مقالات بندر الشويقي

يا أستاذ أعرض عن هذا !!

يا أستاذ أعرض عن هذا !!

بندر الشويقي

رغم كونها فضيلةً ومنقبةً، إلا أن من أثقل الكلمات على لسان المرء وقلمه أن يقول بشجاعةٍ وتجرُّدٍ: (أخطأتُ وأصاب الآخرون).

من الناس من يفضل بدل ذلك أن يعتصم بالسكوت متى تبين له خطؤه. ومنهم من يختار سلوكاً غير لائقٍ، بافتعال ضجيجٍ وإثارة غبارٍ يغطي به خطأه وغلطته، كي يتهيأ له الانسحاب مع الاحتفاظ بكبريائه وعزة نفسه.

هذا السلوك الأخير هو ما اختاره لنفسه أخونا الدكتور سليمان الضحيان في مقالته الأخيرة المعنونة بـ (دفاع عن الوسطية والاعتدال لا عن الجابري). فالأستاذ كتبَ تلك المقالةَ بعدما تبين له أنه أخطأ في ذبه عن موقف الجابريِّ من سلامة النص القرآني. فبدل أن يقرَّ الدكتور بخطئه، اختار أن يثير ضجيجاً يغطي به تلك الحقيقةَ التي دسها على استحياءٍ في ثنايا مقالته. 

ولتوضيحِ الصورة، دعونا نبدأ أولاً برصد موقف الأستاذ القديم، ثم نقارنه بموقفه الجديد الذي ربما لا يلحظ الاختلافَ بينهما الكثيرُ من القراء.

التباين بين الموقفين

حين صدرت فتيا الشيخ عبدالرحمن البراك، والتي اتهمَ فيها الجابريَّ بالتشكيك في سلامة النص القرآني من الزيادة والنقصان، غضب الدكتور سليمان الضحيان وكتب يقول: إن الجابريَّ “لم يخرج عن منهج العلماء الذين تحدثوا عن جمع القرآن”، و “لم يزد على ما ذكره العلماء في كتبهم”.

هكذا كان الأستاذ سليمان الضحيان يتحدثُ لموقع (العربية نت) ولجريدة (عكاظ) قبل قبل تقديمه لندوة الجابري المقامة على هامش معرض الكتاب الدولي.
ثم بعد ذلك بأسبوعين كتب الأستاذ مقالته: (دفاع عن الوسطية)، وكان مما قاله فيها: إن الجابريَّ “يخالف الرؤيةَ المجمعَ عليها عند أهل السنة بقوله: إنه ليس هناك دليلٌ قاطعٌ على عدم حدوث زيادةٍ أو نقصانٍ في القرآن، لأن من قام بجمعه ليس معصوماً”.
ومع أن الأستاذ في مقالته تلك لم يشر أبداً لموقفه الأول المناقض لرأيه الجديد، إلا أن من الواضحِ أننا أمامَ تغيرٍ جذريٍّ في رأي الأستاذ. فبالأمسِ: (الجابريُّ لم يخرج عن منهج العلماء). واليوم: صار الجابريُّ (مخالفاً للرؤية المجمعَ عليها عند أهل السنة).

حين قرأتُ كلام الأستاذِ الأخيرَ تمنيتُ لو أنه ملكَ الإنصافَ والشجاعة الأدبية، وأعلنَ بأدبِ العلماء وتواضعهم أنه كانَ مخطئاً في موقفه الأول. تمنيتُ ذلك، غير أن الأمانيَّ كثيراً ما يفجؤها الواقعُ بلغته الصارمة المؤلمة المعلنةِ بأن للنفسِ البشريةِ رغباتها الجامحة وشهواتها الخفية الجانحة، التي طالما عجزَ العقلُ والتدينُ عن كبحها وإلجامها.

لستُ الآن بصدد تعيير الأستاذ بخطئه الأول؛ إذ الخطأ طبيعة البشر، و ليس فينا معصومٌ من الزلل، و ما كنتُ لأكتبَ حرفاً واحداً في شرحِ تراجعِ الأستاذ، لولا أنه –سامحه الله- حين لم تسهل عليه مقولة: (أخطأتُ)، وحين لم يهن عليه الإقرار بالزلة، اختار أن يجعل الجورَ والظلمَ لمخالفيه ستاراً يغطي به موقفه المتسرع. و المؤلم للقلبِ أن الأستاذ مارس ظلمه وجوره تحت عنوان (الدفاع عن الوسطية والاعتدال)!!

مقالة الأستاذ الأخيرة مقالةٌ معكوسةٌ مقلوبةٌ، ونصيحتي لمن يطلعُ عليها أن يبدأ قراءتها من الأسفلِ إلى الأعلى، حتى يقفَ بسهولةٍ على رأي الأستاذ الجديد في قضيتنا التي كنا نختلف فيها. ذلك أن أستاذنا الفاضل –غفر الله له-، بعدما غير رأيه، آثرَ أن يدفنَ هذه الحقيقةَ وسط ركامٍ من الحديث المطول عن (مناقب الجابريِّ وفضله على أهل الإسلام)، وعن (مثالب الشويقي وتحريفه لكلام الجابري)، ثم بعدما شرق الأستاذُ في كلامه وغرب، جعل المسألة التي كنا نختلف فيها مجرد خاتمة مقتضبة مدفونةٍ في ثنايا مقالته الوسطية!

فبعدَ كلامٍ طويلٍ عريضٍ استغرقَ أكثر من ثلاثة أرباع المقالة، قال الدكتور سليمان: “نختم(!) الحديث عن هذه القضيةِ بطرحِ تساؤلٍ: هل معنى هذا أن الجابريَّ يتفق تماماً مع رؤية أهل السنة المجمع عليها حول حفظ القرآن من الزيادة والنقصان؟”.
ثم أجابَ الضحيان: “من قراءاتي المتفحِّصة(!) لكتابه، ومن خلال مناقشته شفهياً كفاحاً، اتضح لي أنه هو نفسه لا يقول بنقص القرآن ولا بزيادته….لكنه في الوقت نفسه يخالف الرؤيةَ المجمعَ عليها عند أهل السنة بقوله: إنه ليس هناك دليلٌ قاطعٌ على عدم حدوث زيادةٍ أو نقصانٍ في القرآن؛ لأن من قام بجمعه ليس معصوماً”.

