مقالات بندر الشويقي

لقاء خاص مع الكاتب بندر الشويقي

لقاء خاص مع الكاتب “محـمد بن سـيف”… (الحلقة الأولى)

“حزب الله اللبناني” كان محوراً لعناوين كثيرة وحوارات عدة بثتها القنوات الإعلامية المختلفة في الفترة الأخيرة.

ولم تكن الساحة السياسية بعيدة عن هذه الأجواء والمناقشات الساخنة ، حيث امتلأت صفحتها الأولى بمناقشة الأزمة اللبنانية ، بعد أن افترق الكتاب فيها ما بين مؤيِّد ومعارض لموقف حزب الله اللبناني تبعاً لاختلاف مشارب الكتاب وطرائق تفكيرهم. ويأتي في طليعة المواضيع المكتوبة حول هذه القضية مقالة الكاتب “محمد بن سيف” : ( محسن العواجي ،، والجحش الأسود ). تلك المقالة التي أضحت فور طرحها حديث الكثير من مجالس المتابعين للساحة السياسية، وتناولت مضمونها صحيفة الحياة بالعرض والتحليل في عددها الصادر يوم الجمعة الفائت . وقد تجاوز عدد زوار المقالة بالساحات الخمسة وثلاثين ألف قارئ ، قبل أن تقوم إدارة الموقع بإغلاق المقالة إثر تشعب المناقشات تحتها وخروجها عن المقصود ، مع غياب كاتب المقالة عنها. طرح “محمد بن سيف” رأيه ، وناقش بعض المداخلات ثم أعلن أنه سوف يتأخر عن المواصلة لظروف السفر ، لكنه وعد بالعودة للإجابة عن مداخلات الأعضاء وتعليقاتهم. هذا ما عرفه القراء المتابعون. لكن ما لم يعرفوه أن “محمد بن سيف” في طريق سفره نزل ضيفاً عليَّ بمدينة الدمام العامرة ، فوجدته لا يدري شيئاً عن تطورات المعركة التي نشبت تحت مقالته، ولا يعلم ما جرى من تشَعُّب مسائل النقاش ، وخروج بعض التعليقات عن مسار الموضوع وجنوحها إلى التهجم الشخصي من بعض الكتاب.

كان حديثي معه بمحضر من بعض طلبة العلم الأفاضل ، وقد ذكر لنا “محمد بن سيف” أنه لا يزال عند وعده بالعودة للموضوع والإجابة عن جميع ما طُرح. لكن من أجل تنظيم الحوار ، فقد تم الاتفاق بيني وبينه على أن يقرأ مداخلات الأعضاء وتعليقاتهم ، ويُعدَّ أجوبته عنها ، ثم نتناول هذه التعقيبات على هيئة لقاء أو ( حوار ) بيني وبينه نستعرض فيه مناقشات الإخوة.

وقد تأكد هذا العزم بعد إغلاق الموضوع ، وعدم إمكانية تعقيب كاتبه عليه.

لكن نظراً لأن مشرفي الساحات حدَّدوا للكاتب “محمد بن سيف” ثلاث تعقيبات يومية لا يستطيع الزيادة عليها، فإن الأسئلة والأجوبة كلها سوف تنزل باسمي “عبدالرحمن الهرفي”، وقد اجتهدت في محاكاة طريقة “محمد بن سيف” في تنسيق مقالاته باعتبار أن الكلام كلامه ، وليس لي سوى ترتيب المسائل وطرح الاعتراضات.

ورغبةً في عدم الإطالة فسوف أقسم هذا اللقاء على حلقتين أو ثلاث … فإليكم الحلقة الأولى من هذا الحوار ، ولكم بعد قراءتها حقُّ الاستدراك والتعقيب.

– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –

عبدالرحمن الهرفي : ذكرتَ في خاتمة مقالتك أنك تكره الخوض في السياسة ، لكني سأبدأ معك من السياسة، وسيكون حديثنا في هذه الحلقة ذا طابع سياسي، فاسمح لي في البداية أن أسألك إن كنت لا زلتَ عند رأيك الذي طرحته في مقالتك ، أو أن المناقشات غيرت من رأيك؟

محمد بن سيف : بالتأكيد لازلت عند رأيي، والتطورات التي حدثت لاحقاً زادتني قناعة بما ذكرته. لكن قبل أن نتحدث عن أي شيء أودُّ ـ أولاً ـ أن أقدم اعتذاري الشديد للأخوين ( زمااان ) ، و ( التقوى ) ، فبعد إعادة قراءة المقالة تبين أن في كلامي معهم بعض الشدة ، وعذري في ذلك أن أسماء المداخلين اشتبهت عليَّ ، ومن طريقتي مخاطبة كل معترض بحسب طريقته في الاعتراض.

عبدالرحمن الهرفي : في التعقيب رقم (26 ) ذكرتَ أنه ( ليس لديك مشكلة في أن يفرح السُّني بنكاية حزب الله في اليهود )، فإذا كان هذا رأيك فما الفكرة التي أردتَ إيصالها للقارئ من خلال مقالتك.

محمد بن سيف : حتى تكون الفكرة واضحة دعني أشرح الصورة بكاملها ، وأرجو أن يحتمل القراء إطالة الكلام حول هذه النقطة :

المنطقة الآن تعيش خطراً رافضياً مدعوماً من إيران ، يرافق ذلك موقفٌ مشبوه وغامض من دولة الصليب الكبرى. يظهر ذلك لمن يتابع مجرى الأحداث في العراق ، حيث السعي الحثيث للتمكين للروافض في المناطق الجنوبية والوسطى تحت سمع وبصر الأمريكان ولو عن طريق التصفية والقتل. إضافةً لأنشطة رافضية ظاهرة في سوريا واليمن ولبنان وأوربا وإفريقيا. حتى صرنا نسمع ساسةً ـ لا علاقة لهم بالسلفية ولا الوهابية ـ يحذرون مما سموه : “الهلال الشيعي”.

ومذهب الرفض منذ نشأته وهو يعتمد منهجية كسب الأنصار وتغييب عقول الأتباع عن طريق الشعارات التي تدغدغ العواطف وتهيجها . بدءاً من اللطم و التباكي على الحسين ـ رضي الله عنه ـ ، و النوح على مظلومية الزهراء ، وتهييج لواعج الشوق للإمام القائم الغائب ، وترديد القصائد في حقوق شيعة أهل البيت المنتهكة، إلى آخر هذه الكربلائيات التي عرف بها الروافض منذ القدم.

ومع بداية ثورة الخميني ، أضيف لهذه المنهجية مسلكٌ آخر أشد إثارةً لعواطف الدهماء وأبلغ في تغييب عقولهم، وهو اعتماد الخطاب السياسي الثوري الأجوف : (الموت لأمريكا ) … (الموت لإسرائيل )… (مقاومة الشيطان الأكبر ) … (تدمير عملاء قوى الاستكبار العالمي ) ….. إلى آخر هذه الشعارات الفارغة من المضامين ، والتي صارت علامة بارزة على مسيرات الروافض ، حتى يخيل للمتابع أنهم يريدون فتح واشنطن وتدمير تل أبيب عن طريق ترديد هذه الشعارات مصحوبةً برفع صور آيات الله العظمى!!.

وفي ظل الخيبة والمرارة التي يعيشها المسلمون بسبب الهزائم المتكررة والجرائم التي يرتكبها اليهود ضد الفلسطينيين المدعومين من الأمريكان، فإن هذه الشعارات إذا طرقت أسماع الدهماء تصادفُ قلوباً خاويةً فتتمكن منها. وعند ذلك يغيب العقل ، تمهيداً لغياب التوحيد والسنة.

وحين يأتي من هو في مقام القدوة والقيادة في مثل هذه الظروف ليقول للناس : تناسوا الآن من يكون حزبُ الله ، وأجِّلوا التفكير في انحرافات وضلالات الروافض. فهنا يكون مكمن الخطر. وبهذا المسلك يكون الروافض قد أصابوا هدفهم ، وتكون شعاراتهم قد نجحت في تغطية العقول.

