مقالات علي فريد

الأوهامُ ثم يَنْجَلِينْ : علي فريد

الأوهامُ ثم يَنْجَلِينْ : علي فريد

مقال أكثر من رائع بعنوان الأوهامُ ثم يَنْجَلِينْ : علي فريد .

قلنا قديماً ولم يسمعنا أحد، ونكرر الآن ولن يسمعنا أحد :

* اختلاف اللصوص لا يعني بالضرورة ظهور الحقيقة، بل قد يعني أنهم اتفقوا على الاختلاف ليسرقوك مرة أخرى بطريقة جديدة!!

* في الثورات: الشجرة التي لم تشارك في غرسها لا تنتظر ثمرتها!!
* مؤامرات الغرف المغلقة كاتفاق الزاني والقواد، فلا تكن العاهرة!!
* فَرَحُك بصراع المماليك أنساك أنهم يتصارعون على رأسك!!
* أيبك قتل أقطاي.. بيبرس قتل قطز.. الحرافيش خارج المعادلة!!
***

مقال الأوهامُ ثم يَنْجَلِينْ : علي فريد

لو خُيِّرتُ بين (عواجيز الفرح) و(دراويش الفرح) لاخترت عواجيزه!!
الدروشةُ سرطانُ الواقع، والفرحُ الشديد كالحزن الشديد؛ مُذهِبٌ للعقل ومُشتِّتٌ للروح.. وقديماً ذُهِلَ- فرحاً- ذلك الذي شارف على الهلاك في الصحراء بعد عودة راحلته وعليها طعامه وشرابه، فقال:” اللهم أنت عبدي وأنا ربك”!!

لا أعرف إن كان علماء النفس قد سَكُّوا مصطلحاً خاصاً للمرض النفسي الذي يصيب الثوار السابقين فيرهنهم ويرتهنهم (للميدان) دائماً وأبداً، سلباً وإيجاباً.. بيد أنَّ (متلازمة الميدان) هذه سَتُورِدُنِا المهالك إن مارسناها كلَّ مرةٍ بالطريقة ذاتها التي مارسناها بها أول مرة!!
الثورة كالحب؛ ليس لها (نيجاتيف)!!

أعرفُ نشوةَ دخول الميادين.. أعرف فرحتها.. أعرف زخمها الروحي والنفسي.. أعرف تلك الحالة التي تُشعرك بأنك تقبض على نجوم السماء بيديك.. كل هذا أعرفه وأشتاقه.. بيد أنك لا تعبر النهر الواحد مرتين!!

الذين قطفوا القطفة الأولى وذاقوا عسيلة الثورة البكر، ثم طال عليهم الأمد؛ ظنوا أن نافخ الكير يمكن أن يُحْذِيَكَ أو تبتاع منه أو تجد منه ريحاً طيبة!!
حين يصبح الميدان غايةً يسقط الميدانُ والغاية!!

***

أكثر ما كان يقرفني في هجوم نشطاء العلمانيين والإسلامقراطيين على الجهاد وأهله هو اتفاقهم على أمرين حقيرين، أولهما: أن الجهاد مصنوعٌ مخابراتياً بقصد إغراق الشعوب في الخراب والدمار لتسهيل السيطرة عليها.

وثانيهما: أن الجهاد- إنْ آمنوا به وسموه جهاداً- يحتاج إلى إعدادٍ واستعدادٍ وخططٍ تُقاربُ إعدادَ العدو واستعداده وخططه.. ولأن هذا- بزعمهم- لا يتوفر للجهاد ولا للجهاديين؛ فلا يجوز للمسلم إلقاء نفسه في التهلكة.. ثم يُتبعون تلك التفاهات ببعض الجُمل الجميلة لفظاً الحقيرة مقصداً، مثل: إن لم تكن لك خطة فأنت في خطة غيرك!!

المذهل الآن حَدَّ الجلطة أنك لن تجد واحداً من هؤلاء النشطاء- بل واحداً من عامة الناس- إلا وهو يؤمن إيماناً جازماً أن ما يحدث في مصر الآن ليس أكثر من مؤامرةٍ، أو انقلابٍ على الانقلاب، أو صراعِ أجنحة في مؤسسات النظام القذرة!!
ورغم كل هذا الإيمان الجازم بالمؤامرة؛ يُصرُّ هؤلاء الذين لا خطة لديهم على الدخول في خطة غيرهم!!

