لأية غاية صارت شعوب الغرب ضحايا ؟

لا أحد يجهل أن الناس عافت الكلام في المؤامرات والمتآمرين حتى لعنت المتكلمين فيها أجمعين سواء كانوا من أهل اليسار أو من أهل اليمين ! لذلك فلن أجادل نفاة نظرية المؤامرة على الشعوب الإسلامية لأن افتضاحها يمنع عنها صحة الوصف بالمؤامرة. والجميع بات يعلم ردود النفاة السهلة ما هي. ثم هي لم تعد مما يستحق المرء الكلام فيه. فمن يجهل تاريخ الاستعمار الأوروبي المباشر بواسطة القوة الاستعمارية نفسها وغير المباشر بواسطة من ساعدته في الاستحواذ على الحكم نيابة عنها بعد حروب التحرير؟ ومن لا يرى مخططات الاستعمار الأمريكي المباشر تنشر قبل الغزو وخلاله في تقارير المعاهد المختصة؟ و من فاته أن يقرأ برامج الاستعمار غير المباشر تمول جهرة ورغم أنف الأنظمة المغلوبة على أمرها لفرط تشبثها بالكراسي وتدعم ضد إرادة شعوبها النخب العميلة والمؤسسات الإعلامية والمجتمعية الدخيلة لتهديم المجتمعات العربية الإسلامية؟
ما يهمني هو استراتيجية أخرى أبعد غورا من كل المؤامرات التي صارت مفضوحة إستراتيجية ضحيتها ليست الشعوب الإسلامية خاصة وشعوب العالم المستضعفة عامة. فهذا حاصل ولا يحتاج إلى استراتيجيات جديدة. إنما الضحية هي شعوب الغرب نفسها لغايات أخرى علينا الكشف عنها ما استطعنا إلى ذلك سبيلا. ولما كان أصحاب هذه الاستراتيجية يعددون الحلقات والوسائط غير المباشرة بينها وبين غاياتها لإخفاء خيوطها فإنها تبقى جديرة باسم المؤامرة حتى وإن ساءت سمعة هذا الاسم: إنها مؤامرة تسعى إلى النكوص بالشعوب الغربية إلى أخلاق حرب الكل على الكل الأخلاق التي تعد في منظور نيتشه مؤذنة بميلاد الإنسان المتفوق ومن ثم فهي شارطة لإخراج الغرب من الإعياء الوجودي أو العدمية.
لذلك فمشكل هذه المؤامرة ليس هو كيف نتحرر منها وحدنا بل كيف يتحرر منها العالم كله بدءا بشعوب الغرب نفسه: وقد أطلق تيتشة على هذا المشروع اسم الثورة الخلقية والوجودية التي عليها أن تقلب كل القيم الإنسانية. ويكفي أن نطلب الجواب عن السؤال التالي الذي هو بيت القصيد في هذه الإستراتيجية التآمرية لنعلم حقيقتها ما هي: كيف تحتال النخب الغربية التي تقود هذه العملية على الشعوب الغربية لتعيدها إلى العقلية الاستعمارية والتمييز العنصري فيكفر الشباب الغربي بالأخوة الإنسانية المتعالية على الأنانيات الضيفة. ذلك أن أصحاب هذه الاستراتيجية يعتبرون مثل هذه القيم من علامات المرض الوجودي الذي يرون علاجه الوحيد في العودة إلى البربرية الاستعمارية.
فالنخب المافياوية بصنفيها ما استبد منها مباشرة بالسلطان المادي والزماني (الاقتصاد والسياسة) وما استبد منها بصورة غير مباشرة بالسلطان الرمزي والروحي (الثقافة والدين) تريد أن تخلص الشعوب الغربية مما بدأت تؤمن به من القيم التي لفرط ما استعملوها للكذب على الشعوب صارت معتقدات عندها فباتت لا تريد التخلي عنها والعودة إلى استعمار العالم من جديد. المؤامرة هي إذن خطة تستهدف إرجاع الشعوب الغربية لبيت الطاعة عند المستبدين بهذه السلاطين الأربعة (المادي والزماني والرمزي والروحاني) ومن ثم استعادة سيطرة النخب المافياوية عليها من أجل تجنيدها وتجييشها في النوبة الاستعمارية المقبلة التي سيولدها التنافس بين الأقطاب البازغة وأغلبها قد بز الغرب في أهم منجزاته العلمية والتقنية دون أن يكون مثله مصابا بالتراجع البايولوجي والخلقي.
والحل الذي تبحث عنه هذه المافيات هو الجواب عن السؤال التالي: كيف يمكن أن تستعيد الشعوب الغربية حيويتها الروحية لكي تجند من جديد فتطيع أوامر النخب الحاكمة في الحرب التي تقتضيها إعادة استعمار العالم عامة والعالم الإسلامي خاصة؟ وأظن سر الحل إن صح فهمي لتاريخ الفكر والسياسة الغربيين يتمثل في قلب نظرية نيتشة. فما يعتبره نيتشه سببا في انحطاط الغرب وفقدانه الحيوية الروحية هم يسعون بخبث شيطاني إلى جعله الأداة الأساسية لاستعادة هذه الحيوية: جعل الدين المسيحي نفسه يتحول إلى إيديولوجيا عدوانية لتربية الشعوب الغربية بمضمون التوراتية البدائية المطعم بالنازية والصهيونية. فالمسيحية الصهيونية هي إذن المحقق لأمنية نيتشة ليس بخلع المسيحية بل بإعادتها إلى أصلها البدائي. تلك هي الإيديولوجية التي تسعى إلى تأليف ثالوث مقدس جديد هو مضمون المؤامرة على أخلاق الشعوب الغربية وقيمها التي أوصلها إليها التطور التاريخي: التوراتية البدائية والنازية والصهيونية لجعلها إيديولوجيا الإحياء العقدي والروحي للشعوب الغربية شرطا في جعلها قادرة على الغزو الاستعماري من جديد.
وإذن فالقضية التي أريد علاجها لأفضح خيوطها الخفية هي المؤامرة على العالم الخلقي الغربي نفسه. والهدف هو تنبيه كل من وقع في حبائلها من علمانييا (حيث ينتدب من يوظف في الإرهاب الرمزي) وأصلانيينا (حيث ينتدب من يوظف في الإرهاب المادي) للتحرر منها عل ذلك يحول دون تحقيق هدف الاستراتيجية التي تريد أن تجعلنا أداة تحفز الشعوب الغربية على النكوص إلى الانضواء في حرب حضارات من جنس الحروب الصليبية والحروب الاستعمارية التي لن يسلم منها أحد من الصفين: فالغرب والمسلمون سيخرجون منها خاسرين وتعود الغلبة للأقطاب الأخرى التي يظن أصحاب هذه الاستراتيجية أنها تحقق شروط القدرة على التنافس مع أهلها. وهدف هذه المحاولة تحليل آليات عمل المؤامرة وبيان الأهداف التي تسعى إليها في تآمرها على الشعوب الغربية تآمرا ليست الشعوب الإسلامية فيه إلا أدوات الحبكة التآمرية بداية وفريسة الحفلة الاستعمارية غاية. وستكون الخطة كالتالي:
المسألة الأولى: مقومات الإستراتيجية وحبكتها
المسألة الثانية: آلية الإرهاب الرمزي وأثرها غير المباشر
المسألة الثالثة: آلية الإرهاب المادي وأثرها غير المباشر
المسألة الرابعة: أصل الآليتين والأثرين
المسألة الأخيرة: العلاج المقترح.
وليس من شك في أن الفصل بين هذه الآليات ليس هو إلا فصلا منهجيا وأنه لا يعني أن هذه المسائل قابلة فعلا للفصل الدقيق بهذه الصورة النظرية. فما من إرهاب رمزي إلا وفيه شيء من العنف المادي على الأقل في حركات المتلفظ به أو في قسمات وجهه ومن ثم فالإرهاب الرمزي لا يخلو من الإرهاب المادي. وهذا التلازم بين الإرهابين يصح أكثر على الإرهاب المادي. فهو مليء بالإرهاب الرمزي من خلال فاعلة واختياره لأهدافه وكيفيات حدوثه وخاصة لدلالته على الذهنية التي هي دائما ذهنية نفسية صاحبها بدائية لأنه لم يدرك بعد أسباب القوة الحقيقية ما هي. لكن الإرهاب الرمزي يبقى الأخطر من هنا أهمية دوره في هذه الخطة الجهنمية. إنه أخطر بكثير من الإرهاب المادي لأن الإرهاب المادي لا يستمد فاعليته من كونه ماديا بل من كون رمزيته وصلت إلى الانجاز المادي وذلك هو القصد من استراتيجية التحفيز الرمزي أولا لتحقيق دورة الإرهاب التي سنصف: فيكون الإرهاب الرمزي أخطر لأنه إرهاب مادي بالقوة ينفجر حتما في حمى لامتناهية من الإرهاب المادي بعد تراكمه بمنطق كرة الثلج. ذلك أن كل ما نراه من إرهاب مادي في العالم علته إرهاب رمزي زرعه وحفزه وأدى إليه الإرهاب الرمزي المتقدم عليه بدءا بالاستعمار المباشر وختما بالاستبداد الذي سلم إليه الاستعمار المباشر الحكم ليدير بواسطته الاستعمار غير المباشر.