هذا ما انتهى إليه الدكتور سليمان الآن. وحسبَ ما يقوله، فإنه توصل لهذه النتيجةِ الجديدةِ بعد (قراءاتٍ متفحِّصةٍ) و بعد (مناقشة شفهية) مع الجابريِّ في جلسةٍ خاصةٍ قبيل الندوة.

أما (المناقشة الشفهية)، فهي التفسير المنطقي للتحوُّل الجذري في موقف الدكتور الضحيان. وأما (القراءات المتفحِّصة)، فأنا أجد صعوبةً شديدةً في ابتلاعها. فأين كانت تلك القراءاتُ يومَ كان الأستاذ يعلنُ أن الجابريَّ لم يخرج في كتابه عما قرره العلماء؟!
كل ما في الأمرِ أن الضحيانَ جلس مع الجابريِّ قبيل الندوةِ، وباحثه في ذلك القولِ الذي كنا ننسبه إليه، فكانت النتيجة مخيبةً لظنونِ أستاذنا الفاضل، حين اكتشف أن الجابريَّ بالفعل لا يقطع بسلامة النص القرآني، فعادَ إلينا الأستاذ ليطويَ كلامه الأول، و ليكتب لنا حديثاً جديداً عن قراءاته المتفحِّصةِ التي كشفت له أن الجابريَّ لا يقطع بسلامة النص القرآني من الزيادة والنقصان!

موضعُ الغرابةِ في موقفِ الأستاذ أن كلامَ الجابريِّ في كتابه كانَ واضحاً لدرجة أنه لم يكن بحاجةٍ إلى قراءاتٍ متفحِّصةٍ، ولا إلى مناقشةٍ شفهية حتى يُفهم. غير أن مبالغة الأستاذ في تعظيم شأن الجابريِّ لم تدع لعقله فرصةً كي يفهم الواضحات. فالأمرُ كما قال الأولون: (حبك الشيء يعمي ويُصمُّ)، وإلا فإن طالباً في قسم اللغة العربية، فضلاً عن أستاذٍ جامعيٍّ، لن يجد أيَّ صعوبةٍ في فهم قول الجابري: إن “من الجائز أن تحدث أخطاء حين جُمع (القرآن) زمن عثمان أو قبل ذلك. فالذين تولوا هذه المهمة لم يكونوا معصومين”. فالجابريُّ كانَ يعلنُ رأيه دون مواربةٍ، والأستاذُ كان يصرُّ و يجهد نفسه في نفي ذلك وتكذيبه، إلى أن سمعَ بأذنيه، فرأى ما كان غائباً عن عينيه.

كيف أوصل الجابريُّ مذهبه للقارئ؟

الجابريُّ في كتابه (التراث والحداثة ص259-260) كان يقولُ: “لا أرى أن الوطن العربي في وضعيته الراهنة يحتمل ما يمكن أن نعبر عنه بنقدٍ لاهوتي”. وقال: “يمكن أن نمارس النقد اللاهوتي من خلال القدماء. يعني نستطيع بشكلٍ أو بآخرَ استغلال الحوار الذي دار في تاريخنا الثقافي ما بين المتكلمين بعضهم مع بعضٍ، ونوظِّفَ هذا الحوار. لنا حرمات يجب أن نحترمها حتى تتطور الأمور، المسألة مسألة تطور”.
هذا النصُّ نقلته في مقالتي الأولى، لأشرحَ نهجَ الجابريِّ في تمريرِ أفكاره التي يتوقعُ أنها سوف تلقى ممانعةً لو عرضت بطريقةٍ مباشرةٍ. فقد كانَ من رأيه أن تمرَّر هذه الأفكار من خلال أقوال السابقين ليكون قبولها أسهل. وهذه الطريقة الماكرة هي التي سلكها حين أرادَ أن يمرِّرَ رأيه المشكك في قطعية النص القرآني. فقد اعتضد لتمريرِ فكرته بنصوصٍ عن أئمة الإسلام لا علاقةَ لها بما يريده ويقصده.

هناكَ رواياتٌ ونصوصٌ عن السلفِ –رحمهم الله- حول الكيفية التي تمَّ بها جمعُ القرآن الكريم في مصحفٍ واحدٍ زمنَ الصحابة –رضوان الله عنهم-. ومن هذه النصوص ما يتحدث عن سورٍ وآياتٍ ((تعمَّد)) الصحابةُ إسقاطها و رفعها من المصحف الذي جمعوه، باعتبارها من القرآن المنسوخِ الذي لا يجوزُ أن يبقى مثبتاً في المصاحفِ. من ذلك مثلاً ما جاء عن عمر بن الخطابِ -رضي الله عنه- أن الله أنزل في سورة الأحزاب آية رجم الزاني المحصن، ومنها ما جاء عن سعيد بن جبير: أن سورةَ الأحزابِ كانت تعدل في الطول سورة البقرة. فهذه الروايات ونحوها من النصوص السلفية البريئة أوردها الجابريُّ تحت عنوان (الزيادة والنقصان في القرآن)، و هو المبحث الذي خصَّصه لمناقشة احتمالات كمال النصِّ القرآني ونقصانه، فكانَ الجابريُّ ينقلُ تحت هذا العنوان القبيح أقوالاً للعلماء لا علاقةَ لها بما يتحدثُ عنه! ثم في نهاية المبحث (ص232) أعلن النتيجة التي انتهى إليها، والتي توصلَ فيها إلى أن “من الجائزِ أن تحدثَ أخطاءٌ حين جمعه زمن عثمان أو قبل ذلك، فالذين تولوا تلك المهمة لم يكونوا معصومين، وقد وقع تدارك بعض النقص”.

هذه النتيجة الخطيرةُ الفاسدة، و المناقضة للإجماع القطعي اليقيني، توصَّل إليها الجابريُّ عبر قنطرةٍ من نصوص السلفِ البعيدة عن مراده. وهذا المسلكُ المخادع هو الذي لم يتنبه له الأستاذ أولَ الأمرِ، حتى سمع بأذنه من الجابريِّ حقيقةَ رأيه في سلامةِ النص القرآني.

