منزلة العرب والمسلمين في المعادلة الكونية

أن يكون الشعب العربي خاصة والأمة الإسلامية عامة بؤرة التأزم الكوني أمر لا يمكن لأحد أن يشكك فيه الآن بعد اطلاع القاصي والداني على مشروعات أمريكا واسرائيل تسليما بالتشكيك في الدلالة الإيجابية. فالبعض لا يرى لهذه المنزلة إلا من وجهها السلبي: العرب والمسلمون مجرد مستهدفين من سادة العالم. وعلة هذا التشكيك هي سذاجة المتفلسفين منا وخضوعهم لتأويلات الفكر الغربي لصورة ذاته الحضارية التي يريد فرضها على العالم. فهم باتوا يتوهمون الفكر الغربي الحالي فلسفيا بمعنى الفكر الذي قطع مع الفكر الديني إلى أن تبين بصورة لاجدال فيها أن المحرك الاساسي في هذا الاستهداف يعلن عن مسوغاته في شكلها الديني الفج الذي لم يتجاوز الاسرائيليات واساطير الاولين.   
غلب على مفكرينا الخلط بين العلمانية السوية التي هي حياد ذريعي في العمل السياسي لتحقيق شروط السلم المدنية والعلمانية المرضية التي تتصور الدين والفلسفة متعاديين لمجرد كون رجال الكنيسة الكاثوليكية والدولة الفرنسية انتهيا بالتنافس على السلطة إلى افراطات الثورة الفرنسية. لكن كل من يفهم الخطاب الفلسفي الحديث والمعاصر يعلم علم اليقين أنه علم كلام متخف إلى الأذقان سلبيا كان التخفي من خلال نفي المتعاليات الروحية والعقلية كما في السوفسطائية المحدثة أو ما يسمى بما بعد الحداثة أو إيجابيا كما في مايؤسس له هذا النفي من بدائل هي الاسرائيليات كما في فكر فلاسفة فرنسا الجدد أو في فكر اليمين المسيحي المتصهين. والغريب أن هذا الخطأ لا يقتصر على تشويه الفكر الفلسفي الذي صيروه عدوا للدين باطلاق ودون تعيين التجارب التي اتصفت بهذه الصفات بل هو يتعدى إلى تصور الفكر الديني عامة والفكر الإسلامي خاصة راجعا إلى التشويه الأصلاني الذي بلغ الحضيص في سخافات بوش العرب (فكر بن لادن) وبلادات اسلام صهاينتهم (اسلام طالبان).
* منزلتنا في صيغتها السلبية
لا أحد يشك في أن من يعتبر نفسه ممثلا لذروة القوة المادية في الحضارة الراهنة (الولايات المتحدة) ومن يعتبر نفسه ممثلا لذروة القوة الروحية فيها (اسرائيل) يعاملان العرب والمسلمين معاملة العائق الوحيد لتحقيق هذين الدعويين (تمثيل القوتين المادية والروحية) ليس فقط بفكرهم بل وكذلك بحيازتهم لشرطي هذا التحقيق: شروط سيادة العرب على التراث المادي بالموقع الجغرافي وما فيه من كنوز لا يمكن تصور الحياة المادية الحديثة من دون حيازتهما وشروط السيادة على التراث الروحي بالموقع الجغرافي والتاريخي وما فيهما من كنوز لا يمكن تصور الحياة الروحية الحديثة من دون حيازتهما. لذلك فإن تحديد منزلتنا في المعادلة الكونية حتى وإن لم يكن متصلا بهذين الدعويين إلا سلبيا (العائق) فإنه يقبل التحصيل من منطلقهما ولو على سبيل التيسير المنهجي: فمقلوب المسلوب هو الوجه الإيجابي من المعادلة. لذلك فإن ما يحدث في الغرب الأقصى (الولايات المتحدة) بعد غلبته المؤقتة على الغرب الأدنى (أوروبا التي أدركت سر ضعفها فبدأت تحقيق شروط استئناف دروها) وما يحدث في اسرائيل بعد تحقيقها شروط الدور العلني (وجود دولة معينة وليس مجرد اندساس في كل دول العالم فحسب) له دينامية متصلة بالدينامية الكونية التي يعد العرب خاصة والمسلمون عامة أحد أطرافها الرئيسية من وجهي تاريخ الأفكار وأحداث التاريخ.
* أصول هذه المنزلة وكيف تعود إلى أساس موجب
ليس كوننا طرفا رئيسيا في المعادلة الكونية علته ما يجري في فلسطين والعراق حصرا فيه حتى تعد منزلتنا قابلة للتحديد الحصري بالسلب. فالأحداث هناك من علامات المنزلة لا غير. العلة الحقيقية لدورنا الكوني هي العلاقة الجوهرية بين الشكل العربي الإسلامي و الشكل الغربي اليهودي المسيحي الحالي من الحضارة البشرية كما أصبحا بعد صياغتهما الإيجابية التي حصلت خلال المعركة الأخيرة في التاريخ البشري الحديث بين النماذج الوجودية مباشرة بعد نزول القرآن عامة ومنذ تغيير القبلة خاصة. فتجمد الرد السلبي على الحدث القرآن في الوعي الغربي تحدد في المراحل العدائية الخمس التي عرفها تاريخ العلاقة بين الحضارتين حتى وإن كانت توصف جميعا بكونها حروبا دينية لأنها في حقيقتها أكثر من ذلك إذ هي حروب اختيار النموذج الوجودي بكل تلويناته الدينية والفلسفية والجمالية والمعيشية والسياسية والمدنية: 1- حروب الفتح, 2- والحروب الصليبية, 3-وحروب الاسترداد, 4- وحروب الاستعمار, 5- وحروب التحرير التي لا تزال متواصلة في ما يجري اليوم في العراق وفلسطين وكل أقطار دار الإسلام.
