أبو يعرب المرزوقي : الإصلاح التربوي عند ابن خلدون وابن تيمية

أبو يعرب المرزوقي : الإصلاح التربوي عند ابن خلدون وابن تيمية

الإصلاح التربوي عند ابن خلدون وابن تيمية – أبو يعرب المرزوقي

تمهيد:

جمع ابن خلدون أمراض المنظومة التربوية الإسلامية في داء واحد أفسد مفهوم التربية بمعنييه الضيق والواسع المضاعفين لكونه قد أفقد الإنسان المسلم معاني الإنسانية فرده إلى أسفل سافلين:

1-فأما المعنى الضيق المضاعف فهو التكوين والتعليم النظاميين. وهو مضاعف لأنه يتكون من مستويين هما التربية التي تحصل بالقصد الأول في المنظومة التربوية ذاتها ثم التربية التي تحصل بالقصد الثاني في الممارسات المهنية التي تعد إليها المنظومة التربوية باعتبارها تكوينا حرفيا سواء تعلق الأمر بالحرف المباشرة التي تعامل موضوع الفعل أو بالحرف غير المباشرة التي تتعامل مع النظريات العلمية والتطبيقات العملية المتعلقة به.

2-وأما المعنى الواسع المضاعف فهو تنشئة الإنسان بجميع أبعاده من حيث هو إنسان بصورة عامة. وهو مضاعف كذلك لأنه يتكون من مستويين هما التنشئة التي تحصل بالقصد الأول في المنظومة السياسية التي هي تربية قصدية بأداة القانون المتعلق بالحقوق المحددة بالأدوار والمنازل في ما يسميه ابن خلدون بالتساكن لسد الحاجات (الوجه الرزقي والقانوني) والتساكن للأنس بالعشير (الوجه الذوقي والخلقي) ثم التنشئة التي تحصل بالقصد الثاني في الحياة الاجتماعية التي تعد المنظومة السياسية إطارها القانوني الواعي والقصدي.

وقد أطلق ابن خلدون على هذا الداء اسم “فقدان معاني الإنسانية” واعتبره نتيجة للاستبداد في مستويات التربية بهذين المعنيين (والسياسة التي قاسها عليها)[1]. ثم هو حاول تفسير ذلك بنظرية في الإنسان ذات صياغة فلسفي (انثروبولوجيا فلسفية: الرئاسة الإنسانية وحب التأله) رغم كونها مستمدة من أصل قرآني (انثروبولوجيا دينية: استعمار الأرض والاستخلاف فيها).

أسس النظرية الخلدونية في التربية بمعنييها الضيق (التربية بالمعنى الدقيق) والواسع (السياسة)

ننطلق من نص ابن خلدون التالي:

“ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا عليه القهر وضيق على النفس انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحمله على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه وعلمه المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخلقا وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن وهي الحمية والمدافعة عن نفسه أو منزله وصار عيالا على غيره في ذلك بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها فاتركس وعاد أسفل سافلين.

وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف. واعتبره في كل من يملك أمره عليه ولا تكون الملكة الكافلة له رفيقة به. وتجد ذلك فيهم استقراء. وانظره في اليهو وما حصل بذلك فيهم من خلق السوء حتى إنهم يوصفون في كل أفق وعصر بالخرج ومعناه في الاصطلاح المشهور الخبث والكيد. وسببه ما قلناه”

(المقدمة الباب السادس الفصل الأربعون ص.1042-1043 دار الكتاب اللبناني الطبعة الثالثة بيروت 1967).

لنجيب عن المسائل التالية مقدمين عليها تحليلا سريعا لما ورد في النص من أفكار رئيسية نعود إليها في غاية البحث لنحلل النص تحليلا دقيقا ومعمقا:

1- ما نظرية الإنسان التي يستند إليها تصور ابن خلدون للتربية ؟

2- ما الدلالة الوجودية التي تخل القول بمثل هذه النظرية من منطلق الفلسفة والدين ؟

3- ما النتائج النظرية والعملية التي تترتب على هذا الموقف من الوجود عامة ومن الإنسان خاصة ؟

4- أبعاد الإصلاح الخمسة بعد بلوغ فرغي الفكر السني إلى الإدراك الموحد لطبيعة الثورة القرآنية كما يتبين من عمل ابن تيمية وابن خلدون. وكيف نصل هذا النص بنصوص المقدمة المتعلقة بالأساسين الفلسفي والديني المستمدين من مدرستي السنة الأساسيتين أعني الفكر الحنبلي والفكر الأشعري من حيث هما تجاوز للفلسفة الطبيعية في حتمية الطبيعة المطلقة والنظرية الاعتزالية في حرية أفعال العباد المطلقة ؟

5- شرح النص بالاستناد إلى هذه المقدمات لبيان ما تحقق في النقد الفلسفي والديني اللذين يستند إليهما مفهوم التربية بمعنييها الضيق (التربية من حيث هي مؤسسة من مؤسسات العمران) والموسع سياسة الشأن الإنساني بمقتضى ما له من قيم وشرائع (جملة مؤسسات العمران من حيث هي فعل التاريخ الحضاري المضاف إلى فعل التاريخ الطبيعي).

أفكار النص الرئيسية

وهي نوعان من العواقب الناتجة عن التربية المتسلطة بمقتضي درجتيها الضيقة والواسعة: أي التربية بالمعنى الدقيق والسياسة التي هي تربية بمعنى شامل.

أولا: عواقب التربية المتسلطة

1-النتيجية العضوية النفسية الأولى: ضيق انبساطها ذهب الكسل بنشاطها.

2-النتيجة الخلقية الأولى: المنفعلة (الكذب والخبث) والفاعلة (المكر والخديعة). والحصيلة من الأمرين: العمل على اكتساب الرذائل والخلق الذميم.

3-فقدان معاني الإنسانية من حيث الاجتماع والتمدن: المدافعة عن النفس أوالمنزل= كون المرء عيالا على الغير في حماية نفسه.

4-النتيجة الخلقية الثانية: انفعالا= الكسل عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل والفاعلة العمل على اكتساب الراذائل.

5-النتيجة العضوية النفسية الثانية: الانقباض عن غاية الإنسانية والانقباض عن مدى الإنسانية.

ثانيا: عواقب السياسة المتسلطة

1-القانون العام: من كان….كل أمة…

2-طريقة استخراج القانون: تجده فيهم استقراء

3-المثال: اليهود وبلوغ الفساد إلى تغير جور الإنسان= الخرج.

4-النتائج الخلقية النفسية المستغرقة للجوهر : الخرج ومبدأ السياسة الدولية العالمية الحالية.

5-التعليل التاريخي الاجتماعي الذي يعلل الخلقي الوجودي ومن ثم فهو عكس التعليل الفلسفي وليس عنصريا (نظرية المعادن) أو الديني (نظرية اللعنة).

