الأستاذ سعيد فودة والنكوص إلى عقلية الفرق الكلامية

تمهيد:
كنت منذ أمد بعيد مقتنعا بما انتهى إليه الغزالي ومن بعده ابن تيمية وابن خلدون من أن علم الكلام لا طائل من ورائه علميا وبأن ضرره على العقيدة أولا وعلى وحدة الأمة ثانيا ضرر لا يقدر. ولعل مجرد جولة واحدة في موقع الرازي[1] والمواقع المجانسة له أو المضادة من كل المذاهب يكفي دليلا على أن كل الحزازات الماضية قد أعيدت من جديد مع ما يصحب ذلك من معارك ديكة مضحكة ومبكية في آن. وحتى يتضح للقارئ بعد هذا المعارك عن الجدل العلمي المفيد فليتصور ما هو أسوأ من معارك قوم يتكلمون على فلك بطليموس اليوم ويتصورون أنفسهم علماء فلك في حين أنهم يمضغون معارف ماتت منذ خمسائة سنة.
لا أريد أن أدخل في جدل كلامي مع الساعين إلى إحياء حزازات الماضي والعودة إلى صراعات الفرق والمذاهب. لذلك فلن أتلكم في ما يزعمونه ردودا عقدية على مواقف ابن تيمية العقدية وعلى مواقف من يسمونهم بالمجسمة إلا كلاما سريعا لتحرير موطن الخلاف لا غير. وكان يمكن أن أواصل العزوف عن الكلام مع المتكلمين حتى في غير كلامهم في علم الكلام. لولا أن بعضهم صار يزعم الكلام في المنطق والفلسفة بما يدل دلالة قاطعة على عدم إدراك طبيعة ما يجري في المجال وخاصة طبيعة ما حققه ابن تيمية من تجاوز لأسس المنطق القديم الميتافيزيقية المنطق الذي يزعمونه كافيا وزيادة في المعرفة بمناهج المعرفة. وما دعاني إلى ذلك هو اطلاعي بمجرد الصدفة[2] على كتاب الاستاذ فودة بعنوان تدعيم المنطق وما جاء فيه من نقد لما يزعمه أخطاء منطقية وقع فيها ابن تيمية. وما سأحاول مناقشته بهدوء تام هو ما جاء في هذا الكتاب من مزاعم حول أخطاء منطقية وجدها في رسالته “”تفصيل الإجمال فيما يجب من صفات الكمال، والفصل فيما اتفق عليه وما اختلف فيه أهل الملل والنحل والمذاهب منها باختلاف الدلائل العقلية والنقلية فيها”[3].
وقبل الشروع في فحصٍ دقيق رغم اعتماده على السبر السريع لهذه الدعوى أريد أن أنبه إلى أمرين لا يهملهما إلا من كان غير منصف في المناظرة حول فكر ابن تيمية المنطقي:
فأولا لا أحد يزعم أن ابن تيمية معصوم ناهيك عنه هو. فليس مثله في التواضع العلمي والأمانة في عرض آراء خصومه معتبرا نفسه دائما مجرد مجتهد يصيب ويخطئ ومن ثم فليس من شك في وجود أخطاء في أعمال ابن تيمية. لذلك فلست أكتب لأدافع عن رأي معين من العقائد التي تنسب إلى ابن تيمية مباشرة أو بتوسط الوهابية التي أقل قراءات فكره فهما ومطابقة لمقاصده.
وثانيا لم ينف ابن تيمية صحة الصورة المنطقية بصورة مرسلة بل هو يؤكد أن المنطق القديم لا غبار عليه من حيث الصورة بشرط القبول بأسسه الميتافيزيقية. وهو أمر يبدو لي أنه لم يدر بخلد الأستاذ فودة ولا خاصة كل المتعالمين الذي يتبادلون التكفير والتسخيف على أسس واهية من هذا النوع من الكلام.
وهذا الشرط الذي يغفل عنه الكثير هو بيت القصيد. وهو شرط لم يفهمه جل المعلقين على فكره المنطقي وعلى رده الكلام والفلسفة والتصوف التي تنبني جميعها على هذا الشرط: فهو لا يرد على المنطق من حيث هو مجرد آلة بل هو يبحث في أسانيدة الميتافيزيقية وثمراته العقدية. وأقول رد الكلام والفلسفة والتصوف لا الرد عليها لأنه لو فعل لكان ذلك يعني أنه يتلكم ويتفلسف ويتصوف مثل المردود عليهم بنفس القواعد الشارطة لما بنوا عليه أعمالهم ظنا أن المنطق مجرد آلة تعصم الذهن من الخطأ.
فابن تيمية كما يعلم ذلك أي مطلع على أعماله ولو سطحيا يقبل بالخوارزمية الصورية البسيطة للمنطق الأرسطي (وهي الآن جزء ضئيل من علم المنطق خاصة وعلم أنساق بناء النماذج الرمزية عامة) لكنه ينفي أن تكون قابلة للتطبيق المبدع في العلم إذا كان علما بحق يدرس الموجود الفعلي في الأعيان رغم كونها قابلة للتطبيق في جدل المناظرات الفاحص لنوع محدود من الفرضيات الذهنية إذا اقتصر الكلام على الصورة دون المطابقة مع المادة لأن المطابقة مسألة أخرى تقتضي منطقا من جنس مختلف أشار إلى ضرورة إيجاده حتى وإن لم يتمكن من الشروع فيه[4].