يُصرُّ هؤلاء الذين كانوا ينبحون كالكلاب على أسياد الدنيا المجاهدين، ويتهمونهم بالعمى عن رؤية الفخاخ المنصوبة؛ على الوقوع في الفخ للمرة الألف.. لا لشيء إلا لأن الفخ الخاص بهم لا يكلفهم عناء الإعداد لذات الشوكة.. تلك التي يرونها- لجبنهم وخورهم وعمالتهم- إرهاباً وعنفاً وصناعةً!!

هُم الآن في خطة غيرهم.. وباعترافهم!!

هُم لا يملكون شيئاً.. لا يملكون تنظيماً، ولا خطةً، ولا إعداداً، ولا استعداداً.. وما يفعلونه الآن ليس أكثر من (زيطة في مولد) (يا صابت يا خابت).. ولا والله لا يُصيب هذا العته أبداً؛ فإن سنن الله في الدنيا لا تسير بالوهم والتوهم، والمُنى والتمني.. وما أنجحت (متلازمةُ الميدان) ثورة أو أقامت دولة أو أسقطت نظاماً!!

يكتب أحد مرضى المتلازمة على صفحته حين رأى الشباب في الميدان:” وأشرقت الأرضُ بنور ربها”!!!
يُضيفُ آخر:” اقتربت الساعة وانشق الأمل”!!!

يكتب ثالث:” كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرةً بإذن الله والله مع الصابرين”!!!

يَحكُّ أحد المعلقين رأسه ويسأل كاتباً من مرضى المتلازمة: “ولكن (محمد علي) يقول إن مشكلتنا مع السيسي فقط.. وهذا خطأ.. نحن مشكلتنا مع النظام كله”
يرد مريض المتلازمة: هذا تكتيك مهمٌ جداً!!!

(يا واد يا جامد)!!

تضج الصفحات بذكرى يناير، ورياح يناير، ونسائم يناير.. يفرح الناس بتوقع انقلاب سفاحٍ على سفاح وكلبٍ على كلب.. تبدأ التحليلات والقراءات والتكهنات والإشاعات.. يصبح الحليم حيراناً.. أهؤلاء هم الذين خرجوا من الفخ البارحة!! أهؤلاء هم الذين اعتذر لهم المجلس العسكري قديماً وهو ينصب لهم الفخ، وقال لهم:” رصيدنا لديكم يسمح”؟!

أهؤلاء هم الذين ضربَ لهم اللواء إسماعيل عتمان تعظيم سلام قبل أن يُضرَبُوا على أقفيتهم؟!! أهؤلاء هم الذين قيل لهم:” هذا الشعب لم يجد من يحنو عليه”؟!! أهؤلاء هم الذين قيل لهم:” أنتم نور عينينا”؟!!

تقول امرأةٌ طيبة: نعرف أن كل ما يحدث مؤامرة.. ولكن دعونا نفرح قليلاً.. لا تزيدونا كآبة”!!
وأنا والله متفهمٌ لهذا الفرح وسعيدٌ باختلاف اللصوص- إنْ كان- رغم علمي أنهم لا يختلفون إلا على الركوب فوق رؤوسنا!!
تُضيف أخرى وآخر: “نريد فقط خروج المعتقلين”..

وأنا والله أريد خروج المعتقلين.. بل لا يكسرني في كل هذا (المولد) سوى خروج المعتقلين.. ولكن فكروا قليلاً.. إن حدث ما تتمنون ونجح كلبٌ آخر في الجلوس مكان الكلب الحالي، هل سيُخرج المعتقلين حقاً؟! وهل سيُخرجهم كافة؟! وإن أخرجهم سنةً أو سنتين فمن أين لنا القوة التي تردعه عن اعتقالهم واعتقال أضعافهم معهم مرةً أخرى؟!

