ذكره السمهوري في مقاله الثاني ، ولم يذكره هنا !! وهو مع السؤال :
وسئل عن رجل إذا صلى يشوش على الصفوف الذي حواليه بالجهر بالنية ، وأنكروا عليه مرة ، ولم يرجع ، وقال له إنسان : هذا الذي تفعله ما هو من دين الله ، وأنت مخالف فيه السنة . فقال : هذا دين الله الذي بعث به رسله ، ويجب على كل مسلم أن يفعل هذا ، وكذلك تلاوة القرآن يجهر بها خلف الإمام . فهل هكذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أو أحد من الصحابة ؟ أو أحد من الأئمة الأربعة ؟ أو من علماء المسلمين ؛ فإذا كان لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والعلماء يعملون هذا في الصلاة ؛ فماذا يجب على من ينسب هذا إليهم ، وهو يعمله ؟ فهل يحل للمسلم أن يعينه بكلمة واحدة إذا عمل هذا ، ونسبه إلى أنه من الدين ، ويقول للمنكرين عليه كل يعمل في دينه ما يشتهي ؟ وإنكاركم علي جهل وهل هم مصيبون في ذلك أم لا ؟
الجواب
فأجاب : الحمد لله الجهر بلفظ النية ليس مشروعا عند أحد من علماء المسلمين ، ولا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا فعله أحد من خلفائه وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها ، ومن ادعى أن ذلك دين الله ، وأنه واجب ؛ فإنه يجب تعريفه الشريعة ، واستتابته من هذا القول ؛ فإن أصر على ذلك ؛ قتل . بل النية الواجبة في العبادات ؛ كالوضوء والغسل والصلاة والصيام والزكاة وغير ذلك ؛ محلها القلب باتفاق أئمة المسلمين . و” النية ” هي القصد والإرادة والقصد والإرادة محلهما القلب دون اللسان باتفاق العقلاء . فلو نوى بقلبه صحت نيته عند الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين من الأولين والآخرين ، وليس في ذلك خلاف عند من يقتدى به ، ويفتى بقوله ، ولكن بعض المتأخرين من أتباع الأئمة زعم أن اللفظ بالنية واجب ، ولم يقل : إن الجهر بها واجب ، ومع هذا ؛ فهذا القول خطأ صريح مخالف لإجماع المسلمين ، ولما علم بالاضطرار من دين الإسلام عند من يعلم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه ، وكيف كان يصلي الصحابة والتابعون ؛ فإن كل من يعلم ذلك يعلم أنهم لم يكونوا يتلفظون بالنية ، ولا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ولا علمه لأحد من الصحابة .
ومن المعلوم أن الهمم والدواعي متوفرة على نقل ذلك لو كان ذلك، وأنه يمتنع على أهل التواتر عادة وشرعًا كتمان نقل ذلك ، فإذا لم ينقله أحد ؛ علم قطعًا أنه لم يكن .
ومن نسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الباطل خطأ ؛ فإنه يعرف ؛ فإن لم ينته ؛ عوقب ، ولا يحل لأحد أن يتكلم في الدين بلا علم ، ولا يعين من تكلم في الدين بلا علم أو أدخل في الدين ما ليس منه . وأما قول القائل : كل يعمل في دينه الذي يشتهي . فهي كلمة عظيمة يجب أن يستتاب منها ، وإلا عوقب ؛ بل الإصرار على مثل هذه الكلمة يوجب القتل ؛ فليس لأحد أن يعمل في الدين إلا ما شرعه الله ورسوله دون ما يشتهيه ويهواه قال الله تعالى : ( ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ) ، وقال تعالى : ( وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم ) ( ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ) ، وقال : ( ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ) ، وقال تعالى : ( أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا ) ( أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ) ، وقال تعالى : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) . وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ). قال تعالى : ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا ) ( وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ) ، وقال تعالى ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) … وأمثال هذا في القرآن كثير . فتبين أن على العبد أن يتبع الحق الذي بعث الله به رسوله ، ولا يجعل دينه تبعا لهواه ، والله أعلم .