فإذا كان المسلم السُّني سيتعاطف مع الحزب في معركته مع اليهود ، فمن المفترض أن يقال له : تعاطف مع الحزب ـ إن شئتَ ـ، وافرح بنكايتهم في اليهود ، لكن لا تنسَ من هم الروافض ، ولا تغب عنك ضلالاتهم ولا أهدافهم و أهداف من يحرِّكهم.

لكن الذي حدث من بعض الأفاضل هو العكس تماماً ، فقد سمعناهم يقولون : ينبغي تأجيل الخلاف مع الشيعة وتنحيته خلال هذه الأزمة!

والمشكلة أن كلام هؤلاء الأفاضل ليس موجهاً لأهل السنة في لبنان فحسب، بل هو خطاب عام للمسلمين أجمع، وأكثر أهل السنة الذي يسمعون هذا الخطاب ليسوا في جبهة قتال حتى يطلب منهم تأجيل البحث في ضلالات الروافض ممثلين بحزب نصر الله ، بل هم ( في الغالب ) آمنون في بيوتهم ومساكنهم ، ويتابعون الأحداث من بعيد ، فإذا فرحوا بنكاية حزب نصر الله في اليهود، فهم لم يرتكبوا جريمةً بالتأكيد، لكن هنا يتعين ويتأكد تذكيرهم بحجم الانحرافات التي يتبناها الحزب وأسياده في قم.

عبدالرحمن الهرفي : بعض المداخلات على مقالتك ذكرت أنه من غير المعقول أن تكون معركة الحزب مع اليهود مجرد تمثيلية ، وبخاصة أن نصرالله سبق أن فقد ابنه في تلك المعارك ، وبعض قيادات الحزب قتلت أو اعتقلت، ومدن الشيعة تعرضت للتدمير من قبل طائرات اليهود.

محمد بن سيف : لم أقل إن ما يجري مجرد تمثيلية. لكني أقول وأكرر : إن الأحداث السياسية الحية من الصعوبة بمكان إدراك أبعادها على وجه اليقين، فقد يتقاتل الحلفاء حين تتعارض مصالحهم ، ولا ينفي ذلك كونهم حلفاء في الأصل. وقد يتحالف الأعداء حين تلتقي مصالحهم، ولا ينفي ذلك كونهم أعداء في الأصل. فإذا تقاتل الحزب مع اليهود ، فلا يعني هذا أنه ليس لليهود مصلحة في بقائه والتمكين له في لبنان، لأنه لو ذهب فالبديل سيكون أسوأ مما يريدون. ولك أن تتخيل كيف سيتعامل اليهود مع حدود لبنانية مفتوحة لكل من يريد قتالهم ، مع انتشار الجماعات الجهادية الفلسطينية وغير الفلسطينية ، وكثرة مؤيديها في هذه الحقبة.

عبدالرحمن الهرفي : لكن البعض يعارض هذا الطرح بسبب تركيزه على الخطر الرافضي ، وتجاهله للخطر اليهودي والخطط الأمريكية نحو شرق أوسط جديد.

محمد بن سيف : قضية فلسطين والمعركة مع اليهود كانت ولا زالت مطية لتجار الشعارات. ودولة الرفض وذيلها في لبنان (حزب نصر الله ) أرادوا أخذ دورهم في ركوب هذه المطية.

اليهود ودولتهم المقامة على أرض فلسطين أصبحوا اليوم بالنسبة لجميع أنظمة الحكم في المنطقة واقعاً لا بدَّ من التسليم بوجوده. وفكرة زوال إسرائيل لم تعد مطروحة حتى بالنسبة للحكومة الإيرانية . وقد سمعنا مؤخراً زعيمهم أحمدي نجاد وهو يقول : (إن إيران لا تشكل خطراً أو تهديداً لإسرائيل ). ولا يوجد اليوم دولة عربية ولا غير عربية تعدُّ نفسها لتحرير فلسطين أو حتى تفكر في ذلك. ولو فكرَتْ في ذلك فهي أعجز من أن تنفذ.

وأنظمة الحكم قد استوعبت هذا الواقع جيداً ، وباتت تدرك عجزها وضعفها، فجميع المواجهات السابقة مع اليهود تنتهي بوقف لإطلاق النار ، بعد دماء وخسائر عربية جسيمة. ثم يتطور وقف إطلاق النار إلى اتفاقية بشروط يهودية ، أو قرار دولي في صالح اليهود. ثم ينصرف العرب بعد ذلك ليلعقوا جراحهم، وليلعن بعضهم بعضاً ، وليرمي كل منهم تبعة الهزيمة على الآخر. ثم تمضي السنون ليخرج لنا مغامرٌ آخر يعيد القصة نفسها.

وما صنعه حزب نصر الله مؤخراً لم يخرج عن هذا الإطار : خسائر كبرى تقدر بالمليارات، وقتلى بالمئات ، وتدمير شبه كامل للمرافق ، ونزوح أكثر من ثلث اللبنانيين من مساكنهم أثناء الحرب . ثم في النهاية : موافقة على وقف إطلاق النار ، وقرار دولي ـ بموافقة الحزب ـ ينص على نشر قوات دولية على الأراضي اللبنانية ، (وليس اليهودية ). وهذه القوات سيكون دورها حماية حدود دولة اليهود، وهي بالتأكيد لن تفعل شيئاً فيما لو فكر اليهود في تجاوز الحدود اللبنانية.

عبدالرحمن الهرفي : إذاً ما الحل ؟

محمد بن سيف : الحل أن يستوعب العقلاء أنه لا يوجد حلٌّ قريب عن طريق حرب مباشرة. وأي مواجهة اليوم في ظل الأوضاع الحالية فهي ليست في صالح المسلمين. و في ظني أنه لا يوجد اليوم أحدٌ يريد أن يحل ببلده مثلما حلَّ بلبنان من دمار وهلاك مقابل إطلاق صواريخ محدودة الأثر على اليهود. وهذه الحقيقة هي التي قصدها من وصف تصرف حزب نصر الله بأنه : ( مغامرة غير محسوبة ) ، وهو ما أقرَّ به نصر الله نفسه حين قال مؤخراً إنه لو علم برد فعل اليهود لما أقدم على أسر الجنديين الإسرائيليين.

والذي أعجب له أن كثيراً من الأفاضل يتبنى هذه الفكرة تماماً عندما يُسأل عن عمليات الجماعات الجهادية السنية ضد الدول الغربية. فمعارضة تلك العمليات مبنية على اعتبارات عدة : منها أن هذه العمليات تجرُّ المسلمين إلى مواجهات لا يملكون القدرة على خوضها، والواقع يشهد بذلك. لكن هؤلاء الأفاضل نسوا تلك الحقيقة تماماً في غمرة الضجة الإعلامية التي رافقت عمليات حزب نصر الله.

عبدالرحمن الهرفي : لكن هذا الكلام الذي تقوله هو نفسه كلام من يدعو للتطبيع مع اليهود ؟

محمد بن سيف : من الخطأ إجبار الناس على خيارين : إما حرب ، وإما تطبيع.

الذي أقوله : إن بالإمكان تجنب الحرب ، دون الدخول فيما يسمى بالتطبيع. وهناك خيار دعم المسلمين داخل الأراضي الفلسطينية بما يمكن ولو دعماً معنوياً. وأهم من ذلك كله : الانصراف للإعداد المادي والمعنوي للأمة المسلمة حسب القدرة. ومن ضمن هذا الإعداد مواجهة الخلل العقدي الموجود لدى المسلمين ، وعلى رأس هذه الخلل الذي تتعين مواجهته : مذهب الرفض الذي يريد منا بعض الأحبة تأجيل الكلام عنه من أجل تحقيق نصر متوهم على اليهود!!

عبدالرحمن الهرفي : ألا يعتبر هذا الكلام استسلاماً ؟ ألا يعبر موقفك هذا عن يأس ؟

محمد بن سيف : نعم. هو يأس من الواقع القائم حالياً . لكن الأمل موجود في تغير هذا الواقع.

