مقال أنور الهواري عن سد النهضة و السيسي

القيادة السياسية – دون سواها – هي نقطة الضعف الخطيرة في موقف مصر تجاه أثيوبيا علي وجه العموم ، ثم تجاه حوض النيل والنيل الأزرق وسد النهضة علي وجه الخصوص ، فمصر كانت ومازالت تملك من الامكانات المادية والأدبية ما يسمح لها بإدارة هذه الملفات بكفاءة عالية تكفي لحفظ هيبة البلد وحماية مصالحها الإقليمية والدولية ، لكن القيادة وطريقتها في التفكير والقرار والتفاوض ووضع البدائل وبناء التحالفات لم تقدم غير إعلان المباديء في مارس ٢٠١٥م وهو أعطي أثيوبيا كل شيء ؛ الاعتراف بالسد ، الاعتراف بالملء الاول قبل موعده بخمس سنوات ، الاعتراف بمراعاة أثيوبيا لشروط الأمان في بناء السد وشكرها علي ذلك ، مع الالتزام فقط بالتفاوض والوساطة والتوفيق في معالجة النقاط محل الخلاف . وفي مقابل هذا الذي أعطته القيادة لأثيوبيا فإنها لم تبخل علي الشعب بتصريحات التطمين من كل شكل ولون في كل اللحظات التي يسيطر فيها الخطر الوجودي علي أذهان الرأي العام .

مقال أنور الهواري

أتفهم كثيرين سوف يرفضون هذا الذي أقول ، وأبدي احترامي العميق لوجهات نظرهم – مسبقاً – بصدق وإخلاص ، لكن إذا كانوا يعتقدون أن القيادة السياسية ليست هي نقطة الضعف ، فإني أكون مديناً لهم بالشكر والتقدير ، إذا تكرموا وأوضحوا لنا ولغيرنا من المصريين ؛ أين تكمن نقطة الضعف في موقف مصر غير حكاية التعنت الأثيوبي ؟. فحكم العقل والمنطق يستدعي منا أن نقف مع أنفسنا ونتعرف علي نقاط ضعفنا حتي لا يتكرر الحصاد المُر .


هذا مقال آخر ل أنور الهواري سنة 2015 بعنوان هل هذا هو القائد المنتظر ؟

أتساءل مع نفسى: كيف نعبر كل هذه الأزمات، كيف نستعيد دولة القانون، كيف نؤسس جمهوريةً جديدة، كيف نحافظ على الدولة المصرية، كيف ننتصر على الإرهاب، كيف ننهض بالاقتصاد، كيف نتخلص من ميراث الاستبداد، كيف نتحاور مع الشباب، كيف نكسب احترام أنفسنا، كيف نستعيد الثقة فى الذات، كيف نكسب احترام العالم، كيف نتطهر من هذا الإعلام المحلى المريض، كيف نكسر الحصار الإعلامى المفروض علينا من الخارج، كيف نوقف نزيف الدماء من الجنود الأطهار والمواطنين الأبرياء، كيف نوقف نزف الدماء على الأرصفة، كيف نقف ضد الفساد، كيف نصلح انهيار المرافق العامة التى وصلت إلى أقصى درجات التخلف، كيف نوقف زحف الاكتئاب على المزاج العام، كيف نكسر دائرة اليأس، كيف نفتحُ نوافذ الأمل، كيف نقاوم ميل الشرفاء إلى الانسحاب أو العزلة أو الهجرة أو الاغتراب أو الانكفاء على الذات؟!

أولاً: ليلة 3 يوليو 2013م، وبينما الناسُ فرحانة بسقوط الرئيس مرسى، بعد أكثر من مائتى يوم من النضال الشعبى منذ أصدر الإخوان إعلانهم الدستورى المشؤوم فى 22 نوفمبر 2012م، نزلتُ ميدان التحرير، فوجدتُ الأيادى الخفية قد استغلت لحظة السَّكْرة الجماهيرية، وراحت تملأ الميدان، بصور فخيمة، من مختلف المقاسات الصغيرة والكبيرة، للسيد وزير الدفاع مع الرئيس جمال عبدالناصر، لعبت الفئرانُ فى عبِّى.

ثانياً: بعد ذلك، انطلقت حملاتُ «كمِّل جميلك»، فهمتُها- لأول وهلة- فهماً خاطئاً، فهمتُها موجهة للشعب ليواصل نضاله ضد بقايا دولة الإخوان، واستغربت عندما استعنت بأصدقاء، ففهّمونى المقصود، فهّمونى أن الحكاية أصبحت بالشقلوب وبالمعكوس، وأن مقاصد الحملة هى مخاطبة السيد وزير الدفاع أن يواصل جمائله على الأمة، وكنتُ- لفرط سذاجتى- أتخيل أن الرجل أدى واجبه الوطنى وانتهى دوره عند هذا الحد، وللمرة الثانية، لعبت الفئرانُ فى عِبّى.

ثالثاً: ثم فى 26 يوليو 2013م، خرج وزيرُ الدفاع يخاطبُ الأمة يطلب منها تفويضاً لمواجهة الإرهاب، أولاً: لماذا تطلب التفويض؟! فهذه هى الوظيفة والدور والواجب الطبيعى لأى دولة تحترم حقها المشروع فى احتكار استخدام القوة لفرض النظام العام وبسط سلطة القانون؟! ثانياً: ثم لماذا وزير الدفاع- بالذات- والبلد فيه رئيس جمهورية مؤقت يحظى بالاحترام، وفيه رئيس وزراء مثقف ومسؤول، وفيه وزير داخلية قائمٌ على رأس عمله، إذن فلماذا وزير الدفاع، ولماذا هذا الحشد الجماهيرى؟! وللمرة الثالثة، لعبت الفئرانُ فى عبّى.