المسألة الأولى: مقومات الإستراتيجية وحبكتها
من البين بنفسه أن كل إستراتيجية ينبغي أن يكون لها: 1-فاعل 2-ومنفعل 3-وهدف 4-وآليات منهجية 5-ومراحل لأنها مثل أي خطة لا تتحقق إلا خلال مدة محددة. والمشكل في هذا العنوان بالنسبة إلى القارئ العربي أننا خرجنا عن المعهود فجعلنا من كان يوضع في خانة الفاعل وضعناه في خانة المنفعل فاعتبرنا الشعوب الغربية هي الضحية التي توجه إليها المؤامرة. لذلك فلسائل أن يسأل: إذا كان المتآمر عليه هو الغرب فمن المتآمر إذن؟ والجواب البديهي خاطئ طبعا. فلسنا نحن المتآمرين. وليست ذلك بسبب ضعفنا فحسب بل هي بسبب ما تتصف به قياداتنا من أخلاق سامية لأنها ملائكية إلى حد الجنون: فهي تسالم الجميع ولا تستعد لأي عدو خارجي لأن عدوها الوحيد هو شعوبها وهؤلاء لا يخيفونها فتعاونها مع من يساعدها عليها يضمن لها الغط في النوم ولا حاجة للتفكير فضلا عن التدبير.
أولا الهدف والمنفعل:
سنترك تحديد المتآمر إلى حين ونسأل عن المقومات الأخرى. ولنبدأ بتحديد الهدف. فهو الذي سيصدم الجميع. إنه حل المعضلة التالية: كيف يمكن أن ترغم شعبا خرج من حروب هدامة داخلية بدايتها التنافس على تقاسم المستعمرات وخاتمتها حروب التحرير من الاستعمار كيف ترغمه على العودة إلى أخلاق وحال نفسية تؤهله لخوض حروب استعمار جديدة بات الوضع الدولي يقتضيها استعدادا لبزوغ قريب لعدة أقطاب تنافس القطب الغربي عامة والقطب الغربي الأقصى خاصة ؟ من كان مطلعا على تاريخ الفكر الغربي الحديث يعلم أنه يوجد في الغرب وعي فلسفي ينتسب إليه عادة جل مفكري اليمين الغربي. وهو وعي مريض لا يدور كلامه إلا على ما يصفه بكونه أعراض إعياء حيوي أصيبت به شعوب الغرب. وعنده أن علامته الدنيا هي استمراء الحياة الهادئة وأن علامته القصوى فقدان القدرة على العدوان. لذلك فهم يرون أن توقف مغامرات الاستعمار علامة شيخوخة وعجز وليس تقدما خلقيا حصل في العلاقات البشرية. وإذن ففرضيتي حول الهدف هي أنه الهدف الثابت لإيديولوجية اليمين الغربي عامة واليمين النازي الصهيوني في أمريكا خاصة: استراتيجية شيطانية لعلاج هذا الانكماش الحيوي في الطاقة العضوية والخلقية للشعوب الغربية وهو انكماش عضوي يظهر في قلة التوالد وانكماش خلقي يظهر في استمراء الحياة الهادئة.
والمشكل أن هذا الانكماش توازيه حيوية الشعوب الأخرى التي بدأت تهدد الامتيازات التي كانت مقصورة على الغرب. فالشعوب الأخرى بدأت تقاسم الغرب ثروات العالم بأدواته نفسها بعد أن تمكنت منها بل هي باتت تنافسه في عقر داره على أسواقه وعلى العمل الذي بدأ أبناؤه يفقدون القدرة على أدائه أحسن الأداء فضلا عن ندرتهم بسبب تردي نسب الإنجاب. فكيف ستصمد الشعوب الغربية في معركتي تقاسم ثروة العالم والتنافس الاقتصادي والعلمي إذا ضلت على هذا المنحنى من الانكماش العضوي والخلقي ؟
ذلك هو الرهان الذي تسعى الإستراتيجية التآمرية على شعوب الغرب إلى خلق صدمة علاجية يكون فيها بعض المسلمين صاعقا يحفز الدوافع التي ستمكن الشعوب الغربية من العودة إلى الخلق العدواني فتتهيأ لحروب الاستعمار المستأنفة في القرن الحادي والعشرين بعد نهاية الحرب الباردة: العالم الإسلامي هو الصاعق والفريسة في نفس الوقت وليس هو المستهدف المباشر بالمؤامرة الحالية. وما نحن مرحليا على الأقل إلا مجرد محفز Catalyser يسرع عملية معقدة هدفها تمكين الغرب من استعادة حيويته العضوية والخلقية خلال ما يحصل من استفزازات يقوم بها أغبياؤنا فيستعد بما يشبه التطعيم بجراثيم غير ضارة (ف من السخف تصور ما يسمونه غزوات في الغرب ذا معنى بالقياس إلى الحروب الممكنة بين الأقطاب: ففاعليتها دون فاعلية حوادث المرور) لحربه مع الأقطاب القادمة التي ستتقاسمنا معه والتي لسوء الحظ لن نكون منها لعلتين:
الأولى هي أن جل نخبنا العلمانية مصابة بداء فقدان المناعة العضوية والخلقية لأنها تستمرئ الدعة ولا تعني الحريات عندها إلا دناياها دون جهد العمل والإبداع الذي تتميز به النخب الغربية لأنه غير قابلين للمقارنة معها إلا في نمط العيش لا غير. لذلك فمهندسو المؤامرة يريدون استعمالهم لعلاج داء الشعوب الغربية الذي وصفنا رغم كونهم ليسوا غربيين وهم سيكونون حطب الحريق الذي سيولده الإرهاب الرمزي كما سنرى.
والثانية هي أن جل نخبنا الأصلانية مصابة بالداء المقابل أعني فائض الحماسة الوجودية التي تجعلهم يستخفون بالحياة فضلا عن الدعة كما يقول ابن خلدون بل يقبل على الموت برحابة صدر ولكن بصورة مشوهة سببها حصر الشجاعة في آخر حلقاتها وفقدان العمل بمضمون الآية 60 من الأنفال. لذلك فمهندسو المؤامرة يسعون إلى جعلهم حطب الحريق الذي سيتولد عن الإرهاب المادي.
ثانيا :الآليات والمراحل
ولنأت الآن إلى الآليات والمراحل. فالمؤامرة تخضع لعدة آليات قابلة للتحليل المنطقي الذي يردها إلى معادلة بسيطة جدا هي السر في كل ما يسمى بمنطق التصرف في القوى بمنطق اقتصاد الطاقة كما يفعل لا عب الجودو الذي يستفيد من طاقة خصمه ليرغمه على التهديم الذاتي مع تقوية طاقته الذاتية: كيف تجعل عناصر الوضعية عند العدو تفعل بصورة تحقق غاياتك فيهدم نفسه ويقويك خلال تلك العملية؟ والمعادلة البسيطة التي نرد إليها المؤامرة الموجهة إلى الشعوب الغربية لإرجاعها إلى خلق الاستعمار والتخلي عما حصل عندها من تقدم خلقي وروحي تتمثل في عمل آليتين بسيطتين وآليتين مركبتين من فعل إحداهما في أخراهما في الاتجاهين ثم من المبدأ الموحد للآليات الأربع فتكون الآليات خمسا تتحقق بها دورة الإرهاب الكاملة ليكون محفزا للأهداف البعيدة. وهذه الآليات هي:
1-الآلية البسيطة الأولى:
هي تشجيع الإرهاب الرمزي في المجتمع الإسلامي والمجتمع الغربي الذي يتضمن جاليات إسلامية بتجنيد بعض المغرر بهم ممن لهم تجارب سيئة نتجت عن سوء تصرف السلط الروحية (العلماء المزعومين) والزمانية (الحكام المفروضين) في المجتمع الإسلامي. وهدف هذا التشجيع التفجيري نراه في الآلية الثالثة لكن هدفه الأول والأخير هو تعطيل النهضة بفضل التشكيك في كل فكر تحديثي يصدر عمن يحاول تحقيق شروط التحرير الرمزي (=الاجتهاد) للأمة فيتهم بكونه منتسبا إلى جماعة الإرهاب الرمزي ضد قيم الأمة. وبذلك يصبح الفكر ذاته متهما: وتلك هي الغاية القصوى من الإرهاب الرمزي بعد استفزاز الشعوب لتحفيز الإرهاب المادي.
2-الآلية البسيطة الثانية:
هي تشجيع الإرهاب المادي بتجنيد بعض المغرر بهم ممن لهم تجارب سيئة من سوء تصرف السلط الزمانية والروحية في المجتمع العربي الخاضع لسلطان الدول الغربية المباشر حتى تبدو الثورة وكأنها على الأعداء وعملائهم. وهدف هذا التشجيع نراه في الآلية الرابعة لكن هدفه الأول والأخير هو تعطيل الصحوة بفضل التشكيك في كل فكر إحيائي يصدر عمن يحاول تحقيق شروط التحرير الفعلي (=الجهاد) للأمة فيتهم بكونه منتسبا إلى جماعة الإرهاب المادي ضد قيم الحداثة. وبذلك يصبح الإحياء ذاته متهما: وتلك هي الغاية القصوى من الإرهاب المادي بعد اشتفزاز الشعوب بتحفيز الارهاب الرمزي.
3- الآلية المركبة الأولى:
هي دفع ضحايا الآلية الأولى أي آلية الإرهاب الرمزي إلى الحرب الصريحة على حضارتهم سعيا إلى اسبدالها بقيم الغرب فيكونون أولى ضحايا قيم الغرب من الشرقيين الثائرين على قيم بلادهم برد فعل الآلية البسيطة الثانية: يرفضون ومعهم قيم الغرب فلا يحصل التحديث المتروي. لذلك فالمجندون ليس من الضروري أن يكونوا مسلمين بل المهم هو اختيار من يحقق أكبر قدر من الاستفزاز ليكون موضع عملية إرهابية تجعله يبدو ضحية التحديث العقلاني والتبشير بالقيم الغربية. وذلك هو المعين الأول لأغراض الحرب النفسية والإرهاب الرمزي.