ومن أراد الذم فسوف يصف هذا الموقف بأنه : (استسلام )، ومن أراد المدح فسيقول : هو ( تعقُّل ) و (حسن سياسة ). لكن الألقاب والتسميات يجب ألا ترهبنا أو تغير مواقفنا، فالعبرة بالحقائق وليس بالأسماء والشعارات. ودولة الروافض التي يتحدث بعض قادتها عن إزالة إسرائيل هي أول من يُسلم بإسرائيل كواقع موجود. وأما حزب نصر الله سبق أن أعلن أن مشروعة لا يتجاوز الأراضي اللبنانية ، وليس ضمن أهدافه تجاوز الحدود الإسرائيلية.

عبدالرحمن الهرفي : لكن هناك من يقول إن الحزب حطم خرافة جيش إسرائيل ، و نجح في صد العدوان الإسرائيلي على لبنان ؟

محمد بن سيف : أين هذا النجاح ؟ وهل كان اليهود يريدون احتلال لبنان حتى نقول إن الحزب نجح في صدِّهم ؟!

يخطئ كثيراً من يتصور أن اليهود يهدفون على المدى القريب إلى احتلال لبنان وأن رفاق نصر الله هم الذي يقفون في وجوههم. اليهود لديهم من المشاكل الداخلية ما يشغلهم عن التفكير الآن في ضم أراض جديدة. لكن مشكلتهم الحالية تكمن في تأمين حدودهم الشمالية ، بعد أن تمكنوا عبر المعاهدات والاتفاقيات من تأمين حدودهم الأخرى. واجتياحهم للبنان عام 82م لم يكن الهدف منه احتلال الأراضي اللبنانية، وإنما كان المقصود منه تصفية الوجود الفلسطيني في لبنان ، لوقف العمليات الفدائية عبر الحدود اللبنانية. وهذا ما تحقق لهم.

وحزب نصر الله بمغامرته الأخيرة أكمل مشروع تأمين حدود اليهود عن طريق قرار وقف لإطلاق النار ، مشفوعاً بنشر قوات دولية تحرس إسرائيل.

وبهذه المناسبة أريد أن أرجع معك إلى الوثيقة التي أصدرها (حزب نصر الله ) عام 1405 هـ ، وسوف يصاب القارئ بالدهشة والعجب حين يقارن ما ورد فيها مع موقف الحزب الحالي حين وافق على وقف إطلاق النار ونشر قوات دولية على الحدود الإسرائيلية.

جاء في تلك الوثيقة ( الثورية ) النص التالي :

“إن مواجهتنا لهذا الكيان يجب أن تنتهي بإزالته من الوجود، ومن هنا فإننا لا نعترف بأي اتفاق لوقف إطلاق النار ضده، أو أية اتفاقية هدنة معه، أو أية معاهدة سلام منفردة أو غير منفردة …. ونسجل في هذا السياق إدانتنا لكل الدول والمنظمات المنحرفة التي تلهث وراء الحلول الاستسلامية مع العدو وتقبل “بمقايضة الأرض بالسلام” ونعتبر ذلك خيانة لدماء الشعب الفلسطيني المسلم ولقضية فلسطين المقدسة. وإن القوات الدولية التي يسعى الاستكبار العالمي لإحلالها على أراضي المسلمين في المناطق التي سينسحب منها العدو بحيث تشكل حاجزاً أمنياً يعرقل تحرك المقاومة ويحفظ أمن إسرائيل وقواتها الغازية هي قوات متواطئة ومرفوضة… وقد نضطر إلى معاملتها كما نعامل قوات الغزو الصهيوني على حد سواء”.

هذا الكلام كله ذهب مع الريح. لأنه كلام ليس أكثر.

ولو أخذنا بهذا البيان الثوري الأجوف فإن حسن نصر الله ورفاقه سيكونون على رأس قائمة المنظمات المنحرفة ، وسيكون الحزب أول خونة دماء الشعب الفلسطيني و قضية (فلسطين المقدسة ) حين وافقوا على اتفاق وقف إطلاق النار ، و رضوا بإحلال قوات دولية متواطئة تحفظ أمن إسرائيل.

عبدالرحمن الهرفي : لكن هناك من يقول إن حزب الله رغم ذلك كله قد نجح في كسب تعاطف الشارع في العالم الإسلامي كله ، وليس من المصلحة التهجم عليه في ظل هذا التعاطف الجارف.

محمد بن سيف : هذا الكلام يمثل إحدى المشاكل التي نحتاج لعلاجها والخلاص منها. فمتى كان الشارع هو الذي يقود العالم والداعية. إن من أعظم الخلل الموجود اليوم في صفوف الدعاة الاستستلام لرغبات الرعاع والجهلة. وإذا كان أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ، فإن سلطان العامة وضغط الجهلة يحتاج لجهاد مماثل

على أن موقف هؤلاء العامة لم يأتِ من فراغٍ، بل هو نتاج تقصير سابق من بعض العلماء والدعاة. فلو كان أولئك العامة يملكون حصانةً عقدية ، ويعلمون حقيقة الرفض والروافض ومقدار مناقضة دينهم لمبادئ الإسلام وحجم أطماعهم في المنطقة ، لو كانوا يعرفون ذلك كله، لسهل التخاطب معهم، و لما توجهوا باللوم لعالمٍ صادقٍ يتحدث عن ضلالات نصر الله ورفاقه. لكن الحقيقة غُيِّبت عن هؤلاء المساكين وقت الرخاء، فصعب عليهم تفهمها وقت الشدة.

فمن الظلم الاقتصار على لوم هؤلاء دون لوم الدعاة الذين تحول حديثهم إلى مايشبه حديث الساسة. وبدل أن يعلموا الناس التوحيد والسنة ويحذروهم من البدع وأهلها ، صاروا يحدثونهم بكلام عام مجمل عن  التعايش و الوحدة الإسلامية وتقبل الخلاف و عن خطر إثارة الخلافات الطائفية . فكانت النتيجة ما نراه الآن من صعوبة مواجهتهم بالحقيقة عند الأزمات.

عبدالرحمن الهرفي : الكاتب “سعيد الحظ” طلب إبداء الرأي في مقالة د. محمد الأحمري ( خداع التحليل العقدي ).

محمد بن سيف : د. محمد الأحمري رجل عارف بالشأن السياسي معرفةً واسعةً. والفكرة التي ذكرها في مقالته صحيحة لا يمكن أن ينازعه فيها أحد. فالجانب العقدي ليس وحده المحرك والمفسر لتصرفات البشر. بل هو عامل ضمن عدة عوامل يمكن تفسير الأحداث بها. لكن إذا كان الاقتصار على البعد العقدي في تفسير الأحداث خطأ ، فإن الاقتصار على غيره خطأ أيضاً. فلا أدري لأي شيء ألغى د. الأحمري العامل العقدي تماماً في تفسيره وتحليله للأزمة اللبنانية.

حين يكون هناك صراع يدخل فيه حزب يجعل الدين شعارا ًله ، ويقوده المعممون بناءً على شعارات مذهبية ، ويكون هذا الصراع في بلد كل شيء فيه موزع على أساس طائفي بدءاً من الأرض ، والمناصب الحكومية ، ومراكز النفوذ ، و وسائل الإعلام ، والولاءات الخارجية. فهل يمكن إهمال الجانب العقدي عند مناقشة مثل هذا الصراع ؟!

(الحلقة الثانية  )

أيها الإخوة : إليكم القسم الثاني من هذا للقاء مع أخينا الكاتب “محمد بن سيف” على خلفية مقالته التي طرحها بالساحة بعنوان : “محسن العواجي … والجحش الأسود” ،  وإني إذ أعتذر عن تأخري في تنزيل هذا الجزء لأسباب خارجة عن الإرادة ، فإني أريد مشورتكم في مواصلة هذا الحوار. إذا لا زال هناك الكثير من النقاط التي  أثيرت من قبل الإخوة، ولم نناقشها مع أخينا في هذا القسم.

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-

عبدالرحمن الهرفي : انتهينا في حديثنا السابق عند مقالة د. محمد الأحمري حول (خداع التفسير العقدي ). وقبل أن نغادر  هذه النقطة نودُّ الوقوف مع رأي طرحه الدكتور ـ رعاه الله ـ في لقاء له مع موقع الإسلام اليوم حيث امتدح نظام الحكم في إيران، و ذكر (أن إيران تفوقت على دول المنطقة بالديمقراطية ).