وسأكتفي بفحص مناقشة الأستاذ سعيد لأول النصين اللذين اختارهما للتدليل على دعواه دون أن أعرج على ما قاله في تاريخ المواقف من المنطق وفي محاولته دحض الكوجيتو بالمنطق الأرسطي[5] والدليل الوجودي وإشارته إلى رأيي في الدليل الوجودي الديكارتي. وإليك كيف يحتج على ابن تيمية من منطلق المثال الأول: “قال (شيخ الإسلام) في هذه الرسالة:
“فيقول لهم أهل الإثبات: هذا باطل من وجوه
أحدها: أن يقال: الموجودات نوعان، نوع يقبل الاتصاف بالكمال كالحي ونوع لا يقبله كالجماد، ومعلوم أن القابل للاتصاف بصفات الكمال أكمل مما لا يقبل ذلك، وحينئذ فالرب إن لم يقبل الاتصاف بصفات الكمال لزم انتفاء اتصافه بها.”اهـ
أقول: هذا الكلام إلى هذا الحد، يمكن أن يقبل، لأنه يتكلم عن مطلق الموجود، ومعلوم بالبداهة أن الموصوف بالكمال أكمل من غير الموصوف بذلك. هذا الكلام لا يمكن أن يخالفه أحد.
فحاصل القضية أن تقول: الاتصاف بالكمال المحض[6]، أكمل من عدم ذلك. يعني: “أن كل كمال محض فالموصوف به أكمل من غيره”.
هذا هو حاصل القضية التي لا نخالف ابنَ تيمية فيها. ولكن ينبغي أن ندقق بشكل أكبر في مفهوم الكمال المحض الذي ذكرناه، فمقصودنا بالكمال المحض أي الذي يعتبر كمالا بالنظر لأصل الوجود، لا بالنظر لأصل الموجود”.
عملت بنصيحة الأستاذ سعيد ف”تأملت” النص الذي أتى به شاهدا من عمل ابن تيمية فأفزعني ما وجدت. فهو يزعم بهذا النص التثميل لخطأ ابن تيمية المنطقي ويستعمل التهويل الاصطلاحي الذي يمكن أن يكون له تأثير على من يتصور هذه المعاني دالة على عمق التحليل رغم أنها لا علاقة لها بالمنطق من حيث معايير الصحة الاستدلالية بل هي من الميتافيزيقا الأرسطية صيغت بعبارة سينوية نتركها لعدم صلتها بالموضوع لنورد مباشرة المثال الذي بناه عليها: ” ولكن هذا لا يلزم إذا حكم العقل أن الأمر المعين إنما هو كمال لموجود بعينه أو لجنس أو نوع من الموجودات. الزواج لجنس الإنسان أكمل من عدم الزواج[7]. فالزواج هو كمال لا لأصل الوجود، بل هو كمال لوجود الإنسان. وحينذاك لا يجوز أن يقال، إذا كان الزواج كمالا، فكل ما ليس بمتزوج أنقص من المتزوج!”.
وسأبدا بالإشارة إلى أخطاء حاشا أن اعتبرها دالة على سوء النية ولا على الجهل لأن الأستاذ سعيد من شيوخ شباب الفكر الديني المتمرسين بل هي عندي من السهو الذي لا يستثنى منه إلا الله. ومع ذلك فإني أعجب ممن يريد أن يناقش ابن تيمية بحسن نية وممن تنسب إليه دراية بالمنطق حتى لو اقتصرنا على المنطق القديم فضلا عن معاندة ابن تيمية في ما سعى إليه من تطويره أن يقول أقوالا من جنس ما ورد في مناقشة هذا النص. وإليك هذه الأخطاء التي هي متقدمة حتى على العلاج المنطقي المتعلق بمستوى قواعد التأليف Syntax لكونها تقتصر على مستوى ترجمة معاني القول الطبيعي إلى الرموز المنطقية الصناعية التي تمكن من علاجها المنطقي والتي هي معين كل الأغاليط السوفسطائية (لسلامة الصورة فيها عادة):
الخطأ الأول: فابن تيمية لم يتكلم في المثال المذكور على الكمال المحض بل على الكمال الذي يخص أحد النوعين اللذين قسم إليهما الموجودات دون تعيين للكمال هل هو محض أو غير محض.
الخطأ الثاني: وابن تيمية لم يتكلم على الوجود بل على الموجودات التي قسمها قسمة مترددة بين الاثبات والنفي أعني القسمة الوحيدة المستغنية عن التعليل لبداهة أساسها أعني مبدأ التناقض: 1-ما يقبل الاتصاف بالكمال 2-ونقيضه ما لايقبل الاتصاف بالكمال. ثم عين الأمر فقابل بين الحي الذي اعتبره قابلا والجماد (=اللاحي) الذي اعتبره غير قابل (والقصد الكمالات التي ينسبها القرآن إلى الحي والتي يدور حولها الكلام في نفي الصفات وإثباتها حتى لا ننسى عالم القول: أو السياق المقالي) .
الخطأ الثالث: وتعيين القبول للكمالات في الرب يضمر عدم الوقوع في الخطأين السابقين لذلك لم ينتبه إليه المناقش: فالرب أحد عناصر مجموعة هي نوع الموجود الحي الذي يقبل الكمالات. وكل كمال نسبه الله إلى نفسه في القرآن الكريم يفترض أنه له لكونه الحي القيوم.
الخطأ الرابع: وابن تيمية لا يريد أن يثبت بالعقل ما يتصف به الله فعلا فذلك مستحيل عنده وإلا لكان من القائلين بضرورة علم الكلام بل هو يريد أن يثبت إمكان ذلك عقلا ليرد على نفاة إمكانه علة لإثبات التعطيل. فلا يكون الكلام في هذه الحالة إلا كلاما سلبيا لبيان الإمكان أو عدم الامتناع لا غير.
الخطأ الخامس: وأخير فابن تيمية لا يحتاج إلى إثبات الصفات فالنص كفيل بإثباتها وإنما هو يسعى إلى دحض نفيها العقلي بحجة عدم إمكانها على ما وردت عليه في النص وحاجتها إلى التأويل[8] ومن ثم الاقتصار على بيان إمكانها عقلا وهو كاف في الرد على دعاوى المعطلين.