تذكروا أن الدكتور محمد مرسي كان معتقلاً إبان الثورة، وسجل كلمة صوتية وهو في المعتقل حين فتحت السجون، ثم خرج للنور سنةً كاملة، ثم إلى الانتخابات مرشحاً، ثم إلى قصر الاتحادية رئيساً، ثم إلى المعتقل مرةً أخرى، ثم إلى القبر مقتولاً رحمه الله!!

إن كنتَ لا تملك خطة فأنت في خطة غيرك، وإن كنتَ في خطة غيرك فأنت وريشة في مهب الريح سواء!!
***
يكتب (محمد علي) على صفحته بعد مظاهرات مساء الجمعة الماضية كلمةً مفادها: (وصلت الرسالة وننتظر الاستجابة لها.. وعندنا ثقة كبيرة في أبناء جيشنا العظيم)!!!

هكذا إذن.. وصلت الرسالة وننتظر إيصالاً بعِلم الوصول!!

يبدو أن الأوباش الذين يقفون خلف محمد علي لا يرون في الشعب أكثر من (ساعي بريد) يقوم بتوصيل رسالة من مُرسلٍ إلى مُستقبِل، دون أن يعرف الشعبُ طبيعةَ المرسل أو طبيعة المستقبِل.. ولكي تكتمل المؤامرة- التي يتحدثون عنها- بنجاح كان لا بد من تحويل (مقاول الإنشاءات) محمد علي إلى (مقاول أنفار) يجمع المظلومين واليائسين والبائسين ليحولهم إلى (سعاة بريد) بين مُرسِلٍ ومستقبِل!!

الأوباش الذين يقفون خلف محمد علي هم الوجه الآخر من العُملة!!
وسواء عرف ذلك محمد علي أو لم يعرفه فلا بأس عندي بتقبله على علاته حتى ينجلي غباره وتتضح حقيقته.. فلا يجوز أن نبخسه عمله حتى لو كان عمله هذا غير مفهوم أو ملعوبٍ في أساسه.. لنا الظاهر والباطن يعلمه الله!!

الأمر إذن أشبه بمجموعة من اللصوص والقتلة يسمونهم (جيش مصر العظيم) تشاكست مع مجموعة أخرى من اللصوص والقتلة يسمونهم أيضاً (جيش مصر العظيم)؛ فاستخدمت المجموعة الأولى مظلومية المظلومين واليائسين والبائسين لإسقاط المجموعة الثانية من فوق رقاب المظلومين واليائسين والبائسين، لا ليُريحوا المظلومين والبائسين واليائسين؛ بل ليركبوا هُم فوق رقاب المظلومين واليائسين والبائسين!!

المجموعة الأخرى لا تطلب أكثر من المشاركة في ركوب الرقاب، حتى لو كانت مشاركة هامشية.. لا بأس بقلة الرقاب وإنما البأس في انعدامها.. الشعور (باشتراكية الركوب) شعور مريح ولو كان قليلاً.. ألم يقل الشاعر:
فاسقني كأساً وخُذ كأساً إليك
فلذيذ العيش أن نشتركا

ألا تقول العامة: ” (خُد وهَات)، (سَلِّكنِي واسْلِّكَك) ( اللي ياكل لوحده يزور)؟!!

يبدو أن المجموعة الراكبة تتمتع بغباء منقطع النظير إلى الحد الذي لم تترك فيه رقبةً واحدة لتركبها المجموعة الأخرى.. وهذا الغباء أو الجبروت أو العمالة أو الاستبياع- صِفْهُ كيف شئت- دفع المجموعةَ الراكبة لاقتراف كل الجرائم التي كانت تتهم بها الدكتور مرسي رحمه الله وجماعته: بيع الأرض والعرض والمال والمقدرات الاستراتيجية..

(مياه النيل، غاز المتوسط، تيران وصنافير.. إلخ)، إضافةً إلى وصول الظلم والقتل والفساد والإذلال والنهب إلى درجات غير محتملة أو مسبوقة..

لقد صار جبروتاً أقسى من جبروت (كاليجولا) الأحمق؛ لا عقل فيه ولا حكمة.. ليس لأنه خانق للشعب فقط.. ولكنه خانق أيضاً لبقية المؤسسات التي تمثل شرايين النظام وتُحسن ملاعبة الشعب ترغيباً وترهيباً.. وإذا اختنقت شرايين النظام انفجرت.. وإذا انفجرت الشرايين سقط القلب..