محمد بن سيف : كما قلت لك من قبل : الدكتور محمد عارفٌ بالشأن السياسي معرفة واسعة . لكني أخشى أنه وقع هنا في (خداع التحليل العقدي )! فالإعجاب بالديمقراطية كثيراً ما يدفع الكثيرين إلى تعليق كلَّ منجَزٍ عليها.

قوة إيران ليست أمراً جديداً طارئاً، بل هي دولةٌ قويةٌ مُذ أيام الحكم الملكي، بل قبل ذلك بكثير. وقد دخلتها المدنية قبل دول المنطقة بعقودٍ من الزمن. ومنذ أكثر ثلاثة قرون أثناء الحكم الصفوي كانت إيران تقف نداً مكافئاً للخلافة العثمانية. وهذه القوة ترجع لعوامل تاريخية وعرقية ومذهبية ، إضافةً لموارد بشرية واقتصادية كبيرة. لذا فإن تعليق سبب تلك القوة على وجود الديمقراطية إنما هو نوعٌ من (خداع التحليل العقدي ) الذي حذر منه دكتورنا الفاضل.

وهذا الكلام إنما أقوله على فرض وجود نظام ديمقراطي في إيران حالياً. وإلا فإن النظام هناك بعيدٌ جداً عن وصف الديمقراطية. بل هو لوصف الديكتاتورية أقرب. وتسلط نظام الحكم هناك أشهر من أن يخفى. وقد عانى واشتكى من ذلك كثير من مشاهير الشيعة الإيرانيين وغيرهم : كـ (آية الله العظمى ) محمد تقي الشيرازي، و (آية الله ) منتظري ، و (آية الله ) حسن طبطبائي ، وأحمد الكاتب ، وموسى الموسوي ، وأبو الحسن بني صدر ، وآخرين. وأشار لهذا (آية الله العظمى ) محمد حسين فضل الله في بعض كتاباته.

بل ذكر (آية الله ) منتظري في بعض كلامه أن نظام الحكم الحالي أكثر ديكتاتوريةً من حكم الشاه!!.

هذه كلها آراء لشيعة معروفين. وأما معاناة أهل السنة هناك فبابٌ واسع.

ولا أدري كيف يمكن أن يكون هناك نظام ديمقراطي مع وجود القتل والسجن والمطاردة وفرض الإقامة الجبرية على المعارضين؟!

وكيف يكون النظام في إيران ديمقراطياً مع وجود مادة في الدستور (غير قابلة للتغيير إلى الأبد!! ) تنصُّ على التزام الدولة بالمذهب الإثني عشري.

نعم يوجد في إيران انتخابات، لكن لا توجد ديمقراطية. و إيران هي الدولة الوحيدة في العالم التي يوجد فيها زعيم أعلى فوق الرئيس المنتخب له مكانة فوق مستوى المحاسبة والمساءلة، و يملك حق عزل وإقرار وتنصيب السلطات الثلاث : “التشريعية” و”القضائية” و”التنفيذية”.

قد يكون تسلط الحكم هناك الآن أخفُّ وطأةً من أيام الخميني، لكن من جهة النظام والدستور فالحال لم يختلف. ولو مارس خامنئي سلطاته الممنوحة له كما مارسها سلفه الخميني، لاتضحت الصورة أكثر.

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=

عبدالرحمن الهرفي : ذكر الكاتب “المتجدد” أنك أخطأت حين حمَّلت المرجعية الشيعية مسؤولية أعمال القتل والإبادة في العراق. وأنك بهذا الكلام خرقت قاعدة : (ولا تزر وازرة وزر أخرى ). وذكر أخونا أن التعامل بهذا المنطق يعني مسؤولية علماء أهل السنة عن أعمال القتل العمياء التي تجري على أيدي بعض أهل السنة في العراق. بل إن هذا المنطق يعني مسوؤليتك أنت عن الدماء التي أريقت في الجزائر ومصر لأنك تعتمد نفس العلماء الذين يعتمد القتلة هناك.

محمد بن سيف : لهذا السبب قلتُ : إن الذي لا يعرف نظام المرجعيات الشيعية ، فلا يمكن أن يفهم أيَّ صراع يدخل الشيعة طرفاً فيه.

علاقة الشيعة بمراجعهم ليست كعلاقة أهل السنة بعلمائهم. فالشيعي الذي يتبع مرجعاً معيناً لا يجوز له الخروج عما يفتي به ذلك المرجع. وخروجه عن فتوى ذلك المرجع معصية وإثم يوجب العقوبة. فإذا أعلن حزب الله أن مرجعيته (علي خامنئي ) ، فمعنى هذا أنه يتلزم أوامر وتوجيهاته وفتاواه. و يعتبر التزامه هذا واجباً شرعياً يفرضه عليه دينه. وطاعة المرجع ـ عندهم ـ هي تبع لطاعة الإمام المعصوم الغائب!.

وأما عند أهل السنة فليس هناك عالمٌ معين يلزم المستفتي الأخذ بأقواله كلها.

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-

عبدالرحمن الهرفي : لكن الكاتب “المتجدد” يقول : “إن المرجعية في نهاية الأمر هي مرجعية دينية وليست سياسية”.

محمد بن سيف :  وهذا خطأ آخر. فأنا تحدثت في كلامي عن مرجعية معيَّنة يتبعها حزب الله، وهي مرجعية (علي خامنئي ). وهذه المرجعية هي الأخطر باعتبار قيامها على مبدأ (ولاية الفقيه ) الذي يعطي المرجع سلطة سياسية على الأتباع أينما كانوا، وطاعتهم له تكون بمنزلة طاعة الإمام المعصوم.

والبيان الصادر عن حزب نصر الله أكد هذه النقطة بوضوحٍ ، فقد ورد في البيان النص التالي : “كل واحدٍ منا هو جندي مقاتل حين يدعو داعي الجهاد، وكل واحد منّا يتولى مهمته في المعركة وفقاً لتكليفه الشرعي في إطار العمل بولاية الفقيه القائد”.

ولو راجع أخونا “المتجدد” أيَّ كتاب يتحدث عن ولاية الفقيه فسوف يعرف الخطأ الذي وقع فيه ، حين تصور أني أتحدث عن مرجعيةٍ لا علاقة لها بالسياسية. بل لو رجع للبيان الصادر عن حزب نصر الله لرأى التبعية السياسية للمرجعية الدينية في إيران واضحةً كلَّ الوضوح.

وتأكيداً للطبيعة السياسية لولاية الفقيه يقول أحمد الكاتب : “نظام المرجعية الدينية قد تطور وتبلور عبر العصور ، من دور الإفتاء في المسائل الحادثة في القرون الأولى ، إلى القيام بمهمة القضاء وتنفيذ بعض الأحكام الشرعية كإقامة الحدود أو جمع الأخماس والزكوات في العصور المتأخرة ، إلى التصدي للقيادة العسكرية والسياسية في القرن الأخير ).

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-

عبد الرحمن الهرفي : لكن الأخ “المتجدد” يقول إنك أخطأت حين ظننت أن شيعة العراق مثل حزب الله يتبعون مرجعية (خامنئي ) ، بل هم في الغالب موزعون بين مرجعيات (السيستاني ) و(الشيرازي ) و (الصدر ) و (والخوئي  ).

محمد بن سيف : إذا كنت ستطيل الوقوف عند مداخلات الأخ (المتجدد ) ، فأنا أودُّ التنبيه إلى أنه في كثيرٍ من كلامه ينسب لي ما لم أقله ، ثم يطيل بعد ذلك في المناقشة!

مقالي موجود ، والذي يرجع إليه لن يجد فيه أيَّ إشارة إلى تبعية جميع (شيعة العراق ) لمرجعية خامنئي.

حديثي كان عن (فيلق بدر ) المسؤول الأول عن من مذابح أهل السنة في العراق، وهو فيلق تابع لما يعرف بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية بزعامة عبدالعزيز الحكيم. وهذا المجلس يعلن ولاءه وتبعيته للمرجع الإيراني (علي خامنئي ). وهذا أمرٌ مشهور يعرفه الجميع، ولا أتوقع أن الأخ (المتجدد ) يجهل مثل هذا.