لذلك فكل التهويل التالي لا معنى له:” فمعلومٌ أن الوجود هو عبارة عن مفهوم ذهني، وهذا المفهوم لا يساوي الموجود، إلا عند من يقول بأن الوجود هو عين الموجود، وحتى هذا، فإنه لا يمنع أن يطلق الوجود على المعنى الإضافي أو الاعتباري المقول على كثيرين بالتواطؤ. وعلى ذلك فإن كل ما حكم العقل بأنه كمال لأصل الوجود، فيلزم أن كل ما اتصف به من الموجودات أكمل مما لم يتصف به. ولكن هذا لا يلزم إذا حكم العقل أن الأمر المعين إنما هو كمال لموجود بعينه أو لجنس أو نوع من الموجودات”.
كلام الأستاذ سعيد هذا لا يكون ذا معنى إلا لسهو حال دونه والانتباه إلى الأخطاء الخسمة السابقة أو بصورة أدق لتقويله ابن تيمية ما لم يقله في عبارته الواضحة وضوح الشمس في القيلولة لمن يطلب الحق وقبلته وجه الله. والدليل القاطع هو المثال المضروب أدناه: “(مثال الاستاذ سعيد=) الزواج لجنس الإنسان أكمل من عدم الزواج (ما قاله ابن تيمية= الاتصاف بالصفات الكمالية لجنس الحي أكمل من عدم الاتصاف بها). فالزواج هو كمال لا لأصل الوجود، بل هو كمال لوجود الإنسان (والاتصاف بالكمال ليس لأصل الوجود بل هو للحي القيوم). وحينذاك لا يجوز أن يقال، إذا كان الزواج كمالا، فكل ما ليس بمتزوج أنقص من المتزوج! لأن هذا القول هو عبارة عن مغالطة، لأنك بهذا تكون قد استندت إلى الخاص لتحكم على العام. والمقصود بالخاص هنا ما يصدق على البعض، فما يصدق على البعض ولا يصدق على كثيرين، لا يجوز الحكم به على الكثيرين (=وذلك ما فعل ابن تيمية لو لم تقوله ما لم يقل). فتأمل (=وهذه الأخطاء الخمسة هي التي يوصل إليها التأمل)”.
إن الكمالات التي يتكلم عليها إبن تيمية ليست لأصل الوجود بل للموجود الحي (مثل الزواج للإنسان) وهو لم يقل من ليس بسميع بصورة مرسلة ليس بكامل بل قال الحي الذي لا يسمع ناقص ومن ثم فهو ليس بكامل والحي القيوم يكون ناقصا لو كان أصم فلا يكون كاملا. ثم إن ابن تيمية لا يمكن أن يتكلم على الكمال لأصل الوجود بل تكلم على كمال ذات حية هي الله لأن الله ليس أصلا للوجود وإلا لكان أصل وجود ذاته فيتقدم الأصل على المأصول وصدور المأصول عن الأصل. ابن تيمية لا يقول ب”الكاوزا سوي” أو الذات التي هي المعلولة لذاتها فهل يكون الأستاذ ممن يقول بها ومن ثم بوحدة الوجود؟ إنما الله هو الحي القيوم غير المخلوق الذي خلق الموجودات المخلوقة.
وحاصل القول ومجمله حتى لا نطيل الكلام في ما لا معنى له وحتى نمر بسرعة إلى المقصود من هذه المحاولة أن ما قاله ابن تيمية يقبل التلخيص في جملة واحدة: الله من حيث هو الحي القيوم له كل الكمالات التي ينسبها إلى نفسه والتي هي ذاتية للحي الخالق من حيث هو حي خالق دون أن تكون من جنس ما يتصف به الحي المخلوق علما بأن ذات الله لا تتقاسم الوجود مع ذات المخلوقات إلا بالاسم: فهو الواجد بالمعنيين أي أصل الجود والوجود المخلوق وواهبهما وهي الموجودة أي االفقيرة إليه فيهما.
ذلك أن حجته الأساسية ضد نفاة الصفات التي يتصورونها تجسيما أبسط من كل بسيط يتوقعه الإنسان وهو ما أورد هذه الأدلة إلا لإفحام المتعاقلين. فهو يبين أن من ينفي ما يثبته القرآن لله من الصفات أو الافعال بدعوى أنها تؤدي إلى التشبيه يصح على ما يثبته من الصفات أوالأفعال المزعومة عقلانية أو روحية: كلا النوعين يؤدي إلى التشبيه إذا ظن من جنس ما عند الإنسان عقلا كان أو يدا أو سمعا أو بصرا أو نزولا أو صعودا أو عروجا إلخ…. فكما أن صفات الله غير المجسمة لا يليق بها اعتبارها من جنس صفات الإنسان فكذلك الشأن بالنسبة إلى الصفات التي تظن مجسمة. لذلك فهي غيرها ومن ثم فهي منزهة عن التشبيه. وكما لا تماثل بين صفاتنا العقلية وما وصف الله به نفسه مما يشترك معها في الاسم من صفات الإنسان فكذلك صفاته التي تبدو جسمانية لا تماثل صفاتنا الجسمانية إلا بالمشاركة في الاسم.
فإذا نسبنا العلم والعقل والإرادة والقدرة إلى الله فنحن ننسبها إليه مع الجزم بأنها مختلفة تمام الاختلاف عن سمياتها الإنسانية لأن الله ليس كمثله شيء. ونفس الأمر يقال عن اليد والغضب والمكر إلخ .. والحركة والنقلة نزولا وصعودا إلخ… وكل الإشكال جاء من موقف الكلام المسيحي والفلسفة اليونانية اللذين كانا يحطان من شأن الجسم قبالة الروح. أما لو أخذنا الجسم من دون التحقير الذي ألصق به فإننا يمكن أن نتصور جسما لا كالاجسام الدنيوية مثل تصورنا عقلا لا كالعقول الدنيوية.