وإذا سقط القلب سقط النظام.. ولا قلب لنظام المحميات العربية سوى الجيوش!!

ولأن هذه الكوارث كلها حدثت بفجاجة ووضوح شديدين لا يمكن إخفاؤهما.. ولأنه لا تزال جاهلية الوطنية والقومية والتراب مسيطرة على النفوس بعض الشيء.. ولأن شريحة لا يُستهان بها من الصفوف الصغرى في الجيش المصري ما تزال تؤمن بمثل هذه الأشياء وتشعر بالذل والعار والمهانة، ويُخشى انفجارها في أية لحظة..

من أجل ذلك كله؛ كان لا بد من قرع جرس إنذار لأساطين النظام حتى لا يسقط قلب النظام فيسقط النظام!!

هذا الجرس لم يقرعه الشعب ابتداءً، بل قرعته المجموعة الخالية من الرقاب المركوبة حين استخدمت مظلومية الشعب اليائس والبائس لتخرجه إلى الميادين؛ فيكون لهم:

ككلب الصيد يُمسكُ وهو طاوٍ
فريستَه ليأكلَها سواه

الخروج الآن (بهذه الشاكلة) تثبيتٌ للنظام وليس إسقاطاً له!!

وإن من أعجب العجب أن الذين صرخوا ويصرخون صباح مساء: الشعب يريد إسقاط النظام؛ يقدمون أنفسهم- طواعيةً بعد كل هذه التجارب والخيبات- أعمدةً لتثبيت أركان النظام!!

لقد أنتج ضغطُ الواقع انخفاضاً شديداً في سقف الطموحات والمطالب القديمة التي كانت تدور- بحسب توجهات أصحابها- حول الشريعة، والعدالة، وما يسمونها الديمقراطية، والحرية، والاستقلال، وامتلاك الإرادة الشعبية، وأستاذية العَالَم.. وغيرها من الطموحات التي كان تحقيقها يعني إسقاط النظام بالفعل!!

وانخفاضُ سقف الطموحات هذا دفع الكثيرين من مرضى المتلازمة إلى ابتلاع الطعم للمرة الألف؛ ظناً منهم أن ما يحدث الآن ربما يكون فرصة قد لا تتكرر لاستعادة الثورة ومطالبها.. وهو (عَشَمُ إبليس في الجنة) حتى لو سقط السيسي في هذا السياق الذي يسيرون فيه!!

أعرف أن الجميع يريد رؤية السيسي مهاناً ذليلاً.. ولكن.. تذكروا أننا ارتكبنا خطايا بشعة في غمرة لهفتنا على رؤية (مبارك) مهاناً ذليلاً، وكان الذي يُذكي جمر لهفتنا تلك هو الذي كان يقول لنا:” أنتم نور عينينا”.. وهو ذاته الذي نتلهف الآن لرؤيته مهاناً ذليلاً!!

إذا كان هناك سيسي آخر يقف الآن خلف الكواليس ويذكي جمر لهفتنا ليزيح بها السيسي الحالي ويحل محله، فهل من الشرف والكرامة أن نظل كثور الساقية نراوح مكاننا- كل ست سنوات أو عشر- مع متآمر ثالث ورابع وعاشر يستغل مصائبنا وقلة حيلتنا؛ ليزيح بنا مَنْ أَمَامَه ويحل محله، ثم يرمينا في السجون والمعتقلات والقبور والمنافي؟!
لماذا تُعمينا دائماً قطعةُ الجبن عن رؤية الفخ؟!

لا يزال بعض الحمقى والمغفلين يراهنون على الجيش، ويستغيثون بالجيش، ويستثيرون ما يُسمونه وطنية الجيش.. وأنا والله لا أجد في قاموس الغباء والحمق والتفاهة والضحالة مُسمىً يعبر عن قرفي من مراهنتهم هذه!!

مقالات علي فريد

أي جيش وأية وطنية؟!
وهل قَتَلَنا سوى الجيش؟! وهل النظام الذي تريدون إسقاطه سوى الجيش؟!