المسألة الأولى: نظرية الإنسان

ما المقصود بـ”غاية الإنسان” ؟ وما المقصود بـ”مدى الإنسانية” الواردين في هذا النص؟

يعرف ابن خلدون غاية الإنسان سلبا بمآل الإنسان عندما يفقد حريته التي تنتج عن فقدان الرئاسة التي له بالطبع والتي تجعله محبا للتأله. ويعرفها إيجابا بتعريف هذين المفهومين أعني الرئاسة وحب التأله: “والسبب في ذلك (في إسراع الفناء إلى الأمم المغلوبة) والله أعلم ما يحصل في النفوس من التكاسل إذا ملك أمرها عليها وصارت بالاستعباد آلة لسواها وعالة عليهم. فيقصر الأمل ويضعف التناسل. والاعتمار إنما هو عن جدة الأمل وما يحدث في القوى الحيوانية. –إذا ذهب الأمل بالتكاسل وذهب ما يدعو إليه من الأحوال وكانت العصبية ذاهبة بالغلب الحاصل عليهم تناقص عمرانهم وتلاشت مكاسبهم ومساعيهم وعجزوا عن المدافعة عن أنفسهم بما خضد الغلب من شوكتهم فأصبحوا مغلبين لكل متغلب وطعمة لكل آكل وسواء كانوا حصلوا على غايتهم من الملك أو لم يحصلوا. وفيه والله أعلم سر آخر وهو أن الإنسان رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له. والرئيس إذا غلب على رئاسته وكبح عن غاية عزه تكاسل حتى عن شبع بطنه وري كبده. وهذا موجود في أخلاق الأناسي. ولقد يقال مثله في الحيوانات المفترسة إنها لا تسافد إذا كانت في ملكة الآدميين” (المقدمة اا’24 ص.260).

ويعرف ابن خلدون مدى الإنسانية بكونه تحقيق الاستخلاف من حيث هو منزلة إنسانية وتكليفا يصاحب حاجته إلى استعمار الأرض مصدرا لقيامه المادي ومجالا لحياته الدنيا وذلك هو العمران: “واستولت أفعال البشر على عالم الحوادث بما فيه. فكان في طاعته وتسخره. وهذا معنى الاستخلاف المشار إليه في قوله تعالى “إني جاعل في الأرض خليفة”. فهذا الفكر هو الخاصة البشرية التي تميز بها الإنسان عن غيره من الحيوان. وعلى قدر حصول الأسباب والمسببات في الفكر مرتبة تكون إنسانيته” (المقدمة VI.11 ص.840).

ولم يكتف ابن خلدون بتعريف المفهومين بل هو بين أنهما لا يتحققان فتبرز الغاية أصلا والمدى فرعا إلى بشرط تحقق الحريتين المحددتين لجوهر الإنسان:

1-فالحرية النظرية شارطة لاستعمار الأرض أو لتحقق التسخير ولها بعدان هما العلم النظرية (علم الأسباب والمسببات لتحقيق وسائل العمل) وتطبيقاتها التنقية أي الإنتاج الرمزي والمادي (مادة العمران=الثقافة والاقتصاد) خاصة (تسخير الطبيعة لسعادة الإنسان المادية أو لتحريره من القهر الطبيعي). وهو قد جعل درجات الإنسانية بمقدار ما للإنسان من علم بالترابط السببي في العالم جاعلا من هذا العلم المميز الحقيقي للإنسان.

2- والحرية العملية شارطة للاستخلاف ولها بعدان كذلك هما العلم العملي (علم الغايات الفاعل علم الأهداف لتحقيق غايات العمل) والتطبيقات الخلقية أي الإبداع التأطيري للوجود الإنساني (صورة العمران=التربية والسياسة) خاصة (تنظيم الحياة الجماعية ورعايتها أعني تسخير المجتمع لسعادة الإنسان الروحية أو لتحريره من القهر الاجتماعي).

ولست بمدع أن ابن خلدون كان واعيا بكل هذه الأبعاد لمفهومي معنى الإنسانية ومداها لكنهما ليسا مع ذلك مجرد ضميرين لأن الربط بين هذين المعنيين وتعليل فقدانهما بالتربية والسياسة المتسلطة المؤديتين إلى إفقاد الإنسان لهما ييبيان بصورة جلية أن هذا الاستنباط ليس فيه أدنى تجاوز لما قصده ابن خلدون تجاوزا يحدث أفكاره باسقاط يضيف إليها ما ليس فيها.

المسألة الثانية: الدلالة الوجودية

إن نظرية “حب التأله” الناتجة عن نظرية “الرئاسة الإنسانية” وربطهما بنظرية الاستخلاف دينيا وبنظرية العلم بالأسباب فلسفيا تقتضيان ضربين من التعين في الوجود الفعلي والتاريخ الإنساني أحدهما من جنس صورة العمران وله صلة بتحقيق الاستخلاف في الأرض والثاني من جنس مادته وله صلة بتحقيق استعمار الأرض. وكلا التحقيقين يمكن أن يكون على أحسن الوجوه إذا طابقت فيهما المصلحة الدنيوية المصلحة الأخروية ويفسدان بمجرد الفصل الفصامي بينهما[2] لكأن ابن خلدون يطبق الدلالة الرمزية لقصة الاستخلاف[3]. لذلك فهو قد اعتبر التاريخ الحضاري للإنسانية تحقيقا لاستعمار الأرضين أي كل العالم) والاستخلاف فيه بالأداتين اللتين هما جوهر الإنسان: أعني:

شروط الحرية النظرية

شروط الحرية العملية

وأساس الحريتين هو الثورة القرآنية نفسها التي نقلت العقل الإنسان إلى نظرية في الوجود تؤوله بكونه علاقة بين إرادتين حرتين عاقلتين هما إرادة المتسخلِف (الله) والمستخلَف (الإنسان) أو المألوه والآله. فالله في هذا التصور إرادة حرة عاقلة تلتزم بما تضعه من قواعد وسنن وهو يخاطب الإنسان بصفته كذلك إرادة حرة عاقلة مطالبة بالالتزام بهذه القواعد والسنن: وهو معنى التكليف.

فيكون استعمار الأرض والاستخلاف هو إذن الأمانة التي حملها الإنسان وهو من ثم تكليف بتحقيق شروطه امتحانا علميا وعمليا هما عين بعدي الإيمان الذي هو معنى الكسب الأشعري الذي يبالغ المتكلمون في زعمه مفهوما غير مفهوم بل ومتناقض لجمعه بين الإرادتين الآلهة والمألوهة: فحرية الإنسان المشروطة في قدرته النظرية والعملية هي ما للإنسان من خاصية التعالي على الضرورة العمياء أو غير المفهومة بالإسلام إلى إرادة عاقلة حكيمة تنسب إليها سنن الكون والتاريخ القابلة للفهم ومن ثم للاعتبار في معنى التكليف بتحقيق شروط الاستخلاف من خلال العلم الاجتهادي والنسبي بهذه السنن والقواعد.

ومن هنا ينتج الموقف الأشعري من الضرورة الطبيعية والحرية الإنسانية:

فالضرورة الطبيعية ليست ضرورة عمياء ولو كانت كذلك لكانت غير قابلة للعلم بل هي لا تكون معلومة إلا بعد فرضها خاضعة لسنن وقوانين وضعتها إرادة حرة وهو ما يجعلها قابلة للفهم ومن ثم فهي تشريع إلهي وخطة عاقلة وليس جبرية محتومة كما يزعم الفلاسفة.