الغريبُ أن الدكتور الضحيانَ حتى بعد اكتشافه المتأخر لحقيقة قول الجابريِّ، إلا أنه لم يزل يتحدث تحت تأثير فهمه الأول الخاطئ الذي ظنَّ فيه أن قول الجابريِّ مطابقٌ لأقوال العلماء الذين اعتضدَ بنصوصهم. فالأستاذ الآن يتهمني بالتمويه والخداع، ليس لأني نقلتُ أقوال الجابريِّ ناقصةً، بل لأني حين نقلتُ أقواله لم أذكر أنها جاءت في سياق تعليقه على نصوصِ أهل العلم!

كلامٌ غريبٌ عجيبٌ، من الصعبِ أن أجد له معنى بعدما أعلن الأستاذ نفسه أن الجابريَّ يخالف الرؤية المجمعَ عليها في القطع بسلامة القرآن من النقصان. والضحيان حين يتحدث بهذه الطريقةِ فإنه يعيدنا لنقطة الصفر، إلى قوله القديم الذي تراجع عنه.

هذا الكلامُ من الأستاذ يؤكد أنه لا وجودَ لديه لشيءٍ اسمه (قراءات متفحِّصة)، وأن التغير الذي طرأ على رأيهِ إنما هو ثمرةُ حديثٍ شفهيٍّ مع الجابريِّ اكتشفَ بعده حقيقةَ قوله. أما الكلام المدوَّن في كتاب الجابريِّ، فالأستاذ إلى الآن لم يدرك مغزاه، ولم يزل يحسبه مطابقاً وموافقاً لما ذكره العلماء، فلأجل هذا رماني ببتر الكلام عن سياقه.

وأنا أدعو الأستاذ لقراءة عنوان المبحث الذي أورد فيه الجابريُّ تلك الروايات. فالعنوان هو: (الزيادة والنقصان في القرآن)، فهل لهذا العنوان علاقةٌ بنصوص السلف التي استشهد بها الجابري، حتى تكونَ تلك النصوص مفسرةً لمقصده؟!

وإذا لم يكفِ العنوان، فليقرأ الأستاذ المقدمة التي وضعها الجابريُّ في بداية المبحث، فهو يقول معرفاً بالمسألة التي يريد الحديث عنها: “موضوعُ الزيادة و النقصان في القرآن موضوعٌ قديمٌ كثر فيه القيل والقال، وهناك الآن جدلٌ طويلٌ عريضٌ في مواقع الإنترنت حول هذا الموضوع على مستويين: مستوى الجدال مع النصارى…ومستوى آخر من الجدل -صامت تارةً وناطق أخرى- بين بعض الكتاب من أهل السنة وآخرين من الشيعة…”.

هذه هي المسألة التي يناقشها الجابريُّ، فهي مسألة تتعلق بشكوكٍ في سلامة النص القرآني الذي جمعه الصحابة، فهل لهذا علاقةٌ بإسقاط آية الرجم من سورة الأحزاب، أو بقول سعيد بن جبير: إن سورة (براءة) كانت تعدل سورة البقرة؟!

السلف يتحدثون عن آياتٍ منسوخةٍ أسقطها الصحابة من المصحفِ عن علمٍ وبينةٍ، والجابري يوظِّف أقوالهم تحت عنوان (الزيادة والنقصان)، لينتهي إلى أن من الجائز أن يقعَ من الصحابةِ خطأ عند جمع القرآن! فلو أنصفَ الأستاذُ سليمانُ لعلمَ أن الذي مارس التمويه والخداعَ إنما هو الجابريُّ الذي عجن باطله بنصوصِ السلفِ، فجاء الأستاذ ليهلك نفسه في الذب والدفاع عنه تحت شعار الوسطية والاعتدال.

من الإعجابِ ما قتل.

لم يكن هذا الموضعَ الوحيدَ الغريبَ في تصرفاتِ الأستاذ، فقد رأيته في أكثر من موضعٍ يتبرع بتفسير كلامِ الجابريِّ بطريقةٍ جعلتني أتساءل ما إذا كان الضحيان ملكياً أكثر من الملك، أو جابرياً أكثر من الجابريِّ!

الضحيان في مقالته الأخيرة يقولُ إن حديث الجابريِّ عن الزيادة والنقصان في القرآن الكريم يدورُ فقط حول سورتي (الأحزاب)، و(براءة). ثم أحالنا الأستاذ على كتاب (المدخل إلى القرآن ص229-230)، وبالرجوع للموضع المذكور، رأيتُ الجابريَّ يتحدثُ في وادٍ والأستاذ يتحدث من وراء المحيطات.

الجابريُّ في ذلك الموضع لم يكن يحصر احتمالات النقص والزيادة في هاتين السورتين، بل كان يعجبُ و يستشكل أن الروايات التي تحدثت –بزعمه- عن النقصان لم تأتِ إلا في هاتين السورتين من القرآن المدني، مع أن احتمالَ النقصان يتطرق لغيرهما أكثر مما يتطرقُ لهما. ومما قاله الجابريُّ هناك: “لم يُذكَر قطُّ أن الحذفَ طالَ شيئاً ينتمي إلى القرآن المكي، مع العلمِ أن إمكانيةَ سقوطِ آياتٍ أو سورٍ كانت أكثر احتمالاً في القرآن المكي منها في القرآن المدني، نظراً للظروف القاسية التي عاناها الرسول والمسلمون في مكةَ قبلَ الهجرةِ، ونظراً لأن ظروفَ الانتقال بالقرآن المكي إلى المدينة بعد الهجرة، وقبل فتح مكة كان يتم في ظروفٍ بالغة الصعوبة”اهـ.
وكما هو ظاهرٌ فكلامُ الجابريِّ بعيدٌ كل البعدِ عما نقله لنا الأستاذ. لن أقولَ هنا إن الأستاذ بتر وقطع، أو موَّه وخدع، لكني أقول من جديدٍ: إن رغبته في الدفاعِ والذب عن الجابريِّ هي التي حالت بينه وبين فهم مثل هذا النص الصارخِ المشكك.