فليس الجسم وحده هو المحدود العقل كذلك محدود إذا اعتبرنا التجربة الإنسانية معيار تحديدٍ لماصدق التصورات. وإذا كنا قادرين على نسبة العقل إلى الله رغم أن ما نعلمه من العقول محدود فنضمر نفي المحدودية فإننا يمكن أن ننسب إليه الجسم مع نفي المحدودية كما نفعل مع العقل. ومثلما نتصور ما يتكلم عليه القرآن في الجنة ليس له مثيل في الدنيا رغم كونه جسميا في كل عبارات القرآن الكريم فكذلك يأتي الكلام الله على الله بلغة تبدو تجسيمية دون أن تكون تشبيهية: لأننا من القرآن أيضا نعلم أن الله ليس كمثله.
وبهذه المناسبة لا بد من الإشارة إلى ماجاء في كلام أحد المشرفين على ناد من نوادي هذا الموقع تعليقا على رسالتي المفتوحة إلى السيد حسن نصر الله زاعما أنه لا يثق في رأيي لأنه سمعني مشافهة أقول بالقدم النوعي للعالم. ورغم أني لا أحب الحجاج الكلامي لمشاركتي ابن تيمية في الإيمان بوهائه كما أسلفت وأني لا أذكر هذه الحادثة فإني أرى من المناسب هنا أن أبين له إن صح أن ذلك قد حدث أن أبين له ما لم يفهمه فبات لا يثق برأيي بالحجاج الكلامي الذي قد يفهمه:
1- ألست تؤمن بأن الله لا تحل فيه الحوادث؟
2- ألست تعتبر الخالقية من صفات الأفعال؟
3- ألا ينتج عن ذلك نفي التجدد على الخالقية لئلا تحل في الله الحوادث فيكون الله خالقا في الأزل والأبد ويكون فعل الخلق قديما؟
4- ولما كانت أفعال الله ليست عبثا وكانت قدرته مطلقة فإنه لا يمكن أن يكون خالقا للاشيء. فيكون المخلوق قديما بالنوع لعلمنا بفناء المخلوقات بالعدد.
5- ويكون الخلق مستمرا بالنوع ضرورة والمخلوق بالنوع كذلك رغم أن المخلوق بالعدد في سيلان أبدي لا يثبت فيتجدد الخلق في كل لحظة وهو ما يثبته العلم حتى بالنسبة إلى الأنواع الدنيا فضلا عن العالم كله (=كلي ما عدا الله وليس كله لأن كله متوال في الزمن وليس فيه شيء قديم)
6- ومن ثم فالمخلوق بالعدد ليس قديما بل هو حادث دائما يتجدد خلقا بعد خلق إلى غير غاية ومن دون بداية.
7- ونفس الشيء يقال عن صفة الكلام لأن فعل الخلق الإلهي بكلمة “كن”: فإذا أثبت للخالقية من حيث هي صفة فعل القدم فينبغي أن تثبته للكلام من حيث هو صفه فعل القدم لئلا يكون القرآن الكريم مخلوقا بمعنى كونه محدثا.
8- فيكون القرآن قديما بالنوع من حيث هو فعل الكلام الإلهي
9- ويكون القرآن مخلوقا بالعين من حيث هو مفعول فعل الكلام الإلهي مثله مثل العالم من حيث هو مفعول الخلق الإلهي: ولذلك فالعالم مؤلف من كلمات الله التي لا تستوفيها بحار العالم المضاعفة لو كانت مدادا.
10- والدليل الخاتم هو أن كلام الله يكون مخلوقا بالمعنى الزماني لو كان فعل الخلق بدأ بعد أن لم يكن ويتوقف بعد أن كان: لأن الكلام فعل خالق أولا ولأن الكلام خطاب للمخلوق ثانيا.
وقد أطلت بعض الشيء في هذا التعريجة التي تبدو من الكلام في حين أنها تثبت أن الكلام لا طائل من ورائه لأن ما يُنفى بحججه يمكن أثباته بها والعكس بالعكس بمجرد تغيير الفرضيات والمصادرات إذا كانت معرفة أو تغيير الأحكام المسبقة أو المعتقدات إذا لم تكن معرفةً بل عقدٌ. والهدف هو الوصول إلى النتيجة التالية: لم يرفض ابن تيمية الكلام لعجز جدالي أو لجهل بالمنطق كما يحاول الأستاذ التلميح بل والتصريح بل هو رفضه لكونه أدرك ما يستند إليه من ميتافزيقا لا يزال الأستاذ يؤمن بها إيمانا يجعله متصورا أن التنزيه عن الجسميات يمكن أن يكون مقنعا إذا لم يؤد إلى التعطيل المطلق من كل الصفات جسمانية كانت أو عقلانية وروحية لأن كل ما يقال لنفيها يقبل القول لنفي نظائرها من العقليات والروحانيات إذا قيست بالصفات الإنسانية في الحالتين. وهو يقبل الوصف بهما إثباتا مؤيدا لماجاء في القرآن بشرط: ليس كمثله شيء عقليا كان أو حسيا.