رابعاً: ثم ظهر اللواء الدكتور عبدالعاطى ومعه الجهاز السحرى اللى يخلى العجوزة صبية، ومعه قائد الإدارة الهندسية، التى تحولت إلى ما يشبه مجلس وزراء باستثناء وزارة الخارجية، ولأننى قضيتُ نصف عمرى فى رحلة طويلة مع أمراض الكبد، أصابتنى حسرةٌ شديدة وصدمةٌ أشد من جهاز الدكتور عبدالعاطى ومن معه من الإدارة الهندسية، وللمرة الرابعة، لعبت الفئرانُ فى عِبّى.

خامساً: بمناسبة انتصارات أكتوبر، أدلى وزيرُ الدفاع بحديث صحفى مطول، مع الزميل العزيز الأستاذ ياسر رزق، نشرته «المصرى اليوم»، وعرفنا معه كارثة التسريب الأولى، وفى هذا التسريب تحدث وزير الدفاع عن أحلام فى المنام يراها ويرى نفسه فيها رئيساً للجمهورية، استغربتُ- ليس فقط من خلط الأحلام الشخصية بالواقع السياسى- ولكن من كيفية خروج التسجيل من وزارة الدفاع وعليه هذا الكلام، نحن- فى الصحافة العسكرية- لا نأخذ التسجيلات معنا ونخرج بها، والتقليد المعمول به هو أن ننتظرها، بعد أن تكون قد جرت مراجعتها وفلترتها وتخليصها مما لا يجوز نشره، وللمرة الخامسة لعبت الفئرانُ فى عِبِّى.

سادساً: فى هذه الأثناء، اخترع الأستاذ هيكل- غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر- مصطلح «رجل الضرورة»، وأعانه عليه آخرون، بينما كانت «لجنة الخمسين» مع نفسها تضعُ دستوراً ينتمى للعالم الأول، مُفرطا فى مثاليته وليبراليته، وتُركت لتضع نظاماً سياسياً جوهرُ السلطة فيه يكمن فى البرلمان وليس فى الرئاسة، لأول وهلة، قلتُ: ربما معنى هذا أن وزير الدفاع لن يترشح، أو ربما هو- بذكائه- لا يريد أن يلفت الانتباه إلى مقاصده، وربما يستخدم مثالية لجنة الخمسين للتغطية على ما يفكر فيه، فى كل الأحوال، كان المؤكد أن الدستور- رغم مثاليته- يؤسس لجمهورية هشة تتصادم فيها سلطة البرلمان مع سلطة الرئاسة، وسرعان ما خرج الأستاذ هيكل بنظرية الظهير الشعبى للقائد الجديد، حتى قبل أن يعلن عن ترشحه، وللمرة السادسة، لعبت الفئرانُ فى عِبِّى.

سابعاً: ظهرت أخلاق العهد الجديد، فى الحشد للتصويت على الدستور، ثم فى الحشد على ترشح رجل الضرورة، ثم فى الحشد على التصويت له، فى ظل خطاب إعلامى إقصائى شرس ضد أى لون آخر من ألوان الفكر والرأى، وصلت إلى استخدام الوسائل كافة فى التخوين والتشهير والتخويف والإسكات الكامل لكل مخالف فى التوجهات، وكانت النتيجة تصدر وجوه قليلة للمشهد، مع انسحاب قطاعات كثيرة من العملية السياسية برمتها، وللمرة السابعة، لعبت الفئرانُ فى عِبّى.

ثامناً: بعد اختيار القائد الجديد، ظهرت العشوائية والارتجالية والتسرع فى كل شىء، من تشكيل حكومة السابعة صباحاً، إلى صندوق تحيا مصر، إلى المشروعات العملاقة، فى كل يوم لنا زفة، ثم تخبو الزفة، ثم تسكت الزفة، ثم نكتشف أننا ننتقل من خواء قديم إلى خواء جديد، زفاف لإعلان المشروعات، زفاف لتشكيل اللجان الاستشارية، زفاف لتعيين مستشارى الأمن، والأمن القومى، وللمرة الثامنة، تلعب الفئرانُ فى عِبّى.

تاسعاً: فور انتخاب القائد الجديد، قال: «مافيش وقت، أنا مش حستنّا البرلمان، عاوزين نشتغل». فهمتُ إلى أين نحن ذاهبون، وبالفعل: بدأت الأصوات إياها ترمى بالونة تأجيل البرلمان، والقائد ملتزم الصمت الجميل، وذهبنا نتمطوح فى الضلال المبين حتى وصلنا إلى هذا الحال الذى لا يسر عدواً ولا حبيباً، فلا نعرف كيف سيتشكل البرلمان، ولا نعرف كيف سندير البرلمان، ولا نعرف كيف سيكون شكل العلاقة بين القائد والبرلمان، وللمرة التاسعة، تلعبُ الفئرانُ فى عِبّى.

عاشراً: مُبارك نقل السلطة إلى طنطاوى فى 11 فبراير 2011م. ثم طنطاوى- بذكاء يُحسد عليه- نقلها إلى الإخوان فى 24 يونيو 2012م، والسؤالُ الآن: هل ينقلها القائد الجديد إلى قائمة فى حب مصر؟!

خُلاصةُ الكلام: اللهُمَّ إنَّا لا نسألُك ردَّ القضاء، ولكن نسألُك اللطف فيه.

اللهم لُطفك بالبلاد ورُحماك بالعباد.

اضغط هنا لقراءة الموضوع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

16 − 1 =