والحرية الخلقية ليست اندفاعا أعمى من دون سنن وقوانين بل هي مثلها مثل الطبيعة تجري بمقتضى سنن قابلة للعلم ومن ثم فهي اكتساب وليست خَلْقا كما يزعم المعتزلة.

فيكون سلوك الإنسان المكلف تحررا من الاندفاع الطبيعي في المجالين الطبيعي والخلقي. ذلك أن السلوك الإنساني الذي هو موضوع العلم العملي لو تُرك من دون سنن لكان مجراه من جنس مجرى الطبيعة فيكون مثلها ضرورة عمياء وليس حرا كما يدعي المعتزلة. كما أن سلوك الطبيعة الذي هو موضوع العلم النظري لو كان كما يزعمه الفلاسفة لامتنع أن يكون معلوما إذ إن عقل الإنسان هو بدوره ظاهرة طبيعية فكان عندئذ يكون مجرد مرآة عاكسة يتراءى عليها مجرى الأحداث فلا يستطيع الانفصال عنها ليتعالى بصورة تمكنه من تخيل خطط تفسرها بنظام التعليل الفرضي.

وبذلك فالله لا يخاطب الإنسان إلا باعتباره مكلفا أعني ذا إرادة حرة بمعنى كونها قادرة على العمل على علم وليس بمعنى تلقاء النفس الطبيعي. حرية الإنسان هي ما له من قدرة على الانفصال عن المجرى الطبيعي والإسلام للأحكام الإلهية التي تفترض أصلا لمجراها أصلا يضفي عليها المعقولية. وبذلك فشرط العمل على علم أو الحرية هو العقد أوالإيمان الذي مفاده أن العالم ليس منظومة من العلل الضرورية الطبيعية العمياء بل هو منظومة من الأحكام الإلهية الاختيارية التي يمكن أن تعتبر ضرورات شرطية لتصبح قابلة للعلم في حدود الممكن للإنسان من المعرفة النسبية: أي إنها أسباب وسائل لغايات فتكون عناصر خطة عاقلة وليست مصادفات قاهرة.

ويعتبر ذلك عقدا لأنه شرط عمل العلم وعلم العمل دون أن يكون مثبتا بالعلم الذي لا يمكن أن يبدأ من دونه. وبفضل هذا العقد يصبح العلم والعمل ممكنين فلا يكون الإنسان خاضعا خضوع مجبر بل هو مسلم إسلام حر يأتمر بما يدركه من أحكام لا يكون للعقل معنى من دونها. والإنسان لا يكون عاقلا من دون أن يفترض هذه الأحكام إذ هي شرك إمكان التعقل حتى لو لم يكن صاحبه مؤمنا بأي دين: إذا افترض الإنسان أن ما يجري خال من الانتظام والترابط بين الشروط والمشروطات لا يمكنه أبدا أن يطلب علمها أو أن يخطط لعمل.

والإنسان يدرك ذلك بطريقتين:

معرفية منطقية هي العلم الطبيعي الذي يستند إلى البناء المنطقي الذي يبدع بالخيال العلمي مقدرات ذهنية هي المثل تفرض نماذج تصورية لمجاري العادات في العالم الطبيعي والتحقق منها بالتجريب المتدرج في حدود ما للإنسان من قدرات نظرية طبيعية وصناعية لإدراك الموجود.

ومعرفية ذوقية هي العلم الوجداني الذي يستند إلى البناء القيمي الذي يبدع بالخيال العملي مقدرات ذهنية هي الأمثال التي تفرض نماذج تصورية لمجاري العادات في العالم التاريخي والتحقق منها بالتجريب المتدرج في حدود ما للإنسان من قدرات عملية طبيعية وصناعية لتحقيق المنشود.

وإذن فالقدرات الأولى تبدع المثل بالخيال الرياضي نموذجا رمزيا لما تفترض عليه مجرى الوجود المادي للتعامل معه بمقتضى ما يتبين لها من منظومة علاقات مادية في صيغة رياضية تحاكيه وذلك هو العلم خاصة والمعرفة عامة والثانية تبدع الأمثال بالخيال الشعري نموذجا رمزيا لما تفترض عليه مجرى الوجود الخلقي للتعامل معه بمقتضى ما يتبين لها من منظومة علاقات روحية في صيغة شعرية تحاكيه وذلك هو الشعر خاصة والأدب عامة.

وليست الحضارة إلا هذه الإبداعات وثمراتها وهي نوع من إعادة خلق الوجود المادي والروحي لإيجاد العالم الرمزي والتاريخي على أساس العالم الطبيعي الخارجي والداخلي لكأن الخليفة يحاكي ربه الذي استخلفه بمقتضى ما يعلمه من أسرار الوجود المخلوق الخارجي (الطبيعة) والداخلي (الإنسان): وقصتا الاستخلاف والأمر بالسجود لآدم باعتبارهما تثبتان نجاح الإنسان في الشرط المعرفي (في القصة الأولى) والرهان عليه في الشرط العملي يبينان أن تعريف المفهومين الخلدونيين ليس هو في الحقيقة إلا تفسيرا للمعنيين القرآنيين لأن ابن خلدون ربط مفهوميه دينيا بالاستخلاف وفلسفيا بدرجات علم الأسباب.

فتكون الحضارة التي هي ما يضيفه الإنسان إلى محيطه الطبيعي الخارجي والداخي مجرد استكمال للطبيعة بما في الإنسان من قدرات طبيعية تثقف خلال التاريخ وتستكمل ليكون الإنسان قادرا على تحقيق الاستعمار والاستخلاف إثباتا لتوفر الشرط النظري ورهانا على توفير الشطر العملي: وبذلك يكون الإنسان قد كلفه الله بأن يصنع العالم التاريخي بالعلم والعمل الذين مثلا مصدري الحجج المثبتة لجدارته بالتكليف استعمار واستخلافا. فيكون الإبداعان عين الكسب بمعناه الأشعري الذي هو ليس شيئا آخر غير امتحان الإرادة العاقلة المكلفة باستعمار الأرض والاستخلاف فيها:

إنها الجهد اللازم لمحاكاة التشريع النظري في الوجود الطبيعي الخارجي والداخلي.

وهي الجهد اللازم لمحاكاة التشريع العملي في الوجود التاريخي الخارجي والداخلي.

وتلك هي أبعاد العبادة التي تحقق الاستخلاف من حيث هو سيادة على الطبيعة الخارجية بمقتضى شرع الله المكتوب فيها كتابة رياضية بنص القرآن وسيادة على الشريعة الداخلية بمقتضى شرع الله المكتوبة في الإنسان كتابة تعاقدية (آيتا الميثاق: الأنفال 172-173). وهذا هو التكليف بالمعنى المتقدم على انفصال أفعال الإنسان إلى نظرية وعملية انفصال تقابل يجعل الأولى هي الغالبة على الطبيعي والثاني هي الغالبة على التاريخي من وجود الإنسان. وكل تربية تهدف إلى تنمية ذلك في الإنسان. وهي تفعل حتى في حالة الغفلة عن الإيمان والعلم بأن حقيقته هي هذا الذي عرفه ابن خلدون واعتبرته الآيتان عين الفطرة.