الآلية المركبة الثانية:
هي دفع ضحايا الآلية الثانية أي آلية الإرهاب المادي إلى الحرب الصريحة على حضارة الغرب سعيا إلى تبديلها بقيم الإسلام فتأتي الفئة الثانية من الضحايا: ضحايا قيم الغرب من الغربيين أنفسهم حتى يستثار الشعب الغربي ويقبل التضحيات الضرورية لصد هذه الهجمة البربرية. لذلك فالمجندون ينبغي أن يكونوا مسلمين وخاصة من المسلمين الغربيين لأن المهم هو تحقيق الإرهاب بعمليات تجعل ضحاياها يبدون ضحايا البربرية الإسلامية ورفض التبشير بالقيم الغربية أعني رفض الحضارة والمدنية. وذلك هو المعين الثاني لأغراض الحرب النفسية والإرهاب الرمزي.
والآلية الأصل:
هي تشتيت صف الخصوم (الشعوب الإسلامية) وتوحيد الصف الذاتي (الشعوب الغربية). فلا بد من إيصال الخصم إلى الحرب الأهلية (وهذا يضعف المسلمين) حتى يكون التدخل مطلوبا من البعض ضد البعض ولو باسم حقوق الإنسان لمنع الإبادة وإيصال الذات إلى الوحدة حتى تتمكن من خوض الحرب فيستفز الشعب الغربي في قيمه وفي وجوده المزعوم مسالما حتى يقوى على حرب المسلمين دون عائق خلقي بل مقاتلهم بحماسة الحروب الصليبية. وبذلك تغلق حلقات السلسة فتكتمل دورة الإرهابين المتغاذيين إلى غير غاية: وذلك هو المحرك الأول والأخير لكل حرب أهلية لأن الإرهاب الرمزي يمنع الصلح والروية والإرهاب المادي يحقق التهديم والحرب الدائمة.
تحديد الفاعل أخيرا:
وهكذا نصل في غاية المسألة الأولى إلى السؤال عن الفاعل من يكون؟ طبعا فإذا كان الكلام عن مؤامرة ضد الشعوب الغربية قد بدا غريبا فإن تعيين المتآمر سيبدو أشد غرابة. والعجيب أن الاستغراب علته فقدان الذاكرة عند المحللين. وأقصد بالذاكرة هنا ذاكرتين: ذاكرة الفكر الغربي الحديث والوسيط وذاكرة التاريخ السياسي الغربي الحديث والوسيط. لكني سأقتصر على التاريخ الحديث في حالة الذاكرتين الفكرية والسياسية لئلا أعود إلى الحروب الصليبية وفكرها. فما هو الفكر الذي يتكلم عن الإعياء الوجودي والخلقي في الغرب؟ ومن هو فاعل التاريخ السياسي الذي خسر معركة الاستعمار الأول بعد جحيم حروب التنافس على المستعمرات ومنها حربان عالميتان؟ الجواب عن سؤال من الفاعل هو عين الجواب عن هذين السؤالين: إنه اليمين الغربي عامة واليمين النازي الذي يتنكر الآن تحت رداء الاتجاه المسيحي الصهيوني خاصة.
والحادثة التي جعلتني في لحظة خاطفة أربط كل هذه العناصر بعضها بالبعض هي التماثل العجيب بين عقيدتي اليمين المسيحي وأقصى اليمين الفرنسي إلى تبني الموقف الذي يقفه أصحاب السوق السوداء الفرنسيين (Pieds noirs) بصنفيهم أعني من المستعمرين ومن الحركيين (وأمثالهم كثير لم يطردوا لأنهم احتالوا فاستبدوا بثمرة ثورات التحرير) الذين طردتهم حرب التحرير الجزائرية شرط طردة موقفهم من العرب عامة ومن المهاجرين خاصة. وهذه الحادثة هي اعتماد شرطة نيويورك في استخراج فلسفة تحدد علامات الجنوح نصائح شريطي فرنسي من هذا الصنف التابع لفكر لوبان ومن لف لفه.
ولعل ما كان يحول دون الكثير منا وفهم هذا الأخطبوط هو استبعاده بسبب التناغم بين هذا اليمين الناقم على فقدان المستعمرات وخاصة النازي منه وإسرائيل: كيف نفهم أن يكون اليمين العنصري والنازي يعمل بتناغم مع أولى ضحاياه؟ والجواب أظنه بسيطا وبساطته هي سر خفائه: إنهما يتعاونان على عدو أخطر عليهما كليهما من أي منهما على الآخر لا أكثر ولا أقل. كل تعاون بين قوى العدوان كما هو معلوم تعاون مؤقت فضلا عن كون إسرائيل رابحة في كل الحالات: فإذا ربحت أمريكا هذه الحرب ربحت إسرائيل مرتين لأنها تكون مع أمريكا دون فقدان تأييد أوروبا وإذا خسرت تكون قد ضمنت تعاونها مع يمين أوروبا وتبقى دائما المساعد الضروري للاستعمار الأوروبي الذي أنشأها.
وتجنبا للإطالة والإغراق في بيان العلاقات الخفية بين خيوط المؤامرة-خاصة لعلمي أن القارئ العربي عودوه على أن يقرأ عناوين الصحف متثائبا حتى لا يفكر!- سأجمع المسألة الأولى والثالثة لما بينهما من ترابط العلة والمعلول والمسألة الثانية والرابعة لنفس العلة لأختم بالمسألة الأصل. وحتى يكون تدليلي مفيدا سآخذ حالات رمزية ذات دلالة واضحة على مستويين: مستوى الأشخاص الممثلين بصنفهم لهذه المعاني ومستوى بلدانهم الممثلة للعواصم ذات الدلالة التاريخية في الوطن العربي.
وليس أفضل في هذه الحالة من المجال المتفجر بذاته وقد اختاره العدو لكونه يسير التفجير يسرا يساعد على تسريع عمل الإستراتيجية لتنجح المؤامرة على الشعوب الغربية فتتحفز لاستعمار البلاد الإسلامية عامة والعربية خاصة استعدادا لأقطاب القرن الأربعة. وهذا المجال هو المجال الذي تحيط به عواصم الخلافة السنية الخمسة التي ترمز لكل التاريخ الصدامي بين الحضارتين الإسلامية والغربية أي: المدينة (رمزا للإسلام السلفي) والكوفة (رمزا للإسلام الشيعي) ودمشق (رمزا للإسلام العربي) وبغداد (رمزا للإسلام الأممي) استنبول (رمزا لآخر خلافة يمكن أن تكون أول خطوة في النهضة) وسنضيف إلى ذلك مصر رمزا للإسلام المستأنف بعد سقوط بغداد القديم والحالي استنادا إلى الطابع غير الجدي لاستئناف دور المركز في حالتي سقوط بغداد في منتصف القرن الثالث عشر وبداية الحادي والعشرين.
فهذا المخمس ليس مفيدا بتوالي دور هذه العواصم التاريخي فحسب بل وبتساوق دورها الحالي في المعركة الجارية. فالقلب هو دمشق ومن حولها العراق بحديه (الكوفية وبغداد) وقلب الإسلام السني بحد البداية وحد الغاية (المدينة-مكة واسطنبول). واللعبة كلها تدور في المجال الذي يحده هذا المخمس. لذلك فسأقسم الأمثلة إلى ثلاثة. سأختمها بالعراق مثالا للحرب الأهلية الإسلامية وهو ما ترمز إليه العاصمتان اللتان كانتا حد بداية الحرب الأهلية القديمة (الكوفة) وحد غاية الحرب الأهلية الحالية (بغداد). ونبدأها بسورية فنختار منها مثال الإرهاب الرمزي لأن دورها جعلوه حاليا لا يربو عن ذلك: أي إنهم جعلوا الرمز قدم أخيل فيها. ونثني بالسعودية فنختار منها مثال الإرهاب المادي لأن دورها جعلوه حاليا لا يربو عن ذلك: أي إنهم جعلوا المادة قدم أخيل فيها.
ثم نعود إلى تركيا ومصر في الغاية لكوننا نعتبرهما قلب الإسلام السني الحديث (بالفعل في حالة تركيا وبالقوة في حالة مصر) والجسر الواصل بين جناحية ومن ثم فالحسم سيكون فيهما إن شاء الله إذا اختار المسلمون في مصر نهج المسلمين في تركيا لتحديد مخرج الأمة من أزمتها بحيل أكثر شيطانية من حيل العدو: وذلك هو منطق السياسة الدولية. وليعذرنا القارئ على هذا التعقيد الذي ليس منه بد: فالخطة التحريرية ينبغي أن يتوفر فيها شرطان:
أن تكون على الأقل بتعقيد الخطة الاستعمارية حتى تلغي مفعولها الشرير بمفعول خير يحقق أمرا موجبا عندنا فيساعد على تحرير الشعوب الغربية نفسها من هذا الاخطبوط.
وأن تكون مستندة إلى المفعلات الحقيقية في التاريخ الإسلامي لتكون مؤثرة في بناء شروط النهضة والصحوة على أسس قويمة ليست من اختراع الفكر بل من صنع التاريخ نفسه.
المسألة الثانية: الإرهاب الرمزي وأثره المولد للإرهاب المادي
ينبغي أن نختار حالة رمزية معبرة لاتصافها بما يدلل على هذا المعنى ببعديه: الإرهاب الرمزي ليس من اجل الاستفزاز الموصل إلى الإرهاب المادي فحسب بل من أجل التشكيك في كل حداثي عربي عند الشعب العربي لمنع التحديث السوي بما يشبه الرفض العضوي في تركيب الأعضاء. فآلية الإرهاب الرمزي وتجنيد أصحاب التجارب المريرة لهذه المهمة يمكن الرمز إليها بالكثير من الأعيان الرامزة التي يكتب أغلبها في بعض المواقع لعل أكثرها دلالة هو موقع بلا حدود الذي لم أر في حياتي أسخف من جل كتابه: وقد جربت مرتين أن أضعهم أمام شروط فهم وضعهم فكانت صحية في واد لأن أغلب الكتاب فيه ليسوا كتابا يفكرون بل موتورون ينفسون عن الغل والحقد لا غير.