(فيلق بدر ) تشكل في إيران ، وتدرب فيها ، وتمويله منها ، ورئيسه يعلن عن تبعيته (السياسية ) لزعيم إيران الولي الفقيه (علي خامنئي )، فكيف يستغرب الإخوة بعد ذلك كله تحميل (خامنئي ) مسؤولية جرائم أذنابه في العراق.

وحزب نصر الله ـ في الجهة الأخرى ـ يعلن التزامه بقيادة الولي الفقيه نفسه في إيران.

فهل من الغريب أن أقول : إن اليد التي تحرك هذا هي نفسها اليد التي تحرك ذاك ؟!

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-

عبدالرحمن الهرفي : مما انتقده الأخ “المتجدد” إغفال تباين المواقف بين المراجع الشيعية ، وأن هناك مراجع أكثر انفتاحاً من غيرهم.

محمد بن سيف : هذا الكلام يدخل ضمن ماذكرته لك آنفاً من طريقة أخينا “المتجدد” في المناقشة ، فأنا لم أتحدث عن مراجع متعددة حتى يعترض أخونا  بوجود تباين في مواقف المراجع. كلامي كله عن مرجعية واحدة ، وهي مرجعية (علي خامنئي ) التي يعلن حزب نصر الله تبعيته و ولاءه السياسي لها.

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-

عبدالرحمن الهرفي : قريب من سؤالي السابق اعترض الأخ “المتجدد” على عدم تفريقك وتمييزك بين مراتب أهل البدع في عداوتهم لأهل السنة. ويقول : “هل يقول عاقل يقرأ قواعد القرآن ويعي تفاوت الواقع بأن “حزب الله” يقع مع “أمل” على مرتبة واحدة؟!”.

محمد بن سيف : المشكلة أن أخانا “المتجدد” لم يطبق هذا الكلام في تعامله مع إخوانه من أهل السنة. فقد حشر اسمي مع آخرين لكلٍ منهم نهجه ورأيه وطريقته في الكتابة، ثم صار يحملني مسؤولية ما يكتبون ويقولون. وقد نسب لي أشياء كثيرة لم أقلها ولم تخطر لي على بالٍ. وقد رأيت الإخوة علقوا على كلامه هناك بما يغني عن التكرار.

وأما بالنسبة لتفاوت أهل البدع فهو أمرٌ معلومٌ ، ولم يكن غائباً ـ بحمد الله ـ عند الكلام عن توجهات حزب نصر الله.

لكن مما يجب أن يدركه المتكلم في مثل هذا : أن هناك داخل كل فرقة أراء شخصية يختلف فيها رأي فلان وفلان حتى وإن انتسبوا لطائفة واحدة. و بالمقابل هناك قواعد وأصول يتفق عليها أتباع الفرقة كلهم. وما أخشاه أن أخانا “المتجدد” خلط بين الأمرين فانساق وراء ألاعيب الشيعة . فقد رأيته يقول ـ مثلاً ـ : “هل يقول عاقل أن الخميني الغالي وعلي شريعتي المعتدل كلهم شيعة على مرتبة واحدة؟!”.

قرأت هذا الكلام لأخينا “المتجدد”، وعجبتُ من وصفه لعلي شريعتي بالاعتدال. وأخشى أن أخانا تلقف هذا الكلام من غيره، ولم يقف على كتابات ذاك الفاجر المشحونة بشتيمة كبار الصحابة وخيار الأمة و وصفهم بأقذع الألفاظ وأقبحها.

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-

عبدالرحمن الهرفي : لكن هذه النقطة لا تزال بحاجة لمزيد إيضاح فيما يتعلق بالفرق بين حزب الله ومنظمة أمل.

محمد بن سيف : الشيعة الإمامية كلهم يؤمنون بمبدأ ( الإمامة والعصمة ). وهذا المبدأ ـ باختصار ـ يعني أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخذ على أصحابه العهد والميثاق بأن يؤمنوا بإمامة علي وعصمته، وأن من جحد إمامته فليس من أهل الإيمان. وبعد وفاة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ غلب الهوى على الصحابة فنكصوا على أعقابهم، ونقضوا إيمانهم ، وغصبوا علياً حقه في الخلافة والإمامة، وبايعوا أبا بكر ثم عمر ثم عثمان.

هذا أصل يتفق عليه عموم الشيعة الإمامية سواء في ذلك حسين فضل الله أو حسن نصر الله أتباع حزب الله أو منظمة أمل. ولو شذَّ وخالف في ذلك مخالفٌ فقد خرج عن حدود المذهب الإمامي. وبناءً على مبدأ (الإمامة والعصمة ) هذا نشأ الموقف السلبي للشيعة من صحابة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ . فإذا جاءك الشيعي وقال لك : (أنا أومن بالإمامة لكني أحترم الصحابة )، فهذا تناقض يدل على تقية وكذبٍ مكشوفٍ.

فكأن قائل هذا يقول أنا أومن أن الصحابة خونة جحدة ، لكني أحترمهم!!

ومن المعلوم أن التزام حزب الله بأصول المذهب الشيعي الإمامي أكثر من التزام منظمة أمل التي خالطتها توجهات علمانية تكاد تغلب عليها.

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-

عبدالرحمن الهرفي : هناك من انتقد كلامك عن الحزب أثناء الحرب ، وذكر أنه لن يفرح بتفريق المسلمين وإثارة الخلاف الطائفي بينهم سوى الأعداء.

محمد بن سيف : هذا الكلام سمعناه كثيراً ، وهو للخطابة والإنشاء أقرب منه إلى التفكير الواقعي. وكأن قائل هذا الكلام يتحدث عن صفٍّ موحَّدٍ يخاف عليه من التصدع والانقسام !!

المسلمون متفرِّقون ، وهذا واقعٌ يعرفه الأعداء جيداً. والتعامي عن هذه الحقيقة هو ما يخدم العدو الذي يحاول استثمارها عن طريق التمكين للأقلية الشيعية لتقف في وجه الأكثرية السنية في المنطقة العربية. والذين طالبوا بتأييد حزب نصر الله  اكتفوا بالحديث عن عدم فقه مخالفيهم للواقع . لكنهم لم يطرحوا حلاً لنتيجة متوقعة لهذا الدعم ، و هي زيادة نفوذ الروافض بلبنان على حساب أهل السنة.

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-

عبدالرحمن الهرفي : الكاتب “السر العميق” ذكر ما يدل ـ في رأيه ـ على عدم تبعية حزب الله لإيران. حيث إن الحزب يقرُّ للحكومة اللبنانية المارونية ويعمل معها، وقد شارك في الانتخابات النيابية سنة 1992م. مع أن الخميني سبق أن أعلن سنة 1986م أن النظام اللبناني غير شرعي وعميل ،  وأكد على ضرورة أن يتولى المسلمون الحكم في لبنان لأنهم الأكثرية.

محمد بن سيف : هذا الكلام يؤكد تبعية الحزب لإيران. لأن الحزب في ذلك الوقت كان يتبنى كلام الخميني تماماً، والذي يرجع للوثيقة الصادرة عن الحزب سنة 1405هـ ، سوف يجد فيه الالتزام بعدم الدخول مع النظام اللبناني، وبمواصلة العمل ضده لسببين اثنين :

1ـ لكونه صنيعة الاستكبار العالمي وجزء من الخارطة السياسية المعادية للإسلام.

2ـ ولكونه تركيبة ظالمة في أساسها لا ينفع معها أي إصلاح أو ترقيع.

هذا نص موجود في الوثيقة الصادرة عن الحزب في الفترة التي صدرت فيها فتاوى الخميني. وتطابق الموقفين واضح.

لكن لما تغير موقف القيادة الإيرانية من الحكومة اللبنانية ، تغير موقف الحزب تبعاً لذلك.

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-

عبدالرحمن الهرفي : مقالتك كان عنوانها “محسن العواجي … والجحش الأسود”. وهنا سؤال سوف أختم به هذا الجزء من لقائنا ، وقد كان حق هذا السؤال أن يفتتح به اللقاء : فمن قصدتَ بعبارة “الجحش الأسود” ، إذ إن بعض الإخوة فهم من ذلك تعريضاً ببعض الدعاة. بل ذكر “المتجدد” أنك بكلامك هذا “تستجحش الدعاة”!