وهذه المعركة لن تتوقف قبل أن تدرك الحضارتان التضايف التام بينهما والتحديد المتبادل بين نظامي قيمهما فيحسم أمر المفاضلة البشرية بين الكونية الاستخلافية التي هي مجرد مشروع لم يتحقق بسبب فشل الثورة الإسلامية التاريخية التي انتهت إلى الانحطاط ممثلا في مسلمي عصرنا مسلميه الذين يمكن لمن هو من جنس بن لادن أن ينطق باسمهم والعولمة الحلولية التي تكاد تقضى على كل القيم الإنسانية التي انحطت إلى حد صار أمثال بوش وجنداليزا رايس وكل مفكري اليمين المحدث فلاسفة يعبرون عنه ليبرروا ما يسمونه حضارة ضد ما يسمونه بربرية متناسين أن البربرية بدأت بالحرب الذرية الوئيدة التي تشنها ثقافتهم على الطبيعة الكونية (ما يسمى بالثورة الصناعية والسوق العالمية التي تجوع وتصيب بالأمراض البدنية ثلاثة أرباع البشرية) والحرب الذرية الوئيدة التي تخو ضها على الثقافة البشرية (ما يسمى بالثورة الرمزية والتواصلية العالمية التي تجهل وتصيب بالأمراض النفسية أكثر من أربعة أخماس البشرية). كلتا الحضارتين المتصارعتين انحطتا إلى الحضيض فصارت رهاناتها يتكلم باسمها بن لادنان عربي في افغانستان ومجهول الأصل في واشنتان.
* مآل دينامية الفكر الغربي إلى المسيحية المتصهينة
ينبغي أن نفهم الدينامية الذاتية التي أوصلت الفكر الغربي المسيطر على العالم الآن وليس في أمريكا وحدها إلى المسيحية المتصهينة فيمكن وصفها بسرعة على النحو التالي. فالتنوير الحداثي الذي بدأ بحركة الإصلاح الديني (أهل المسيحية المتصهينة يزعمون أنهم ورثته) ذهب إلى حد تقويض ثوابت الإيمان العاقل لذاته وتأسيس السفسطة المحدثة أو فكر ما بعد الحداثة. فقد أدى هذا التنوير الحداثي إلى نهاية سلطان علم الكلام العقلي (الثيولوجيا العقلية) والفلسفة المؤسسة له (المدرسية) ليعود الفكر الإنساني إلى الميثولوجيا المحدثة (شيلنج وهولدرلن خاصة) التي كان شكلها المزعوم فلسفيا أعني المثالية الألمانية والرومانسية.
ومن المثالية الألمانية والرومانسية تولدت كل الإيديولوجيات الشمولية وخاصتان الإيديولوجيتان اللتان قضتا على زعامة الغرب الأدنى للحضارة الغربية واستبدلته بمستعمرته الشرقية (الاتحاد السوفياتي بفضل الماركسية) وبمستعمرته الغربية (الولايات المتحدة بفضل البروتستنتينية) بعد المآل الرهيب للايديولوجيتين اللتين حاولتا توحيد أوروبا الغربية للتصدي للمستعمرتين أعني الهتلرية والموسيلينية ففشلتا في تحقيق شروط الصمود الأوروبي. وبذلك فمصير الغرب الحالي أقصاه وأدناه تحدد في العصر الحديث إلى بداية نهايته تحدد في الفكر الجرماني الذي استبد بمستعمرتي أوروبا الغربية أساسا بفضل البروتستنتينية في الولايات المتحدة والماركسية في الاتحاد السوفياتي.
وضديد التنوير ما بعد الحداثي ذهب إلى حد تقويض ثوابت العقل المؤمن بذاته الذي بدأ بتأسيس النسبوية المطلقة فأفرغ العقل والروح من كل الثوابت لئلا يبقي إلا على ثابت واحد هو ثابت عدم الثبات: وتلك هي السوفسطائية المحدثة أو فكر ما بعد الحداثة. فكانت الغاية نهاية سلطان كلام العلم والفلسفة النقدية ليعود الفكر الإنساني إلى السوفسطائية المطلقة (هيدجر ورورتي خاصة) التي كان شكلها المزعوم بداياته نقد أنطلوجي ونهايته نقد أدبي يؤسس للطبعانية التي نهايتها الإباحية المطلقة.
