وثائقيات ملفات قضايا وتقارير

الاشتباكات العسكرية بين أمريكا و إيران عبر التاريخ

الاشتباكات العسكرية بين أمريكا و إيرانأكبر اشتباك عسكري بين إيران والولايات المتحدة وقع في نهاية الثمانينات..

الاشتباكات العسكرية بين أمريكا و إيران .

إيران صبّت جام غضبها علي الكويت منذ نهايات العام 1986، بسبب سماح الكويت للعراق باستخدام ميناء الشيبة لشحن أسلحة سوفياتية، فضلًا عن إفساح المجال أمام البحرية العراقية لإستخدام الممر المائي بين الكويت وبوبيان..الكويت شعرت بالقلق فتوجّهت إلي القطبين، الإتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، وطلبت منهما رفع أعلامهما علي الناقلات الكويتية، بحيث ترفع موسكو أعلامها علي 7 ناقلات، في حين يُرفع العلم الأميركي علي 6 ناقلات، ولأن واشنطن كانت تخشي من مزاحمة موسكو لها في منطقة نفوذ تاريخية كالخليج، فقد وافقت علي رفع أعلامها علي كل الناقلات الكويتية، بموجب اتفاق وُقّع بين البلدين في 2 مارس 1987..في ذلك الوقت كانت البحرية الإيرانية قد تكبّدت خسائر كبيرة إبان الحرب مع العراق، علي صعيد الأفراد، فقدت كوادر مُدرّبة بسبب حملات التطهير التي أعقبت الثورة، وعلي صعيد العتاد، فقدت فرقاطتين وكاسحتي ألغام وغواصة، ولم يكن بمقدورها شراء سفن جديدة، والأسوأ أنها واجهت مشاكل في صيانة ما تبقي لديها من قطع بحرية، أما علي صعيد التسليح، فقد انتهي العُمر الإفتراضي للصواريخ البحرية العائدة لزمن الشاه، وتبقّي لدي إيران ترسانة معظمها من طراز السفن البريطانية الهجومية ‘‘Saram Class‘‘، فضلًا عن ترسانة من صواريخ سي كيلر الإيطالية..أدركت طهران سوء وضع البحرية، وبالتبعية استحالة التورط في مواجهة مباشرة مع البحرية الأميركية التي تؤمن الناقلات الكويتية، فلم يكن أمامها سوي حل وحيد، وهو زراعة ألغام مغناطيسية وصوتية عائمة بواسطة فرع بحري جديد للحرس الثوري الإيراني مكوّن من 20 ألف شخص، ومزوّد بعدد كبير من السفن الصغيرة والزودياك المطاطية وسفينة اعتراض سويدية بطول 42 قدم، وتلك القوة كُلّفت بزرع الألغام فضلًا عن تنفيذ أعمال انتحارية ضد السفن الكُبري.