المسألة الثالثة : النتائج النظرية والعملية أو الثورة الفلسفية في المجالين النظري والعملي

لعل أفضل تحقق لما سعى إليه الغزالي وابن تيمية من بعده للتحرر من مآزق الفكرين الفلسفي والاعتزالي هو ما تحقق من نتائج في أساسي الفكر الجديد الذي جمع بين زبدتي الأشعرية والحنبلية: التحرر من الإلهيات الفلسفية (إسقاط العلم النسبي بالطبيعي على العلم المطلق بمابعده أي قيس علم الإنسان على علم الله) والأخلاقيات الاعتزالية (إسقاط الوعي النفسي بالنفس على الوعي المطلق بما بعده: قيس عمل الإنسان على عمل الله). والمبدأ الموحد بين هذين المأزقين هو قيس الغائب على الشاهد بدل العكس لأن القيس الأول يجعل العلم المطلق نسبيا في حين أن القس الثاني يضفي النسبية عليه بفضل الوعي بما في الشهادة من غيب.

فعن طبيعة العلاقة بين الإرادتين الحرتين (الآلهة والمألوهة أو الخليفة والمستخلف) تنتج نتيجتان لعل دارسي فكر ابن خلدون قد غفلوا عنهما فلم يدركوا طبيعة الثورة الفلسفية التي تستند إليها المقدمة والتي لولاهما لما أمكن للتاريخ أن ينتقل من منزلة الفن الأدبي إلى منزلة العلم العقلي أو الحكمي:

النتيجة الأولى: تنسيب الضرورة الطبيعية والكلي النظري في الطبيعة لئلا يبقى تصورهما على ما هو عليه في الفكر الفلسفي: فلا شيء يثبت أن حاجة العلم النظري إلى الضرورة المنطقية تقتضي حتما وجود الحتمية الوجودية في الطبيعة. يكفي أن تفترض الطبيعة ذات نظام تشريعي: التشريع الإلهي للطبائع يكفي للتشريع الإنساني لعلمها. ولما كان التشريع الإلهي لا متناهي الأبعاد ولا يحاط به بات مجرد العلم الافتراضي كافيا ولا حاجة لإطلاقه واعتباره معبرا عن ضرورة وجودية.

النتيجة الثانية: تنسيب الحرية الخلقية والجزئي العملي في التاريخ لئلا يبقى تصورهما على ما هو عليه في الفكر الاعتزالي: فلا شيء يثبت أن حاجة العلم العملي إلى الحرية الخلقية تقتضي حتما نفي الانتظام القانوني في التاريخ. يكفي أن نتصور نظاما يجمع بين إرادتين تتعلقان بفعل واحد أي التوفيق بين الحريتين الإنسانية والإلهية وذلك هو جوهر الكسب. وبذلك يكون الحادث في الوجود التاريخي بإرادة الإنسان مطابقا في الغاية لما يحدده الشرع الإلهي من سنن تحكم تفاعل القوى في مجرى العمران حكمها لتفاعلها في مجرى الطبيعة فلا يناقض والنظر والعمل العقليان الإيمان والعمل الدينيين: “والوجود شاهد بذلك: فإنه لا يقوم بأمر أمة أو جيل إلا من غلب عليهم. وقل أن يكون الأمر الشرعي مخالفا للأمر الوجودي” (المقدمة ااا.26. ص.347).

والحصيلة الجامعة بين النتيجتين هي:

أولا ثورة فلسفية: تحرر من انحطاط مفهوم الفلسفة من حيث هي جوهر النظر. فبحكم استناده إلى حتمية الكلي الطبيعي الجامد آل مفهوم العقل الفلسفي إلى القول بخضوع العالم الطبيعي إلى الضرورة العمياء فينتج عن ذلك انحطاط التجربة العلمية الحية بحيث لا يبقى العلم نظام العقل المبدع لمنظومات المعرفة النظرية أو لمقدرات ذهنية نموذجية تحاكي ما يفترضه الخيال العلمي من نظام سنن تحكم الطبيعة بل أصبح مجرد مرآة تعكس العروض السطحي لعالم الشهادة الطبيعي الذي أصبح مقياسا لعالم الغيب الطبيعي.

ثانيا ثورة دينية: تحرر من انحطاط مفهوم الدين من حيث هو جوهر العمل. فبحكم استناده إلى قدرية الجزئي العملي الجامد آل مفهوم الإرادة الاعتزالية إلى القول بالقدرية العمياء التي تنتج عن انحطاط التجربة العملية الحية نظام الإرادة المبدعة لمنظومات المعرفة العملية محاكاة لما يفترضه الخيال العملي من خطط تحكم التاريخ بل أصبح مجرد تحكم نفسي يعكس العروض السطحي لعالم الشهادة النفسي الذي أصبح مقياسا لعالم الغيب الخلقي.

إن نفي الحرية الشارطة للنظام في الأول ونفي النظام الشارط للحرية في الثاني قد جعلا النظر مستندا إلى الضرورة العمياء والعمل مستند إلى الفوضى الهوجاء وكلتاهما منافية لعمل العلم ولعلم العمل أعني للنظرية القرآنية في التربية[4]: وهذا التناقض المزعوم هو الذي أدى إلى الفصام بين المدرستين فصاما جعل إحداهما تلغي الأخرى بما تتهمها به من قول بإيمان يغني عن العقل أو من قول بعقل يغني عن الإيمان[5]:

ذلك أننا إذا أطلقنا الضرورة الطبيعية وقلنا بالجبرية بديلا من الخطة الإلهية نفينا شرط التعقل القادر على إدراك غير ما يتراءى على سطح مرآته من عوارض العالم الشاهد فأغلقنا في وجهه كل إمكانية للنفاذ إلى ما ورائه

وإذا أطلقنا الحرية الخلقية وقلنا بالقدرية بديلا من الكسب الإنساني نفينا شرط الإرادة القادرة على عمل غير النزوات الآنية المتلاحقة على سطح الوعي من عوارض ذاتها الشاهدة فأغلقنا في وجهها كل إمكانية للكسب أي للعمل على علم بحسب خطة وإستراتيجية.

وإذن فالفلسفة والدين في شكلهما الجامد الذي يطلق عمل الإنسان وعمله الغفلين متصورا إياهما مطابقين لحقائق الوجود ببعده الغائب عن كل شهادة ممكنة للإنسان ومن ثم لعمل الله وعمله أمتنع على الإنسان فهم التجربة الحسية التي تؤسس للعلم والعمل الطبيعيين والتجربة الروحية التي يؤسس للعلم والعمل الخلقيين ويصبح الإنسان مجرد ظاهرة طبيعية مثلها مثل كل الحيوانات الأخرى لا يتعالى عن شروط وجوده ليدركها ويصبح فاعلا مؤثرا فيها بمقتضى هذا الإدراك.