* دلالة المسيحية المتصهينة الفلسفية
فمن الميثولوجيا المحدثة التي انتهى إليها التنوير في أعمال شيلنج ومن السوفسطائية التي انتهى إليها ضديد التنوير في أعمال نيتشه تكون جوهر فكر ما بعد الحداثة من حيث هو شكاكية نظرية مطلقة نابتة في أرضية وثوقية عملية مطلقة: وذلك هو جوهر البراغماتية التي يرد إليها كل الفكر الأمريكي الذي شيئا فشيئا استوعب الفكر القاري. فالأولى تحدث الفراغ العقلي والروحي لتخلي المكان للثانية أعني للإيدولوجيات الشمولية ذات الأصل التوراتي (الاسرائيليات) مزبلة تتوالد فيها الجراثيم وتتكاثر في الفراغ الناتج عن تهديم نوعي الثوابت الروحية الإيمانية والعقلية الاستدلالية.
تلك هي علة العودة الغربية إلى خرافات التوراة مرشدا وحيدا لفهم التاريخ والفعل فيه: ذلك هو معنى المسيحية الصهيونية العميق الذي بدأت تعبيراته السطحية تظهر في شكل حركات فقاعية من جنس الحركة المزعومة فلسفية أعني في كتابات الفلاسفة الجدد بفرنسا محاكاة قردية متدنية لهيدجر الذي يحاول صياغة ميثولوجيا شيلنج (الذي هو عند من لا يعلم صاحب المقولة المشهورة: الفلسفة كتابة توراتية واضع حروفها سبينوزا وعلى أن أضيف الحركات لتصبح ناطقة) وهولدرلن (الذي هو عند من لا يعلم صاحب السعي المشهور لكتابة الميثولوجيا اليونانية شعرا) وثمراتهما في فلسفة نيتشة التي ارجعت الفكر كله إلى الداروينية الحضارية تأسيسا على الداروينية الاحيائية ومن ثم إلى جعله مجرد بحث عن الايديولوجية الأكثر فاعلية أو إلى احياء فاعلية الخرافات الماضية التي هي في الفكر الغربي الاسرائيليات العبرانية المسيحية والميثولوجيا اليونانية اللاتينية. ولا يمكن فهم التأسيس المزعوم فلسفيا لما بعد الحداثة إلا بهدا المعنى: احياء اشكاليات الكلام المسيحيي اليهودي ليكون مؤثرا تماشيا مع المفهوم البراغماتي للحقيقة كما فهمه نيتشة: الكذب المؤثر. وقد تأكد هذا الموقف الآن منذ أن باتت الحقيقة التاريخية تكتبها الدعاية التلفزية لا الأحداث الواقعية: يكفي أن نرى ما يحصل في العراق. فجميعنا يعلم أن الأمر كله كذب أمريكي انجليزي منمق تفرضه الدعاية التي حولت التاريخ إلى مجرد ركح سينمائي.
و يمكن بيسر لمن هو مطلع على علم الكلام المسيحي الوسيط أن يفهم دازاين هيدجر مثلا فهما متناسقا بمجرد ترجمته إلى عبارة متنكرة عن الحلول المسيحي. فالله (زاين) يتعين في ابنه(دا) فيحصل منهما الدازاين الذي يصبح كلمة الله وراعي الوجود. لكن لا بد من أن نضيف إلى ذلك حتى تكتمل الصورة أن محدد الدا هو روح الشعب الموضوعي أعني عند الصهاينة خرافات شعب الله المختار العبراني وعند النازيين خرافات شعب الله المختار الجرماني, وعند الأمريكان هو الجمع بين الخرافتين: شعب مختار دينيا وفلسفيا لكونه ممثلا للحضارة ومن عداه يعد ممثلا للبربرية ويستحق مصير الهنود الحمر.
* من المتآمر عليه
وبعبارة أوضح وأكثر صراحة يمكن القول بأن المؤامرة التي يكثر مفكرونا الحديث عنها وبخلاف ما يتصورون لا تستهدف الأمة العربية والإسلامية إلا استدافا غير مباشر لتعذر التصدي للاسلام من دون أدوات كونية هي هدف المؤامرة الأول: إنها تستهدف الشعب الأمريكي من أجل تحويله إلى مجرد أداة كونية بيد بقايا الصهيونية والنازية (= المسيحية المتصهينة) تستخدمانها لتحقيق مشروع الوحدة بين فكر الصهيونية (الاسرائيليات) والنازية (الجرمانيات) اللتين تلتقيان في التوراتية المحدثة التي بدأت بما يسمى اصلاحا وتكوين القاعدة الامريكية (الارض الموعودة الجديدة حلا بديلا من الارض الموعودة القديمة بعد فشل الحروب الصليبية في “تحرير” فلسطين المزعوم من المسلمين) التي يطلقون عليها اسم أرض الله الموعودة لتكون أداة سيادة شعب الله المختار التوراتي الجرماني (أكبر أحلام شيلنج الذي رضع العبرية منذ نعومة أظفاره).
