مقالات فهد العجلان

الخطاب الليبرالي في مواجهة التطرف (قراءة نقدية)

كان لأحداث التفجير والتخريب التي ضربت بعض بلاد العالم الإسلامي وما زالت تضرب في بعضها الآخر، مجالاً وافراً للخطاب الليبرالي في عالمنا الإسلامي للحديث الباذخ عن التطرُّف ومعالمه وآثاره وكيفية مواجهته، وقد أنتج الخطاب الليبرالي في ذلك ما لا يمكن حَصْرُه من اللقاءات والندوات والمقالات المنثـورة في فضـاء الإعـلام وأثيـره وصفحـاته،
وما زال الخطاب الليبرالي فـي عـالي لياقتـه فـي تنـاوُل هذه الموضـوعـات؛ لا يكـاد يفتـر عنهـا ولا يصيبه فيها كَلَل أو مَلَل.
وإنَّ وَضْع الخطاب الليبرالي تحت العين البصيرة وإمرار القراءة النقدية على صفحات نتاجه يبدي لنا معالم بارزة في طريقة تناوُل الخطاب الليبرالي لظاهرة الغلوِّ والتطرُّف: 
المعْلَم الأول: ضَعْف تمييز العين الليبرالية وعدم قُدْرتها على التفريق بين المتطرِّف والمتديِّن:
إن ثمَّة قواسم مشتركة بين المتطرِّفين والمتديِّنين تُوقِع الليبراليين في حَيرة واضطراب؛ فالشكل الظاهري في إعفاء اللحية وتشمير الإزار، ومجالسُهما الخالية من الموسيقى والاختلاط والتبرُّج، وأقوالُهما في تعظيم الكتاب والسنَّة، ورجوع كِلَا الفريقين إلى علماء السلف الصالح، واحتكامهما إلى فتاوى الأئمة وكُتُب التراث… إلى موافقات كثيرة تكسرت بسببها مدارك التمييز في العقل الليبرالي؛ فانعدمت الرؤية الباصرة التي تميِّز بين المتطرِّف والمتديِّن. وما عاد أكثر الليبراليين بقادر على أن يميز؛
فاختلفوا في كيفية إدارة هذه الأزمة لعدم التمييز.- دفع هذا الاضطراب والحيرة بكثير منهم إلى التسوية التامَّة بين المتهَمين بالتطرُّف والمتدينين، وخَلَصوا إلى أنهم جميعاً متطرِّفون غلاة، ووضعوا من المعايير الحاسمة التي تُعرَف من خلالها وسطية الشخص: اقترافُه بعض المحرَّمات الشرعية الظاهرة، كالموسيقى وحلق اللحية… ونحوها.-
وقاد آخــرين منهم إلى ذمِّ التديُّن بوصفه تمهــيداً لا بد منه للقفز نحو التطرُّف؛ فالمتدين وإن لم يُحكَم عليه بالتطرُّف إلا أنه يمشي على الطريق المؤدية إلى التطرُّف ولا بُد.-
وأكثرهم إنصافاً وتمييزاً مـــن لا يتعـرَّض للتـديُّن ولا يعيبه بشيء، ولا يعتقد أن التديُّن تطرُّف كصاحبه الأول ولا هو طريق إليه كالثاني، إلا أنه يعيب المتطرِّفين بمعايب وأمور هي من التديُّن الصحيح ومما جاءت به السنَّة وليست من التطرُّف في شيء؛ مما يعني أنه يساوي بين التطرُّف والتديُّن في جزئيات وإن كان لا يشعر بها.
هذه الفئات الثلاث غالبة على الخطاب الليبرالي المعالِج لظاهرة التطرُّف في عالمنا الإسلامي، ولا أرى أن أطيل على القارئ الكريم بحشر النصوص الليبرالية المختلفة التي تبيِّن مفاصل هذه الفئات؛ لأنه بإمكان أي قارئ أن يفتح أي صحيفة أو يدخل إلى أي موقعٍ إلكتروني أو يشاهد أي قناة فضائية؛ ليجد أن عين الخطاب الليبرالي لا تكاد تُبْصر شيئاً سوى ما تُبْصر به الفئات الثلاث السابقة.
يتباهى بعض الليبراليين بجهود الليبرالية في تفكيك التطرُّف والصرامة في معالجته، ولا يَبْعُد ذلك عن الحقيقة كثيراً؛ غير أن هذه الصرامة كانت في وجه التطرُّف وفي وجه التديُّن أيضاً، وكانت ضد حالات الغلوِّ والفساد، ولم تَسْلم منها الأحكام الشرعية والنصوص المقدسة والمفاهيم الدينية.فالتطرُّف والإرهاب في أدبيات الخطاب الليبرالي المعاصر مفردات غير محايدة ولا نزيهة، ولا تعني الغلو في الدين أو التورُّط في قضايا التفجير فقط، بل تحمل من العداء والكراهية لكـل من يتمسـك بدينه ويحـافظ على أحكـامه، وهـي تتمـدد باستمرار يمنـةً ويسـرةً لإسـقاط ما تشاء من أفكار ورموز وبرامج بريئة.