ما قد يكون غاب عن بال الأستاذ
فليعذرني الأستاذ إذا رأيت أن الكلام لا يمكن أن يكون ذا معنى في المسائل المنطقية كما أصبحت عليه بعد ثورة ابن تيمية الأيسية في مجالي نظرية الوجود ونظرية المعرفة (تجنبا لكلمة الوجودية التي قد يفهم منها ما صارت تعنيه في اسم أحد المذاهب الفلسفية) قبل الجواب عن بعض الأسئلة الحاسمة التي جعلت شيخ الإسلام يقف الموقف الذي يعيبه عليه الكثير ممن لم يفهم ثورته التي أنهت الميتافيزيقا القديمة ومعها المنطق المؤسس عليها ونظرية اللسان والمجاز التابعين له[9] منذ القرن الثامن وهو ما كان شرطا في تأسيس العلوم الإنسانية أعني جعل التاريخ قابلا لأن يعد علما بعد أن كان أمرا مستحيلا في الإبستمولوجيا الموروثة عن اليونان. لذلك فلا أبن خلدون أشعري ولا ابن تيمية حنبلي بل كلاهما فوق المذاهب وما بعد الفكر التقليدي سواء كان عقليا أو نقليا بالمعنى الذي كان سائدا في عصرهما:
السؤال الأول: إذا كان المنطق بالمعنى الذي تفهمه ضروريا للعلم فبأي فن يمكن لك أن تؤسس المنطق ؟ أم إن المنطق مستثنى من الحاجة إلى المنطق ليكون علما علمية ما عداه من العلوم مشروطة به ؟
السؤال الثاني: إذا لم يتأسس المنطق على المصادرة على المطلوب (=المعايير التي يحتكم إليها في تحديد صحة الصورة أو القواعد التي يكثر الأستاذ من ذكرها في مناقشته لابن تيمية)[10] ألا يكون أساسه أحكاما مسبقة هي الفرضيات الميتافيزيقية التي صارت معتقدات يزعمها أصحابها أوليات عقلية ؟ أم هو مجرد قواعد عملية لفعل الفكر فيكون مواضعات معيارية وليس معرفة علمية؟
السؤال الثالث: كيف تفهم فحص الأوليات النقدي أو السؤال عن شرعية القول بها إذا تجاوزت المنزلة الفرضية للقول أو الأصول الموضوعة وضعا شرطيا كما في الرياضيات؟ هل الانتقال من المقدمات الفرضية في القول الرياضي إلى المقدمات التي تعتبر أوليات أو حقائق أولية أمر مشروع أم هو مجرد تحكم ممن يتصور تصوراته نافذة إلى حقائق الأشياء فيكون ذا قدرة تتجاوز الشهادة إلى الغيب؟
السؤال الرابع: كيف تتخلص من الدور والتسلسل أو كيف تثبت شرعية قطع التسسل من دون دور ؟ في المعتقدات الدينية لا وجود لمشكل: تؤمن أو لا تؤمن بعد أن تجتهد لتتبين الرشد من الغي بما مكنك الله منه من أدوات الفهم. والله لا يطالبك بأكثر من ذلك. لكن في العلم تزعمون أنه لا يمكن الاكتفاء بالعقد فتدعون تجاوز درجات العقد المعرفي (Epistemic vision) إلى العلم بالحقائق الموضوعية في ذاتها. فما شرعية الأصول الموضوعة التي تحرر من الدور والتسلسل في هذه الحالة؟ أليست الشرعية التي تعلل الحاجة إليها وهي دائما من خارجها فتكون شرعية عملية نفعية وليست نظرية إنها مجرد آلات وأدوات لتيسير التعامل بين الناس ومع العالم أعني أنها من جنس الموازين والمكاييل وهو ما يعرفها به إبن تيمية ؟
السؤال الأخير: كيف تتأكد من صحة المطابقة بين الصورة المنطقية الصحيحة للاستدلال والعلم الصحيح بحقيقة وجودية تعد مضمونا لتلك الصورة بداية (ما اخترته من المقدمات) وغاية (ما انتهيت إليه من نتائج) وتوسطا بين البداية والغاية (النقلة من المقدمات إلى النتيجة) في عملية التوازي بين ما يجري في القول أو في الذهن وبين ما يجري في الأمر نفسه الذي يدور عليه القول أو العلم ؟ وبصورة أدق كيف تعالج وجهي هذه المسألة أعني الأمرين اللذين عالجهما أرسطو في التحليلات الأواخر بدءا بالقياس البرهاني في المقالة الأولى (مع تسطير كلمة برهاني) وختما بالحد الوجودي في المقالة الثانية (مع تسطير كلمة وجودي) فأي معنى تعطي لزعم التطابق بين الحد والمحدود وبين القوانين المنطقية لصورة القياس والقوانين الوجودية لبنية المضمون؟
إن غياب هذه المسائل الخمس عن بالك دليل على أنك لم تتابع حركة الفكر الفلسفي عامة والفكر المنطقي الفلسفي والعلمي خاصة ومن ثم فالكلام في هذه الحالة على آراء ابن تيمية في المنطق يكون عديم المعنى. وطبعا فلن أغامر بالجواب في هذه المحاولة لعلتين:
الأولى لأن المقام لا يسمح بذلك إلا إذا اضطرني تعنت بعض المعاندين الذين يريدون أن يعودوا بالأمة إلى خدع علم الكلام والصراعات المذهبية بعد أن حررتنا منها ثورتا ابن تيمية (وهي الأعمق لأنها أعلنت صراحة عن البديل من الفلسفة القديمة والوسيطة) وابن خلدون (الأفعل لأنها حققت ما وعدت به من بديل في تأسيس فلسفة علم جعلت التاريخ ينتقل من جنس الأدب إلى جنس العلم وجعلت الفلسفة تنتقل من جنس الميتافيزيقا التقليدية إلى ما سعى إليه ابن تيمية من نظرية وجود ومعرفة بديل)[11] ثورتاهما اللتان لم تنالا حظهما من التحليل والتأويل.
الثانية لأني عالجت هذه المسائل في غير موضع من أعمالي وبعضها مما اطلع عليه الأستاذ سعيد قصدت كتاب شروط نهضة العرب والمسلمين مسألتيه الأوليين. كما أني عالجت أهم عناصر التجاوز التيمي الخلدوني الذي أشير إليه هنا في المحاورات الثلاث التي دارت بين ثلاثة أساتذة كرام وبيني وأصدرتها دار الفكر والفكر المعاصر في دمشق وبيروت بين 2000 و2006 آخرتها مع البوطي (حول أصول الفقه) والثانية مع حنفي (حول النظر والعمل أو بصورة أدق حولهما من منظور الفلسفة والدين) والأولى مع تيزيني (حول مستقبل الفلسفة العربية الإسلامية).
وفقنا الله إلى ما فيه خير من كان أهلا للاستخلاف والله ورسوله أعلم.
[1] وقد سجلت انتسابي إليه مؤخرا حتى أتمكن من متابعة بعض ما يجري فيه وغيره كثير من المواقع المتجادلة معه والرادة عليه من جدل عقيم أعتقد أن دورها جميعا في تلهية الشباب المسلم عن العلم الحقيقي في المجالات الطبيعية والإنسانية وفي تذكية جذوة الحروب الطائفية أكبر حتى من دعاية الأعداء الذين يحاربون الأمة في العلن.