المسألة الرابعة : أبعاد الإصلاح في فرعي الفكر السني أو الإدراك الموحد لطبيعة الثورة القرآنية في عمل ابن تيمية وابن خلدون.

إن المآل المؤلم لهذه الثورة الأشعرية مآلها إلى نكوصين جعلاها تعود بعد تحررين نظري (من إطلاق الضرورة الطبيعية) وعملي (من إطلاق الحرية الإنسانية) ليس هو إلا نفيا مطلقا لهذين التحررين نفيا عوضهمها بالتحكمية النافية لقانون السنن المنتظمة[6] (سوء فهم للقضاء والقدر) وفي الجبرية النافية لشرط التكليف (سوء فهم لأفعال العباد). وقد جمع بين هذين النفيين غاية قصوى مثلها التصوف الفلسفي أو تصوف وحدة الوجود باعتباره غاية الجحود فهما يناقض بإطلاق مقومات الثورة القرآنية ومن ثم فهو العلة الرئيسية لانحطاط الحضارة العربية الإسلامية :

فهو قد أفسد المنظومة التربوية بمنطق العلاقة بين الشيخ والمريد في معرفة تحكمية مناف بالطبع لكل معرفة علمية.

وهو قد أفسد المنظومة السياسية بمنطق العلاقة بين ظل الله والمؤمنين في عمل تحكمي مناف بالطبع لكل عمل خلقي.

ولما كان هذان الافسادان قد حولا صورة العمران إلى أداة قتل نسقي لفاعلية الإنسان ولشروط العبودية لله فإن مآلهما الأكيد قد كان الخنق المتدرج لمادة العمران (منظومة الإبداع الثقافي ومنظومة الإبداع الاقتصادي). واجتماع هذه الضروب الأربعة من الفساد في مقومات العمران مع أصلها الجحودي هي ذروة المقصود بفقدان معاني الإنسانية والرد إلى أسفل سافلين كما عرفهما ابن خلدون في نصه هذا معتبرا ذلك تحديد لنفس المبدأ الحاكم للتربية والسياسة[7].

وقد تلازم عند الرجلين البحث في مبادئ الإصلاح والبحث في تشخيص أدواء الطلاح[8] أعني العلل التي أدت إلى انحطاط الأمة البارز في عقم إطاري تكوين الإنسان فيها أعني التربية والسياسة. فتكون العلل كلها راجعة إلى فساد المنظومتين:

فالتعليم النظري لم يعد علما بالقوانين التي تحكم المخلوقات بسنن لا تبديل لها ولا تحويل بل بات نفيا تاما لكل السنن بسبب مؤسسة الخرافة التي ذروتها نظرية الكرامات المسيطرة على العقول.

والتعليم العملي لم يعد عملا على علم بالقوانين التي تحكم سلوك الإنسان بل بات نفيا تاما لكل مقومات المسؤولية الخلقية بسبب مؤسسة الدجل التي بلغت الذروة في وساطة الأوليات المسيطرة على الإرادات.

وكانت السيطرة على العقول والإرادات في خدمة تحالف شبه كلي بين الاستبداد الروحاني ممثلا بسدنة الطرق الصوفية التي أرجعت الكنسية والهامانية إلى التربية الإسلامية والاستبداد الزماني ممثلا بأمراء الحاميات المرتزقة التي أرجعت الارتزاق والفرعونية إلى السياسة الإسلامية فآل الأمر إلى استقالة المؤمنين استقالة مطلقة في المجالين التربوي والسياسي والعزوف عن تحمل أي مسؤولية دينية كانت أو دنيوية[9] وهو ما رمز إليه ابن خلدون بكلامه عن تحول المسلم إلى عالة على غيره وفقدان معاني الإنسانية من حيث العمران.

لذلك كان صاحبا التشخيص والعلاج (ابن تيمية وابن خلدون) ممثلين للقمة السامقة التي تجاوزت مدارس الفكر الإسلامي الأربعة الأساسية أعني الفلسفية والكلامية والصوفية والفقهية إلى التأسيس النوعي الجديد من منطلق القرآن والسنة نفسيهما من أجل الإصلاح التربوي والسياسي (صورة العمران) والإصلاح الثقافي والاقتصادي (مادة العمران) الإصلاحين الراجعين إلى مفهوم الأصل في القرآن والسنة.

ففيم يتمثل التحرير من تحريف الفكرين الفلسفي والصوفي منطلقا للتحرير من الفكرين الكلامي والصوفي بالعودة إلى القرآن والسنة الموجهين إلى علم الآفاق والأنفس شرطا في تحقيق الشروط الثقافية والتربوية التي تمكن الإنسان من حيث هو كائن نفسي خلقي من القيام برسالته التي كلف بها استعمارا للعالم واستخلافا فيه فسحة للامتحان الذي تحدد رمزيا بوصفه رهانا بين من يثق في الإنسان ومن يشك فيه (أي من النظر والعقد إلى العمل والشرع: ابن تيمية) ؟

وفيم يتمثل التحرير من الفكرين الكلامي والفقهي منطلقا للتحرير من الفكرين الفلسفي والصوفي بنفس العودة إلى نفس المرجعية والغرض شرطا في تحقيق الشروط الاقتصادية والسياسية التي تمكن الإنسان من حيث هو كائن عضوي سياسي من القيام برسالته التي كلف بها استعمارا للعالم واستخلافا فيه فسحة للامتحان الذي تحدد رمزيا بوصفه رهانا بين من يثق في الإنسان ومن يشك فيه (أي من العمل والشرع إلى النظر والعقد: ابن خلدون) ؟

المسألة الأخيرة : الجواب عن السؤالين من خلال تحليل النص

كيف يمكن أن نفهم النص في ضوء المقدمات التي حررناها في المسائل الأربع السابقة ؟ إنه بعبارة وجيزة الجواب النسقي على السؤالين اللذين ختمنا بهما المسألة الرابعة لأن ما أفقد الإنسان المسلم معاني الإنسانية هو الممارسة التربوية والسياسية الناتجتين عما أصاب العلمين النظريين (الفلسفة والكلام) والعلمين العمليين (التصوف والفقه) من فساد وعقم. فالنص يتألف من مستويين أساسيين كلاهما مخمس الدرجات.

ويبين هذان المستويان الوحدة الجوهرية لما يثبته التاريخ الفعلي للحضارة الإنسانية من وحدة التجربتين الفلسفية العلمية والدينية العملية من حيث هما معبرتين عن جوهر الإنسان منظورا إليه الذي ليس هو إلا الحرية الروحية التي له والتي رمز إليها ابن خلدون بمعاني الإنسانية والرئاسة الإنسانية وحب التأله والاستخلاف وحدتهما التي سرعان ما تنحط بمجرد حصول الفصل الفصامي بينهما فيصبح الدين قشورا مشعرية حول القيم ينافي الظاهر من عمل الإنسان فيها الباطن. فيكون الطابع الطاغي على التدين نقيضه التام أعني النفاق والرياء. وتصبح الفلسفة ثرثرة ميتافيزيقية حول الطبائع ينافي الظاهر من نظر الإنسان فيها الباطن. فيكون الطابع الطاغي على العلم نقيضه التام أعني اللغو والخيلاء.