لذلك فإنه يمكن القول إن الحضارة العربية الإسلامية في ثورتها الحالية وبمقتضى اعتراف العدوين بأنها تمثل العائق الوحيد أمام سلطانهما الكوني ليست فقط ساعية لتحرير نفسها بل هي ستحرر أمريكا والعالم من هذه المؤامرة التي تمثلها وحدة الصهيونية والنازية معا كما يرمز إلى ذلك أسماء ممثلي التطرف المسيحي المتصهين في أمريكا استغناء عن ذكر ممثلي التطرف التوراتي المتصهين في اسرائيل. فرغم أن الأسماء من الصدف التي لا تفيد شيئا بذاتها للدلالة على المسمى بها فإن موافقتها أحيانا للمسمى تساعد على تحليل المعاني. ففولفو فيتز يعني بلسان ألماني فصيح صاحب خبث الذئب وهو المنظر النازي الصهيوني للحرب على الإسلام ووزير الدفاع الذي يعني اسمه رامسفيلد بنفس اللسان جامع الخردة والمتاجر فيها . بل إن تحول رامش (رامشفيلد) إلى رامس (رامسفيلد) تفيد أنه كذلك لاعب الورق المحتال. فمدلول اسمه يعني أن المشروع كله مبني على تراث خرافي وتحيل وذلك هو مدلول الإسرائليات في تراثنا التفسيري وقياسا عليها يمكن الكلام عن الجرمانيات في ما يمكن ان يعد التراث التفسيري في الفكر الألماني ما بعد الحديث: خرافات للخداع لأنها كذب واع وليست بنت الخيال اللاواعي كما في أساطير الأمم السوية أعني بالضبط التعريف الصريح للحقيقة عند نيتشة والتعريف غير الصريح عند كل البراغماتيين فهما داروينا للحضارة على أنها صراع دائم من أجل البقاء للاقوى الذي هو الأصلح.
إن دلالة اسم رامسفيلد تجمع بين نوعي الخرافات أعني خردة الحضارتين ما استند منها إلى تحريف الدينين المنزلين الحيين اللذين أصلحهما الاسلام رغم أنف اصحابهما(اليهودية والمسيحية) وما استند منها إلى تحريف الأديان الطبيعية (الاساطير الجاهلية بنوعيها: اليونانية والجرمانية) باستثناء شكلهما السوي الذي علينا تحريره من سلطان أمريكا واسرائيل لتحرير المسلمين والمسيحيين الصادقين وكل البشر الآخرين من أجل الإنسانية كلها وليس من أجلنا فحسب لئلا نعود إلى سخافات الكلام عن الحروب الصليبية كما عند بوشنا وجماته أعني بن لادن وأصحاب الفكر البدائي من منظري الرد العشوائي في غياب التحليل الفكري والتاريخي.
فهذان التحريفان ليسا حربا علينا وحدنا بل هما حرب على السوي في الأديان المنزلة وفي الأديان الطبيعية. لذلك فتصدينا ليس للمسيحية أو لليهودية ولا للبوذية بل هو تصد للتحريف الذي أفسد الدين والعقل الكونييين بفرض النسبوية على الحقيقة فأسس عليها أساطيره الصهيونية والنازية بتنكر جديد اسمه الدفاع عن الحضارة ضد البربرية. والسخف كل السخف يكون بجعل ضحايا هذا التحريف في الغرب علينا لا لنا: شهادة المسلمين الصادقين على العالمين عني أنهم يميزون بين أهل الاديان وأصحاب التحريف الذين يفسدون أديان حضارتهم من أجل تحويلها إلى أدوات طغيان كما تفسر ذلك جيد التفسير آيات آل عمران عند كل من يتدبر حوار الرسول الكريم مع نصارى نجران.
ذلك أن رسالة الإسلام ليست خاصة بالمسلمين الحاصلين بل هي موجهة إلى كل البشر من حيث هم بشر أعني المسلمين بمفهوم اسلام الفطرة لا بمفهوم اسلام الفقهاء الذين حصروا الإسلام في فهمه اللادني. لذلك فما أسميه منزلتنا في المعادلة الدولية من حيث نحن قلب الشرق الأدنى هو عينه منزلة اوروبا من حيث هي قلب الغرب الادنى. والمعادلة لن تستوي فتصبح فاعلة إلى إذا اتحد قلب الشرق الأدنى وقلب الغرب الأدنى لتحرير البشرية من تحريف اليهودية والمسيحية في الصهيونية النازية التي من علاماتها حرب أمريكا واسرائيل علينا. ليس الإسلام خصوصية قومية ولا شريعة ملية خاصة بشعب دون شعب بل هو رسالة كونية تخاطب العالمين ومن ثم فكل حصر للرسالة في الصراع الذي ندافع فيه عن أحد طرفيه وليس عن القيم السامية عند كلا الحزبين لتحرير الجميع رغم خيانة المتكلمين باسمها كلاما أفسد الرسالات السماوية والفلسفات التاريخية مناف للإسلام في جوهره القرآني وقبل افساد الفقهاء له. ما نثور من أجله ليس الظلم الحاصل علينا فحسب بل قضايا البشرية التي يمكن حصرها في قضيتين لا ثالث لهما هما عينهما ما جعله القرآن سببا في الجهاد:
1- الفساد في الارض بمعنى افساد الطبيعة أوالبيئآت بالاقتصاد الربوي الذي يقتل كل التنوع الطبيعي لتعويضه بالنمطية الصناعية من أجل ربح الشركات التجارية المرابية
2- والاستضعاف في الأرض بمعنى افساد الشريعة أو الحضارات بالثقافة الربوية التي تقتل التنوع الحضاري لتعويضه بالنمطية الاستهلاكية من أجل ربح شركات الانتاج الثقافي المرابية . وكلاهما أداة للسلطان الخفي للمافيات العولمية.
