مقالات بندر الشويقي

وجهة نظر مختلفة حول موقف ( أردوغان )

وجهة نظر مختلفة حول موقف ( أردوغان )

بندر بن عبد الله الشويقي

أما أنه موقف مشرف، فنعم، وألف نعم. فالصهاينة ومن وراءهم لم يعتادوا أن يقابلهم أحدٌ في محفلٍ رسمي بمثل تلك اللغة المشبعة بمعاني العزة والأنفة. فهم لا يعرفون من جهتنا سوى خطابات الاستجداء الذليلة الخانعة التي فضحتها غضبة (أردوغان) المضَرية. غير أن هذه الغضبة ما لم يقارنها فعلٌ يناسبها فسوف تبقى مجردَ ذكرى جميلةٍ تشبه ذكرى حذاء منتظر الزيدي.

هل هذا الكلام تقليلٌ من موقف الزعيم التركي؟ بالتأكيد لا.. فموقف (أردوغان) سوف يبقى علامةً فارقةً في لغة الخطاب مع الصهاينة. غير أني مع فرحي بمنظر (بيريز) الذليل أمام هبة (أردوغان)، إلا أني أعجز عن تجاهل الموقف التركي المعلَن من دولة اليهود، فأرجع لأقول: إن نشوتنا بموقف (أردوغان) إن طغت على عقولنا، وتجاوزنا بها حجمها الحقيقي، فسوف تنسينا حقيقةَ أن تركيا لاعبٌ رئيسٌ في مسيرة التطبيع مع اليهود التي انخرطت فيها جميع دول المنطقة بلا استثناء.

الدولة التركية لديها علاقات اقتصادية وسياسية وعسكرية معلنة مع اليهود، و قد سبق للأمريكيين ترشيح حكومة (أردوغان) للاضطلاع بمهمة إقامة شرق أوسط جديد وأنموذج إسلامي معتدل كما صرح بذلك مهبط الأحذية (جورج بوش)، وكما نشرته صحيفة (يني شفق) التركية القريبة من حزب العدالة. والمبادرة العربية الرجيمة تحظى بتأييد و مباركة كاملين من حكومة (أردوغان).

و(عبدالله غل) وزير الخارجية التركي الأسبق -و الرئيس الحالي- سبق أن صرحَ لقناة الجزيرة، بأن حكومته تقوم بجهود وساطةٍ من أجل تطبيع العلاقات بين باكستان وإسرائيل، و في مناسبة أخرى ذكر للقناة نفسها أن حكومته تقوم –أيضاً- بدور الوساطة للتطبيع بين إسرائيل وسوريا.

و هذه المواقف تتسق تماماً مع الموقف والنهج الذي يتعامل به حزب العدالة مع الوضع الداخلي التركي، و المبني على الخضوع الكامل للشرط العلماني الذي يحرسه الجيش، وتجاوز جميع الخطوط الحمراء، مقابل السماح للحزب بالبقاء في سدة السلطة. وهو المسلك الذي يوصف بأنه نهجٌ واقعي ذكي.

لست هنا بصدد تقييم الموقف الداخلي للحزب، فتلك تجربة ربما لم يحن الوقت بعد لتقييمها تقييماً موضوعياً. لكن الحديث هنا إنما هو عن سياسة الحزب الخارجية. فتركيا اليومَ ضيفٌ جديدٌ على القضية الفلسطينية، وهي في تعاملها مع القضية، لا تجر وراءها ذاك التاريخ الطويل للصراع الدامي في المنطقة الذي لم تكن طرفاً مباشراً فيه، و ساستها لا يعانون ما تعانيه الحكومات العربية فيما يتعلق بالرفض الشعبي الواسع لمبدأ التطبيع مع اليهود. ذلك الموقف الذي يجبر الساسة العرب على سلوك طرق التمويه والتغطية قبل الإعلان الصريح عن تطبيع العلاقات رسمياً.