المعْلَم الثاني: ضحالة العلم الشرعي وضَعْف الإدراك الفقهي لدى أكثر المتصدِّرين لمعالجة ظاهرة التطرُّف من ذوي الخطاب الليبرالي:
ليس بخافٍ أن التطرُّف والغلو إنما نشأا نتيجة نَظَرٍ منحرف في الدليل الشرعي، ولا يَقْدِر على تقويم هذا الانحــراف وتوجيهـه وبيـان مـا فيـه مـن خطــأ وجنـوح إلا العلمـاء والمتخصصـون. غيـر أن الخطــاب الليبـرالـي لا يثـق بالعلمـاء، بل هم مَظِنَّة تهمة التطرُّف أساساً؛ فخاض الليبراليون في الأحكام الشرعية، مما دفعهم للإساءة إلى الأحكام الشرعية والعبث بالمفاهيم الدينية؛
فالليبرالي حين يقرأ أدبيات المتطرِّفين والغلاة يجدهم يتمسكون بمفاهيــم (الجهــاد) و (الولاء والبراء) و (نصرة المسلمين) و (الحكم بما أنزل الله) و (أحكام الكفار) و (الحجاب) وهو غير قادر على تمييز الجادة المستقيمة من الجنوح في هذه المعاني، ولا هو بواثقٍ بأهل العلم ليرجع إليهم، وليس هو بتارك الخوض في هذه القضايا ولو بلا علم… فكان هذا سبباً لنسف الحكم الشرعي تماماً وتغيير شعائر الله بالكلية؛
فلكي يعالج أحدهم الانحراف في مفهوم (الولاء والبراء) رأى أن الولاء والبـراء إنمـا يكـون للمحـارِبين فقـط من الكفـار، ولا يكون للأشخاص المسالمين، بل ولا حتى لدينهم عند كاتب ليبرالي آخر!وأصبح (تطبيق الشريعة) مظهراً من مظاهر التطرُّف في رَفْض الاستفادة من معطيات الحضارة المادية ودعوة لاستباحة الدماء والأموال.و (الحجاب) لدى هؤلاء الليبراليين سِجْن لحرية المرأة وامتهان لكـرامتها، وأن ليـس في الشريعة أي حسـاسـية مـن المسـاواة التـامة بين المواطنين فـي كــل الأحكـام بلا فَـرْقٍ بين رجــلٍ وامـرأة أو مسلم وكافر!
وهكذا يمارس الخطاب الليبرالي عدواناً على قيم الشريعة وأحكامها وأصولها بدعوى مواجهة التطرُّف وعلاج أزمة التفجير والإرهـاب في العــالم الإسـلامي، وما يزيد الليبراليون في صنيعهم هذا إلا تشجيع التطرف ورميَ مزيدٍ من الحطب على نار الإرهاب والتفجير، وما مَثَلهم إلا مَثَل طبيب أراد أن يعالج وَجَع أصبعٍ في اليد فقطع كامل اليد.أراد الليبراليون أن يعالجوا بخطابهم ظاهرة التطرُّف فزادوا المتطرِّف – بهذه العبثية – قوة وشراسة؛ لأنه يشعر أنه واقف ضد العابثين بقيم الدين؛ فيصلِّب هذا ظَهْرَه ثباتاً، بل نقلوا المشكلة بهذا من التطرُّف في الدين إلى التحلُّل من الأحكام؛ فاجتمعت مشكلتان في حين أرادوا علاج مشكلة واحدة!
المعْلَم الثالث: التناقض في الخطاب الليبرالي بين طريقة معالجة التطرُّف وبين القيم الليبرالية:
إن معالجة الليبراليين لظاهرة التطرُّف تتناقض في كثيرٍ من ملامحها مع أصول الفكر الليبرالي؛ فالخطاب الليبرالي يتمسك ويتباهى بالليبرالية نظرياً ويمزقها بجدارة في جانبه العملي.نسي الخطاب الليبرالي – وهو يعالج ظاهرة التطرُّف – أعظم ما يعتز به الفكر الليبرالي؛ وهو الحرية الفردية؛ فمارس الخطاب الليبرالي ألواناً من الإقصاء والإرهاب الفكري والصرامة الأمنية القاسية التي يحمد المواطن ربَّه أنَّ مقاليد الأمور ليست بيد أرباب الحرية وإلا لتغير وجه العالم الإسلامي.فالخطاب الليبرالي لا يتوقف عن المطالبة بالتضييق والتحديد والتحجير على خصومهم من التيار الديني الشعبي العام بدعوى معالجة ظاهرة التطرُّف: من مطالبةٍ بإيقاف المحاضرات وتعطيل المناشط الإسلامية ومراقبة المساجد ومَنْع التجمعات.