* علة المأزق الفلسفي
ولسوء الحظ فإن الفكر الإنساني الذي ظل يقاوم تحريف التنوير الاول وشرع في مقاومة التنوير وضديده المحرفين للفكرين الديني والفلسفي في الغرب نفسه وعندنا لم ينتج ضربا جديدا من التنوير يمكن أن يخلص البشرية من ثمرات التحريفين المرة. ذلك أن محاولات المدارس النقدية سواء كانت اجتماعية أو ثقافية لم تنجح في ترميم التنوير الحداثي كما يبين فشل محاولات هابرماس التي تعتمد على فلسفة عمرانية لا تعترف بطبيعة الأزمة الشاملة حصرا إياها في الفكر الفلسفي العملي الغربي دون أشكال الفكر الأخرى مع تجاهل مطلق لدور الحضارة الإسلامية في تصنيفاته لأبعادها وأشكالها. فالثالوث الذي استعاره من دلتهاي دون التنويه- الخطاب النظري (العلوم) والخطاب المعياري (المعايير والتشريعات) والخطاب الذاتي (الفنون الجميلة) بوصفها ضروب التعبير الإنساني الأساسية التي لا تقبل الرد أحدها إلى الآخر- ليس يمكن الجسر بين عناصره بالفعل التواصلي إلا إذا وصلناها جميعا بأساس متقدم على التنافي بين بعدي الإنسان الشارطين لفعل التواصل بالإضافة إلى تبادلهما التأثير كما يمكن أن نستمد سر وحدتهما من التعريف الفلسفي للإنسان من حيث هو حيوان عاقل تقديما للنظر على العمل دون ارجاعية ومن التعريف الديني من حيث هو مستخلف مريد تقديما للعمل على النظر دون ارجاعية.
والمعلوم أن الإرجاعية هي في الحالتين سبب تحول الفلسفة إلى سوفسطائية محدثة والدين إلى ميثولوجيا محدثة في ثمرات الفكر الجرماني بدءا بشلنج وهلدلرن وغاية بنيتشه وهيدجر الدي ألف بين الثلاثة المتقدمين عليه مع تحريف فكر هيجل لمجرد نفي علاقة أرواح الشعوب المتوالية بالروح الكلي الذي بات عنده مجرد عدم هو الزاين المتمنع خلال تعيناته في ابنه المعبر عنه والناطق باسمه والراعي لتمظهراته أعني الدازاين.
لم يفهم هابرماس أن هذا التنافي أصبح ذاتيا لكلا الفكرين منذ النقد الكنطي الذي يبدو مؤسسا للتنوير العقلي. فالتعريف الفلسفي انتهى منذئذ إلى الفصام بين الحيوان العاقل والحيوان المريد كما في التعارض بين مدى العقل النظري الظاهراتي واستعماله العملي الباطناتي. وقد تأكد هذا التصور المحرف في كتابه عن الدين في حدود العقل الذي حصر الدين في بناء الأخلاق على اسطورة الخطيئة الموروثة ومن ثم على ضرورة المنجي من الشعب المختار أو المسيح المنقذ. كما أن التعريف الديني انتهى منذئذ إلى الفصام بين نفس الحدين بدلالة رمزية هي الفصل بين السياسي الزماني العام والديني الروحاني الخاص. فصام كنط الفلسفي يقابلة العودة إلى فصام التوراة الديني حيث ينحصر المقدس في شعب مختار وتكون بقية البشرية مواشي يصرفونها كما يعن لهم. وذلك هو جوهر التحريف بالمفهوم القرآني كما حددته سورة آل عمران حيث يبين جل وعلا أن الدين يحوله سدنته إلى نظام من الحيل (هامان) يوظفها السياسي (فرعون) من أجل الاستبداد المادي بالاستحواذ على الرزق الماي (الهيمنة الاقتصادية بسلطان المال) والاستبداد الروحي بالاستحواد على الرزق الرمزي (الهيمنة الثقافية بسلطان المخيال).
* دورنا شرط الكونية السوية في المعادلة الدولية
وأما دورنا في هذه المعادلة الغربية فهو الأعسر على الفهم. ولأجل ذلك نتمنى على القارئ الصبر من البداية إلى الغاية والسلوان من الغاية إلى البداية حتى لا يصيبه دوار اللانهاية في الغائر من الأعماق والغائم من الآفاق. فهذا الدور يتحدد من خلال محددات المقابلة بين مشروع الكونية الإسلامية ومشروع العولمة الصهيونية الأمريكية. إن مقومات الكونية الإسلامية التي بالغفلة عنها فقدت النهضة العربية بعدها الانساني فتحولت إلى حركة قومية شوفينية بعد أن كانت حركة إنسانية عالمية كما أرادتها الثورة الإسلامية هي التي يمكن أن تفهمنا هذه العلاقة بين مشروع الكونية العربية الإسلامية ومشروع العولمة الأمريكية الصهونية.