لكن الرمز الذي سنختاره ينبغي أن يكون معبرا عن أقصى حالات الاضطهاد في المجتمع المسلم الذي تخلى بسبب الانحطاط عن جل القيم الإسلامية السامية. لذلك فلا بد أن يكون الرمز امرأة. وينبغي أن تكون المجندة قد بدأت تشعر بأن بلغت درجة من تضخم الذات جعلتها تظن نفسها ممثلة للوعي بمأساة المرأة المسلمة إلى حد التنكر لكل قيم الإسلام علما وأن كل الذين يجندهم العدو ينبغي أن يكونوا ممن يحقق الهدفين: الإرهاب الرمزي لخلق دوافع الإرهاب المادي والتشكيك في التحديث بجعله عدوا لكل ما هو مقوم للهوية. والمرأة هي أفضل من يقوم بهذين الدورين لأن المستهدف هو المخيال العربي الذي ينأى بالمرأة عن قلة الحياء والوقاحة. وليس من الصعب أن نجد أمثلة نسائية من جل بلاد العرب والمسلمين سواء اخترنا بنت البنغال أو بنت الصومال. لكننا فضلنا بنت الشام التي تعتبر نفسها ضحية الإسلام ليدور عليها الكلام.
سأختار الرمز من سورية إذن لأنها القلب الذي حسمت فيه الحرب الأهلية الإسلامية الأولى على الأقل إلى أن تحققت الإمبراطورية الإسلامية التي ما تزال تقريبا نفسها إذا ما استثنينا جنوب شرق آسيا: قصدت وفاء سلطان التي تظن نفسها عظيمة الشان في حين أنها من ضحايا السي آن آن. وأظن أني أخطأت لما حاولت سابقا مناقشة بعض هؤلاء الضحايا المغرر بهم فقسوت عليهم لأني غفلت عن حبكة الخطة ولم أعر كبير الاهتمام للتجارب السيئة مع السلط الروحية والزمانية في أوطانهم التجارب التي ألجأتهم إلى الكفر بالقيم إلى حد الذهاب إلى تحميل مرجعي الثقافة الإسلامية نفسيهما مسؤولية ما عانوه من تجارب.
ذلك أن التجنيد ما كان لينجح لو لم تكن التربة ببعديها النفسي والاجتماعي قد أخصبتها هذه التجارب التي سببها الأساسي موجود حقا في سلوك سلطنا الروحية والزمانية ولا يمكن نكرانه: حتى إني أحيانا أسأل نفسيي هل كان يمكن أن يكون الأمر أسوأ مما هو عليه لو عين العدو كل أمرائنا من القبائل والجيوش وعلمائنا من الأصلانيين والعلمانيين ؟ ولعله قد فعل وليس منا من يدري ! لكن هذا الكلام لا يصح بكامل الدقة لأن هذه الحال متقدمة على تدخل الأعداء فهي سبب الانحطاط منذ قرونه الأولى ومن ثم فهي علة التدخل لا نتيجته. وقد سبق فكتبت في المسألة لما تكلمت على الصحوة والنهضة المغشوشتين.
أهم علامة أكدت لي كون وفاء سلطان ضحية حقا هي كذبة مفضوحة وردت في مقالها الأخير بعنوان لا بد لهذا الدمل أن ينفجر كذبة تبدو تافهة إذا قيست بالشناعات التي تتفوه بها عادة. فقد ذهبت في هذا المقال إلى حد ضرب مثال معناه أنه على الأمريكان أن يعالجوا المسلمين بالصورة التي عالج بها الطبيب النفسي الحالة المرضية التي قاست عليها حال المسلمين: فكانت بالعلاج الذي تقترحه الدليل القاطع على إيمانها بالعنف المطلق التي كنا نتصوره خاصا بحضارة الكاوبوي. فرمز المناشف يعني عند الترجمة المتناظرة أن تطلب من الطبيب الأمريكي أن يدفع المسلمين إلى التقاتل –وهو بالذات ما يفعل دون حاجة إلى نصيحتها- حتى يشفيهم من إيديولوجية القتل التي تزعمها ذاتية للإسلام. لكأن الأمريكان لم يعيشوا حربا أهلية أو لكأن أمريكا خالية من العنف والمسلمون هم الذين أفنوا الشعوب ليستحوذوا على أرضهم وهم الذين قادوا حربين عالميتين وحربا دينية دامت مائة سنة.
سأكتفي إذن بكذبتها البيضاء لأنها تبدو أقل هجوماتها على الإسلام عنفا لأبين أن هذه المرأة مسكينة وأنها فعلا ضحية فاقت كل نظيراتها من بعض علمانيات تونس المهوسات بالكلام في العضو المفقود والإرث الموعود وتحميل كل مصائب التاريخ لرمز النظام الذي يحكمه آل سعود ! فهي تزعم في مقالتها الأخيرة أنها أول ما وصلت إلى أمريكا توجست خيفة لما حضرت أحد الاحتفالات في مدرسة ابنتها إذ سمعت القيمة تدعو الحضور للبدء بالصلاة فخافت أن تكون الصلاة بالصفات المنكرة التي تراها في صلاة المسلمين. وحمدت الله لما رأت القيمة تكتفي بالدعاء الإنساني الراقي بالمقابل مع صلاة قومها من البرابرة !
لو قال هذا الكلام إنسان من تونس في بداية القرن الماضي مثلا لصدقناه بعض الشيء بشرط ألا يكون قرأ في حياته رواية غربية أو رأى فلما واحدا من أفلام الغرب إلا إذا من بقايا المقيمين في أدغال تونس لعهد الكاهنة بعث كما بعث أهل الكهف. أما أن تزعم مثل هذا الكلام سيدة متعلمة من سورية فينبغي أن يشك المرء في صدقها فضلا عن سلامتها العقلية. فسورية بلد التعدد الديني وهي قد عاشت في سورية إلى سن متأخرة وهي قد شاهدت ما لا يحصى من أفلام فكيف حصل هذا التوجس ؟ إنه إخراج سخيف للهجوم على الصلاة عند المسلمين ومقارنتها بالصلاة في دينها الجديد متجاهلة الفرق بين الصلاة بمعناها الاصطلاحي والصلاة بمعنى الدعاء الذي يوجد في كل الأديان.
والعلامة الثانية التي لا تكذب هي التخلي حتى على التظاهر بالإنصاف والحذق التمثيلي المنتظرين ممن يزعم الكلام على ظلم المسلمين للآخرين. فقد نفهم أن الإنصاف من خلال مثال الأمريكان في العراق مقبول: فهم مساكين اكتفوا بإزاحة الرماد فمات مليون عراقي بطائرات النار العراقية الكامنة التي أوقدها الكلام القرآني. لكن كيف نفهم أنها في علاقة اليهود بالعرب والمسلمين تزايد حتى على برنار لويس الذي يعترف بأنه لا يمكن لأحد أن يزعم أن اليهود عاشوا بين أقوام آخرين حياة أفضل من التي عاشوها بين المسلمين؟ ومن يقرأ هذه الضحية يستنتج أن الفلسطينيين هم الذين أخرجوا اليهود من فلسطين وليس أهل الدين المليء رحمة حسب زعمها لما احتلوها في الحروب الصليبية وأن المعتدين الآن ليس من أخرج الآخر من أرضه وينفث سم العنف بل من يقاوم الاحتلال.
أما العلامة النهائية الدالة على عمق ثقافة المرأة لتكون أفضل مثال على استخفاف أي إنسان بها حتى من العلمانيين الناقمين على الإسلام والمسلمين فهو مقارنة كلام آينشتاين في الله بكلام القرآن فيه. هل يمكن لعاقل أن يترك مقارنة القرآن بالتوراة في المسألة ليقارنه بقول أينشتاين ؟ طبعا لن تجد علمانيا واحدا يثق في عقله يمكن أن يلوم السيدة وفاء على عدم فهم القرآن لأنه لا ينتظر منها البلوغ إلى هذا المستوى وهي تهجي بعض المفردات في ما تزعم أنها فيه دكتورة لتحلل نفس المسلمين الجماعية بخرافات من التحليل النفسي لا يجهل تفاهتها حتى الأميون.
ولا أريد أن أواصل الكلام مع هذه الضحية بل أكتفي بإحالة القراء الكرام على وصفها نفسها لما أرادت توديعهم بمقال رحمة بهم لفقدانهم النور الهادي في كتاباتها. ففي نصها المتقدم على هذا النص في نفس الموقع وصفت لنا كيف تعيش في بيتها وأظنها صادقة هذه المرة: ففوضاها التي تعتبرها دالة على العبقرية وكثرة المشاغل ليس دليلا إلا على ما تعنيه عند من يفهم معنى الحياة الحديثة علامتها ما هي. كيف اعتبر هدى سلطان ضحية وهي تتصور نفسها بطلة ؟ هذا التصور هو بالذات ما يجعلني اعتبرها ضحية: أنها تتصور نفسها بطلة وهي طعم !
إنها لم تفهم أن مجنديها لا يدفعون لها ولجل الكتبة في موقع بلا حدود وخاصة المواتير الثلاثة (ولا أقصد معناها المصري لأن عساسي عبد الحميد وموريس صادق وإبراهيم القبطي لا يحركون شيئا حتى أذيالهم إذ كل من يقرأ ما يكتبون يعلم انهم دمى تحركهم أيد لم تعد خفية بل أقصد جمع موْتور) لأنها ذات تأثير كبير في معركة القيم. إنما هم يستأجرونها لتؤدي دور مشروع الضحية المنفعلة لمشروع الضحية التي تظن نفسها فاعلة. فهم يرشحونها للعدوان عليها ويرشحون غيرها للقيام بهذا العدوان بآلية جهنمية ليت كلتا الضحيتين يفهمانها. لكأنهم يدفعونها لاستفزاز أي أمي يمكن أن يعميه الغضب فيرد عليها بالإرهاب المادي كأن يؤذيها لأنه مثلها لم يفهم أسرار الخطة: السر هو الحصول على ضحيتين معا هي والذي يمكن أن يؤذيها ليقع التشهير بالمسلمين وتحريض الرأي العام الغربي عليهم في ديارهم وفي الهجرة.