المستوى الأول نفسي خلقي:

ويتعلق بنتائج العسف والقهر النافيين لجوهر الفرد الإنساني من حيث هو مكلف بالإيمان والعمل الصالح ومسؤول شرطا في كونه رئيسا بالطبع أو مستخلفا نتائجهما في تربية الأفراد ودرجاتها الخمس هي:

1-الإعاقة النفسية العضوية (ضيق على النفس في انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل).

2-الإعاقة الخلقية الانفعالية (الكذب والخبث).

3-إعاقة التنشئة الاجتماعية فقدان معاني الإنسانية من حيث الاجتماع والتمدن).

4-الإعاقة الخلقية الفاعلة (الكسل عن اكتساب الفضائل وعن اكتساب الخلق الجميل).

5-الإعاقة الشاملة للكيان الإنساني عضويا ونفسيا وخلقيا واجتماعيا (انقباض النفس عن غايتها ومدى إنسانيتها: الارتكاس والعودة إلى أسفل سافلين).

وبين أن المعنى الثالث الوسيط بين المعنيين الأولين والمعنيين الأخيرين هو المحور الجوهري من متسوى النص الأول هذا لأنه هو الذي يوحد بين المستويين (مستوى الآثار على الفرد في ذاته ومن حيث علاقته بالجماعة ومستوى الآثار على الجماعة ي ذاتها ومن حيث علاقتها بالفرد. وهذه العلاقة في الاتجاهين هي بيت القصيد لأنها مناط العلاقة بين كيان الإنسان الطبيعي التاريخي (فلسفة الطبيعة والتاريخ) وكيانه ما بعد الطبيعي وما بعد التاريخي (فلسفة الدين والوجود).

المستوى الثاني اجتماعي خلقي:

ويتعلق بنتائج العسف والقهر النافيين لجوهر الجماعة الإنسانية من حيث هي مكلفة بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر شرطا في كونها راعية لذاتها ووارثة للأرض نتائجهما في تربية الجماعات ودرجاتها الخمس هي:

1-القانون التاريخي العام (وهكذا وقع لكل أمة).

2-الاستنباط الاستقرائي للقانون التاريخي (وتجد ذلك استقراء فيهم)

3-العينة الشاهدة على صحة القانون (اليهود)

4-طبيعة الفساد الوجودي الحاصل (الخرج الذي صار صفة مميزة لليهود)

5-وحدة التعليل في الحالتين التربوية والسياسية (وسببه ما قلناه أي إن هي ما يؤدي إليه العسف والقهر من قتل لخاصية الإنسان الجوهرية التي هي الحرية والرئاسة والاستخلاف)

إن العلة الأعمق للعلاقة بين التربوي والسياسي وأثر العنف فيهما على الإنسان فردا وجماعة والتي لم يشر إليها ابن خلدون التي تستنتج من تعريف لمقومي العمران المضاعفين أعني صورته (السياسة والتربية) ومادته (الاقتصاد والثقافة) هي كون التربية والسياسة تمثلان وجهي الصورة العمرانية اللذين يقتلان مادته أي الإبداع المادي أو الاقتصاد والإبداع الرمزي أو الثقافة.

مفتاحا النص

وبذلك يتبين أن للنص مفتاحي قراءة فلسفي وديني. وكلاهما يمكن من فهم أعماق الفلسفة السياسية والتربوية وما بينهما من صلة وثيقة بنظرية القرآن الواصلة بين الديني (من حيث هو أصل الغايات في التربية الخلقية والروحية للإنسان) والسياسي (من حيث هو أصل الأدوات فيهما). ولكل من المفتاحين مستويان هما مستويا التعريف الخلدوني للإنسانية:

المفتاح الأول أو مفتاح القراءة الفلسفية الخالصة:

وبفضله نكتشف مستوي التحديد الخلدوني للإشكالية من منطلق مستويي تحديد مفهوم الإنسان.

وهذا المفتاح الأول فلسفي خالص أعني أنه أساس التشخيص فيه هو مفهوم الإنسان من حيث مقومي وجوده أي مقوم كيانه العضوي النفسي ومقوم كيانه الاجتماعي النفسي. وهو مضاعف ومطلق لكونه منفصلا عن العامي من التصورات الفلسفية والدينية ويتعلق بنظرية الإنسان في فلسفة القرآن كما يفهمها توصل إليها ابن خلدون في نظرياته النقدية الباحثة عن علل الانحطاط.

المستوى الأول: فساد معاني الإنسانية من حيث الاجتماع والتمدن

ففساد الإنسانية من حيث مقومها الاجتماعي النفسي أو فساده من حيث الاجتماع والتمدن بعبارة ابن خلدون هو فقدان الحمية والمدافعة عن النفس والمنزل بحيث يصبح المرء عالة على الغير.

المستوى الثاني: انقباض النفس عن غايتها ومدى إنسانيتها:

وفساد الإنسانية من حيث مقومها العضوي النفسي أو فساده من حيث الانقباض عن غايتها ومدى إنسانيتها بعبارة ابن خلدون أعني الارتكاس والعودة إلى أسفل سافلين. ولما كانت الغاية هي العلة الغائية والعلة الغائية هي عين الصورة فإن القصد هو أن الإنسان في هذه الحالة يفقد ما يعد جوهره العضوي النفسي. لذلك فقد وصف ابن خلدون هذه الظاهرة بكونها ارتكاسا وعودة إلى أسفل سافلين.

ورغم ما في ذلك من عبارات لها دلالات قرآنية بينة فإن الدلالة تقتصر هنا على الكلام في المقومات الجوهرية التي يحد بها الإنسان من حيث هو كائن عضوي نفسي يفقد الفاعلية المميزة لنوعه. وهذه حال جل المسلمين اليوم. فالمعلوم أن ما يحدده هذان المفتاحان هو الغالب اليوم على الإنسان المسلم الذي لا يكاد يحرك ساكنا مهما فعل به وبحقوقه سواء كانت مدنية سياسية أو خلقية وجودية وذلك لكونه قد ارتكس بمفعول قرون من العسف والقهر التربويين والسياسيين . إنها الحال التي وصف بها ابن خلدون المنظومات التربوية التعسفية والقهرية وطردها على المنظومات السياسية. وكلتاهما تؤول إلى ترويض الإنسان وإيصاله إلى فقدان الحمية والمدافعة عن النفس والمنزل أي الانفعال المطلق والاستسلام للعبودية وخاصية التحول إلى عالة على الغير أعني فقدان الاستقلال والتبعية التامة لأنه ارتكس وعاد إلى أسفل سافلين كما يقول ابن خلدون.

فإذا ترجمنا دلالات المفتاح الأول كان المفاد أن المسلم قد فقد شروط القيام الحر اجتماعيا ومدنيا. وإذا ترجمنا دلالات المفتاح الثاني كان المفاد أنه فقد القيام الحر من حيث كيانه العضوي النفسي. والجامع بين الفقدان هو الاغتراب الوجودي المطلق. فالذي يصير عالة يمكن أن يبقى فيه شيء من الإنسانية حتى لو كانت فاقدة للأنفة التي تتميز بها الرئاسة وحب التأله الناتجين عن الاستخلاف. لكن من يرتكس ويعود إلى أسفل سافلين يفقد كل معاني الإنسانية لا مجرد الإنسانية المدنية.