محمد بن سيف : لا أدري من أين استنبط “المتجدد” و غيره ذلك الفهم ، ومعاذ الله أن أصف فلاناً أو فلاناً من الأفاضل بمثل هذا الوصف. والذي يقرأ السطر الأخير من المقالة سوف يعرف من المقصود إن سلم قلبه من قصد تشويه الكلام وتحريفه. ولو أني أستطعت استدراك عنوان المقالة لفعلت تجنباً لمثل هذه الظنون البعيدة.

لقاء مع الكاتب “محـمد بن سـيف” .. (3)

نواصل الآن حلقتنا الثالثة من الحوار مع أخينا كاتب الساحات ( محمد بن سيف ). وأودُّ بدايةً الإشارة إلى أنني ترددتُ في إتمام حلقات هذا اللقاء نظراً لارتباطها بأحداث لبنان الأخيرة التي لم تعد محل اهتمام الناس كما كان الأمر قبل أسابيع مضت. لكن الكثير من الأفاضل أشاروا بالمواصلة نظراً لأهمية المسائل المتبقية التي لم تتمُّ مناقشتها إلى الآن، وباعتبار أن تلك المسائل ترتبط بمنهجٍ عامٍ ، وليس بالأزمة اللبنانية فحسب… فإليكم الآن الحلقة الثالثة :

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-

عبدالرحمن الهرفي : انتقدتَ في مقالتك حول حزب الله موقف الشيخ سلمان العودة ـ رعاه الله ـ . وذكرتَ أنك كتبتَ رأيك وأنت تعلم أن ذلك سيثير حفيظة بعض القراء. فهل من تفسير لهذه النقطة؟

محمد بن سيف : لم يكن نقدي للشيخ سلمان وحده ، فمقالتي تضمنت نقداً لموقف تبناه مجموعة من الأفاضل حول الأحداث اللبنانية. لكن الشيخ كان الاسم الأبرز فيهم. وقد حدثَ ما توقعته من ردَّة فعل بعض الإخوة، غير أن الأكثرين ـ ولله الحمد ـ تقبلوا النقد في سياقه بعيداً عن التفسيرات المتحاملة.

والذي أرجوه منك الآن أن نؤخِّر بحث ما يتعلق بالشيخ سلمان إلى حلقتنا القادمة. فلي وجهة نظر سوف أطيل في شرحها حول موقف الشيخ ـ وفقه الله ـ من هذه القضية ونظائرها.

عبدالرحمن الهرفي : لا بأس. نؤجل ذلك إلى حلقة حوارنا القادمة. ولنرجع الآن إلى بعض ما ذكره الكاتب (المتجدد ). فقد ذكر هو وآخرون أن مناصرة حزب الله واجبٌ شرعي باعتبار أن الحزب مظلوم ، والله قد أوجب نصرة المظلوم.

محمد بن سيف : الاعتداء والظلم وقع على اللبنانيين من اليهود ومن حزب نصر الله الذي أقحمهم في حرب لا مصلحة لهم فيها. ولا تخدم سوى المصالح الإيرانية ، ولن يجني اللبنانيون منها سوى الدمار والخراب. وبالنسبة لي فقد قلت من البداية بوجوب مناصرة اللبنانيين بما يمكن . لكن بعض الأفاضل الذين دعوا لمناصرة الحزب كأنهم يقولون : (لبنان هو حزب الله ، وحزب الله هو لبنان )، فإذا ضربت لبنان ، فلابدَّ من مناصرة حزب نصر الله!!

وأخشى أن هؤلاء وقعوا في فخِّ حزب الروافض الذي أراد أن يجعل قتال اليهود حكراً عليه من خلال منع أي نشاطٍ ضد اليهود لا يتم عن طريقه.

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-

عبدالرحمن الهرفي : الكاتب (المتجدد ) ذكر أنك وقَعتَ في أخطاء فقهية ، واستشهد بجملة من الحوادث التاريخية التي تؤيد رأيه في وجوب مناصرة الحزب. وذكر أن موقفك نابع من قلة الخبرة بتاريخ الأمة الإسلامية ومواقف علمائها في باب السياسة الشرعية.

محمد بن سيف : قرأت كلام الأخ (المتجدد ) وعجبت من منهجيته في الاستدلال. وأستطيع من خلالها أن أجزم ببعده التام عن العلم الشرعي.

وقد تأكد لي هذا حين رأيته يتحدث عن الذين يستغلون نصوص ابن تيمية عن الرافضة في معاركهم الرخيصة، وقوله إن ابن تيمية إذا ذكر ( الرافضة ) فإنه لا يعني الشيعة الاثني عشرية جميعاً. وإنما يعني بعض الغلاة منهم!

لن أقول : لو أن أخانا قرأ . لكن أقول : لو أنه شمَّ رائحة كتاب منهاج السنة لابن تيمية لما قال هذا الكلام ، ولا خطر له على بالٍ.

وفي الجملة فإن المسائل الشرعية تحتاج للتصوُّر التام قبل الاستدلال عليها.

ثم الاستدلال بعد ذلك يكون بالكتاب والسنة والإجماع، وليس بمواقف تاريخية لفلان أو فلان (على فرض صحة ثبوت ما نسبه المتجدد لبعض العلماء).

وحتى لو أراد الباحث أن يستشهد أو يعتضد بموقف لعالمٍ فمن المفترض أن يحرِّر رأي هذا العالم تحريراً تاماً ليتأكد من تطابق رأيه مع المسألة التي يريد المتحدث الاستدلال عليها.

لكن أخانا (المتجدد ) لم يفعل شيئاً من ذلك ، وإنما اكتفى باقتناص كلمة من هنا وأخرى من هناك من غير تحرير للوقائع، ولا بيان لوجه الاستدلال.

عبدالرحمن الهرفي : لكنه ذكر وقائع على مرِّ التاريخ تدل على أن العلماء لم يكونوا يتوقفون عن مناصرة أهل البدع والقتال معهم ضد أهل الكفر. ولم يقولوا : هؤلاء أهل شرك وبدعة فلا نقاتل معهم.

محمد بن سيف : هذا الكلام ليس على إطلاقه. وأنا لم أمنع من مناصرة جميع أهل البدع. وبما أن الأخ (المتجدد ) حشر ابن تيمية فيمن لا يرى بأساً في القتال مع كل من انتسب للإسلام، فإني أحيله على كتاب الرَّد على البكري (2/732) ، وسوف يجد هناك أن ابن تيمية ذكر أن التتار لما قَدِموا إلى الشام فزع أهل الخرافة والجهالة إلى القبور يستغثيون بها، ويطلبون النصرة منها. قال ابن تيمية : “ولهذا كان أهل المعرفة والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرَّة لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ورسوله. ولما يحصل في ذلك من الشر والفساد وانتفاء النصرة المطلوبة من القتال، فلا يكون ثواب الدنيا ولا ثواب الآخرة من عرف هذا وهذا”.

ثم ذكر الشيخ أن التتار لما جاءوا ثانيةً في زمانه إلى دمشق جعل يأمر الناس بالإخلاص لله واحده وطلب النصر منه. فلما صلح حال الناس وقاتلوا قاتل معهم ونصرهم الله على عدوهم نصراً مؤزراً.

وقديماً كان عمر بن عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ يقول : لا تقاتلوا مع القَدَرية فإنهم لا ينصرون. كما رواه عنه صاحب الإبانة.

عبدالرحمن الهرفي : لكن ماذا عن الوقائع التي ذكرها الأخ (المتجدد ) ؟

محمد بن سيف : بعض الوقائع التي نقلها غير صحيحة. فهو يحكي اتفاقات ومواقف لا حقيقة لها. فمن ذلك دعواه اتفاق العلماء على مناصرة كافة الفصائل الأفغانية ضد الروس، بما في ذلك الفصائل الشيعية.