أليس ذلك ما حققوه لما قتل ذلك المغربي الغبي السينمائي المتهور فحصلت الفعلة الشنيعة التي تقتضي ضحيتين ؟ أليس ذلك ما أريد للكاركاتور أن يؤدي إليه؟ أليس ذلك ما أريد من تضخيم صاحب الآيات الشيطانية الذي حكم عليه بعض الدجالين من فقهاء آخر زمان بالقتل؟ بذلك تتحقق أهداف الخطة الشيطانية أهدافها الأربعة فتنجح الإستراتيجية التي هي الهدف الأصل ضد شعوب الغرب ليتحمسوا لموجة جديدة من الاستعمار الذي تريده المافيات وترفضه الشعوب الغربية كما نرفضه نحن:
1-ضحية الإرهاب الرمزي مثل السينمائي المقتول.
2-وضحية الإرهاب المادي مثل المغربي السخيف الذي قتله.
3- وجعل الشعوب الإسلامية تنفر من قيم الحداثة لأن ممثليها يصبحون من هذا الجنس فضلا عن المعايير المزدوجة التي تقدم بها.
4-وأخيرا الغاية الرئيسية من المؤامرة هي تحريض الشعب الغربي ضد هؤلاء البرابرة الذين يقتلون الناس بغير ذنب ويريدون القضاء على الحضارة.
5-وبذلك تتحقق الغاية الاستراتيجية: ينبغي القضاء عليهم واستعمارهم وإرجاعهم إلى القرون الوسطى حتى لا تمكنهم النهضة من الأدوات التي تتهم بالإرهابية بمجرد أن تخرج من أيدي المتحضرين. لكأن المسلمين هم الذين قاموا بالحربين العالميتين أو استعملوا القنابل النووية في اليابان.
لذلك فسلوك المسلمين الأمثل هو في شرح أحوال هؤلاء الضحايا ومحاولة فضح أكاذيبهم ودعاواهم بالتي هي أحسن أو بالاحتقار مع الاستفادة مما قد يكون صحيحا من بعض تظلماتهم التي لا يد وأن لبعضها أساسا حقيقيا في ما أصاب قيمنا من انحراف إذ نحن لسنا أمة ذات سلطة روحية تدعي العصمة ودون حاجة للعنف لأن ما يستعملونه من طرق بلغ الدرجة التي يصح عليها المثل الفرنسي المشهور: كل ما هو مبالغ فيه فاقد للقيمة والمعنى وبالتالي للتأثير !
لكننا قد نجد لرمزنا عذرا عند الجواب عن سؤال طرحته في مقالها الأخير على موقع بلا حدود نختم به الكلام في الآلية الأولى. فقد سألت: لم منع القرآن الكريم فرض البغاء على الجواري ولم يحرمه؟ والجواب هو أن بغاء الجواري صنفان جسدي وروحي. والقرآن الكريم حرم من الأول فرضه على الجواري لئلا تستعملهن الاستعلامات كما يحصل عادة وخاصة في أمريكا. وحرم الثاني دون الأول الذي ستقاس به حرية الجواري وقدرتهن على تجنب البغاء الروحي. لكن الظروف قد تجبر بعض الجواري من عبيد الدولار بابتزاز معين لا يعلم إلا الله سره فلا تبالين بالتحريم والتجريم ولا تتورعن من الاستهانة بالعار في معاونة العدو على الأهل والديار: وعندئذ يمكن أن يفهم المرء تلقفهن السفاسف المبررات عل ذلك يسكت ما قد يحرك الضمير إن كان فيه بعض حياة بلا حياء من أليم الوخزات.
المسألة الثالثة: الإرهاب المادي وأثره المولد للإرهاب الرمزي
ينبغي لرمز الآلية الأولى وأثرها أن يتضمن أقصى ما لفاعلية الإرهاب الرمزي من طاقة تهديمية. لذلك مثلنا له بامرأة تجاوزت كل حدود الحياء إلى غاية الوقاحة عملا بما صرح به العدو نفسه ومارسه في الحصول على الاعترافات بالتعذيب في سجن أبي غريب وغواتنامو: مخاطبة المخيال العربي والإسلامي حتى يدفعوا البعض من الحزب الأصلاني إلى ارتكاب حماقة بأحد الأفعال الإرهابية المادية ليحصل المطلوب. أما رمز الآلية الثانية وأثرها فينبغي أن يكون رجلا بلغ أقصى درجات الوقار والمهابة لنفس العلة ولكن في الاتجاه المقابل حتى يضمن أقصى ما لفاعلية الإرهاب المادي من طاقة ليدفعوا البعض من أصحاب الحزب العلماني لارتكاب حماقة بأحد الأفعال الإرهابية الرمزية. وهكذا تدور السلسلة فيتناجب الإرهابان إلى غير غاية ليحققا الهدفين المطلوبين حربا أهلية في العالم الإسلامي لمنع النهضة والصحوة من البلوغ إلى ثمرتهما وتحفيزا للعالم الغربي للإقدام على حرب الاستعمار الثانية.
لذلك فسيكون الرمز رجلا وقورا ورفيع القدر حتى يكون ممثلا لعاملي ثورة الإنسان العربي في الداخل ولعاملي الصورة النمطية الغربية عنه: لا بد أن يكون من البلد الأكثر تمثيلا لرمز النفط والإبل للتحقير من السيف والشهادة في الرمز المصاحب له دائما. فالمعيار الأول يجعل مثالنا منتسبا إلى فئة رجال الأعمال الذين كونوا ثرواتهم بعرق جبين الأجيال المتوالية لكن مصائرهم تخضع لتحكم مافيات القبائل والجيوش العربية التي تبتزهم بصورة دائمة وقد تقاسمهم ثمرة جهدهم بالمصادرة والأخذ عنوة لاستحواذهم على القوة العامة. والمعيار الثاني يجعله منتسبا إلى بلد البترول الأكثر تمثيلا للسلفية الإسلامية. لذلك فسيكون مثالنا الشيخ بن لادن حتما إذ ليس أفضل منه اختيارا لتشويه سمعة الإنسان العربي وتحريف كل هذه القيم. فهو فضلا عن كل ذلك من عاصمة الإسلام الأولى الإسلام الذي تريد صاحبتنا قلعه من الجذور في مقالها عن الدمل الذي ينبغي أن ينفجر.
لكن القارئ ينبغي أن يعلم أنه لا وجه للشبه بين الرمزين لأنهما على طرفي نقيض من حيث الخلق والمنزلة رغم التوظيف المتماثل. المقايسة لا تتعلق بالرمزين بل بالوظيفة التي يؤديانها في إستراتيجية العدو: كلاهما يمثل أفضل صاعق لجنس الإرهاب المطلوب لأن الإرهاب المادي يحتاج إلى الفحولة والإرهاب الرمزي تكفي فيه السفولة. لذلك فنحن هنا أيضا أمام ضحية بمعنيين. فالشيخ ابن لادن ضحية بما فعل وبما لم يفعل. فبما فعل هو ضحية مرتين. فهو ضحية بما فعل أولا لما تحالف مع أمريكا لأنه ظن نفسه يحارب باسم الإسلام في حين أنه كان جنديا في حرب لا تعني الإسلام من قريب ولا من بعيد بدليل أن مستعمرات روسيا لم يلغ إسلامها بل زاد قوة ولم يكن الصراع مع روسيا الحاجة الآكد في تحقيق شروط النهضة العربية والإسلامية.
وهو كذلك ضحية بما فعل ثانيا لما حارب أمريكا لأنه في الحقيقة لا يزال جنديا في نفس الخطة: أن يكون مجرد بيدق في الإستراتيجية الخفية التي وصفنا إذ المطلوب أن يوجد من يقتل بعض المدنيين في الغرب أو في العالم الإسلامي لأن ذلك بالذات أحد عناصر هذه الإستراتيجية التحفيزية لشعوب الغرب. وهو في الحالتين ما كان ليبقى لو لم يكون مفيدا في الإستراتيجية التي نصف هنا: ففضلا عن كونه لم يقتل رغم توفر الكثير من الفرص التي وقع التفريط فيها قصدا بقي تمويل عملياته ممكنا وهو من العجائب حتى لو اعتبرنا ما تصوره نجاحا في غزوة نيويورك المزعومة ليس من تنظيم غيره بل مجرد صدفة. فهو يحقق الهدفين المقصودين: 1- استفزاز الغرب وتحفيز شعوبه 2-وإفساد صورة الجهاد.
وذانك شرطان يحولان دون المسلمين والفراغ لتحقيق شروط النهضة والصحوة. ذلك أن الجهاد بوجهه الحقيقي هو شرط تحرير المسلمين من الموت الفعلي مثلما يستفز العلماني الذي مثلنا له بوفاء سلطان المسلمين فيفسد صورة الاجتهاد أعني شرط تحرير المسلمين من الموت الرمزي. لكن الأخطر من كل ذلك هو أن أفاعيل البنلادنية ستؤدي إلى حال يكون فيها أي إنسان عاقل مضطرا إلى تفضيل المحافظة على الأنظمة الحالية والتحالف مع الغرب بديلا وحيدا من المستقبل الموعود في ثورة بن لادن ومن لف لفه أعني مستقبلا من جنس نظام طالبان. وهذا هو الهدف الثاني الذي يراد من الإرهاب المادي تحقيقه:
فإضافة على تحفيز المقاومة الغربية للنهضة والصحوة شرطي حماية ثروات الأمة واستقلال إرادتها وذلك للقبول بتضحيات حرب استعمارها من جديد.