[2] وتتمثل الصدفة في قراءتي ما نشره أحد الطلبة رأيت فيه ميلا إلى البحث في فكر ابن تيمية فحاولت تهدئة ما يشوب فكره من عجلة وتسرع ناتجين عن حب الزعامة الفكرية. وقد نشر مؤخرا في موقع الرازي الذي يشرف على علوم الملة فيه الأستاذ سعيد فودة إعلانا يكشف عن شيء من التزييف وإدعاء لتخرج مزعوم لست أدري مم وهو لم يقدم إلا مذكرة سريعة في السنة الأولى من المجاستر نال ما نال فيها تشجيعا لا إجازة. ولما كان قد طلب إلحاق رسالته بأحد كتب شيخ يتجرأ على ابن تيمية في أمر قد يكون لي فيه ما أقوله (مع حرصي على تجنب الخوض في المباحث الكلامية لكونها عندي من أهم علامات التخلف الفكري العربي والإسلامي من بدايتها إلى غايتها) رأيت أن أقدم هذه المحاولة في شكل رسالة إلى هذا الشيخ الشاب: سعيد فودة. لن أهتم بما قاله الطالب من أنه أعد معي ومع من سماه رئيس قسم الفلسفة العربية (خطة لم أسمع بها من قبل) رسالة تخرج (مم؟) ليطلعني على فكر ابن تيمية (!) التجسيمي بمصطلح الأستاذ فودة ولكي يعلمني بأنه يوجد من يدعم المنطق التلقيدي ولا يولي أهمية لما طرأ بعد أرسطو في المجال مادحا بذلك استاذه.
[3] طبعة دار الكتب العلمية عام 1403هـ -1983م،مجلد 2، ص191.
[4] فقد حوم ابن تيمية حول هذا النوع الثاني من المنطق ومن شروط التأسيس العقلي لصب المادة في الصورة دون أن يحقق منه شيء يذكر . وكان قصده يضيع فلا يبقى منه إلا مجرد الوعي بالحاجة إلى أمر ما يحقق هذا الغرض لعدم كفاية المنطق القديم لولا ثلاثة أمور: أولها استثناؤه من النقد الصورة المنطقية والرياضيات وكل معرفة فرضية للموضوعات الذهنية وثانيا بعض الأمثلة التي ضربها مما كان يقصده في ردوده على المنطق (من مجالين طبيعيين ومن مجالين إنسانيين: وهي من الطب والفلك واللغة والفقه) وعلى الرازي وأخيرا ما تحقق في المحاولة الخلدونية. وهذا النوع الثاني من المنطق الذي نعنيه يمكن أن نعتبره مؤلفا من مستويين: الأول يؤسس لقابلية المضمون اللامحدد للتحديد بصورة تؤهله لأن يصبح مادة لصورة وذلك ما يمكن تسميته التأسيس العقلي لصوغ المادة صوغا عقليا (بعض منه حاوله أرسطو في التحليلات الثواني ولكن بالميتافيزيقا القديمة الني تعتبر الشروط التي تصورها حقائق أولية وليست فرضيات ذاتية حتى لو كانت كلية). ولعل أول من حقق ذلك بصورة صريحة هو كنط في ما سماه بالمنطق المتعالي. لكن حله يظل دون فكرة ابن تيمية التي تحققت وجه منها عند ابن خلدون ممارسةً أكثر من التنظير الصريح. فتأسيس شروط صب المادة في الصورة ليس هو كامنا في خصائص الموضوع الثابتة لكونه جوهرية له (الحل الأرسطي) ولا في خصائص الذات الثابتة لكونها جوهرية له (الحل الكنطي) بل هو مجرد اجتهاد ذريعي غير ثابت يتغير بتغير التطور الإنساني وهو نسبي للوظائف التي يؤديها فقد يكون إما للتعليم أو للاكتشاف أو للاستدلال أو حتى لتحقيق منظومة للعقد أو للمناظرة ومعنى ذلك أن التأسيس معلل بثمراته وليس بمطابقته لحقيقة ميتافيزيقة مطلقة سواء نسبناها إلى الموضوع (مقولات ارسطو) أو إلى الذات (مقولات كنط). والثاني يحدد المنهجية التي تحقق هذا الصب فعلا ويمكن تسميته مثل ما سمته الممارسة العلمية الحديثة بالمنهج التجريبي ببعديه الرمزي والتقني: فأما البعد الرمزي فهو الصوغ الرياضي أعني منهج إبداع النماذج النظرية التي تمكن من تصوير المادة التجريبية وأما البعد التقني فهو بعد التحقيق التجريبي أعني منهج الهندام التقني للإدراك العلمي الذي تتأسس عليه المعرفة العلمية التي لا تكتفي بقدرات الحواس الإنسانية أعني الهندام التقني من حيث كل جهاز الحضارة المادية التكنولوجي إذ إن هذا الجهاز هو نفسه مقومات الحضارة المادية وأداة الحضارة الروحية أو ما يسميه ابن خلدون بالاستحواذ على عالم الحوادث بما فيه معرفا ذلك بكونه التسخير المناظر للاستخلاف: تسخير الكون للخليفة. فيكون ابن خلدون بفهمه هذا الفهم لدور العقل النظري في صلته بالكون قد ساعد على فهم قصد ابن تيمية خاصة ونقده للمنطق من جنس نقده: كلاهما يسلم بصحة الصورة وبعدم كفايتها لتحقيق المعرفة العلمية وكلاهما ينقد الميتافيزيقا ليبين أن المعرفة العقلية لا يمكن لها أن تتجاوز التجربة الممكنة. ومفهوم التجربة الممكنة في شكل قابلية المحسوسية العاقلة هو المفهوم الأساسي الذي بنى عليه ابن تيمية نقده لأساس التقديس للرازي.