الجيش هو العدو.. ومن يستغيث بالجيش لإسقاط السيسي كمن يستغيث بالذئب ليحميه من ضبع!!
المستجير بعمرو عند كربته
كالمستجير من الرمضاء بالنارِ

أليس السيسي جيشاً؟! أليس عنان جيشاً؟! أليس طنطاوي جيشاً؟!
ستقولون: لا.. نحن نقصد الأفراد!!

جميل.. وهل يصول ويجول هؤلاء على رؤوسكم إلا بالأفراد؟! كيف كان سيكون فرعون دون جنوده؟!
نعم.. في الجيش شرفاء يرفضون كل هذه الخيانات، ويجب الإفادة منهم أو تحييدهم.. ولكن.. القرار في يد مَنْ؟!

لم يكن (أحمد عرابي) فرداً في الجيش فقط؛ بل كان قائداً.. تماماً كما كان (محمد نجيب) قائداً.. ماذا حدث لعرابي ولنجيب؟! طاولوهما فترةً من الزمن ثم أسقطوهما ليبقى (ناصر) الهزائم و (سادات) كامب ديفيد!!
ثم.. هَبُوا أن في الجيش أفراداً شرفاء.. ألم نشبع بعد من حكم العسكر؟!!

كيف يمكن أن ينجح مجتمعٌ سُلطَتُه في يد رجال قضوا نصف أعمارهم في تنفيذ الأوامر، والنصف الآخر في إصدارها؟!
قلنا قديماً:

مقال علي فريد الأوهامُ.. ثم يَنْجَلِينْ

العَالَمُ نظامٌ ووكلاء.. هكذا كان وهكذا سيظل!!

أوغادُ البلادِ المُسَمَّوُنَ (حكاماً عرباً) هم الوكيلُ المحليُّ للكفيلِ العالميِّ (الصليبيِّ باطناً العلمانيِّ ظاهراً).. والمليشياتُ المُسَلَّحةُ المُسمَّاةُ (جيوشاً عربية) هي حَجَرُ الأساسِ في المَحمياتِ الصليبيةِ المُسَمَّاةِ (دولاً عربية)!!

لا مَحميَّةَ دون نظام ولا نظامَ دون مليشيات.. الوكيلُ المحلي مَحمِيٌ بالنظام والنظامُ محميٌ بالمليشيات.. قد يَسقُطُ الوكيلُ بالمظاهرات ليبقى النظامُ بالمليشيات.. النظام لا يَسقُطُ بسقوط الوكيل بل بسقوط المليشيات، والمليشيات لا تسقط بالمظاهرات؛ بل بمجزرة!!

مَنْ خَرجَ لإسقاطِ النظام ثم ظَنَّ أنه حقق هدفَه بإسقاطِ الوكيل؛ فقد كَبَّر وِسَادَتَه.. أيُّ حراكٍ لا يَجعلُ هدفَه إسقاطَ المليشيات المسماة جيوشاً عربية محكومٌ عليه بالفشل، وأيُّ حراكٍ يسعى لإسقاطِ هذه المليشيات عليه أن يَستَعِدَّ للمجزرة!!

إذا كان هدفك إسقاط النظام فليس أمامك سوى الجيوش، وإذا كان هدفك تحسين شروط العبودية فلا بأس بالمظاهرات، وليست المظاهرات- في هذا السياق- جهداً ضائعاً إن (تنوعت وتتابعت واشتدت)؛ فبها ستعرفُ الأمة أنّ عدوها الأول هو ما يُسمى جيشُهَا الوطني.. وحسبك بهذه المعرفة خيراً في هذه المرحلة!!
***

تسألون الآن عن الحل، أو عن كيفية الخروج من هذه المتاهة!!

حسناً.. بالنسبة لي.. لا حل عندي سوى حل (الأشعث الأغبر) الذي تعرفونه جيداً، ولكنكم تخافون تبعاته، أو تسمونه إرهاباً وعنفاً، أو تعتقدون عمالته وصناعته مخابراتياً، في الوقت الذي ترتمون فيه في أحضان المؤامرة الحالية التي سميتموها أنتم بألسنتكم (مؤامرة)!!