لا بد من منع النهضة والصحوة من تقديم بديل يمكن أن يجمع عليه المسلمون سواء كانوا ممن يلتزم بالإسلام كدين أو به كحضارة.
أما كونه ضحية بما لم يفعل فعلته أولا أنه كان بوسعه أن يستعمل ثروته لتحقيق أكبر قطب إعلامي حديث للتعريف بالحضارة الإسلامية فيحول دون الصحوة والانحراف. وهو ضحية بما لم يفعل ثانيا لأنه كان بوسعه أن يفعل أفضل من ذلك بكثير فيستعملها ليمكن النهضة من تحقيق شروط النهوض: كان بوسعه أن يؤسس قطبا نهضويا في العلوم الطبيعية والإنسانية بتعهد بعض الجامعات والمعاهد العلمية الحديثة حتى تكون شباب المسلمين بصورة تجعلهم يحققون السر الوحيد للقوة الحقيقية: فيجدد ثورة بيت الحكمة من خلال تشجيع العلم الحديث وتطبيقاته التكنولوجية لأنه لا استقلال لأمة من دونهما.
ما لم يفعله علته سوء فهمه وفهم من هم من حوله لأسباب القوة الحقيقية وشروط التحرير الفعلي. لكأنهم لم يقرأوا القرآن الكريم يوما ولم يتساءلوا عن علة بقاء الدعوة نصف مدتها دون سعي إلى الفعل المباشر الذي يتلهفون عليه متصورين تحفيظ القرآن كافيا لحماية البيضة. ولعل العلة الرئيسية هي عدم الصبر على العمل غير المباشر وترك النتائج البعيدة للأجيال المقبلة ويكفي الزرع لما سيؤتي أكله في إبانه: ليتهم كانوا يعلمون أن القوة ليست مقصورة على الحماسة والإيمان اللذين هما شرط ضروري غير كاف وأن قوة الغرب الحالية تأسست في القرن السابع عشر لما تحققت الثورة العلمية في الرياضيات والفيزياء فأصبح الغرب ماسكا بناصية كل قوة ربما إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها خاصة إذا تصدى له الناس بنبال الهنود الحمر في تورا بورا !
ولنلاحظ ملاحظة عابرة: إذا استعمل المرء أقصى ما عنده من سلاح ضد العدو وكان ما عنده لا يتجاوز نبال الهنود الحمر بالمقارنة مع ما عند العدو أليس هذا المرء يتصرف كمن يطلب من عدوه أن يرأف به فلا يعامله بالمثل أعني ألا يستعمل أقصى ما عنده من أسلحة هو أيضا ؟ ألا يكون عندئذ قد اعترف بأنه في قرارة نفسه يسلم بأن عدوه أفضل منه خلقيا لأنه ينتظر من ألا يرد عليه بمثل ما فعل ؟ ثم أليس السلوك الأحمق في ما يسمى بالغزوات (نيويورك وبرشلونة ولندن) يعني أن صاحبه لا يولي أي أهمية للحياة عامة ولحياة أهله خاصة لأن العدو لو رد على غزواته بالمثل لأفنى الملايين! وقس على ذلك كل من يهدد الغرب كله بقنبلة لم يصنعها بعد وهو يعلم أن الغرب يملك من القنابل الملايين ! أليس ذلك للجهل بالقوة ما حقيقتها ؟ ومثله من يستعظم بلاده فيعتبرها عظمى وهي بمقياس الدول لا تعدل قرية ! ما الحيلة مع البدائي إذ يمتلئ جيبه بإفراغ بطن أرض وطنه فيظن نفسه رب العالم !
وحتى نفهم أثر الإرهاب المادي في توليد الإرهاب الرمزي أعني الآلية المقابلة للآلية السابقة في حالة الإرهاب الرمزي المولد للإرهاب المادي يكفي أن ننظر في أغراض الأدبيات التي يعتمدها الإرهاب الرمزي: فهي كلها مستمدة من أفاعيل الإرهاب المادي. وكل الخطة التي يستند إليها الإرهاب الرمزي تتمثل في وسيلتين لا ثالث لهما أولاهما رمزية فكرية والثانية سياسية عسكرية:
الأولى هي التركيز الإعلامي والفكري على أن الإسلام الحقيقي الوحيد هو إسلام بن لادن وأن كل الأشكال الأخرى ليست إلا بنلادنية بالقوة. وهذا هو تقريبا مصدر حجج العلمانيين ضد كل مصالحة داخلية لتحقيق شروط السلام الأهلية التي يرفضونها.
الثانية هي سد الباب أمام أشكال التعبير السياسية الإسلامية السلمية حتى ييأس الشباب المسلم فيرتمي في أحضان بن لادن لإثبات القضية الأولى ومحاربة أي نجاح ممكن لتجربة “تركية” مستقلة. وهذا هو تقريبا مصدر كل خطط الأنظمة الحاكمة لمنع شعوبهم من حكم نفسها بنفسها.
والمعلوم أن من شروط نجاح الوسيلة الأولى هي جعل النخب العربية العلمانية المزعومة في المعارضة لسان حالها فضلا عن دروشة نخب الفكر الأصلانية التي تفاخر بفقأ عيون المسلمين الناتجة عن أفاعيل البنلادنية. كما أن من شروط نجاح الوسيلة الثانية هي جعل النخب العربية الحاكمة اليد التي تفعلها فضلا عن سخف نخب السياسة الأصلانية التي بدل علاجها للمسائل السياسية والاجتماعية تركز همها كله على القشور الفقهية فتجعل السياسة حسبة تجعل الناس يكرهون الدين والمتدينين وكل الاميين من الملتحين والمسبحين إلى يوم الدين.
وبذلك يصبح الصلح بين مقومات أي مجتمع سوي مستحيلا فكريا وسياسيا: المقوم المحافظ والمقوم التحرري. ذلك أني لست أفهم كيف يمكن لمفكر أصلاني سني ألا يكون علمانيا وديموقراطيا في السياسة ؟ من أين أتت فكرة الدولة التي تكون الحاكمية فيها لله ؟ فإذا القصد تعالي الشرع على الحكام فهذا أمر لا تخلو منه دولة علمانية ولا وجود له في أي دولة دينية ! وإذا كان المقصود الحكم باسم الله فذلك ما نعاني منه منذ نهاية العهد الراشدي ! عجبا والله: هل منهم من قرأ الغزالي (فضائح الباطنية حيث يقابل بين الوصية والاختيار مبدأ للحكم مميزا فاصلا بين الشيعة والسنة) أم إن رجلا من باكستان يتهجأ العربية صار أعلم بشرع الله منه ؟ وهل منهم من قرأ ابن خلدون؟ أليس هو الذي يؤكد عدم انتساب المسألة السياسية للقضايا العقدية ويعتبر ذلك من خصائص المذهب الشيعي وهي في المذهب السني من المصالح العامة التي تخضع لخيار الجماعة ؟
وقبل ذلك وبعده هل منهم من قرأ الآية 38 من الشورى التي تعتبر الأمر كله للجماعة إذ إن الضمير “هم” من “أمرهم شورى بينهم” لا ينوب إلا الجماعة الإسلامية في الحالتين. فتكون “أمرهم شورى بينهم” بعد تعويض الضمائر بما نابته من الأسماء دالة على جمهورية: (أمر+الجماعة = راس+ بوبليكا = جمهورية). وهي جمهورية تدار بآليات ديموقراطية لأن الجماعة عليها أن تدبر هذا الأمر الذي هو أمرها بالشورى التي يتساوى فيها الجميع (شورى+الجماعة=قراطي+ديمو). فيكون الحكم الإسلامي جمورية ديموقراطية بصريح نص الآية فضلا عن فهم الغزالي وابن خلدون اللذين لا يمكن أن يعدلهم في الفهم أي شيخ مهما طالت لحيته واتسعت جبته سواء كان من باكستان أو أي بلدستان: جمهورية ديموقراطيةRépublique démocratique .
كيف نقبل بكلام فقهاء أغلبهم أمي يريدون أن ينكصوا بثورة الإسلام الكونية إلى ما ثار عليه القرآن الكريم أعني الحياة القبلية التي يحكمها شيخ وفارس وشاعر حتى لو اجتمعت هذه الصفات في شخص واحد يعيش في مغاور تورا بورا ؟ ذلك هو الآلية الثانية التي ستحفز الإرهاب المادي في العالم الإسلامي. فالهدف الأساسي هو أن ينتج تفاعل الإرهابين حربا أهلية في العالم الإسلامي فتمتد آثارها إلى الشعوب الغربية حتى تستفز لعلها تحفز بما يكفي لمحاربة هؤلاء البرابرة الذين يهددون رفاهية الغرب والسلام. وإذا بكل أحلام النهضة والصحوة تتبخر في أوهام زعماء الحرب المادية والرمزية التي آلت إليها ساحتا الجدال والقتال العربيتين والإسلاميتين.
المسألة الرابعة: أصل الآليات: الحرب الأهلية الإسلامية
أما الرمز في الحالة الثالثة فإنه لا يمكن أن يكون فردا بل ينبغي أن يكون جماعة لأنه رمز للحرب الشاملة التي هي رمزية ومادية في نفس الوقت بين المسلمين ثم بينهم وبين الغرب إذا تواصلت الأمور على هذا النحو: رمز الحرب الأهلية التي تهدد الأمة كلها هو الحرب الطائفية في العراق بمقتضى كونها طائفية (بين الشيعة والسنة) وعرقية (بين العرب والكرد). والبعدان الطائفي والعرقي سيجران الفرس والأتراك ومن ثم ستكون حربا بين قوميات الإسلام الرئيسية الثلاثة وهو ما سيمتد إلى القوميتين الأخريين المحيطيتين بها أعني الباسكتانيين تضامنا مع عرب الخليج والبربر لفرصة الانفصال عن عرب المغرب العربي كما يفعل الكرد مع عرب المشرق العربي.