[5] وإنه لمن العجائب أن يكتب أحد كتبا في المنطق ويقدم الكوجيتو بصورة منطقية أولا ثم بصورة الشكل الأول من القياس الأرسطي. فأولا ديكارت لا يقبل بانتقال الحقيقة Uebertragung der Wahrheit من المقدمات إلى النتائج بالصورة المنطقية عامة أيا كان المنطق بل هو يعتبر الناقل للحقيقة منها إليها هو الحدس المباشر للحقائق وليس المنطق عنده إلا “هنداما”رمزيا لمساعدة الذاكرة والخيال لا غير. وثانيا كيف يمكن أن تكون الصورة من الشكل الأول هكذا: كل من يفكر موجود (مقدمة كبرى) أنا أفكر (مقدمة صغرى) إذن أنا موجود (نتيجة). ف”أنا أفكر” ليست كلية بل هي دون حتى التسوير الجزئي وتسويرها مستحيل لأنها تتعلق بالعين وليس بالبعض ولا بالكل. وأعلم أن البعض مال إلى أخذها مأخذ الكلية لكأن “أنا كلي” تعني “كل أنا” لكنها ليست كلية ولا جزئية ومن ثم فهي لا تقبل الصوغ القياسي بالمنطق الأرسطي إلا تساهلا. وأخيرا فإن ديكارت قد ناقش ذلك في الردود وبين أن الكوجيتو ليس قياسا. لذلك فقد عجبت لظن الاستاذ سعيد أني لجأت لعلاج آخر غير المنطق القديم في مسألة الدليل الوجودي هروبا من الوضوح والبساطة إلى التعقيد الذي يغني عنه المنطق القديم حسب رأيه.
[6] هذا هو المدفع الأساسي الذي يستعمله الأستاذ سعيد موهما الناس –أو متوهما ليست أدري-أنه يتكلم على تصور متواطئ ولعله يظن الوجود كذلك مفهوما متواطئا. فأي معنى يعطيه إياه؟ أليس الكمال المحض هو عين الوجود المحض فيكون عين وجود الشيء من حيث تمامه الوجودي دون إضافة أخرى ؟ وكل شيء يكون ذا وجود تام إذا تحققت طبيعته موجودة على ما تقتضيه. وبهذا المعنى فإن الكمال المحض متعاكس مع الوجود المحض ما يصح على احدهما يصح على الثاني طردا وعكسا. وهكذا كان كل الفلاسفة يفهمونه. لكن جميع الفلاسفة يعتبرون الوجود المحض مفهوما غير متواطئ ومثله الكمال المحض. فيكون الكمال المحض رغم تمحضه متعدد المعاني مثله مثل الوجود المحض. لذلك كانت الكمالات أجناسا مثل الوجود رغم أنه لا أحد بحث في مقولات الكمال أو اجناسه العالية كما فعلوا مع الوجود. إلا أننا يمكن أن نقول إن أجناس الكمالات العالية هي عينها أجناس الوجود العالية إذا كان المفهومان متعاكسين فيما بينهما رغم كونهما كلاهما غير متوطئ في ذاته بل متعدد المعاني. ومثلهما باقي المتعاليات (الواحد والخير). لكن الوجود والكمال ينفصلان بسبب فعل العوارض الخارجية التي تمنع تحقق الوجود فتحدث التشوهات أو الشرور أو تحفزها فتحدث الكمالات والأخيار. وهذا المعنى العميق للتعاكس بين الوجود والكمال تصور قرآني خالص وليس هو فلسفيا فحسب لو كان الاستاذ سعيد يعلم. فهو معنى الفطرة التي يتطابق فيها تمام مكارم الأخلاق والخلقة لأن الموجودات خلقت على أحسن تقويم ومنها الإنسان الذي رد بعد ذلك أسفل سافلين حتى يتمكن بشرطي الاستثناء من الخسر من العودة المختارة للتقويم الأحسن: وتحقيق شرطي الاستثناء هو الإسلام أي استعادة الفطرة. وعلة ضعف هذا المدفع أنه لا يمكن من أن يكون حجة باعتراض عدم التعميم نقلا للكمال من أحد الأعيان أو الانواع إلى غيرها. ذلك أن الكمال المحض يعمها جميعا: لكل منها كماله المحض الذي هو تمام حقيقته أو طبيعته من حيث هو ذاك الموجود. ولذلك فابن تيمية لا يتكلم عليه مرسلا بل عليه بعد أن يتخصص: كمال الإنسان المحض هو عين وجوده أعني العاقلية التي تكتمل بها حيوانيته. وكمالات الله التي يريد ابن تيميه أن يثبت إمكانها العقلي لاغير دفعا لنفيه من المعطلة – لأن إثبات وجودها نصي ولا يحتاج إلى دليل -هي كمالات الحي وبالتدقيق الحي القيوم.
[7] وحتى هذه فهي غير صحيحة إلا بشرطين موجب وسالب. فإذا لم يكن القصد بالزواج معناه الشرعي لم يصح هذا الحكم. فالحاجة إلى لقاء الزوجين بالمعنى القرآني كمال لكل الموجودات لأنها جميعا زوجية الطبيعة ومن ثم فهي تلغي هذا الحكم. والعلم الحديث يؤيد مبدأ المزاوجة من الجماد إلى الإنسان. وإذن فينبغي نفي هذا المعنى وإثبات ذلك حتى يكون الحكم مقبولا. لكن لا بأس سنسلم بأن المناقش يقصد بالزواج النكاح الشرعي. وكيفما كان الأمر فالاستدلال كله ليس له أساس إذا انطلقنا من مدفعه الأساسي كما بينا في ما قلناه حول معنى الكمال المحض.