كان الإختبار الأول لتلك الاستراتيجية في 21 يوليو 1987 عندما بدأت الإتفاقية الأميركية-الكويتية دخول حيز النفاذ، بعد 4 أشهر من توقيعها، أمضتها الولايات المتحدة في تجهيز القوة الحربية المرافقة للناقلات، والتي أطلقت عليها اسم العملية Ernst Will، وبدأت قوة أميركية مكوّنة من 4 فرقاطات و3 طرادات ومدمّرة في مرافقة الناقلات، لكن القوة الأميركية كانت عاجزة عن التعامل مع الألغام الإيرانية، التي دمّرت أول ناقلة نفط كويتية وهي بريدجتون..ومن هنا بدأت المواجهة الإيرانية-الأميركية..بينما كان الخوميني في الأمم المتحدة، اكتشفت طلعات الهيلكوبتر الأميركية سفية إيرانية صغيرة تحمل اسم Iran Air، تقوم بزراعة الألغام، فصوّرت أنشطتها حتي انتهت، ثم أغارت عليها، فقتلت خمس من طاقمها وأسرت 26 وعرضت القصة أمام العالم، وأحرجت الخوميني في القاعات الأممية، بينما اكتفي هو بالتكذيب والنفي..بحلول نهايات 1987 كانت إيران قد امتلكت ورقة ضغط أخري علي الكويت، وهي صواريخ جديدة حصلت عليها من الصين من طراز Silk Warm، زنة 3000 كجم، ومدي 95 كم، وقادرة علي حمل رأس متفجّرة ما بين 500-1000كجم، وكانت أول أهدافها هي سفينة بترول ليبيرية أمام الشواطئ الكويتية في أكتوبر 1987، ثم ناقلة بترول كويتية تحمل العلم الأميركي قرب ميناء الأحمدي، وهنا ردّت المقاتلات الأميركية بتدمير منصتي بترول إيرانيتين، لكن العام 1988 كان الأسوأ في المواجهة، عندما نجح لغم إيراني في إغراق المدمرة الأميركية صمويل روبرتس، فكان الرد الأميركي كبيرًا بإطلاق عملية ‘‘ Praying Mantis‘‘ التي استهدفت المياه الإقليمية الإيرانية ودمّرت 6 سفن حربية ومنصتي نفط، قبل أن تبلغ واشنطن في انتقاميتها حد استهداف المدنيين في يوليو من نفس العام، بقصف طائرة ركاب إيرانية أثناء إقلاعها من مطار بندر عباس متوجهةّ إلي مطار دبي، ما أسفر عن مقتل 290 فرد..وهنا يُمكنك العودة في معظم التفاصيل لكتاب المشير عبد الحليم أبو غزالة ‘‘ الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988‘‘، تحديدًا فصل ‘‘حرب الإستنزاف تستمر والغرب يدخل الحرب‘‘، ص:ص 203-235.

الحرب الأهلية اللبنانية كانت ساحة موازية لإيران للرد علي الغرب عمومًا والأميركيين بالأخص..الحوادث الأشهر كانت تفجير السفارة الأميركية ومقتل 44 من عناصرها ثم التفجير الهائل الذي هزّ بيروت عام 1983 والذي أودي بحياة 299 جندي من بينهم 241 من المارينز الأميركيين، و58 جندي فرنسي، ولم يتوقف استخدام لبنان كساحة تصفية حسابات، لكن ما تطوّر هو إضافة سلاح إيراني جديد، الرهائن الأجانب..وليم فرانسيس باكلي مدير محطة الإستخبارات الأميركية في بيروت كان أشهر ضحاياها المقتولين، وهو الذي عهدت إليه واشنطن بتأسيس المحطة الإستخباراتية الجديدة في بيروت، بعد تفجير السفارة، لكن الإيرانيين لم ينخدعوا في الهوية التي كان يتجوّل بها بوصفه دبلوماسي، وكانت بحوزتهم أدلّة من وقت اقتحام السفارة الأميركية في طهران، تُشير لهويته الإستخباراتية، فاختطف وعُذّب وتم تصوير التعذيب وإرساله علي 3 شرائط فيديو لواشنطن، وفي الأخير قُتل، أما صحافي الأسوشيتيد برس تيري أندرسون كان أشهرهم من حيث طول مدة الإختطاف التي جاوزت خمس سنوات..إيران كانت المسئولة عن خطف 44 أجنبيًا من بينهم 17 أميركيًا، قُتل منهم 3، والباقي موزّع بين جنسيات أجنبية أخري، واستخدمت إيران بعضهم في معارك سياسية أوروبية، والحادثة الأكثر ترويعًا بمعني كلمة ترويع، يُمكنك مراجعتها من شهادة الدبلوماسي الفرنسي ‘‘إيريك رولو‘‘ في حديثه لبرنامج ‘‘رحلة في الذاكرة‘‘ علي روسيا اليوم، في حلقة حملت عنوان ‘‘كواليس اختطاف الرهائن الفرنسيين في لبنان‘‘، وهو يتحدث عن فترة تكليفه من الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران للعب دور المفاوض في عملية الإفراج عن 5 رهائن فرنسيين في لبنان..توجّه رولو لطهران، والتقي بمحسن رفيق دوست من الحرس الثوري، واتفقا علي شروط الإفراج، مليار $ لطهران، فضلًا عن إقناع صدام بالإفراج عن إثنين عراقيين موالين لطهران، سبق وسلمتهما باريس لبغداد، واتفق الجانبان فعلاً، قبل توقف المفاوضات لسبب مذهل، وهو توجه المعارضة الفرنسية بطلب من زعيمها شيراك إلي طهران لتعطيل الإفراج عن مواطنيهم الفرنسيين، حتي يبدو ميتران في موقف ضعيف، ويفوز الجمهوريون بالإنتخابات البرلمانية، ويتقاسم شيراك السلطة كرئيس وزراء مع الرئيس الإشتراكي ميتران، مقابل مضاعفة الإمتيازات الممنوحة لطهران، ومنها دفع المليار $ في 6 أشهر بدلًا من 3 سنوات، والنتيجة تأخر الإفراج وفوز شيراك، الذي لم يف بوعوده للإيرانيين، فكان أن امتدت فترة اختطاف المواطنيين الفرنسيين في لبنان لأربع سنوات كاملة..وبالطبع كانت الأراضي الخليجية ساحة أخري للمواجهة من تفجيرات الكويت عام 1983، وحتي قتل 19 ظابطًا أميركيًا في تفجيرات الأبراج السكنية بالخبر السعودية عام 1996، ومن العام 2003 أصبحت العراق الساحة الميدانية الفُضلي لطهران لإستهداف القوات الأميركية من خلال الأذرع الميلشياوية الشيعية، أو بإقناع بشار الأسد بفتح الحدود أمام حركة عبور المقاتلين السُنة إلي العراق.