لا بأس.. اتركوا عنكم حل (الأشعث الأغبر)، فهو يحتاج إلى (رجالٍ وعقيدة)، ويبدو أننا لم نصل بعد إلى تلك الدرجة من المرجلة.. خذوا حلاً آخر:

في سنة 1905م خرج عشرات الآلاف من الشعب الروسي، على رأسهم القس (جابون)، إلى قصر الشتاء (مقر القيصر الشتوي) لتقديم عريضةً يطالبون فيها بجمعيةٍ تأسيسية مُنتَخَبَة باقتراعٍ عامٍ سريٍّ ونزيه، وتعليم عام مجاني، وحرية صحافة وتعبير، وفرض ضرائب تصاعدية، ويوم عمل لا يزيد عن ثمان ساعات.. أُطلقت النار على الجموع وقُتل ما يزيد على ألف متظاهر!!

علي فريد الاوهام
تفاعلت الثورة بعدها- مداً وجزراً- بالإضرابات والاعتصامات والتمردات والظلم والجوع والمعتقلات والمنافي.. استطاع العمال (البروليتاريا) تكوين لجان منتخبة (سوفيتات) في الأحياء والمصانع وكثير من مؤسسات الدولة..

ظلت هذه السوفيتات تنشط حيناً وتخمل أحياناً حتى وصلنا إلى سنة 1917م؛ سنة الهزيمة المنكرة لروسيا القيصرية في الحرب العالمية الأولى.. اشتعلت الثورة من جديد..

تلك الثورة التي يئس (لينين) نفسُه من اشتعالها.. عاد (لينين) الذي لم يكن معروفاً آنذاك بالقدر الكافي، والذي كان مُتهماً أيضاً بالعمالة لألمانيا حسب إشاعات أعدائه..

نشطت السوفيتات مرة أخرى، وأصر (تروتسكي) على تطعيمها ببعض ضباط جيش القيصر المنشقين أو حتى المكسورة أعينهم بسبب جرائمهم السابقة..

وكانت هذه السوفيتات هي النواة الأولى للجيش البلشفي الأحمر الذي حسم المعركة بعد سبعة أشهر من المهارشات الكلامية والتخبطات السياسية ضمن الحكومة الانتقالية (من فبراير إلى أكتوبر) لتسقط حكومة (كرينسكي) وتبدأ الحرب الأهلية الروسية التي انتهت سنة 1922م ليستتب الأمر للبلاشفة بجيش اللجان الشعبية (السوفيتات)، الذي تكون من الشعب وبعض ضباط القيصر المنشقين!!

من 1905م- بل قبلها بكثير- إلى 1922م والشعب الروسي يتفاعل مداً وجزراً بالثورة وللثورة وفي الثورة.. رغم أن هذا الشعب كان من أذل شعوب الأرض وأكثرهم عبادة للقيصرية وارتباطاً بها واستخذاءً أمامها، حتى استبعد غالبُ مثقفي أوروبا وبعض ثوار روسيا نفسها أن يتأثر هذا الشعب بأفكار الثورة الفرنسية التي هبت رياحها على الغرب والشرق آنذاك!!

لقد استطاع الثوار- وهم مدنيون لا يعرفون عن العسكرية كثيرَ شيء- أن يُسقطوا جيش القيصر، ويُحيدوا بعض ضباطه، ويستفيدوا من خبراتهم، ثم كَوَّنُوا جيشاً وطنياً حقيقياً بعقيدة جديدة!!

مَن يُقدس الجيوش فهكذا تتكون الجيوش وهكذا تنجح الثورات.. أما مَنْ يقدس جيشاً كونته القناصل الأوربية وبقايا الحملة الفرنسية على يد (محمد علي باشا)، ثم تطور هبوطاً وسفولاً على يد الانجليز؛

فصار ذراعاً ضارباً لـ (كتشنر) في قتل المسلمين في السودان أيام (المهدوية)، أو تجريدةً عسكرية مع الجنرال (اللنبي) لإسقاط القدس في الحرب العالمية الأولى، أو نياشين فارغة تجلس على مائدة تواقيع في (كامب ديفيد) وما تلاها، ثم تقتل أهلها في سيناء وتُهجرهم…. مَنْ يُقدس جيشاً كهذا فمن العار أصلاً أن نعده بشراً سوياً نخاطبه بالعقل والمنطق!!