على أني أعجبُ كيف يذهب عقلُ الأستاذ إلى أن الجابريَّ حين جوَّزَ وقوعَ النقصان في القرآن إنما كان يقصد سورتي (براءة) و (الأحزاب) فقط، فالجابري جعل حجته الكبرى في فتح احتمال النقصان أن الصحابة الذين جمعوا القرآن لم يكونوا معصومين. فإذا كانت هذه شبهته، فهل كان الصحابةُ الذين جمعوا سائر السور معصومين؟!

موضعٌ آخر يشككني في خرافةِ (القراءات المتفحصة). فالأستاذ حين نقلَ حديث الجابريِّ عن سقوط آية رجم الزاني من سورة الأحزاب، قال: إن “الجابريَّ يرى أن الصحابة لم يضعوها في المصحف لأنها رواية آحاد وشرطُ القرآن التواتر”. ثم أحالنا الأستاذ على كتاب الجابري (ص224). ومرةً أخرى رجعتُ للموضعِ المذكور، فلم أرَ شيئاً مما نقله الدكتور، فالجابريُّ لم يذكر هناك رأيه الخاص، بل قال: “وقيل إن عمرَ أتى بهذه الآيةِ إلى زيد، وكان زيدُ بن ثابتٍ حين كان يجمع القرآن قد اشترطَ شهادة رجلين، فيما يأخذُ من القرآن…”. فالجابريُّ يتكلم بصيغة (قيل) المشككة، ثم يأتي الأستاذ لينقل أن الجابريَّ يقول بذلك.

هل لي أن أتهم الأستاذ هنا بالقطع والبتر والتحريف؟ لا لن أفعل. ولكني أقولُ وأكرر: إن حمية الأستاذ للجابري حالت بينه وبين القراءة الواعية.

في موضعٍ آخرَ من مقالة الأستاذ ذكر أن الجابريَّ يرى: “أن الروايات التي نصَّت على النقص –إن ثبتت– لا تـُحْمل على النسخ بل تحمل على أنها روايات آحادٍ، وكان الصحابة يشترطون شهادة اثنين ويردون رواية الواحد في كتابتهم للقرآن”. هكذا نقلَ الأستاذ هذا الرأي عن الجابريِّ، لكنه هذه المرة لم يعزه إلى أي موضعٍ في كتابه، فمن أينَ جاءنا الأستاذ بهذا النقل؟

هذا التأويل تبرعَ به الأستاذ للجابريِّ، والحقيقةُ أن الجابريَّ لم يذهب إليه قطُّ. لأن الجابريَّ لم يكن يتحدث عن اجتهاداتٍ للصحابةِ في قبول المتواترِ و ردِّ الآحادِ عن علمٍ وبينةٍ، بل كان يتحدث عن سقطٍ وقع منهم سهواً وخطأً باعتبارهم غير معصومين، كما هو نص عبارته في خاتمةِ المبحثِ. لكن الدكتور مرة أخرى أرادَ أن يكونَ جابرياً أكثر من الجابريِّ نفسه.

وليتَ الأستاذ يتأمل في حقيقةِ أن الجابريَّ لم يتحدث فقط عن احتمالات وقوعِ نقصٍ وسقطٍ، بل إنه تحدث –أيضاً- عن احتمالِ وقوع زيادة في النصِّ القرآن، كما نقل ذلك عنه الدكتور الضحيان. فإذا كان هذا رأيَ الجابريِّ، فهل من الممكنِ أن يكونَ من مذهبه أن الصحابةَ لم يكونوا يقبلون إلا المتواتر؟! فالذي لا يقبلُ إلا المتواترَ، كيف سيقع منه زيادةٌ في النص القرآني؟

هل قال الجابري بالنقصان و الزيادة؟!

الأستاذ الآن يقول: إن الجابريَّ لا يقطعُ بسلامة النص القرآني من الزيادة والنقصان. لكنه يضيف أن الجابريَّ توقف عند هذا الحدِّ ولم يقل بوقوع الزيادة والنقص. ورغمَ أن الجابريَّ بحثَ المسألة في عشر صفحاتٍ مفصلةٍ، إلا أن الضحيان لم ينقل من كلامه حرفاً واحداً يؤكد هذا النفي، واكتفى فقط بإحالتنا على قراءاته المتفحصة التي دلته على ذلك.

وكنتُ في مقالتي الأولى استوقفت الضحيانَ عند قولِ الجابريِّ: إن الصحابة –رضوان الله عنهم- تداركوا (بعض) النقص الذي حصل منهم عند جمع القرآن، و قد انتظرتُ من الأستاذ–وهو المتخصِّص في العربية- أن يسلطَ قراءاته المتفحِّصة على كلمة (بعض)، عله يفهم معناها الواضح الذي يدل على أن ما تم تداركه إنما هو (بعض) النقص وليس جميعَه. لكن الأستاذ فضل القفز فوق هذا الموضعِ من كلام الجابريِّ، وتجاهله تماماً حين كتب رده الأخير.

هذا التجاهل لكلمة (بعض) وإن كنتُ أستغربه من الأستاذ، إلا أني أرى فيه تطوراً آخر إذا تذكرتُ أن الضحيانَ سبق أن عدَّ هذه الجملة نصاً جلياً لا غموضَ فيه ولا لبس على إيمان الجابريِّ بسلامة القرآن من النقصان! لكن هذا النصَّ الجليَّ لم يعد الآن جلياً، بل لم يعد موجوداً، وأصبح الدليل الوحيد لدى الأستاذ هو قراءاته المتفحِّصة التي رأت ما لم يكتبه الجابري، ونفت ما كتبه.