لذلك فالمقومات التي نريد بعثها في حركة النهضة الحالية لا يمكن أن تكون نشأت مع الحركة القومية في نهايات القرن التاسع عشر وبتأثير خارجي كما يحاول كل من يوجه إلي تهمة الماضوية اقناع القارئ بها. فيكون بدء النهضة مجيء نابليون ويكون محمد علي مؤسس الفكر النهضوي لمجرد كونه بنى جيشا وغزا أرضا مثل نابليون دون الشروط التي مكنت الأخير من حقائق أحداث التاريخ وأمدت الأول بأوهامها: الثورة العلمية والاقتصادية ذات المحركات الذاتية. إنما هي تعود إلى نشأة الثورة الإسلامية بداية وإلى استئناف سؤاليها النظري والعلمي الأساسيين في الإصلاح التيمي الخلدوني غاية. وطبعا فمن السخف الظن أني أتوقف عند هذين العلمين ولا أتابع تطورات الفكر الإنساني في دلالاته العميقة لمجرد كوني أقلو الموضات السطحية التي يتساقط عليها ذباب الساحة الثقافية.
إن الكونية التي تمثل جوهر الحضارة الإسلامية بفضل جمعها بين ثمرة الحضارات القديمة وبذرة الحضارات الحديثة بدأت بنجاح العرب في تأسيس دار الاسلام وحضارته تأسيسا سره التعاون (كما يرمز إلى ذلك انتساب صحابة الرسول الأكرم إلى ما كان مشهورا من أمم العصر). فهي بالذات ترفض الاستثناء العرقي للشعوب الأخرى. لذلك فبالإضافة إلى العرب الذين انطلقت منهم الثورة أسهمت شعوب تسعة رئيسية في هذا النجاح وهي الشعوب التي تتكون منها الأمة الإسلامية حاليا والتي نعنيها عندما سنتكلم عن مفهوم العالم الأوسط الأكبر الذي هو مثل زيتونة آية النور لا شرقية ولا غربية (إشارة إلى مفهوم التوسط بين الشرق الأقصى والغرب الأقصى بالمعنى الجغرافي وبالمعنى القيمي الذي يشير إليه مفهوم الوسطية): الفرس والترك والبربر والكرد والهنود في البدايات ثم البلاقنة وسودان افريقيا والمالويين وسودان أمريكا في الغاية مع كل من دخل الإسلام في المشرقين والمغربين.
وتلك هي العلة في كون هذا النجاح النظير الموجب من الفشل اليوناني قبلهم في تحقيق الكونية (الغزو المقدوني) ما آل بآخر الحضارات القديمة إلى الموت (الحضارة اليونانية) والفشل اليهودي في تحقيق دار وحضارة تخصهم ما آل بهم إلى الشتات وإلى الحرب السرية الدائمة لتحقيقهما بكل الحيل أو بما يطلق عليه ابن خلدون اسم”الخرج” الذي هو ذروة التحيل الذي يلجا إليه كل من فقد الرسالة الحضارية الموجبة. فالعنصرية والذهان الذي أصاب قياداتهم الروحية حال دونهم والتعاون مع الشعوب الأخرى وجعلهم يتسعيضون عنه بالسعي إلى استعبادهم بالخطط الخفية والحيل الدنية: وأهمها فنيات التطفل الفيروسي على الأمة الغالبة لاستمداد الوجود من امتصاص دمها.
وأهمية العلاج التيمي الخلدوني للعطل الذي أصاب الكونية الإسلامية مقومات ومعوقات في بدايات عصر الانحطاط تكمن في الصياغة الفلسفية النظرية (ابن تيمية) والفلسفية العملية (ابن خلدون) لعوامل تردي هذا النجاح بسبب الفساد الذي أصاب النظر والعقيدة حسب الأول (من هنا تركيز اصلاحه على العقيدة والنظر من أجل تحرير أساب العمل الخلقية في التاريخ) والفساد الذي أصاب العمل والشريعة حسب الثاني (من هنا تركيز اصلاحه على الشريعة والعمل من أجل تحرير أسباب العمل العلمية في التاريخ). ولأن هذين الفسادين هما الداءان اللذان تعاني منهما لحظتنا التاريخية الراهنة اعتبرت المفكرين أساس الفكر النهضوي موضوعيا وذاتيا.
حققت شعوب الامة الرئيسية بفضل تعاونها وتعارفها الذي فرضه عليها القرآن الكريم- بالتساوق أو بالتوالي على الريادة الحضارية والسياسية وعلى قيادة الامة- مقومات الحضارة الإسلامية المادية والرمزية الكونية. فصار وجودها الفعلي في المكان والزمان المتحيزين بتخوم الجغرافيا الإسلامية والتاريخ الإسلامي يغني المؤمنين برسالتها عن الخطط الخفية والمؤامرات “الخرجية” في التعامل مع غيرهم من أبناء البشرية. وتلك هي الكونية الموجبة. لذلك كانت لهم أخلاق السادة الموجبة أخلاق ذوي الحلم العافين عن الناس بخلاف أعدائهم الذين لا يتسطيعون العيش من دون عزل أنفسهم في الجيتوات ومن دون اللجوء إلى الخطط الخفية للسيطرة على البقية بحيل دنية علتها سيطرة أخلاق العبيد عليهم أخلاق عاشقي الظلم الحاقدين على من سواهم سعيا للانتقام من فشلهم التاريخي.