الهدف كما أسلفنا هو الحرب الأهلية بين المسلمين (وهذا يضعفهم) وتوحيد الغرب الذي يحاول أن يقنع شعوبه بأن المسلمين يحاربون قيمه ويهددون وجوده المزعوم مسالما حتى يقوى على حربهم يهددونه ليس بأخذ ما عنده بل بحماية ما عندهم الذي ينبغي أن يكون في تصرفه: وتلك هي عودة الاستعمار القادمة حتما ما ظلننا على هذا النحو ون التشرذم. ولهذه العلة اخترنا الرمز من منبت الحرب الأهلية الأولى (حرب الفتنة الكبرى الخمسة أربعة منها حدثت في العراق) والحرب الأهلية الأخيرة إن شاء الله: العراق بعاصمتية الرمزية الشيعية (الكوفة) والسنية (بغداد).
ولن أطيل الكلام في هذه المسألة أولا لأني ككل باحث ليس لي عليها سلطان إذ هي لا تؤتي أكلها بمجرد الفهم والتحليل بل لا بد فيها من إرادة تاريخية ممتنعة من غير ثورة خلقية عند نخب الأمة التي يغلب على العلماني منها السفاهة وعلى الأصلاني منها البلاهة وهي لعمري أخطر لأنها تؤول إلى الجهل بالشروط الحقيقية بمقومات الثورة المحمدية التي يفسدون شروط نجاحها بسلوكهم أكثر مما يساعدون على تحقيقها.
وقد عالجت ما يجري في العراق عديد المرات وبينت أن إستراتيجية بعض الدول المحيطة به رغم ما يبدو من تباك عند الطرفين الأكثر تضررا مما يجري فيه (الكويت والأردن) وتشاك عند الطرفين المترددين (السعودية وتركيا) ومن تذاك عند الطرفين المستفيدين منه (إيران وسورية) هي عين الغباء كما سيتبين في المدى القصير. ذلك أن أمريكا التي يتصور البعض أنه قد ورطها لتنشغل عنه بالعراق بلغت بخطتها الغاية: أشعلت نار الحرب الأهلية وهي ستترك البلاء لأهله وتبقى متفرجة والجميع يخطب ودها. ستستقر في حاميات حصينة ثم تترك الحرب الأهلية تذهب إلى غايتها الدنيا (بين العراقيين) أو إلى غايتها القصوي (بين إيران حليفة الشيعة ومصر والسعودية حليفة السنة).
فهي تعلم أنها ستكون في الحالتين الحكم لأن الغالب سيلجأ إليها بعد أن يخرج من المعركة منهكا وبلده في حال تشبه ما كان عليه إنسان ما قبل التاريخ. وبذلك يعود الاستعمار في أطيب حال مما كان في القرون الثلاثة لعهده الزاهي أي الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين. ولما كان التاريخ لا يعيد نفسه بخلاف الحكمة المشهورة فإن المخرج ينبغي تصوره بالانطلاق من فهم هذه الاستراتيجية ووضع خطة لا تكتفي برد الفعل بل تحقق إيجابيا شروط ما يسعى الغرب لمنعه: نهضة المسلمين نهضتهم التي تمكنهم من حماية ما عندهم ضد موجة الاستعمار القادمة.
ويمكن تصور هذه الخطة من منطلق النتيجة التي نعلم ما هي في حالتي الغاية الدنيا أو الغاية القصوى لما يحصل في العراق أعني الحرب الأهلية المحصورة فيه أو الممتدة لكل الشرق الأوسط الإسلامي. فالذي يعلم النتائج مسبقا إذا ظلت الأمور على ما هي عليه حاليا يعلم ما ينبغي تغييره للحصول على النتائج المقابلة والتي تحقق أهداف الأمة بدل أهداف العدو. فلا أحد من العرب والفرس والترك يمكن أن يكون بديلا من الآخر أو ملغيا لوجوده. ولا يمكن لهم أن يبقوا على الحيف ضد الترك والبربر بدون حل.
وإذن فعلى قوميات الإسلام الست (العرب والفرس والترك والكرد والبربر وكل المسلمين من سودان إفريقيا أعني بلقان العرب) المؤسسة لأهم مراحل تاريخه والبانية لأركان الثقافة الإسلامية أن تفعل ما فعلت قوميات أوروبا الست الرئيسية التي نراها ترجع مجد روما (ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وانجلترا واسبانيا بلقان أوروبا) خاصة والمشاحنات التي فصلتنا بعضنا عن البعض خلال تاريخنا تعد من لعب الأطفال لو قسناها بما كان بين الأوروبيين خلال تاريخهم. وطبعا فهذا يقتضي شرطين متقدمين قد يبدوان متناقضين عند النظر السطحي للأمور:
الأول هو أن يكون للعرب صوت واحد فلا تتعدد سياساتهم بتعدد عواصمهم سيان بين الكبير والصغير بل ينبغي أن تصبح الجامعة العربية نوعا من الحكم المركزي لكنفدرالية عربية تتحد فيها السياسة الخارجية والدفاعية والاقتصادية والثقافية ويترك ما عدا ذلك لكل قطر خاصة والتنمية مستحيلة بالأحجام الحالية للأقطار العربية.
والثاني أن يتفق العرب والترك والفرس على الاعتراف بهوية الأكراد في الشرق وأن يوافق العرب على إنشاء حكم ذاتي واسع لبربر المغرب العربي ولسودان إفريقيا في إطار الأقطار الحالية مع الاعتراف بالتعدد اللغوي والثقافي في إطار الثقافة الإسلامية.
لكن ذلك لا يكفي بل أن يكون ذلك موجها لغايتين صريحتين ومعلنتين حتى لا يكون من نسعى إليه من جنس المؤامرات التي يحيكها الأعداء العاملون في الظلام:
غاية تبدو سلبية لكنها ضرورية هي ردع التدخلات الأجنبية دون أن تكون حاجزا أمام التعاون الأوسع مع كل المجموعات المحيطة بقلب العالم الإسلامي المسدس هذا بوضح إستراتيجية دفاعية جماعية تشبه الحلف الأطلسي ولنسمه حلف الشرق الأوسط الإسلامي.
وغاية إيجابية هي تعميم الثقافات الست على كل شباب هذا المسدس ولغاتها مع إيلاء المنزلة الأولى للغة القرآن التي هي الجامع المشترك بين كل هذه الشعوب دون تنكر لما يقره الإسلام من اعتراف بالاديان المنزلة وحتى الطبيعية التي توحد في العالم الإسلامي خاصة وفي العالم عامة.
ولن يكون لهذا الحلف أي سياسة عدوانية بل هو فقط للدفاع بل وحتى للطوارئ الطبيعية بحكم ما بدأ العالم يشهده من نكبات تسبهها تحولات المناخ وتطورات الأمراض والفواريس والجراثيم التي بات تنقلها يزداد سرعة فتحصل الأوبئية في ملح البصر. كما أن تعميم الثقافات الست سيقرب الأجيال بعضها من البعض ويقضي على الإحن والمشاحنات فنخرج نهائيا من تأثير الصور النمطية: كيف يمكن أن تكون أوروبا التي أحدثت فكرة القومية قادرة على التخلص منها ونبقى نحن حبساءها؟
المسألة الأخيرة
لا بد أن نبدأ المسألة الأخيرة ببيان سر فاعلية الإستراتيجية العدوانية على الشعوب الأوروبية بتحويل الشعوب الإسلامية إلى أدوات تحفيز تيسر عودة الطاقة الحيوية لحملات استعمارية حتى نفككها وننزع فتائلها. ففاعلية الإرهاب الرمزي سرها الأساسي متأت من مصدر قوة النخب التي تمارسه: فهذه القوة أساسها الحلف بينها وبين الحكم الاستبدادي بحماية صاحب الخطة. وفاعلية الإرهاب المادي سرها الأساسي متأت من مصدر قوة النخب التي تمارسه: وهذه القوة أساسها الحلف بين المعارضة والمجتمع الذي يرفض التحديث المستبد.
فيكون المفروض لو كان كلا الحزبين يهدفان إلى العمل السياسي السلمي لا إلى الإرهاب أن يحصل عكس ما نراه جاريا أعني أن يتخلى كلا الحزبين عن إرهابه وأن يتصالحا من أجل النهضة والتحرير والتحديث السوي دون صدام مع قيم الأمة وقيم العالم الحديث. فمن واجب النخب الأصلانية لو كانت نهوضية حقا كما تدعي أن تتجنب الإرهاب في مجتمعاتها وفي المجتمعات الغربية حتى تحيد المجتمع الغربي فلا يتحد مع حكامه الساعين للتحفيزه نحو موجة جديدة من الاستعمار. ذلك أن هذا الإرهاب عديم الفاعلية فضلا عن كونه أهم أداة لتحقيق أهداف الخطة العدوانية التي وصفنا. وحتى مهاجمة عميل أمراء القبائل والجيوش والاستعمار الذي يدعمهما فإنها لا يمكن أن تعتبر مقاومة تحريرية إلا بشرطين:
أن تتجنب كل الممارسات التي تؤلب الشعوب الغربية فضلا عن كونها تنافي قيم الحرب التي حددها القرآن الكريم.
وأن تقوم بكل ما يحقق مساندتها لنضال الشعوب لأنها ترفض المنطق الاستعماري ولا تريد أن تخوض حروبا جديدة.