والجاهر بنيّته معتقدًا وجوبها لا شبهة له في خطاب الرسول ، وإنما قد يشتبه عليه بقول بعض المتأخرين من أتباع الأئمة : إن اللفظ بالنية واجب ، وليس الجهر بها ، ومع هذا ؛ فهذا القول خطأ صريح مخالف لإجماع المسلمين ، ولما علم بالاضطرار من دين الإسلام عند من يعلم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه . فمن يشوش على الصفوف الذي حواليه بالجهر بالنية ، وينكر عليه بأن : هذا الذي تفعله ما هو من دين الله ، وأنت مخالف فيه السنة، فلا يرجع ، ويقول: هذا دين الله الذي بعث به رسله ، ويجب على كل مسلم أن يفعل هذا ؛ يجب تعريفه الشريعة ، واستتابته من هذا القول ؛ فإن أصر على ذلك ؛ قتل . فهذا محل الخلاف ، وليس حاله قبل تعريفه الشريعة ، وإزالة شبهته ، واستتابته من هذا القول .
قال السمهوري : (ملاحظة: أراد الأستاذ فؤاد أن ينزّه ابن تيمية عن قتل المبتدع المعلن فنسب إليه تكفيره! والله المستعان).
وهذا من أمثلة نقص الدقة في كلام السمهوري ؛ لأني لم أنزه ابن تيمية عن قتل المبتدع المعلن إذا كانت بدعته مكفرة أو كانت غليظة ، وكان داعية إليها؛ يفسد دين الناس !!
وهو يريد أن يقول : ( أراد الأستاذ فؤاد أن ينزه ابن تيمية عن قتل الجاهر بنيّته معتقدًا وجوبها ؛ فنسب إليه تكفيره ! والله المستعان ) .
وقد بينت علة قتل من يشوش على الصفوف الذي حواليه بالجهر بالنية ، وينكر عليه بأن : هذا الذي تفعله ما هو من دين الله ، وأنت مخالف فيه السنة، فلا يرجع ، ويقول: هذا دين الله الذي بعث به رسله ، ويعرف الشريعة ، وتزال شبهته ، ويستتاب من هذا القول ؛ فيصر على ذلك – بينت ذلك – استظهارًا ، ولم أنسب إلى ابن تيمية أنه صرح بهذه العلة ، ولم أقل : إنها منطوق كلامه، كما يفعل السمهوري !!
المسألة الثالثة: قتل الداعية بقيد التغليظ
أصر السمهوري على أن قول شيخ الإسلام ابن تيمية له مأخذان في قوله :” وَالتَّعْزِيرُ عَلَى الشَّيْءِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ، مِنْ هَذَا الْبَابِ مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ مِنْ قَتْلِ الدَّاعِيَةِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ كَمَا قُتِلَ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ وَالْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَغَيْلَانُ الْقَدَرِيُّ وَقَتْلُ هَؤُلَاءِ لَهُ مَأْخَذَانِ:
أَحَدُهُمَا: كَوْنُ ذَلِكَ كُفْرًا كَقَتْلِ الْمُرْتَدِّ أَوْ جُحُودًا أَوْ تَغْلِيظًا وَهَذَا الْمَعْنَى يَعُمُّ الدَّاعِيَ إلَيْهَا وَغَيْرَ الدَّاعِي وَإِذَا كَفَرُوا فَيَكُونُ قَتْلُهُمْ مِنْ بَابِ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ.
وَالْمَأْخَذُ الثَّانِي: لِمَا فِي الدُّعَاءِ إلَى الْبِدْعَةِ مِنْ إفْسَادِ دِينِ النَّاسِ وَلِهَذَا كَانَ أَصْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ وَعُلَمَائِهِمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الدَّاعِي إلَى الْبِدْعَةِ وَغَيْرِ الدَّاعِي فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ وَتَرْكِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ وَالصَّلَاةِ خَلْفَهُ وَهَجْرِهِ … إلخ”. ا.هـ (الفتاوى الكبرى، دار الفكر ببيروت، 1993م، ج1: 230).
– قال السمهوري : له مأخذان – يعني له احتمالان .. إما أو ..
قال : والدليل: قول ابن تيمية في بيان مواقف الذين انحرفوا عن نهج إمامهم أحمد بن حنبل ، حيث قال في نوع من أنواع انحرافاتهم:” الثالث : قول قاله الإمام فزيد عليه قدرا أو نوعا كتكفيره نوعا من أهل البدع كالجهمية فيجعل البدع نوعا واحدا حتى يدخل فيه المرجئة والقدرية أو ذمه لأصحاب الرأي بمخالفة الحديث والإرجاء فيخرج ذلك إلى التكفير واللعن.
أو رده لشهادة الداعية وروايته وغير الداعية في بعض البدع الغليظة فيعتقد رد خبرهم مطلقا مع نصوصه الصرائح بخلافه وكخروج من خرج في بعض الصفات إلى زيادة من التشبيه” (مجموع الفتاوى 20: 185).