و على أي حالٍ، فسواءٌ قال الجابريُّ بحصول النقصان في كتاب الله، أو قال بجواز حصوله، فكلا القولين ضلالٌ مبينٌ، ومنازعةٌ في ضروري من ضروريات الدين. ومجاملةُ من يقول بهذا الزيغِ مما يقشعرُّ له جلدُ المؤمن بالله المعظِّمِ لكتابه، إلا أن الأستاذ له منهجٌ وسطيٌّ خاصٌّ لا يرى في قولِ الجابريِّ ما يوجب التحذيرَ منه. بل الرد والتحذير فقط يجب أن يكون من أمثال الشيخ البراك، أو بندر الشويقي وأمثالهما من الذين يشوهون صورة المفكرين الكبار، ويستعدون الناس عليهم!

الجابريُّ و الدولة والدين.

لنطوِ الآن حديثنا عن موقف الجابريِّ من كتابِ الله. ولننتقل لمعضلةٍ منهجيةٍ أوسعَ تتعلق بتلك المدائح التي ساقها الدكتور الضحيان للجابريِّ، بطريقةٍ لا تنتمي أبداً لعالمِ الوسطيةِ والاعتدال، ولا إلى عالمِ القراءات المتفحصة.

فمن ذلك أن الأستاذ مدحَ الجابريَّ بأنه يرى أن الإسلام (دين ودنيا)، ولأنه يؤمن أن (القولَ إن الإسلام دين لا دولة قولٌ يتجاهل التاريخ).

لست أفهم سبب فرح الأستاذ بمثل هذا الكلام. فلو أن غيره ممن لا يعرف مشروع الجابريِّ (النهضوي!) صفق لهذه المقولة لكان ذلك مفهوماً عندي. لكن أن يصفق لهذا من يقولُ إنه قرأ كتب الجابريِّ كلها، فهنا نكون أمامَ أزمة فهمٍ عميقةٍ.

الجابريُّ وإن كان يقول: إنه يرى الإسلام ديناً ودولة. إلا أنه في المؤدى لا يختلف عمن لا يؤمن بذلك. فهو من الذين جعلوا حديث (أنتم أعلم بأمور دنياكم) قاعدةً ناسخةً للتشريعات المتعلقة بالسياسة والحكم.

الجابريُّ يقدم المصلحة على نصِّ الكتاب والسنة، ويؤمن أن الممارسة السياسية يجب أن تصدر عن العقل. وهو يبطل الحدود الشرعية الجسدية كحد الزنا والسرقة. و من مقولاته الغريبة العجيبة أنه بما أن المقصودَ بالعقوبة الردع والتعزير، فإن جميع الأحكام التي تصدرها المحاكم اليومَ في طول العالم الإسلامي وعرضه، هي أحكامٌ قد طبقت فيها الشريعة الإسلامية بالفعلِ!! (الدين والدولة ص200).
فبعد هذا كله، ما فائدة إيمانه بأن الإسلام دين ودولة؟!

الجابريُّ لم يقل إن الإسلام دين ودولة إلا بعدما انتهى من تفريغ الإسلام من مضمونه السياسي والتشريعي. فهو يخالف العلمانيين في الشكل لكن يوافقهم في المضمون. هو يدعو لاستبعاد شعار (العلمانية السياسية) في سبيل الأخذ بشعار (العقلانية السياسية)، والنتيجة في النهاية واحدة. لأجل هذا لما قال له حسن حنفي: “إن الإسلام دين علماني في جوهره” أجابه الجابريُّ قائلاً: “هنا أجدني مضطراً إلى القولِ: إنه وإن كنتُ متفقاً معك فيما يخيل إلي أنك تريد أن تقوله، فإني أرى أن الكيفيةَ التي عبرتَ بها عنه غير مناسبة”. (حوار المشرق والمغرب ص40).

وكما يرى الدكتور فإن الخلافَ هنا بين الإثنين إنما هو خلافٌ شكليٌّ لا يمسُّ المضمونَ، فهما يختلفان في الطريق المختارة للوصول إلى نقطةٍ واحدةٍ يقصدانها جميعاً، وإلا فإن الناظرَ في أطروحات العلمانيين التي تستنجد في إسناد مواقفها بالنصوص و بأقوال الفقهاء الأوائل، يراها تطابق أطروحات الجابريِّ تمامَ المطابقة.

خلل في الموازين

الدكتور سليمان الضحيان –سلمه الله- بعدما وافقَ على أن الجابريَّ لا يقطعُ بسلامة النص القرآني، حاولَ تلطيفَ قولِ الجابريِّ فذكر أنه لا يمكنُ الاحتجاجُ عليه بالإجماعِ، لأنه لا يؤمن بحجيةِ الإجماعِ. كما ذكر أنه لا يمكنُ الاحتجاجُ عليه بآية (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، لأن للجابريِّ رأياً في معنى الآيةِ وافقه عليه فلانٌ وفلانٌ.

هذا ما كتبه لنا الأستاذ في مقالته، وهو كلامٌ لا يساوي الكثيرَ في ميزان العلم بدين الله –عز وجل-. فالأستاذ سليمان –غفر الله له- لم يفرق بين (مسائل الإجماعِ)، وبين الضرورات اليقينية المحكمة. فالإيمان بالقرآن أحد أركان الإيمان الستة، وسلامته من النقص والزيادة، مما يندرج تحت اليقينيات التي يعبر عنها بـ (ما عُلم بالضرورة من دين الإسلام).

وحين يصلُ الخلافُ إلى مثلِ هذه المسائل، فإن المقامَ لا يكونُ مقامَ أدلةٍ فرديةٍ محتملةٍ، ولا مقام وجهات نظرٍ، أو موازنةٍ بين حسناتٍ وسيئاتٍ. بل هو مقامُ قطعٍ ويقينٍ عقليٍّ ونقليٍّ، كما أنه مقامُ حميةٍ وذبٍّ عن دين الله –عز وجل- و عن كتابه.

وحين تُحدِّثُ أستاذاً جامعياً عن تشكيكِ الجابريِّ في قطعية نص القرآن الكريم، ثم يأتي ليقولَ لك: (لكن الجابريَّ يؤمن أن الإسلامَ دينٌ ودولةٌ، و الجابري يرى أن الأشعرية يخالفون طريقةَ السلف، والجابريُّ قرب العلمانيين إلى التراث). حين يحدثك أحدٌ بمثلِ هذا المنطق، فأنت تواجه معضلةً منهجية كبرى وخللاً ضخماً في الموازين. ذلك أن التشكيك في النص القرآني، دركةٌ منحطةٌ لم ينحدر إليها سوى الملاحدة الكبار. فلا الأشعريةُ، ولا من هو أبعدُ منهم، ولا حتى الأغلبية الساحقة من العلمانيين تورَّطوا في مثل هذه البلية السوداء التي جاء بها الجابريُّ.