طيلة كل تلك المواجهات من الساحات الثلاث..الساحة البحرية بحرب الناقلات في مضيق هرمز، ثم الساحة اللبنانية بالتفجيرات والإختطاف، ثم الساحة العراقية بالأذرع الميلشياوية، طيلة تلك الفترة الممتدة لقرابة 40 عام، كانت إيران تختبيء علي الدوام، الكل يعلم أنها المسئول عن ألوف القتلي الأميركيين، وعن تدمير السفارات وسحق المارينز واختطاف الرهائن وإعطاب الناقلات وتدمير الفرقاطات، لكن إيران لا تُعلن المسئولية الرسمية وتضع نفسها في مواجهة حتمية مع واشنطن، بل تختبيء خلف لغم بحري أو خلف منظمات محلية لبنانية أو أذرع في الرياض والكويت..إلا في حادثة قصف القاعدتين الأميركيتين في العراق ردًا علي مقتل سليماني، حادث تم تمريره للأميركيين مُسبقًا عبر العراقيين بلا شك لتفادي الخسائر البشرية الأميركية مما قد يرفع كلفة المواجهة، صحيح.. لكنها السابقة الأولي التي تقوم فيها دولة أجنبية بإستهداف قواعد عسكرية أميركية من قلب أراضيها، وتُعلن ذلك أمام العالم بأسره..إيران قصفت مواقع أميركية، وأميركا قبلت أن تُقصف مواقعها العسكرية وأن يختبيء جنودها في الملاجيء كثمن رمزي..وهذا شيء مُحزن لأقصي درجة ممكنة..أن يُصبح لدي إيران موقع إقليمي يجعل العالم بأسره يخشي عواقب تصعيدها، ليس بالتأكيد بسبب قوتها العسكرية التي لا تُقارن بالقوة الأميركية، بل لما يتيحه لها موقعها الجغرافي من إمكانية هائلة لفتح حرب مهلكة للإقتصاد العالمي بسبب توقف إمدادات النفط، أو قدرتها علي تحويل الحرب ضدها، لحرب إقليمية شاملة تنفتح فيها 4 جبهات موالية لها، ضد الخليج وإسرائيل…مُحزن بشدة أن تُنتج إيران القائد العسكري الأهم في منطقة الشرق الأوسط منذ انتهاء حرب الخليج الثانية، لدرجة أن يُصبح مقتله من الخطورة بما كان علي العالم، ليتحدث عن حرب إقليمية كاسحة، ويدفع أقطابه بجهود الوساطة لمحاولة الإحتواء..مُحزن أن طهران باتت علي درجة من الندية لواشنطن للحد الذي يجعل الأخيرة تتقبل تمرير ضربة رمزية لتهدئة الأوضاع، بينما إلي الجوار تقف الرياض خانعة وذليلة.