وهذا العدم المطلق للإنسانية المتقدمة على الإنسانية الاجتماعية ليست مقصورة على الحيوانية بل هي تشمل المقوم الذاتي للإنسان أعني ما به تكون للإنسان القدرة على التعالي بشهود المتعاليات: وقد عبر ابن خلدون عن ذلك بمفهومين متطابقي المعنى حتى وإن اختلفا من حيث مرجعية التحديد. فإذا نظرنا إلى القدرة على التعالي من منطلق الإنسان الساهي عن صلته بربه فإنها تكون حب تأله وإن نظرنا إليها من منطلق الإنسان الذاكر لصلته بربه فإنها تكون مسؤولية الخليفة. والخلط بين المفهومين هو الخطر الذي يهدد كل السلاطين الروحية والزمانية: فحب التأله الناسي يصبح تألها بمعنى دعوى الألوهية عند صاحب السلطة الرمزية (المتصوف) وصاحب السلطة المادية (السياسي) وحب التأله الذاكر هو حب الخليفة لمستخلفه عند العابد في الدين والسياسة على حد سواء.

المفتاح الثاني أو مفتاح القراءة الدينية الخالصة:

وبفضله نكتشف مستوي التحديد الخلدوني للإشكالية من منطلق مستويي تحديد مفهوم الإنسان في القرآن الكريم. وهو كذلك تحديد مضاعف.

المستوى الأول:

فعبارتا ارتكس وعاد إلى أسفل سافلين تحيلان إلى آيات قرآنية محددة لها دلالة تتعلق بالحكم الإلهي بخصوص الوجود الإنساني عندما يخل صاحبه بالميثاق أعني بشروط الاستخلاف أو الأمانة التي قبل الإنسان حملها وأحجمت عنها الجبال والسموات. وترد هذه العبارات في الكثير من الآيات نذكر منها:

“فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا” (النساء 88)

“كلما ردوا إلى الفتنة اركسوا فيها” (النساء 91)

“لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين” (التين 5)

“إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار” (النساء 145)

المستوى الثاني:

مثال اليهود الذي يعتبر عند المسلمين تعين الخروج المطلق عن الميثاق الخروج الذي يؤدي إلى المسح بمعنى الارتكاس والعودة إلى أسفل سافلين. لكن هذا المثال الذي يضربه ابن خلدون والذي يكاد يكون أهم مرجعيات التمثيل القرآني من تاريخ الإنسانية الروحي ليس إلا مثالا بحيث إنه لا يحصر حقيقة ما يمثل له في مما مثل له به. إنما هو مثال يحدد بصورة عينية ما ينتج عن فساد العلاقة بين مجرى التاريخ وقيم الدين الخلقية أعني عواقب مجراه بخلاف ما تحدده الرسالات السماوية قيم رأسها منزلة الإنسان الكريمة وجوهر العبودية لله وحده أعني منزلته بشروطها الدنيوية والأخروية (ولقد كرمنا بني آدم) تليق بمن استخلفه الله وكلفه باستعمار العالم.

فما يحصل بمقتضى هذا القانون في مستواه الاجتماعي النفسي من عسف وقهر يؤدي إلى فقدان معاني الإنسانية ومن ثم فما صار عليه باليهود من خلق وخرج ليس عرقيا بل هو بسبب آثار التربية والسياسة التعسفيتين. لذلك لم يأخذ ابن خلدون اليهود إلا مثالا مما يحصل لأي أمة حصلت في قبضة القهر والعسف. وهذا المثال يصح على المسلمين منذ عصر الانحطاط إلى الآن: ووصف أخلاقهم الخرجية لا يحتاج إلى دليل.

ومن ثم فبوسعنا أن نجزم بأن نظرية التربية التي يقدمها ابن خلدون علاجا لأدواء الحضارة العربية الإسلامية ليست مقصورة على التربية بمعناها الضيق بل هي تشمل وجهي صورة العمران حتى لا تكون قاتلة لمادته وهي ذات مرجعتين متطابقتين:

1-مرجعية فلسفية تستمد منها نظرية في الوجود الإنساني السوي وأساسها المعرفة العلمية الحية بمقومات إنسانية الإنسان بمستوييها العضوي النفسي والاجتماعي المدني مقوماتها التي نقيضها الانقباض عن الغاية وفقدان الحمية.

2-مرجعية قرآنية تستمد منها نظرية في الوجود الإنساني السوي وأساسها المعرفة الدينية الحية بمقومات إنسانية الإنسان بنفس المستويين وفي عبارة قرآنية مقوماتها التي نقيضها الارتكاس والعودة أسفل سافلين.

الخاتمة أو علل التطابق بين المرجعيتين في تشخيص الأمراض بمنظومتنا التربوية وشروط علاجها أي أمراضها وأمراض موضوعاتها العملية والعلمية وإطارها التربوي والسياسي

وهكذا فقد جمع ابن خلدون أمراض المنظومة التربوية وأمراض المنظومة السياسية عامة تحت عنوان واحد متقدم عليهما هما أمراض أخلاق التعامل السلطوي بين البشر في كل مؤسسات العمران أخلاقه التي تفسد صورة العمران بوجهيها التربوي والسياسي خاصة فتجعلهما قاتلين لمادته في مستوي فاعليتهما العضوية النفسية (عند الفرد) والاجتماعية النفسية عند الجماعة. والمعلوم أن الغرض في هذا البحث هو الكلام على أحد وجهي صورة العمران أعني التربية (دون الوجه الثاني أي السياسة) من أجل استرداد الفاعليتين من يحث هما فاعليتان أولا (وفي ذلك تشترك كل الحضارات) ومن حيث ما لهما من طابع أصيل (وتلك هي الخصوصية):

1-المعنى الضيق هو التكوين والتعليم النظاميين: ولهما مستويان في المنظومة التربوية وفي الممارسات المهنية التي تعد إليها المنظومة التربوية حيث يحصل بالقصد الأول فضلا عن مستواهما غير النظامي في كل المؤسسات الشارطة والمشروطة في كل اختصاص لأن الإنسان يتكون ويتعلم بصورة عفوية أو بالقصد الثاني.

2-المعنى الواسع هو تنشئة الإنسان بصورة عامة: وله مستويان كذلك في المنظومة السياسية وفي الحياة الاجتماعية التي تؤطرها المنظومة السياسية بالقصد الأول كما أنه بعكس الحالة السابقة يحصل بصورة عفوية أو بالقصد الثاني في المؤسسات التكوينية والتعليمية النظامية.