حول قصص القرآن الكريم

ثمةَ باقعةٌ أخرى مشابهةٌ قرَّرها الجابريُّ في كتابه لم أكن أودُّ التعرُّضَ لها، لولا أن الأستاذَ الضحيان ذكرها عرضاً في مقالته الأخيرة. فالأستاذ نقل لنا أن الجابريَّ لا يؤمن بحقيقةِ القصص المذكورة في القرآن، لأنها -في رأيه- مجرد أمثالٍ مضروبةٍ ليس وراءها حقائق تاريخية مطابقة. وقد مرَّ الأستاذُ على هذه المقولة مروراً عابراً أشارَ فيه إلى أن هذا الرأي سبقَ أن أثار ضجةً حين قال به محمد أحمد خلف الله.

وحيث أثارَ الأستاذ تلك البلية الثانية التي تبناها الجابريُّ في مدخله إلى القرآن. فليسمح لي الأستاذُ أن أنقلَ له طرفاً من مواقفِ أهلِ العلمِ من (محمد خلفَ الله) حين قال بذلك القول القبيحِ، حتى يعي الأستاذ حجمَ المسائل التي نعيبها على الجابريِّ.

فحين كتب (د.محمد أحمد خلف الله) رسالته للماجستير بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حالياً)، وانتهى إلى أن قصص القرآن الكريم لا تعبر عن حقائقَ تاريخية، وأنها مجرد أمثالٍ مفترضة لا تستند إلى واقعٍ تاريخي. حينذاك اهتزت الأوساط العلمية بمصر، وكتب شيخ الأزهر محمود شلتوت –رحمه الله- تقريراً وصم فيه ما تضمنته الرسالةُ بـ”الكفر، والجهل، والفساد”، و ذكر “أنها غارقة في تكذيب القرآن الكريم”، و أنها “تنتهي إلى الفوضى، وتهدمُ الأصولَ الإسلاميةَ في مصر المسلمة”. وكتب الشيخ مصطفى صبري كلاماً أشد من هذا، و كان مما قاله: إن ما ورد بتلك الرسالة يمثل “كفراً بالله، وانتقاصاً لمقام الألوهية”. (موقف العقل1/313).

وكما فزعَ الأستاذ الضحيان للذب عن الجابريِّ، فزع أحدهم تلك الأيامِ للدفاع عن (خلف الله) فذكر أنه لم يقصد سوى الدفاعَ عن القرآن في وجه الملاحدةِ الذين أثاروا إشكالات حول تلك القصص. عندها كتب الأديب الشيخ علي الطنطاوي –رحمه الله- مقالةً في مجلة الرسالة بينَ فيها أن المقصد الحسنَ لا علاقةَ له بتقييم الفكرة شرعاً، و أن ما ورد بتلك الرسالة لو قاله “معتقداً به أبو بكرٍ وعمرَ (وحاشاهما)، لكفر به أبو بكرٍ وعمرَ، وصارا أبا جهلٍ وأبا لهبٍ”.

كان هذا المعترك يدور منتصف القرن المنصرم، واليومَ جاء الدكتور الجابري، ليعيدها جذعةً، وليعلنَ في كتابه (المدخل إلى القرآن ص259) أن رأيه لا يختلفُ كثيراً عن النتائج التي انتهى إليها محمد خلف الله، وإن كان يختلف معه في طريقة الوصولِ إليها.

هذا ما يقوله الجابريُّ، وقد رأينا مواقف العلماء ممن قال قبله بنفي حقائق قصص القرآن. وأما مسألةُ الزيادة والنقص في النص القرآني، فلا أعلمُ أنها أثيرت يوماً من الأيامِ إلا من زنديقٍ أو كافرٍ أصليٍّ. لكن الجابريَّ اليومَ قد جمعَ بين السوأتين، فلا قطعية للنص القرآني، ولا حقيقةَ لما فيه من أخبارٍ وقصصٍ عن السالفين. وكل هذا السوء مما لا يرى فيه الدكتور الضحيان ما يستدعي التحذير من قائله أو التشنيع عليه!

الجابري والأشاعرة.

من الطرائف أن الأستاذ سليمان امتدح الجابريَّ حين رآه يذكر أن الأشاعرةَ المتأخرين تبنوا فلسفةَ ابن سينا، وأن طريقتهم تخالف طريقةَ السلف في صدر الإسلام. وليت الدكتورَ سليمان سأل نفسه –قبل هذا- إن كانَ الجابريُّ أصلاً يمنعُ من مخالفةِ طريقة السلف؟ و في أي بابٍ من أبوابِ العلم التزمَ الجابريُّ طريقة السلف، حتى يصحَّ له أن يلوم الأشعريةَ في خروجهم عن هذا الطريقِ؟!

أوليس الجابريُّ هو الذي يقولُ إن العقلَ البيانيَّ العربي عانى من “استبدادين: استبداد الحكام بالسياسة، واستبدادِ السَّلف بالمعرفة”؟! (بنية العقل العربي ص135). لو دقَّق الأستاذ سليمان، فسيكتشف أن الأشعريةَ في الواقعِ لم يزيدوا على ما يدعو إليه الجابريُّ حين طرح ضرورة التخلص من استبداد السلف بالمعرفة.

أقولُ هذا تنزلاً مع أستاذنا الفاضل، وإلا فإن الذي أوقن به أن من الظلمِ البينِ أن توزن الأشعرية برأي أمثالِ الجابريِّ، فهم مع مخالفتهم لطريقة السلف، إلا أنهم يبقونَ أقرب بمراحل من طريقة الجابريِّ الشاطحة على غير هدى.