يقول الأخ (المتجدد ) هذا الكلام مع أني نقلت له فتوى إمام هذا الزمان الشيخ ابن باز التي سُئل فيها عن القتال مع الشيعة ضد الشيوعيين، فقال : “لا أرى ذلك ممكناً ، بل يجب على أهل السنة أن يتَّحدوا ، وأن يكونوا أمة واحدةً وجسداً واحداً ، وأن يدْعُوا الرافضة أن يلتزموا بما دل عليه كتاب الله وسنة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الحق ، فإذا التزموا بذلك صاروا إخواننا وعلينا أن نتعاون معهم”.

مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ( 5/157).

فهل سيقول (المتجدد ) إن الشيخ ـ أيضاً ـ جاهل وقليل الخبرة بفقه السياسية الشرعية؟!

وأغرب من هذا كله دعوى أخينا أن فقهاء الأمة ناصروا النظام النصيري في قتاله ضد اليهود ، وأنهم ناصروا النظام (الناصري الاشتراكي العلماني المحارب للإسلاميين ) في قتاله لليهود.

ينسب أخونا هذا لجميع (فقهاء الأمة ) من غير أن ينقل حرفاً واحداً يؤيد دعواه!!

فمَن فقهاء الأمة الذين دعوا للقتال تحت لواء النصيرية ؟!

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-

عبدالرحمن الهرفي : لكن نقل (المتجدد ) عن ابن تيمية أن (ولاة أهل السنة) كانوا يغيثون وينجدون (ولاة الشيعة). واستشهد على ذلك بقوله في الفتاوى : (كان أهل الشام بأسوأ حال بين الكفار النصارى والمنافقين الملاحدة, إلى أن تولى نور الدين الشهيد, وقام بما قام به من أمر الاسلام وإظهاره, والجهاد لأعدائه, ثم استنجد به ملوك مصر بنو عبيد على النصارى فأنجدهم).

محمد بن سيف : هذا الكلام يؤكد ما ذكرته لك من أن أخانا لا يحرِّر مواقف العلماء تحريراً تاماً. فحين ترِد عَرَضاً عبارة لابن تيمية يحكي فيها حدثاً تاريخياً مضمونه (أن بني عبيد استنجدوا بنور الدين الشهيد ضد النصارى فأنجدهم ). فهل يمكن أن نأخذ من هذه الكلمة العابرة موقف ابن تيمية من القتال مع الروافض والنصيرية والإسماعلية؟

ابن تيمية في مواضع كثيرة من كتبه يعلن أن بني عبيد ملوك مصر وأمثالهم ملاحدة كفرة مرتدون زنادقة أكفر من اليهود والنصارى. ويقرر أن قتالهم وقتلهم واجبٌ شرعي باتفاق العلماء. ويعلن أنه لا يجوز استخدام أتباع مذهبهم في الجيش المسلم، بل يرى ذلك من كبائرالذنوب . فكيف يمكن أن ينسب إليه مع هذه كله إطلاق القول بإباحة القتال معهم أو تحت رايتهم؟!

بل ذهب ـ رحمه الله ـ إلى أبعد من ذلك ، فقرَّر أنهم لو تابوا والتزموا شرائع الإسلام، فإنهم يتركون ولا يُقتلون، لكن ـ خوفاً من تقيَّتهم وكذبهم ـ فإنهم لا يتركون مجتمعين، بل يُفَرقون ، ولا يمكنون من حمل السلاح، ولا يسمح لهم بالقتال مع المسلمين.

و ذكر في كلام له عن الدروز إنه يحرم مرافقتهم والمشي معهم والنوم معهم في بيوتهم!!

فهل يُترك هذا الكلام كله ، من أجل أن ابن تيمية ذكر واقعة تاريخية فيها أن بني عبيد استنجدوا بنور الدين فأنجدهم؟!

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-

عبدالرحمن الهرفي : مما ذكره (المتجدد ) عن ابن كثير حين ذكر أن أهل جزيرة إقريطش استنجدوا بالمعز الفاطمي ضد النصارى . قال ابن كثير : “فأرسل إليهم جيشاً فانتصروا على الفرنج ولله الحمد والمنة”.

محمد بن سيف : وهذا ـ أيضاً ـ كلامٌ غير محرَّر. فما وجه الاستدلال بهذا الكلام؟! ابن كثير يسرد واقعة تاريخية ، و لا يتحدث عن حكم فقهي.

وإذا كان ابن كثير يحمد الله على نصرة المعز الفاطمي على الفرنج في تلك الواقعة، فنحن كذلك نحمد الله إن كان في ذلك خير للمسلمين. وقد قلتُ مراراً أني أفرح بنكاية حزب نصر الله في اليهود لما في ذلك من المصلحة لأهل الإسلام. لكن هذا شيء والتحدث عن نصرتهم والقتال معهم شيء آخر. وأبعد من ذلك الدعوة إلى تناسي أو تأجيل الحديث عن ضلالاتهم.

وقد كان العبيديون بمصر يتعرضون مراراً لغزو النصارى، وفي الوقت نفسه كان علماء الإسلام يصنفون في بيان كفرهم وزندقدتهم ومروقهم من الدين. ولم يقل أحدٌ يجب تأجيل الخلاف أو تنحيته. ولا قال أحدٌ إن إثارة الخلاف معهم مما يفرح به النصارى. بل ذكر المؤرخ أبو شامة أن الشيخ أبي القاسم علي بن نصر الشاشي صنف كتاباً في ردتهم ، ذكر فيه أن قتالهم أولى من قتال غيرهم , وقال : “لو وُفق ملوك الإسلام لصرفوا أعنة الخيل إلى مصر لغزو الباطنية ، فإنهم من شر أعداء دين الإسلام”.

والمعز الفاطمي الذي أرسل الذي يستشهد (المتجدد ) بقتاله للنصارى، هو الذي قال له الفقيه الشهيد أبو بكر ابن النابلسي : “لو كان لي عشرة أسهم، لرميت الروم بسهم، ورميتكم بتسعة”. وقد كان الإمام الدارقطني إذا ذكر هذا الفقيه يبكي بسبب ما صنعه به المعز ـ قبحه الله ـ ، فقد أمر بأن يسلخ جلده ويحشى تبناً ويُصلب. فكان ـ رحمه الله ـ يتلو القرآن وهم يسلخون جلده.

وقصة هذا الشيخ ليست سوى واقعة واحدة من وقائع كثيرة وفظائع تبلغ الغاية في الشناعة مما ارتكبه أولئك الملاحدة الفجرة الذين يقول (المتجدد ) إن علماء الإسلام شكروا جهادهم للكفار. فهل لملحدٍ جهادٌ أو عملٌ مقبولٌ يحمد عليه؟!

يقول المؤرخ أبو شامة ـ رحمه الله ـ : “ما كانت ولاية أولئك الملاعين إلا محنة من الله تعالى” . ويقول لما مات العاضد : “انقرضت تلك الدولة، وزال عن الإسلام بانقراضها الذلة”. ويذكر أن مؤسِّسها “كان زنديقاً خبيثاً عدواً للإسلام متظاهراً بالتشيع متستراً به، حريصاً على إزالة الملة الإسلامية. قتل من الفقهاء والمحدثين والصالحين جماعة كثيرة، وكان قصده إعدامهم من الوجود لتبقى الناس كالبهائم ثم يتمكن من إفساد عقائدهم وضلالتهم”. ثم يقول : “ونشأت ذريته على ذلك منطوين، يجهرون به إذا أمكنتهم الفرصة ، وإلا أسروه… وبقي هذا البلاء على الإسلام من أول دولتهم إلى آخرها….اللهم العن هؤلاء الكفرة الفجرة الملحدين ، وارحم من أزالهم وكان سبب قلعهم ومن جرى على يديه تفريق جمعهم، واصلهم سعيراً ولقهم ثبوراً وأسكنهم النار جمعاًٍ”.

فهذه هي الدولة التي يقول أخونا إن علماء الإسلام حمدوا جهادها للكفار. فهذه الدولة ما كانت تجاهد إلا أهلَ الإسلام. وما وقع من قتال بينها وبين النصارى فلا يمكن بأية حال تسميته جهاداً شرعياً.

وقد ذكر ابن ابن تيمية أن الساكن بمصر تحت حكم العبيديين كان يخاف أن يروي حديثاً عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيقتل!! ويذكر الذهبي في تاريخ الإسلام أن تلك الدولة كانت شراً على الإسلام وأهله.