ورغم أن مطلوبنا يتعلق أساسا بالمعنى الضيق فإن الأدواء شاملة للمعنيين والعلاج لا يكون بحق شافيا إلا إذا شملهما معها. وقد سمى ابن خلدون المعنى الجامع بهذه الأدواء فقدان معاني الإنسانية التي:

ليست هي شيئا آخر غير شروط التساكن التعارفي عند النظر إليها إيجابيا وأساس هذا التساكن الموجب الاطمئنان المتبادل أو حياة التآخي والتعارف في المستويين التاليين بالمصطلح الخلدوني:

وليست هي شيئا آخر غير التساكن التناكري وعند النظر إليها سلبيا. وأساس هذا التساكن السالب التوجس المتبادل وحياة العداء والتناكر في المستويين التاليين بالمصطلح الخلدوني:

المستوى المتعلق بشروط التساكن لسد الحاجات: الجماعة السياسية المدنية

1-شرط التواصل العلمي والعملي: اللغة خاصة

2-شرط التعاوض المادي: العملة خاصة

3-شرط التقاصص: العدالة خاصة

4-شرط التعادل : المساواة في الحقوق المادية

5-الهدف هو الحقوق الاقتصادية والسياسية (=القانونية).

المستوى المتعلق بشروط التساكن للأنس بالعشير: الجماعة الخلقية الروحية

1-شرط التواصل الذوقي والوجداني:

2-شرط التعاوض الخلقي:

3-شرط التقاصص الخلقي:

4-شرط التعادل الخلقي: المساواة في الحقوق المعنوية

5-الهدف هو الحقوق الثقافية والتربوية (=الخلقية).

[1] لم يقصر ابن خلدون كلامه على التربية والسياسة فحسب بل هو عمم على صفات كل سلطان لأحد على آخر ماديا كان أو رمزيا سواء كان ذلك في الأسرة أو في المدرسة أو في المصنع أو في الدولة أو في المعبد. وقد ذكر ذلك في كلامه على خصائص السلطة عامة شاملا بذلك سلطة الأب وسلطة المعلم وسلطة الزوج وسلطة الحاكم.

[2] نظرية العقدين العقلي والديني.

[3] فاعتراض الملائكة على الاستخلاف اعتمد على المقابلة الفصامية بين الديني والدنيوي فجادلت في جدارة آدم بالاستخلاف لكأنها تقول إنها أولى منه بها لكونها تقدس لله وتسبح بحمده رمزا للدين الخالي من الدنيوي ولكون آدم يفسد في الأرض ويسفك الدماء رمزا للدنيوي الخالي من الدين. واعتراض إبليس على الأمر بالسجود اعتمد المقابلة الفصامية بين الخلق والخلقة فجادل في جدارة آدم لأن يسجد له مصرحا بأن معدنه أفضل من معدن آدم ومن ثم فهو أشرف خلقة مستنجا أنه أشرف خلقا. وكان جواب الرب في الحالة الأولى امتحانا في المعرفة النظرية وهو في الحالة الثانية امتحان في السلوك الخلقي. بينت القصة أن آدم أعلم من الملائكة ومن ثم فهو جدير بالخلافة حتى وإن كان له بعض الانحراف عن الشرع بما كان يمكن أن يفسد ويسفك الدماء وراهنت القصة على أن المؤمن من أبناء آدم سينجح في الامتحان الذي سيثبت أن الأمر في الخلق لا يتعلق بمعدن الخلقة بل بالمعيار الوحيد الذي وضعه الله للمفاضلة بين المخلوقين: التقوى التي هي أصل كل أخلاق (إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

[4] أنظر بحثنا في نظرية المعرفة-التربية القرآنية الملحقة بوثائق العقد.

[5] وقد تكرر هذا الفصام مرتين في تاريخ فكرنا ونظامنا التربوي بين أصحاب الظاهر وأصحاب الباطن وسيطا وبين الإسلاميين والعلمانيين حديثا.

[6] يختلف مفهوم السنن التي تحكم مجاري العادات في الوجودين الطبيعي والتاريخي عن الحتمية لكونها من جنس التشريع القانوني المعبر عن إرادة ذات خطة عقلية وليست من جنس الضرورة العمياء التي يكون مجراها وليد الصدف المتوالية أو ما يسمى بالاتفاق والضرورة.

[7] ولو كان ابن خلدون يريد أن يعلل هذا التلازم لبين أنه أصله هو الصلة المتينة بين التربوي والسياسي من حيث الانتساب إلى صورة العمران أعني إلى الإطار الضابط لعلم الجماعات البشرية والأفراد في المجالات التي تسمى مادة العمران أعني في الانتاج المادي الذي هو أساس قيام الإنسان العضوي والإنتاج الرمزي الذي هو أساس قيامه الخلقي والروحي.

[8] لكن فكرهما لم يتمكن من الخلاص من أحد أكثر التصورات إضرارا بفاعلية الفكر الإنساني قصدت إخضاع النظر لمنطق العمل من حيث الحاجة إلى النفع والتوسط في المواقف باسم ضرورة عدم الابتعاد عن الممارسة الفعلية في مظاهر الأمور. ولو طبقنا هذا المبدأ على المجال الفلكي مثلا لكان ينبغي أن نزيل كل النظريات الفلكية لئلا يعارض الفلك العلمي الذي ندركه بالعقل الفلك العفوي الذي يناسب الحواس العادية. والمعلوم أن علم الفلك مهما تعقد وتطور ومهما أدرك من دقائق عالم الأفلاك والكون لن يغير من التصور الفلكي المناسب للحواس العادية حيث تبدو لنا الأرض ساكنة ومسطحة ومن حولها قبة السماء التي لا تتجاوز حدود الأفق المباشر الذي نراه بالعين المجرد. وينبغي أن يكون الأمر كذلك بخصوص المدارك الروحية. ومعنى ذلك أن المعرفة العلمية بالأديان ينبغي ألا تبقى في حدود التجربة الدينية المعيشة لأنها مهما تطورت ونمت فإنها لا تضر بها تماما كما لا تضر المعرفة الفلكية بالإدراك الفلكي العادي: أي إن التجارب نوعان في كلا العالمين لأن الروحي والمادي كلاهما له سلما قياس: حسي مباشر وعقلي غير مباشر. ولا ينبغي أن نحكم معايير الواحد منهما في الآخر فضلا عن أن هذا التحكيم لا أثر له أصلا. فهمهما علمت من قوانين الفلك الرياضية تبقى التجربة الفلكية المباشرة بالمدارك الحسية هي التي يعيش بها الإنسان حياته العادية في صلته بالعالم المادي المحيط به في وسطه الطبيعي والحسي. وهما علمت من قوانين النفس الرياضية تبقى تجربة الوعي بالمدارك الباطنية المباشرة هي التي يعيش بها الإنسان حياته العادية في صلته بعالم المعاني الروحية المحيطة به في وسطه الثقافي والوجداني.

[9] وعلامة ذلك فساد المعنى العميق لصلاة الجمعة. فمن اجتماع ديني سياسي للتداول في شؤون الأمة الدينية والسياسية بمعنى تحمل المسوؤلية الخلقية والمدنية في إدارة الشأن العام تحولت إلى رمز الاستقالة من القيام بهاتين الرسالتين أعني مجرد علامة على توطد الاستبدادين الروحي للوسطاء الروحيين (العلماء) والزماني للوسطاء الزمانيين (الأمراء).

اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.