ثم ما رأي الأستاذ لو قلت له إن الأشعريةَ المتأخرين أنفسَهم يقرون بمخالفتهم لطريقة السلف، فهم يقولون ويعلنون أن “طريقتهم أحكم، وطريقة السلف أسلم”. فمقولة الجابريِّ في الواقع تقرر أمراً يقر به الأشعريةُ قبل غيرهم. لكن الدكتورَ الضحيانَ أراد أن يجعلَ من ذلك منقبةً للجابريِّ تقابل جنايته على كتاب الله –عز وجل-.

مع أن موقف الجابريِّ من الأشعريةِ له تفسيرٌ ربما لم يتفطن له الأستاذ رغمَ قراءاته المتفحصة. فالجابريُّ حين يذم الأشعرية ويذكر تأثرهم بفلسفة ابن سينا، ليس لأجل إيمانه بالطريقة السلفية التي نعرفها ويعرفها الأستاذ. بل لأن الجابريَّ ينطلق في موقفه من تعظيمه لفلسفة ابن رشدٍ (المغربية) الناقدة للأشعرية. فمن رأي الجابريِّ أن فلسفةَ ابنِ رشدٍ تمثل”ثورة تجديدية في الثقافة العربية، ومنهجية التفكير العربي” (نحن والتراث ص260). ومن رأيه أن ابنَ رشدٍ في نقده للأشعرية كان يرجع بالأصول إلى “طريقة السلف”!!، (الكشف عن مناهج الأدلة ص31). فلو تركَ الجابريُّ الأشاعرة على حالهم لكان خيراً له من أن يدعوهم إلى شقشقات ابنِ رشدٍ.

لكن أليسَ من المفارقات أن الأستاذ ينقلُ في مقالته أن الجابريَّ لا يؤمنُ بالإجماعِ. ثم في المقالة نفسها يمتدح الجابريَّ حين يقول: إن الأشاعرةَ يخالفون طريقةَ السلفِ. فالذي لا يرى في الإجماع حجةً، ما قيمة طريقة السلف عنده؟! والذي لا يؤمن بالإجماعِ، هل يحقُّ له لومُ أحدٍ على مخالفةِ طريقةِ السلف؟!

حول خدمة الجابري للإسلام.

الدكتور سليمان ساق في كلامه مدائح للجابريِّ ربما لو سمعها الجابريُّ نفسه لما صدقها. وقد ختمَ الأستاذُ مديحه بمقارنة غريبةٍ قال فيها: إنه يعتقد “جازماً أن الجابريَّ خدم الإسلام بإنتاجه وكتبه أكثر مما خدمه الشيخ الجليل البراك؛ إذ إن الشيخ البراك لا تتعدى فائدة طرحه عدداً محدوداً من المتدينين ممن يتلقون عنه العلم، وهم في جملتهم من طلبة العلم أصلاً الذين جاؤا للاستزادة من العلم ليس غير”.

وأقولُ للدكتور: إني أتفهم تماماً كيف تصدر منه مثل هذه المقارنة الهوجاء. فالبضاعة التي يحملها الشيخ البراك ليست مما يعرف الأستاذُ قيمته ولا مقدار أثره في الناس. ولو أن الدكتور سليمان صدر في كلامه عن ميزان الشرع الذي عظم موقع أهل العلم بدين الله، و فخمَ أثرهم في الناس، لأدرك الشطط الذي ركبه في مثل هذه المقارنة (الوسطية!).

وإذا كانَ الأستاذ يرى أن تأثير الشيخ محصورٌ في عددٍ محدودٍ من المتدينين حوله، فليسمح لي الأستاذُ أن أذكره بأن أسطراً كتبها الشيخ البراك عن الجابريِّ طوت الأرضَ وطارت في الآفاق، وكان من ثمرتها أن فتحَ الدكتور الضحيان عينيه على ما لم يكن يبصره في موقف الجابري من القرآن الكريم.

لا أريدُ أن أتحدث هنا عن جهودِ الشيخ وآثاره على الناس في الداخل وفي الخارج. تلك الجهودُ التي لا يعرفها الأستاذ ولا يدري عنها شيئاً، لكني سأختصر الكلامَ وأقولَُ: إن الشيخ البراك يحمل للناس بضاعة الهدى والإيمان واليقين، والجابريُّ يحمل لهم بضاعة الشكوك والتيه. فقد افتتح حياته بالشك في وجود الله (حفريات في الذاكرة ص206-207)، وها هو يوشك أن يختمها بشكوكٍ في القرآن (مالم يتداركه الرحمان بأوبةٍ).

الشيخ البراك يرفع للناس رايةَ الكتابِ والسنة، في حين لم يزل الجابريُّ يباحث المسلمين في سلامة قرآنهم، وصحة ما فيه من قصصٍ، وفي صدقِ معجزاتِ نبيهم.

الشيخ البراك ترك تأليف الكتب الفلسفية للجابريِّ وتوجه لتأليف الرجال الذين يذرعون الأرض في الدعوة إلى الله، ولا يتشاغلون بمتاهات ابن رشد، ولا بمنطق أرسطو.

الشيخ البراك نزل إلى الأرض وجلس للناس يفقههم في الدين، يعلم جاهلهم، يعظُ غافلهم، يأمرهم بالخير، ويحذرهم من الزيغ، كما هي وظيفة الأنبياء. وأما الجابريُّ فقد جاء للأمة بمشروعٍ مهلهلٍ أشغلها بالشك في قواعدها القطعية التي من المفترض أن تكونَ محل تسليمٍ ومنطلقاً تبني عليه نهضتها.

ولئن كانت الأمةُ أضاعت أكثر من قرنٍ من الزمان في نزاعٍ حول (حجية السنة)، فإن الجابريَّ قد يدشن مشروعاً جديداً لقرنٍ آخرَ ضائعٍ في جدلٍ حولَ قطعية النص القرآني الذي لم يكن محلَّ جدلٍ إلا مع الملاحدةِ.