إن مضمون الرسالة الإسلامية الصريح والموجب مع التحقق الفعلي للكيان المادي (الجغرافيا الإسلامية التي تمتد على خمس مساحة العالم وتشغل قلبه) والرمزي لهذه الرسالة (التاريخ الإسلامي الذي لا يمكن فهم ما تقدم عليه من مدبر تاريخ الإنسانية وما تلاه من مقبله إلا به كما نرى الآن في دوران الصراع العالمي عليه وفيه) يغني شعوب الأمة عن التحريف والجاهلية ويشغلها بالمشروع الخلقي السامي الذي يبقى مفتوحا دائما على التعالي ليحرك التعينات التاريخية من الوجود البشري توكيدا على الفارق الدائم بين المثال الواجب والحاصل الممكن ليكون محركا للعمل اللامتناهي في التحقيق الفعلي للرسالة تحريرا مضاعفا للانسانية بالاجتهاد الذي معياره التواصي بالحق والجهاد الدي معياره التواصي بالصبر:
– التحرير من سلطان سدنة العجل الذهبي أداة للسلطان الزماني من أجل الاستبداد السياسي.
– التحرير من سلطان سدنه العجل الرمزي أداة للسطان الروحاني من أجل الاستبداد القيمي.
والمعلوم أن كلا السلطانين مافياوي بالطبع. لذلك فهما يعتمدان على الخطط الخفية (العنف الرمزي) والغزو (العنف المادي) بديلا من العمل العلني والتعاون بمقتضى التواصي بالحق والتواصي بالصبر. ولعل الأدوات التي تتوسلها الصهيونية والمسيحية اليمينية في أمريكا في حربهما العقدية والثقافية مع الغزو المباشر للجيشين الأسرائيلي والأمريكي للقطرين الرمزين (من حيث العلاقة الرمزية والمادية باليهودية والمسيحيية اليمينية) أعني فلسطين والعراق وسيطرتهما الخفية على القطرين الأكثر رمزية (من حيث نفس العلاقة أعني الأرض الحرام والكنانة) اكبر الأدلة على تأويلنا للتاريخ الإنساني من منطلق دورنا الجوهري فيه أراد ذلك مستصغرو الحضارة الإسلامية أم أبوا.
وحتى نفهم النحو الذي تعين فيه هذا الدور علينا أن نحلل التناظر العكسي بين النجاح العربي في تحقيق الوجود المتحيز في المكان (الجغرافيا الإسلامية) والزمان (التاريخ الإسلامي) والفشل اليهودي فيهما رغم ما يبدو لهم من سلطان في العالم الغربي. فهو سلطان يفسره لجوء الفاشلين حضاريا وقيميا إلى ما يمكن تسميته بامبراطورية الخفاء التي كان غلاة اليهود وما يزالون يسعون إليها منذ بدايات تاريخهم إلى الآن. وهو ما لا يمكن أن يكون إلا بالوجود المتطفل على الامبراطوريات المتوالية في التاريخ ومن ثم التطفل الموصل في النهاية إلى النكبات التي كان آخرها الهولوكوست الهتلري. ولعل المقبل منها وفي أمريكا بالذات سيكون الأدهى: إنه سيكون الهولوكوست الحاسم وسيكون أصحابه المسيحية المتطرفة فيعود سلاح العدو إلى نحره. وتلك هي العلة في دعوتي إلى عدم ترك أمريكا للصهيونية بل لا بد من تحريرها من الصهيونية حتى وإن كان ذلك في البدء أمرا شديد البطء.
* الإسلام تحول ثوري في تاريخ البشرية
ولعل أهم علامة على التحول في تصور الكونية البشرية التحول الذي فشل فيه اليونان واليهود ونجح فيه العرب هو الصياغة الرمزية التي تعينت خلال منتصف اللحظة التأسيسية للإسلام في انعطافة مشعرية كبرى لم يسبق لها مثيل. فتغيير القبلة قد أسس للاخوة البشرية والكونية بديلا من العداء بينهم ومن الاصطفاء العرقي. وتغيير القبلة تجاوز التنافي بين الدين المنزل التام والدين الطبيعي التام في مفهوم الفطرة المتقدم على طغيان الأديان المنزلة والأديان الطبيعية المحرفة بدءا بتحرير الأولى من التأسيس المرضي للقانون الخلقي على اسطورة الخطيئة الموروثة والعذاب في ميثولوجيا السقطة الآدمية (أصل المسيحية المتصهينة: الجنس أداة سلطان غلى الإنسان) والثانية من تأسيسها المرضي على اسطورة الحرب الأهلية بين الأرباب في ميثولوجيا التزاوج بين سكان الأرض وما فوق السحاب (أصل المسيحية المتنزية: العنف أداة سلطان على الأكون) واجتماع الصهيونية والنازية في اليمين المسيحي الأمريكي الحالي. لذلك فإنه يمكن أن نعتبر الدين الإسلامي اصلاحا مزدوجا للتحريف الذي طرأ خلال محاولات التوفيق السطحي بين الفكر اليوناني اللاتيني والفكر اليهودي المسيحي في الشرق الأدنى الهلنستي. وعليه أن يستأنف دوره ليخلص البشرية من استئناف التحريف في الصهيونية والنازية كما تتعينان في أمريكا واسرائيل اللتين تحاولان استكمال السيطرة على العالم بالسيطرة على دار الإسلام التي هي قبله ماديا (كل الطاقة فيه) وروحيا (أصل كل الأديان منه ومشاعرها كلها فيه).