مَن كان هدفه إسقاط السيسي فليخرج في هذه المظاهرات فربما ساعد خروجُه في إسقاطه.. ومَن كان هدفه إسقاط النظام فليستغل حالة السيولة الحالية ويتخذها فرصة لتكوين وإنشاء لجان ثورية عقائدية (كلٌ حسب معتقده) تعمل بجد ودأبٍ وهدوءٍ وحكمةٍ وصبرٍ وفهمٍ للأوضاع المحلية والإقليمية والعالمية.

العالم الآن في حالة سيولة شديدة تتبدل وتتغير كل لحظة.. وأن تأتي اللحظةُ الفارقة وأنت مستعدٌ لها خيرٌ من أن تأتي وتذهب وأنت فارغٌ متبطل تنادي وتنتظر مَنْ تسميهم شرفاء الجيش ليرفعوا عن رأسك بيادة سيسي ويضعوا بيادة سيسي آخر!!

سيقول قائل: ولكن هذا الحل الروسي دمويٌ أيضاً.. وهو شبيه إلى حدٍ كبير بحل الأشعث الأغبر.. بل هو حل الأشعث الأغبر نفسه بوجه شيوعي لا إسلامي!!

وهذا صحيح تماماً.. فلنترك الحل الروسي إذن كما تركنا حل الأشعث الأغبر..

– ما رأيكم في حل الثورة الفرنسية؟!
– هي أيضاً أكثر دموية من الروسية.
– طيب.. حل الثورة الأمريكية؟!
– دموية أيضاً!!

– الثورة الإيرانية؟!
– دموية وثيوقراطية أيضاً.
– الثورة الكوبية، الصينية، والفيتنامية، والهايتية..
– كل هذه ثورات دموية ونحن لا طاقة لنا بجالوت وجنوده؟!

حسناً.. الحقيقة الوحيدة التي يجب أن نعرفها جميعاً هي أنه لن يتغير الوضع الحالي تغيراً جذرياً إلا بهذا الحل.. كل الطرق تؤدي إلى الأشعث الأغبر!!

لو جلسنا مائة سنة نخرج إلى الميادين لنُسقط- كل عشر سنوات- سيسي وراء سيسي؛ فلن يتغير شيء، بل وسيساعدنا النظامُ في إسقاطه بعد أن يكون قد قضى عشر سنوات على رقابنا وتضخمت ثروته من أموالنا.. ثم يتقاعد في أوروبا أو أمريكا تقاعداً مريحاً؛ ليأتي آخر وآخر وآخر!!

ومَنْ يظن أن حل الأشعث الأغبر قد فَشِل أو يمكن أن يفشل؛ فهو واهم ومتوهم وموهوم!!

الجهادُ لا يفشل أبداً وإن انحسر مَدُّه.. هو موجات متتابعة تضرب صخرةً قديمة فتخلخلها ولا تقتلعها، ومع تتابع الموجات- مداً وجزراً- تنقلب الصخرة مخلفة وراءها فراغاً تملؤه الموجةُ الأخيرة..

أما التجارب السياسية أو الهَبَّات المؤقتة فهي أشبه بعوالق الطحالب على تلك الصخرة؛ تُثبتها ولا تخلخلها، وتبدو لعين الرائي من بعيد خضراء جميلة، بينما هي في الحقيقة طحالب قذرة!!

أمام الأمة مجزرتان لا بد من خوضهما- وستخوضهما شاءت أم أبت-: (مجزرة الوكيل) و(مجزرة الكفيل)، والأولى أشدهما فتنة وأصعبهما إعداداً وأبشعهما دموية، وما خَفِيَ الكفيلُ فيها وإن كان في الثانية أظهر، فإن قدرت الأمة على النجاح في الأولى فهي على النجاح في الثانية- بمشيئة الله- أقدر!!

***
لا بديل عن السير في طريق الأشعث الأغبر.. لا بديل عن الحركة والإعداد والاستعداد.. وأي طريقٍ ولجناه غير هذا الطريق فهو أوهامٌ ثم يَنْجَلِين.. وإنْ طَال بنا وبهم الزمن؛ فسنبصر ويبصرون!!

اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.