وإذا كان الأستاذ الضحيانُ يقول إن الجابريَّ قرَّبَ العلمانيين للتراث، فإني أقولُ: إن الأنسبَ للتعبير عن الواقع، أن يقال: إن الجابريَّ قرب العلمانيين للعبث بالتراث. ولست بحاجةٍ لأثبت هذا بعدما أقرَّ الأستاذ في مقالته بأن الجابريَّ يمارس قراءةً انتقائيةً للتراث. والقراءة الانتقائيةُ لا تصدرُ إلا ممن يحمل فكرةً مسبقةً يريدُ الوصولَ إليها من خلال التراث، فلينظر الأستاذُ سليمان ماهي؟

كان العلمانيون يظنون أن علمانيتهم لا يمكن أن تبنى على تراث المسلمين، فجاء الجابريُّ ليقول لهم: أنتم واهمون، بإمكانكم أن تكونوا علمانيين و من خلال التراث.

هذا هو الواقع الذي قد لا يروق للدكتور سليمان. لكني أريد أسأله حتى تكون موازنته أكثرَ عدلاً: فبعدما شرح لنا الأستاذُ تأثير الجابريِّ (الضخم!) على العلمانيين، لمَ لم يذكرْ لنا الأستاذُ تأثير الجابريِّ على غير العلمانيين؟! فهلا قدم لنا الأستاذ ثمرة أفكار الجابريِّ على غير العلمانيين ممن يعرفهم الأستاذ تمامَ المعرفة.

حديث حول جماعة الميزان.

هل من العدلِ والوسطية أن يكتبَ أحدٌ معترضاً على عبثٍ بكتابٍ الله، في مؤلَّفٍ منشور مشهورٍ، كُتِبت ردودٌ عليه من علماءَ ومثقفين في الداخلِ والخارجِ، ثم يأتي الأستاذ ليحذر مما سماه (جماعة الميزان) التي برزت في التسعينات، فانخرط أتباعها “في تتبع الدعاة وطلبة العلم والتفتيش الانتقائي عن أخطائهم وتشويههم أمام الرأي العام..”؟!

هذا ما ختمَ به الأستاذ مقالته (الوسطية!)، وهو سلوكٌ وتعريضٌ غير لائقٍ يشبه سلوك الاتهام والتخوين في النقلِ الذي استفتح به الأستاذ مقالته.

لكن بما أن الأستاذ حذر من الانخراط في (جماعة الميزان) التي برزت في التسعينات، فإني سأرد له الجميل، وأحذره من الانخراط في جماعة (عمى الألوان) التي ولدت خديجةً بعد سبتمبر. تلك الجماعة التي أضاعت موازينها، فلم تعد تفرق بين الصِّديق والزنديق، ولا عادت تميز بين خلافٍ سائغٍ، وخلافٍ في الضروريات والقطعيات، جماعةٌ تغضب حين يردُّ على الزائغين، وتموت حميتها حين يمسُّ كتاب الله. صدروها تتسع للمفسدين، لكنها تضيق بمن يكتب غضبةً لله.

أقولُ هذا لأني رأيتُ الأستاذ حين صدرت فتيا الشيخ البراك المشهورة، شن هجوماً شرساً على من طرح السؤال على الشيخ، وقال إن في سؤاله: “محض كذبٍ وافتراءٍ رخيصٍ ممن لا يتقي الله في اتهام الغافلين والخوض في أعراضهم”.

يقولُ الأستاذ هذا مع أنه يتحدثُ في دفاعه عن الجابريِّ عن منهج الإسلام في التعامل مع المخالف، الذي يتميز بالبعدِ عن “اتهام النيات” مع “حسن الظن والرفق والكلمة الطيبة والبحث عن الأعذار والرحمة بالمخالف والدعاء له وعدم غمطه حقه”.

فأين كان حسنُ الظنِّ والرفق، وأين كانت الكلمة الطيبةُ والبحثُ عن الأعذار، حين كان الأستاذ يتكلم عن سائلٍ أخذته الحميةُ لكتابِ الله، فنقل للشيخ كلاماً تبين لاحقاً أن الأستاذ لم يكن يفهمه، فرمى ناقله باقتطاع “نصٍ موهمٍ”، بقصد “التلبيس على الشيخ”.

وقد كان أكثر ما أثارَ حفيظةَ الأستاذ أن السائل ذكر أن تشكيك الجابريِّ في سلامة القرآن، “انتشر في وسائل الإعلام”، وأنه مما فرح به “خصوم الإسلام وأعداؤه من اليهود والنصارى والملاحدة والرافضة”. فحين قرأ الأستاذ مثل هذا الكلام كتبَ متهماً السائل بالكذبِ والافتراء الرخيص وانعدام التقوى.

فليتَ الأستاذ قبل أن يرمي هذه الاتهامات قام ببحثٍ -ولو على عجلٍ- في المواقع المشبوهة على الشبكة، ليقف على الانتشارِ و الاستبشار الذي قوبل به كلامُ الجابريِّ من بعض الأطراف المذكورة في السؤال. و قد وقفتُ بنفسي على جملة من تلك المواقع، أذكر منها: موقع الأقباط الأحرار، وموقع اللادينيين العرب، وشبكة هجر الشيعية، وغيرها كثيرٌ. فالسائل لم يبعد في كلامه عن الواقع. لكن الأستاذ هو الذي أبعد في الاتهام والقذف والتشكيك في النيات. لأنه كان يدافع عن الوسطية!

حسناً أيها الدكتور!

الشيخ البراك خُدِعَ و لبِّس عليه.

والسائل كان كاذباً عديم التقوى.

والشويقي بتر وخدع وموَّه وكذب وافترى.

وافقناك –جدلاً- على هذا كله. فهلا سجلتَ لنفسك موقفاً في الذب عن كتابِ الله تبرأ به ذمتك بعدما دافعتَ ونافحتَ.

أنت تقولُ إنك عرفتَ حقيقةَ رأي الجابريِّ المشكك في كتابِ الله في جلسة خاصةٍ قبيل الندوة. لكن –مع ذلك- لم تجد حرجاً في أن تصعدَ المنصةَ مبتسماً، لتقومَ بالتقديمِ له، ثم تسمعه بجانبك، يشتم المعترضين عليه ويقول: (من حق الكلب أن ينبحَ، ومن حق الحمام أن يغني).

أهكذا الوسطية والاعتدال؟!

اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.