فأي جهادٍ يمكن أن يقوم به أولئك الأرجاس.

وهل كل قتالٍ يقع بين منتسب للإسلام وبين النصارى يطلق عليه اسم الجهاد؟!

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-

عبدالرحمن الهرفي : وماذا عن سيف الدولة الحمداني؟

محمد بن سيف : سيف الدولة كان أميراً على جزء كبير من الشام. ومن المؤرخين من ذكر أن فيه تشيعاً ، ومنهم من ذكر أنه كان إمامياً رافضياً. وهناك فرق كبير بين العبارتين. والمعروف عن الروافض في تلك القرون أنهم كانوا يحرمون الجهاد ، ولا يرون جوازه إلا مع إمامهم الغائب الذي سيخرج آخر الزمان. والذي يراجع كتابات المفيد والطوسي وغيرهم من علماء تلك الحقبة يرى ذلك واضحاً جلياً.

وعلى كلا الحالين فما علاقة تشيع سيف الدولة بما نحن فيه. (المتجدد ) نقل عن ابن كثير والذهبي ثناءهم على شجاعة سيف الدولة ومعاركه مع الروم. فلو فرضنا أن سيف الدولة كان رافضياً خالصاً، فهل حديثنا عن جواز الثناء على شجاعة الرافضي ، أو أننا نتحدث عن حكم مناصرته والقتال تحت رايته ، والسكوت عن ضلاله وتأجيل الخلاف معه؟

عبدالرحمن الهرفي : مما ذكره (المتجدد ) خبر ثلاثة من الفقهاء طلبوا من عز الدولة الرافضي أن يغزو الروم ؟

محمد بن سيف : وهذه عينة أخرى من طريقة أخينا في التقاط جزء من واقعة تاريخية ثم الاستشهاد بها في غير محلها.

عز الدولة كان أحد ملوك البويهيين الذين حكموا الناس باسم الخلافة العباسية بعد أن تغلبوا على خلفائها وصار لهم الأمر والنهي فيها دونهم. وفي وقتهم تعطل الجهاد وطمع النصارى في بلاد المسلمين ، فكانت جيوش الروم تغزو أطراف الشام وتهدد أرض العراق. فجاء أولئك الفقهاء إلى عز الدولة وشجعوه على غزو الروم ففعل.

فهل هذه الصورة تطابق ما نحن فيه ؟!

كما قلت من قبل ، فأخونا لا يحرِّر المسائل، لأنه يعتمد على عبارات ترد عرضاً في مصادر تاريخية. والأحكام الشرعية لا تبحث في كتب التاريخ.

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-

عبدالرحمن الهرفي : مما استدل به (المتجدد ) فتوى هيئة كبار العلماء بالمملكة في جواز الاستعانة بالأمريكان الصهاينة ضد صدام حسين.

محمد بن سيف : الغريب أن أخانا يستدل بهذه الفتوى لنصرة رأي الشيخ سلمان ـ وفقه الله ـ. والشيخ سلمان نفسه كان من أشهر المعارضين لتلك الفتوى.

على أن تلك الفتوى ـ أيضاً ـ ليست مما نحن فيه. فهي تحدثت عن الاستعانة بالكافر ليكون داخل الجيش المسلم وتحت قيادته وإمرته في حال الضرورة. وهذا ما لم يحدث آنذاك. وهو ـ أيضاً ـ لا ينطبق على الوضع الللبناني.

وفي الجملة أقول تعليقاً على كلام كل من يتحدث عن التحالف مع الروافض : إن الذي أريد أن يفهمه الجميع أن القضية الكبرى والنقطة الأهم التي أردت التنبيه عليها أثناء الأحداث اللبنانية ، هي الدعوة إلى تناسي ، أو تأجيل ، أو تنحية الحديث عن ضلالات الروافض. فهذه الدعوة لها خطورتها وأثرها الخطير على عقائد المسلمين في هذا الوقت بالذات. وقد بدأت آثارها تظهر في سورية و مصر. ولعل الجميع سمع تصريح الشيخ القرضاوي وتحذيره من اجتياح التشيع لأرض مصر. مع أن القرضاوي نفسه كان أثناء الأزمة اللبنانية يقول : إن خلافنا مع الشيعة إنما هو في بعض الفروع لا غير.

وأما مسألة الفرح بنكاية الروافض في اليهود فهذا لا إشكال عندي فيه ، إذا كان هذا الفرح مقروناً بفهم حقيقة الروافض ومباينة أصولهم لمبادئ دين الإسلام، وقد شرحت هذه النقطة مراراً.

وأما الحديث عن مناصرة الروافض أو التحالف معهم ، فلا يمكن لأحدٍ أن يطلق القول بجواز ذلك ، ولا بالمنع منه. لأن هناك حالات اختيار ، وهناك حالات ضرورة ، ثم إن كلمة (تحالف ) كلمة مجملة ، وهناك مراتب من التحالف والمناصرة ليست على درجة واحدة ، فهناك الدعم السياسي، وهناك الإعانة بالمال، و هناك الإعانة بالنفس بالقتال تحت رايتهم ، وهناك تحالف بالقتال إلى جانبهم وكلٌ له رايته وقيادته ، و هناك تحالف بانضوائهم تحت راية أهل السنة وقتالهم معهم. ولا بدَّ مع ذلك كله من النظر في الراية المرفوعة والغاية التي تقاتل لأجلها.

فهذه كلها مسائل مختلفة لكلٍ منها حكمه الخاص، ومن الخطأ إطلاق القول في حكم التحالف مع الروافض أو مع غيرهم دون تفصيل هذه الأحكام. وأسوأ من ذلك بناء هذه الأحكام كلها على عبارة مجتزأة تحكي جانباً من واقعة تاريخية.

عبدالرحمن الهرفى : يقول (المتحدد ) إنه لم يعرف لك أيَّ جهدٍ في الدعوة إلى الله ، وأنه لا يعرفك إلا “من خلال منتدى الساحة متربصاً بالدعاة والفضلاء والمصلحين ، تتحين بهم الفرصة تلو الأخرى .. متلذذاً بإقامة مسلخك الإلكتروني فوق نوافذ الساحة السياسية .. غير متناسٍ أن تذيل مقالاتك من طرفٍ خفي بالابتهال إلى الله أن يوفق ولاة الأمور … وأن مذهبك هو مذهب الخارجية السعودية المناصر للأمريكان الصهاينة ، وأنك تمثل جزءاً من مشروع لوزارة الداخلية من أجل استبدال قيادات الصحوة برموز الجامية الناعمة.

محمد بن سيف : دعك من هذا الكلام الرخيص الذي يعرف الجميع بطلانه. وليت قائله ذكراً لنا “بعض الدعاة والفضلاء والمصلحين” الذين تربصت بهم وأقمت لهم مسلخي الألكتروني!! مقالاتي في الساحات وغيرها موجهة ضد أناس من جنس (تركي السديري ، وحماد السالمي ، وحمزة المزيني ، وخالد الغنامي ، وعبدالله بن بجاد ، وحسن الصفار ، وحسن المالكي ) وأشباه هؤلاء من المفسدين الذين أرى جهادهم بالقلم من أفضل القربات. فإن كان (المتجدد ) يعتبر هؤلاء من “الدعاة الفضلاء المصلحين” ، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

وقد رأيت بعض الإخوة من كتاب الساحة الذين لا أعرفهم ردوا ـ مشكورين ـ على قائل هذا الكلام وأنكروه عليه . فإن كان أخونا قد أخطأ والتبست عليه الأسماء فأسأل الله أن يعفو عنه . و إن كان تكلم بهذه الافتراءات متعمداً ، فالله الموعد.

-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-

عبدالرحمن الهرفى  :

أيها الإخوة الأعزاء : نكتفي بهذا القدر الآن . وفي القسم الرابع من هذا اللقاء سيكون مبدأ حديثنا حول موقف الشيخ سلمان ـ وفقه الله لكل خير ـ، نسأل الله أن يوفقنا جميعاً للعدل في القول والعمل. وأرجو أن يكون مقصد الجميع ومطلبهم الحق ولا شيء غير الحق.

اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.