فهذه الخطة لم توجد إلا لأن الشعوب الغربية ترفض الاستعمار. والدليل على ذلك أن المظاهرات التي قامت في الغرب ضد حرب العراق مثلا كانت أكبر من كل المظاهرات التي جرت عندنا. فكيف نجازى هذه الشعوب بغزوات نيويورك ولندن وبرشلونة المزعومة ؟ أليس فاعل ذلك كمن يفقأ عينيه بيديه لأن ذلك يعطل نضاله فيحول دون الأحزاب السياسية الإسلامية والنجاح في تطبيق برامج تحقق النهضة لأنه يحول عمله السياسي إلى مهمة مستحيلة إذ هي مشروطة بمستحيل: انتظار هزيمة الغرب قبل الشروع في النهوض أو جعل النهوض ذا هدف سلبي هو الإطاحة بالحضارة الغربية ؟
كما أن النخب العلمانية لو كانت تنويرية حقا لكان من واجبها أن تتجنب الإرهاب الرمزي على الأقل في المجتمعات الإسلامية حتى تحصل على تأييد الناس الذي تريد تنويرهم فلا تحقق هدف صاحب الخطة. ذلك أن مهاجمة عميل علماء أمراء القبائل والجيوش والاستعمار يمكن أن يعتبره الشعب مقاومة إصلاحية فلا يتألب ضده لو تجنب أصحابها المجاهرة الغبية بالكفر بكل ما يمت بصلة إلى ثقافة الشعب لكأنهم يريدون أن يحكموه بالاستبداد التحديثي فسوقوه إلى جنتهم بالسلاسل.
لذلك فشعار الخطة التي تعالج المشكل من الأساس ينبغي أن يهدف إلى تحقيق الصلح بين العلمانيين وقيم شعوبهم لتغييرها بطرق التغيير السياسي وتحقيق الصلح بين الأصلانيين وقيم الشعوب الغربية حتى تعزل المافيات الحاكمة هنا وهناك فتحرر الإنسانية من هذه المؤامرة الخطيرة التي ستؤدي إلى حرب عالمية لن تبقي ولن تذر. ينبغي إذن أن تكون الخطة العلنية والصريحة التي أشرنا إليها في غاية المسألة السابقة ساعية إلى منع الحرب الأهلية الإسلامية في حدها الأدنى أو الأقصى المشار إليهما مقدمة لتحقيق السلم في منطقتنا حتى نعطي الوقت للوقت فتتحقق شروط النهضة. وهذا السعي هو في الحقيقة شرط منع الحرب الأهلية الكونية التي ستنجر عليها لأنها مقدمة لموجة الاستعمار الثاني الذي سيعود معه التنافس بين القوى العظمى ومن ثم بداية سلسلة جديدة من الحروب العالمية التي تعد الحربان العالميتان السابقتان لعب أطفال بالقياس إليها.
ذلك أن المشاركين المحتملين فيها لن يكونوا بحجم دول أرووبا في الحرب العالمية الثانية أو بحال لم يكن السلاح النووي في آخر مراحلها إلا في حوزة قوة واحدة هي الولايات المتحدة الأمريكية. إنهم الأربعة المحيطون بالعالم الإسلامي مع القوة العظمى التي تستعمره حاليا هي وذيلها الإسرائيلي وجميعهم عمالقة يملكون كل أسلحة الدمار الشامل: الهند والصين شرقا وروسيا وأوروبا غربا.
فكل هؤلاء لن يسمحوا لأمريكا أن تستفرد بثلاثة أرباع طاقة العالم وبكل البحار السخنة وبالممر الرئيسي بين العالمين الغربي والشرقي. هل أن نقبل أن نكون مداس الأرجل للمرة الرابعة كما كناه في الحروب العالمية الثلاث السابقة: الثالثة أو الباردة والأخريان السخنتان الأولى والثانية ؟ وهل يمكن أن نتجنب ذلك إذا دخلنا في حرب أهلية ولم نكن صفا واحدا قادرا على تحقيق شروط النمو العلمي والاقتصادي فضلا عن شروط الدفاع وفرض المهابة على كل المتجرئين على الضعفاء ؟ الجواب السلبي يقتضي أن نتصور خطة تلغي مفعول خطة العدو فتبرد الإرهابين الرمزي والمادي لتقتل الحرب الأهلية في المهد وعن ذلك سينتج ضرورة تبريد أدوات الحفز التي يستعملها العدو ليرجع أخلاق الحروب الاستعمارية إيديولوجيا يجند بها شعبه ليحاربنا.
وهذا يعني أن الإرهاب الرمزي لا يلغي إلا بسياسة ثقافية تزيل أسبابه وهي حقا موجودة عندنا حتى ولم يوظفها العدو. فالتطرف العلماني والليبرالي ليس له من سبب داخلي إلا غباء التطرف الأصلاني الذي غير مفهوم السياسة من السعي المرحلي لتحقيق شروط الحياة الفضلى ماديا وروحيا إلى محاولة فرض فهم متخلف للدين المشوه فهم يجعل المستقبل المنظور هو الحياة في إمارة طالبان أو حقا أو بما نجحت دعاية الحرب النفسية في فرضه على صورة أصحابه. وكما أسلفت فإن المنظور السياسي القرآني ينفي هذا المآل لأنه جعل مسألة الحكم من المصالح العامة ومن ثم فالشعوب هي التي تحدد شكله وليس إرادة فقهاء الشرع. إنما الفقهاء ينبغي لهم أن يكونوا إما قضاة في ما قضاؤه من اختصاصهم أو مستشارين في المسائل الروحية لمن يطلب منهم ذلك. وبس! وهذا ليس رأيي الشخصي: إنه رأي الغزالي وابن خلدون اللذين يفهمان القرآن أفضل من كل ملايين الفقهاء الحاليين.
كما يعني أن الإرهاب المادي لا يلغيه إلا فكر سياسي يزيل أسبابه وهي حقا موجودة عندنا حتى وإن لم يوظفها العدو. فالتطرف الأصلاني والجهادي ليس له من سبب داخلي إلا غباء التطرف العلماني الحاكم الذي غير مفهوم السياسة من نفس المعنى الذي ذكرناه سالفا إلى فرض فهم متخلف للتحديث المشوه الذي يريد أن يجعل المستقبل مجرد نسخة من إمارة ستالين. ولا فرق بين الفاشية المتدثرة بإيديولوجيا التأصيل الديني والفاشية المتدثرة بإيديولوجيا التحديث الاستبدادي. لذلك فالحكم ينبغي أن يخضع لآلياته التي تتصالح مع ثقافة الشعب فيحصل التغيير بالتدريج بإرادة الشعب وليس بإرادة فقهاء الوضع. فهؤلاء الفقهاء ينبغي أن يكونوا إما تنكنوقراط في ما هو من اختصاصهم أو مستشارين في المسائل الدنيوية لمن يطلب منهم ذلك. وبس! وهذا أيضا ليس رأيي بل هو رأي كل من يفهم معنى السياسة الحديثة: إنها محاولة التغيير المتدرج برضا الجماعة وليس بالتهديم الاستبدادي لقيمها.
الخاتمة
قد يعاب على هذه المحاولة الاكتفاء بعواصم الخلافة المشرقية في الشرق الإسلامي مع استثناء مصر وتركيا وتناسي عواصم الخلافة المغربية في الغرب الإسلامي. لكن الأهم من ذلك هو عدم الكلام في الخلافتين الأخيرتين مصر وتركيا.ولم يكن ذلك بسبب الإهمال بل لأننا تركنا الأمر للخاتمة لأملنا في أن الحل سيأتي منهما. تركنا ذلك للخاتمة حتى نختم بأمر فيه شيء من التفاؤل: فما يحدث في تركيا يعيد الأمل للمسلمين. ذلك أن الإسلام السني لا ينبغي أن يكون في صراع مع الحكم العلماني لأنه علماني بالجوهر كما بينا ولكن ليس بالمعنى اليعقوبي بل بالمعنى الفلسفي العميق المتمثل في تحقيق القيم السامية في التاريخ بأدوات تحقيقها السياسية وليس بالسلطان الروحي المنافق. إنه بالطبع حكم علماني في هذا المعنى السامي بدليل أمرين:
الأول هو وجوب تطبيق عدة شرائع مختلفة في نفس الدولة كما تبين ذلك الآية 48 من المائدة بحيث إن وحدة التشريع ليست مطلقة.
الثاني هو وجوب السماح لأربعة أديان بأن يمارس أصحابها بكامل الحريات شعائرهم بحماية من الدولة الإسلامية: اليهودية والمسيحية والصابئية والمجوسية.
وعلم الكلام السني قد حسم أمره من البداية لما اعتبر الحكم من المصالح العامة وليس من العقائد بخلاف المذاهب الشيعية. وهو لم يستثن من الحكم العلماني إلى أمرين لا يوجد نظام علماني في العالم لا يستثنيهما:
الأول هو عدم المساس بالمبادئ العامة لأخلاق الأمة وأخلاق التشريع المحددة لأسس الحضارة لأن الأمم من دون هذا الشرط ستضطر لوضع شرطي وراء كل مواطن إذ إن التشريع في أي أمة أساسه وروحه ليس هو شيئا آخر إلى قيم تلك الأمة المشتركة بين الأغلبية.
والثاني هو عدم المساس بالعقائد التي تجمع عليها الأمة دون أن يعني ذلك فرضها على الأفراد وهو ما يلجأ إليه بعض السفهاء من الأصلانيين بل فرض احترامها وهو معنى التخلص من الإرهاب الرمزي الذي يلجأ إليه بعض السفهاء من العلمانيين.
وهذا سيتحقق بمجرد أن تحصل في مصر نفس الثورة التي نراها تحصل في تركيا: يوم يوجد حزب إسلامي في مصر يستطيع أن يحكمها بنفس الحكمة التي يحكم بها حزب العدالة والتنمية تركيا نكون قد حققنا الشرط الضروري والكافي للوصول إلى الصلحين المشار إليهما في المسألة الأخيرة. ذلك أن العدوى التركية أقل فاعلية من العدوى المصرية في العالمين العربي والإسلامي لما لمصر من دور روحي وحضاري يؤثر في النخب الأصلانية التي هي مربط الفُرص لصلتها الوطيدة بالشعوب وبسبب هامشية النخب العلمانية وانقطاع صلتها بالشعوب.

2010

اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.