مقالات فهد العجلان

التفسير العصري للفتوحات

لاأدري .. ما سبب ولع بعض المعاصرين في توجيه الفتوحات الإسلامية لنشر دين الله بأنها دفاع عن حقوق الشعوب ورفع للمظالم عنهم؟! فمع ما في هذا الكلام من لوازم ومخالفات فظيعة، إلا أن الإشكال الذي فرّوا منه يلاحقهم –أيضاً- فيما ذهبوا إليه!
فإذا كان نشر الدين بالقوّة سلوك غير مفهوم في العقلية العصرية الحديثة، فحتى الهجوم على بلدٍ ما لرفع الظلم عنه فإنه مرفوض في القوانين الدولية المعاصرة! فالقانون الدولي يعترف لكلّ دولة بسيادة تامة بغضّ النظر عن طبيعة الحكم فيها، ولا يجوز في العرف الدولي أن يعتدي أحد على دولة ما بدعوى رفع الظلم عن شعبها!
وبالتالي .. فهذا التبرير سيبقى مشكلاً، فما الذي يبيح للصحابة الهجوم على بلد مسالم لم يطلب منهم نجدة، ولم يشتكوا لهم بشيء؟ فلا مبرّر لذلك إطلاقاً، وإذا كان السبب في الفتوحات هو تنفيذ أمر الله تعالى .. فإننا هنا لن نجد أي سبب إطلاقاً.
ثمّ إن الظلم مهما بلغ طغيانه فهو أهون وأقلّ في نفس الشعوب من السقوط في ظلّ حضارة أخرى واحتلالهم من قبل أناس آخرين، ومن الطبيعي حينها أن يهبّ الناس مع القوة الحاكمة الظالمة ضدّ القوة الفاتحة، ولو كانت عادلة!
فإن قال هؤلاء العصريون: “هو قتال ضدّ القوى التي تمنع من نشر دين الإسلام”.
فالإشكال ما زال موجوداً، وما الذي يلزم الشعوب بأن تخالف قانونها ونظامها، وتلتزم بحماية من يدعون إلى دين الإسلام، ولو أدى هذا إلى تغيير دين الشعب وحكومته، وإلا فإنهم يستحقون القتل والتدمير .. ؟!
فإذا جاز أن أقاتله لأنه لم يسمح لي بالدعوة إلى الإسلام، وجاز لي أن أغيّر تركيبة المجتمع؛ فما الذي يمنع من قتاله لأجل أن يحكم بالإسلام ..؟
إضافةً إلى أن هؤلاء العصريين أصحاب هذا التبرير يقررون، إما صراحة وإما ضمناً، بأن الهجوم على بلد لنشر الدين الإسلامي تصرّف غير صحيح، ولا يتوافق مع سنّة العدل والرحمة، وإذا سلّموا بهذا فإن المخالف الذكي سيصعقهم بأن ما تقرّون بأنه “نقيصة وعيب” هو قول فقهاء الإسلام كافّة من قديم الزمان، وهم أدرى بالإسلام منكم ، فهي إدانة للإسلام من حيث أرادوا تلميع صورته!
تخيّل لو أن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا على عقلية بعض المعاصرين فالتزموا بالسلم التام مع الكفّار، ولم يقدموا على هجوم ولا قتل ولا غزو لهم لأنه ينافي العدل والرحمة والإحسان، واكتفوا فقط بالدعوة والنصيحة ونشر الإسلام بالطرق السلمية، كم تتوقّع سيكون عدد المسلمين الآن .. ؟
وأين ما حصل من قتل لبعض الكفّار، وشيء من المفاسد اليسيرة في تلك الفتوحات؛ في مقابل دخول شعوب وأمم وحضارات في الإسلام، ونقلهم من الظلمات إلى النور، وتوارث الإسلام في ملايين الناس من قرون، وامتداد رسالة الإسلام في المشرق والمغرب .. فشتّان ما بين الفقهين!

2011

اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.