السعودية التي لا أنسي ما رواه عنها روبرت ليسي، في ص:ص 177-190 من الفصل الثاني عشر ‘‘اليمامة والريح الشرقية‘‘، من كتابه ‘‘المملكة من الداخل‘‘، وتحديدًا إبان الحرب العراقية الإيرانية عندما طلبت الرياض من إدارة ريجان تأمين موقعها بين المتصارعين بشراء صفقة من طائرات F15 وصواريخ لانس، فرفض الكونجرس، فلجأت السعودية للصين لشراء صفقة سرية من صواريخ CSS-2 الباليستية والقادرة علي حمل رؤوس نووية، وحينما اكتشفت الأقمار الصناعية الأميركية موقع التخزين، انفجر مساعد وزير الدفاع الأميركي ريتشارد أريمتاج في سفير الرياض في واشنطن بندر بن سلطان وأبلغه أن السعودية أصبحت هدفًا لإسرائيل، فتقوم الرياض بالإتصال بمستشار الرئيس الأميركي للأمن القومي باول كييف، وتطلب منه إخبار الإسرائيليين بأن الرياض دفعت لبكين مبلغًا إضافيًا لتعديل الصواريخ بحيث لا تصبح قادرة علي حمل رؤوس نووية، ويكون الرد الإسرائيلي علي السعودية باستهزاء بالغ، بأن أرسلت تل أبيب مقاتلتين اخترقتا الأجواء السعودية، قبل أن تسقطا براميل وقود فارغة مكتوبًا عليها بالعبرية، لكي تثبت أن بمقدورها إسقاط قنابل حقيقية علي السعودية في أي وقت..السعودية التي أنفقت مئات مليارات الدولارات علي الأسلحة الأميركية منذ الثمانينات، لم تستطع حماية نفسها، حينما وقع الغزو العراقي للكويت، فهلعت لطلب النجدة من ثلاث أرباع مليون جندي أميركي مكثوا علي أراضيها، وحينما استهدفت طهران منشآتها النفطية لم تتجرأ علي مجرد الرد الرمزي بقصف يطال المصافي الإيرانية، بل اكتفت بطلب تعزيز عسكري أميركي وبحشد جنوني للعالم لتأمين الناقلات..تلك السعودية تقف بين قطب إقليمي وآخر دولي وأقصي ما تستطيع فعله، هو موجات التهليل عبر قناة العربية، لحقها الذي تنال جزءً منه بأيدي أميركية.

الثابت في هذه المعركة القصيرة بين إيران والولايات المتحدة أن خسارة إيران قاسية بمقتل سليماني، وأن ردها الرمزي كان استهداف عسكري للمرة الأولي من قلب أراضيها لمنشآت عسكرية أميركية، وأن الطرفين قبلا تلك المعادلة للتهدئة إلي حين، وربما عودة للعمل بقواعد اللعب السابقة، استهداف الأذرع الإيرانية للمصالح الأميركية والعربية الموالية لها، دون فتح جبهة مباشرة..والثابت الأكثر جلاءً، أن إيران علي كراهية سلوكها الإجرامي بحق السوريين والعراقيين، استطاعت أن تبني لنفسها مركزًا إقليميًا، يؤهلها تارةُ للجلوس مع القوي العظمي حول مائدة مفاوضات نووية، وأخري للتصرف بندية معقولة في مواجهة واشنطن في الإقليم، أما الثابت الأخير فهو أن العرب، والخصم المباشر لإيران، السعودية بالأخص، واقفة في المنتصف بلا أدني قدرة علي الفعل المؤثّر، تلال نفطية يسرقها ترامب جهارًا، وتقصفها إيران دون عقاب نهارًا، وأقصي رد فعل لها، هو الإحتماء خلف واشنطن، والفرح بما تنجزه الدرونز الأميركية نيابة عنهم، ويوم أن يستعرض آل سعود قوتهم، لا يجدون إلا مدني يمني يدكون رأسه بقنابلهم..العرب في هكذا صراع ممسحة أحذية، بل هي أكرم !

 

عبدو فايد

اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.