[8] ومن هنا جاءت أسطورة قانون التأويل عند الرازي استكمالا لما اقترحه الغزالي: فكل ما خالف العقل من النقل ينبغي تأويله ليطابقه. لم يدر بخلد الرازي أن يسأل نفسه: بم تميز بين العقل والنقل ؟ أليس بالعقل ؟ ألا تكون عندئذ قد جعلت العقل قاضيا ومتقاضيا؟ ثم أي معيار للعقلي الذي يرد إليه النقلي بالتأويل؟ ولكن قبل ذلك كله: هل العقل ليس فيه خلاف بحيث يمكن أن يدعي أنه وصل إلى حقيقة واحدة لا يحتاج فيها هو بدوره إلى تحقيق الوحدة لإزالة الخلاف في العقلي نفسه ؟ ولو جربنا أن نحقق الوحدة بين كل النظريات العقلية لكي نتيقن من الوحدة وزوال الخلاف فإننا بشيء بعد شيء من الاستثناء لكل المخالفات المضمونية لن يبقى لنا إلا الشكل العقلي الخالي من كل مضمون أعني صورة العلم أي المنطق. لكن المنطق في هذه الحالية سيكون صورة بلا مضمون. والخلاف يبدأ عندما نريد أن نصوغ المضمون فيكون صوغ المضمون في العقليات مصدر كل الخلافات بين العقليات. فأيها سنرد إليه النقليات بالتأويل؟ والنقليات إذا عريناها من الصورة العقلية التي تصاغ بها بعد التسليم بمبادئها ماذا سيبقى ؟ أليس الأمر سيكون مضمونا بلا صورة ؟ فيكون المشكل عكس المشكل السابق: بعد مشكل كيف نملأ الصورة العقلية يأتي مشكل كيف نصور المضمون النقلي. وهذان هما السؤالان اللذان حاول شيخ الإسلام الجواب عنهما فتجاوز الميتافيزيقا والمنطق الأرسطيين اللذين انبنى عليهما كل كلام الرزاي بعد الخلط بين الكلام الأشعري القديم والفلسفة السينوية عند الغزالي الذي تخلى بالتدريج عن ثورته النقدية وعاد إلى علم الكلام والتصوف المتفلسفين.
[9] انظر لمزيد التوضيح محاولتي حول نظريات ابن تيمية الإصلاحية الصادرة في عدة مواقع منها موقع الملتقى الفكري الدمشقي وفي مجلة المنعطف بوجدة المغرب الأقصى.
[10] مثل قاعدة أن “الحملية الموجبة لا تصدق إلى إذا كان موضوعها ثابتا”. فهذه القاعدة لا تصح حتى في العلم القديم إلا بشرطين ليس من اليسيرالتسليم بهما. الشرط الأول هو أن يكون الموضوع جوهرا والمحمول أعراضا ذاتية تعرض له من حيث هو حامل لها دون أن تكون من مقوماته. ومن ثم فهي تستثني المقومات التي لا تحمل على موضوع أصلا فضلا عن كونه ليس ثابتا قبلها حتى نقول إنها لا تصخ إلا إذا كان هو ثابتا. بل هما يثبتان معا. وطبعا قد يبدو هذا الكلام متناقضا: فإذا لم تكن المقومات محمولات لموضوع فكيف نستثنيها من قاعدة تتعلق بالعلاقة بين الموضوع والمحمول. والجواب هو عين الثورة الجدلية في المنطق الفلسفي الحديث: الموضوع ليس ثابتا بل هو يسيل في محمولاته وليست محمولاته إلا عين خروج مقوماته فتكون النسبة كالتي بين المادة والطاقة كلاهما يقبل أن يتقدم وأن يتأخر المادة تصير طاقة والطاقة تصير مادة. وهذا يسمى في المنطق الجدلي بالقضية التأملة التي ليس فيها فصل بين الموضوع والمحمول. لكن هذا الكلام قد يدق فلا يكون في متناول من لا يزال يؤمن بالمنطق القديم أو من يرفض أن يحرر شباب الأمة من سرطان الحرب بين الفرق. فلنمر إلى الشرط الثاني. إنه شرط نفي الزمان والحركة على الذوات ظنا أن لها ماهيات متعالية على الزمان أو للوجود المخلوق ثوابت في ذاته غير سنن الله التي تحكمه مجاري عاداته. ولنأخذ مثالا من القرآن الكريم: فعندما يقسم القرآن الكريم بمواقع النجوم فنحن نعلم أن النجم يمكن أن يكون قد مات منذ قرون وأحيانا آلاف السنين لكن نوره لا يزال مرتحلا من موقعه إلينا. فيكون إثبات المحمول ممكن رغم أن الموضوع لم يعد موجودا. في اللحظة التي نثبت فيها المحمول للموضوع تكون القضية الحملية صحيحة رغم أن الموضوع لا وجود له. وهذا يقال على كل شيء تكون علته قد انقضت ومعلوله لم يحصل بعد فتكون علاقة العلية موجودة رغم غياب احد حديها. ويقال أيضا على المستقبل: فنحن نفترض موضوعا سيحصل ونصفه قبل حصوله من خلال محمولاته الثابتة قبل وجوده: ذلك أنه مثلما أن مفاعيل الشيء تبقى بعده فإنها يمكن أن توجد قبله وخاصة في العمران البشري إذ كم من مرض يصبح موضوعا لأعراض تقدمت في تكوينية المرض نفسه ثم ننكص من لحظة ظهوره لكي نفسر به ما كان من إرهاصاته. وحتى يحررنا ابن تيمية من هذه المفارقات الناتجة عن حركة الزمان والصيرورة في الذوات نفى أن تكون الماهيات شيئا موجودا وراء الوجودات وأن تكون التعريفات قولا في الماهيات أو حدودا بل هي رسوم اسمية تعطينا علامات التمييز بينها في تعاملنا معها ولا تمدنا بحقيقة مقوماتها.
[11] ينظر لمزيد التوضيح أبو يعرب المرزوقي إصلاح العقل في الفلسفة العربية مركز دراسات الوحدة العربية الطبعة الثالثة بيروت 2004 وتجليات الفلسفة العربية دار الفكر والفكر المعاصر دمشق وبيروت 2005.

2010

اضغط هنا لقراءة الموضوع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.