ولا أظن – بعد هذا – أن ثمة نشاطاً إسلامياً لم يَسْلَم من المطالبة بإيقافه وتعطيله بدعوى معالجة التطرُّف؛ فالليبرالي (المناضل في سبيل الحرية) انقلب ديكتاتوراً عسكرياً يستكثر أي حرية ينالها أحد من الإسلاميين خوفاً من التطرُّف، ولا يعدو الحديث عن الإرهاب بعده إلا تبريراً باهتاً لم يعد له لون تَقْبَل العين مرآه.ليت الخطاب الليبرالي يعلم أن الصدق في تطبيق المبادئ والالتزام بها إنما يكون في حال الأزمات والمضايق التي تثير الإنسان إلى أن ينتهك مبادئه؛ فيُلْجم هذه الدعاوى ويستمسك بالمبدأ،
وأما في حال السَّعة والراحة وعدم الدوافع فكل الناس ذوو مبادئ وقيم وأخلاق؛ ولذلك فلا معنىً لتبرير هذا التناقض الليبرالي بالحديث عن وجود التطرُّف والإرهاب والغلو؛ لأن تطبيق المبادئ الليبرالية إنما يكون في حالة مثل هذه الدوافع التي تكشف حقيقة هذه المبادئ.نسي الليبراليون في خطابهم لعلاج التطرُّف أنهم يعيبون على الإسلاميين (احتكار الحقيقة) و يشمئزون من طريقة الإسلاميين في تَمَسُّكِهم بـ (التفسير الوحيد) للنص، وأن النص في تفكيرهم (الحر!) قابل لكل التفسيرات؛ لأن الحقيقة نسبية وليس أحد التفسيرات بأَوْلى من التفسير الآخر… لو تذكَّر الليبراليون هذا وهُمْ يعالِجون ظاهرة التطرُّف لرأوا أن من العقل أن يتوقفوا عن أي حوار مع أشد الناس غلوّاً وتكفيراً وتفجيراً؛ لأنه يملك تفسيراً معيَّناً للنص الشرعي ومن واجب الليبراليين أن يحترموا تفسيره للنص كما كانوا يطالبون باحترام تفسيراتهم للنص في قضايا المرأة والميـراث والشـهادة وبقيـة الأحكـام التي لا تروق للذائقة الغربية المعاصرة.
المعْلَم الرابع: استثمار الأجواء الملبَّدة من آثار الإرهاب والتفجير بتمرير الأفكار و الاتجاهات المنحرفة: فقد شملت المعالجة الليبرالية للتطرُّف والإرهاب بعباءتها كافة الأفكار والأطياف والتيارات المصادمة والمعادية للنص والأحكام الشرعية، فأخذ كلٌّ يعرض فكرته المنحرفة كطوق نجاة من مستنقع الإرهاب، ويبرر الكثير منهم سبب وقوع الحوادث بإهمال السلطات والمجتمع بالأخذ برأيه الفكري والثقافي.
لذلك لم يكن التطرُّف الذي نحاربه ونعالج آثاره غلوّاً في الدين وانحرافاً عن جادَّته؛ فنحتاج إلى تصحيحٍ لمفاهيمه وعلاجٍ لتفكيره، بل هو انحراف عن رأي الليبرالي الذي يعالج القضية، وكلما ابتعد (المعالِج) في خطابه الليبرالي عن النص الشرعي، كلما اتسعت لديه دائرة التطرُّف ومساحة الاتهام بالإرهاب؛ حتى إنها لتسقط في بعض الأحيان على الإسلام نصاً وحُكْماً وشريعة.
هذه بعض ملامح الخطاب الليبرالي في علاجه لظاهرة التطرُّف والإرهاب التي ضربت – وما تزال – بعض بقاع العالم الإسلامي؛ خطاب عاجز عن تقديم وَصْفة علاجية ناجعة تزيل آثار التطرُّف أو تخفف من غلوائه، بل إن تحركات أذرع هذا الخطاب تزيد المشكلة تفاقماً وتعقيداً، وأكثر ما يقدمه هذا الخطاب في علاج الغلو في الدين، هو محاربته لأحكام الشريعة وتشويه حَمَلَة رايتها وتمرير الاتجاهات والأفكار المنحرفة، والتي كان الخطاب معتنقاً لها من قديم فجاءت هذه الأحداث فرصة للاسثتمار والمتاجرة بها على حسـاب الوطن والأمن والمجتمع والدين.
من صفحته على الفايسبوك
اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.