الشاهد (أو رده ـ أي أحمد ـ لشهادة الداعية وروايته، وغير الداعية في بعض البدع الغليظة …).
قال – باستعمال أداوت الربط الرياضية – ما معناه : فسبب العقوبة برد شهادة المبتدع وروايته : كونه داعية أو غير داعية في بعض البدع الغليظة ؛ فقاس التعزير بالقتل على التعزير برد الشهادة والرواية بجامع أن كليهما عقوبة وتعزير !!
وهذا قياس مع النص !! لأن شيخ الإسلام قال : القتل له مأخذان ؛ أحدهما : كون ذلك كفرًا أو جحودًا أو تغليظًا ، والمأخذ الثاني : لما في الدعاء إلى البدعة من إفساد دين الناس . وهو بين لا يحتاج إلى غيره ؛ فقال : أحدهما كذا ( وهو أنواع ) ، والثاني كذا ، ولم يقل : إما …أو …
وقياس التعزير بالقتل على التعزير برد الشهادة والرواية – أيضًا – قياس مع الفارق ؛ لأن التعزير بالقتل لابد أن يكون سببه أقوى وأعظم من سبب التعزير برد الشهادة والرواية ؛ لأن القتل أعظم من رد الشهادة والرواية ، ومعلوم أن العقوبات على قدر الجرائم ؛ لأن التسوية بينها من غير مصلحة ظلم .
وفهم السمهوري لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية من جنس فهم هؤلاء الذين ذكرهم ابن تيمية لكلام الإمام أحمد !!
وقبل ختم هذا البيان ينبغي التنبيه على أن استعمال السمهوري للأدوات الرياضية لم يكن صحيحًا ؛ حيث وقع فيه حشو ، كما وقع فيه إدعاء ومصادرة ؛ أي وقع فيه : ما رمى به مقالتي ، وذلك حيث كتب :
إذا كان ك (الكفر ∨ الجحود ∨ التغليظ) =1 فإن د (الدعوة) = صفر
⋀ إذا كانت (الدعوة) = 1 فإن ( الكفر ∨ الجحود ∨ التغليظ) = صفر
إذا كان ك =1 وكان د= صفر
فإن ك1 + د = ك1 – د = ك1 ⇐ القتل
وإذا كان د = 1 وكان ك = صفر
فإن د1 + ك = د1- ك = د1 ⇐ القتل
∴ د1 = ك1 ⇐ القتل
فافتراض أن ك (الكفر ∨ الجحود ∨ التغليظ) =1 ، و د (الدعوة) = صفر؛ حشو لا فائدة فيه ؛ فلا علاقة لهذه الأرقام بما أورده بعدها !!
كما أنه يكتب ك = 1 ثم يعبر عن هذا بـ( ك1) ، وهذا تعبير غريب لا يعرفه أهل الرياضيات ، واسألوا عبد العزيز قاسم أو عبد الغني الطنطاوي – حفظه الله – إن كان حيًا ، وإلا فرحمه الله – وهو أخو الشيخ علي الطنطاوي – الذي كانت رسالة السمهوري للعالمية عنه – وأول من حصل على العالمية العالية في الرياضيات في سوريا .
خاتمة
لم يثبت السمهوري أن مراد ابن تيمية من الدعوة هو الإعلان ( فحسب ) .
ونصوص ابن تيمية التي أتى بها لا تدل على أن الداعية يقتل لإفساده سواء أكانت بدعته مغلظة أو غير مغلظة.
والآن:
( نعلن ) أننا لن نجيب على سؤال الأستاذ أبي محمد رائد السمهوري :
لو استطاع حاكم يا أخ فؤاد اليوم أن يطبق المنهج السلفي مع الداعية إلى البدع وأراد أن يقتل المبتدعة الزيدية أو المعتزلة أو الإباضية أو الأشعرية القائلين بخلق القرآن، ونفي الصفات أو تأويلها، ونفي الرؤية، ونفي الجهة أو الاثني عشرية القائلين بسب الصحابة، (وهي كلها بدع مغلظة) في بلاده بعد أن أقام الحجة عليهم ونوظروا واستتيبوا فأصروا، وقد توافرت كل الشروط، وانتفت كل الموانع، فهل يجوز له قتلهم؟
لن نجيب ؛ لأن مراده بالداعية إلى بدعته غير مرادنا ، كما أننا لا نأمنه أن يفهم جوابنا كما فهم كلام ابن تيمية من قبل !!

2010

اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.