ومن لم يفهم المراجعة التاريخية في القصص القرآني هذا الفهم رغم الإشارة الصريحة فيه إلى وجوب عدم الاقتصار على تاريخ الأديان السماوية (الذكر الإسمي لذي القرنين) ومن لم يمعن النظر في المفهومين النقديين المستعملين في هذه المراجعة قصدت مفهوم التحريف بالنسبة إلى الأديان المنزلة ومفهوم الجاهلية بالنسبة إلى الأديان الطبيعية, من لم يفهم ذلك ولم يتمعنه لا غرابة في أن يواصل تصوره القرآن من أساطير الأولين القابلة للرد إلى ما في الإسرائليات من خرافات وأباطيل لعل أهمها الذي دحضته سورة آل عمران تأليه السيد المسيح غاية لنظرية الشعب المختار!
ولعل هذه المعركة الوجودية المطلقة قد قاربت لحظة الحسم. فستجعل المعركة الدائرة حاليا بيننا وبين أصحاب السلطانين العولميين الروحي والمادي المسيطرين على الغرب والشرق أقصاهما وأدناهما ستجعل القضاء على أمراض الفيروس المتطفل أمرا ممكنا فنكون كما أراد الإسلام الأمة التي تطبب البشرية بمن فيهم الفيروس نفسه لكوننا نؤمن بالأخوة البشرية التي لا تستثني احدا حتى الأعداء رغم ظلمهم وأخطائهم. ومن دون ذلك لن نستأهل الرئاسة الروحية والشهادة البشرية ولن نستحق الوصف بالأخلاق السيادية.
والمعركة ليست مع الأعداء الواردين من الخارج فحسب. بل إن حسم المعركة الأهم هو حسم معركة حقوق الإنسان بأجيالها الخمسة بحسب مقاصد الشرع: 1- جيل الحقوق التي تحمي مقصد العقل 2- وجيل الحقوق التي تحمي مقصد المال 3- وجيل الحقوق التي تحمي مقصد العرض 4- وجيل الحقوق التي تحمي مقصد الدين 5- وجيل الحقوق التي تجتمع فيها كل الحقوق الحقوق التي تحمي مقصد النفس. فجميعها حقوق بالقياس إلى ولاية الأمر أو الخلاقة بالمعنى السياسي. وهي كلها واجبات بالقياس إلى الله وإلى الذات لكون ذلك هو مفهوم الأمانة من حيث هي رعاية الأمر أو الخلاقة بالمعنى الوجودي الخلافة التي هي فرض عين إذ هي عين منزلة الإنسان الوجودية أو منزلة الاستخلاف كما يسميها ابن خلدون في المقدمة فيبني عليها كل إصلاحاته.
ذلك أن حمق القيادات الدينية المعارضة وتحجر فكرها الاحيائي أصبح رحمة لأنه أرجع إلى التجربة الخلقية شروط صدقها الأساسية أعني حرية الضمير والوجدان في الوجود التاريخي لفرط نفيها. وحمق القيادات العلمانية الحاكمة وتحجر فكرها الاستئصالي أصبح رحمة كذلك لأنه أرجع إلى التجربة الدينية شروط صدقها الأساسية أعني حرية الضمير والوجدان في الوجود ما بعد التاريخي لفرط اضطهادها. وكلا الشرطين طالب به صريح القرآن عندما استخلف الإنسان وكلفه ثم أعلن ألا إكراه في الدين معتبرا ذلك ناتجا عن تبين الرشد من الغي ومنتجا التحرر من الطاغوت والعبودية لله وحده. بذلك يعود للثورة الإسلامية محركاها الأساسيان. فقد فهم المسلمون أن المزعومين علماء والمزعومين أمراء (قسمي ولاة الأمر) هم الذين يصبحون طاغوتا يعارض العبودية لله وحده بما يزعمونه لأنفسهم من وساطة في الرزق الروحي (العلماء) والرزق المادي (الأمراء) أداتي استعباد الإنسان وضديدي الإيمان كما حددهما القرآن في الآية 256 من البقرة.

2010

اضغط هنا لقراءة الموضوع

One Comment

  1. تحليل يجمع بين هيقل وكانت فيه من نصية ابن تيمية أهم ما فيها وروحية الغزالي بأهم مافيها
    فيه إبن خلدون بدون نقطة ضعفه القاتلة
    إنه تجاوز تام لميشل فوكو كأنه تلميذ تجاوز استاذه بمراحل

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.