كل هذا مما لا وجودَ له في الحسابات التركية. وإذا أضيفَ لذلك كون تركيا عضواً في حلف الشمال الأطلسي، واستماتتها في سبيل الانضمام  للاتحاد الأوربي، وحرصها على غض الطرف الأمريكي عن تدخلها المستمر في شمالي العراق، والسماح لها بالدخول لمطاردة الأكراد متى أرادت. فهذه العوامل مجتمعة مما يرشح الحكومة التركية للقيام بدور مأذون عقد النكاح الذي يرادُ إكماله بين اليهود و العرب.

ما أقصده من هذا الكلام أن الذي يؤمن باستمرار خيار المقاومة، ويرفض مبدأ التطبيع مع اليهود عليه ألا يصفق لموقف (أردوغان) أكثر مما يجب، و ألا يستغرق في موقفٍ عابرٍ يلهيه عن الصورة الأكبر. وقد صفق العرب طويلاً لحرب (1973م)، فلم ينقطع تصفيقهم إلا على خبر زيارة السادات لدولة اليهود، ثم توقيعه لمعاهدة الذل والخيانة.

ونحن اليومَ مهما طربنا وصفقنا لموقعة (دافوس) الكلامية، يجب ألا ننسى أن موقف الحكومة التركية على المدى البعيد من القضية الفلسطينية ومن الصراع مع اليهود، لا يختلف عن موقف الآخرين، وهو موقفٌ لا يسير أبداً في صالح خيار المقاومة. فالسياسة التركية تدفع باتجاه التطبيع، وهي الغاية التي يستميت اليهود في الحصول عليها، كما أنها الورقة الوحيدة المتبقية بأيدي بني يعرب، بعد تسليمهم بالعجز عن الحسم العسكري.

و من نافلة القول أن الثمرة المباشرة للتطبيع بين اليهود ودول المنطقة ستكون خنق المقاومة في الداخل الفلسطيني. وحين تسعى تركيا للوساطة في عمليات التطبيع، فهي في الواقع تحقق المزيد من التضييق على المقاومة الفلسطينية. و موقف الحكومة المصرية في الأزمة الأخيرة، لم يكن سوى نتيجة متوقعة لتطبيعها العلاقات مع الصهاينة. فالتطبيع و دعم المقاومة نقيضان لا يجتمعان.

وعليه فإن موقف تركيا ومنهج حماس إن التقيا اليومَ، فمن المفترض أنهما في النهاية سوف يصطدمان، ما لم يتزعزع أحدهما عن مبدئه. فحال تركيا مع حماس، سيكون في المآل كحالِ حماسٍ مع سائر دول المنطقة التي اختارت الدخول في الاتفاقيات ومفاوضات السلام الماراثونية التي لا يكسب فيها سوى المتسابق الصهيوني .

والذي يراقب ما يجري الآن، يرى جهوداً حثيثة تبذل لاستثمار دمار غزة في سبيل الدفع بحماس نحو خيار السلام، و التساؤل الذي أتوقع أن يبرز قريباً: ماذا لو خضعت حماس وسائر الفلسطينيين لشروط اللعبة، وتخلوا عن خيار المقاومة الذي يضغط الجميع باتجاهه؟

قد يبرز هذا السؤال قريباً لدى المعتنين بالشأن الفلسطيني. وأياً كان الجواب عنه، فيجب ألا نحمل الفلسطينيين أكثر مما يطيقون. فإن اختاروا الثباتَ على الجهاد والاستمرار في خيار المقاومة فدعمهم و الوقوف معهم متعين. ومن عجز عن دعمهم، فلا عذر له في التآمر عليهم أو المشاركة في حربهم. بل ليس له الحق في لومهم لو مدوا أيديهم لقبول المال الإيراني.. لكن إن رأت فصائل المقاومة أن المصلحة الآن في الكف و إلقاء السلاح، فيجب ألا نكلفهم فوق ما يطيقون،  فقد أدوا الكثير مما عجز عنه غيرهم. لكن إلقاء السلاح شيء، و مد الأيدي للصهاينة شيء آخر.

اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.