أنت في الرئيسية » مغلوطات المال العام

مغلوطات المال العام

أمام ناظريك الان مقال او بحث مغلوطات المال العام للباحث الشرعي ابراهيم السكران .

  • مدخل :

الحمدلله وبعد،،

يعيش الإنسان المسلم في هذه البلاد هموماً معيشية كثيرة، هم الإسكان ومنزل العمر الذي يتراءى لخياله صبحاً ومساءً، وهم البحث عن سرير لوالدته في أي مستشفى، وهم الطرق المكتظة حتى أواخر المساء، وهم مراجعة الدوائر الحكومية، وهم رحلة طيران ألغيت، وهم قبول لابنه في الجامعة، وهم الابن الذي تخرج ولم يجد وظيفة، وهم قريبةٍ أرملةٍ لا تجد كفايتها، وهم الأسبوع الأخير من الشهر حيث انتهى الرصيد وفي انتظار الراتب، الخ.

مغلوطات المال العام

أخذت مرةً أتأمل هذه الهموم المعيشية التي تؤرق تفكير غالب أفراد المجتمع، وكلما تأملت في هذه المشكلات اكتشفت نفسي أصل إلى نقطة (المال العام) في إدارته وصيانته وحفظه من الفساد.. هذه الهموم المعيشية مرتبطة بشكل أساس بأداء الأجهزة الحكومية، والأجهزة الحكومية كلها شريانها النابض فيها هو (المال العام)، فأي خلل في إدارة المال العام يؤدي فوراً إلى الخلل في كفاءة المستشفى والجامعة والإسكان والمواصلات والتعليم الخ.

وكلما وصلت لنقطة المال العام وجوهرية الدور الذي يلعبه في ضمان مصالح المسلمين أدركت شيئاً من أسرار تعظيم الشريعة والفقه الإسلامي للمال العام.

أريد هاهنا في هذه الورقة أن نناقش سوياً بعض التصورات الشائعة عن المال العام، لكنها تصورات مغلوطة للأسف، سواءً بين بعض أفراد المجتمع، أو عند كثير من الولاة والمسؤولين، أو حتى بين من يسمون أنفسهم النخبة المثقفة.

-إنما أنا قاسم:

يتصور كثير من الناس أن (المال العام) هو ملك شخصي لولي الأمر، ويرتبون على هذا التصور نتائج وتصرفات غريبة، وهذا خطأ مخالف للنص واتفاق الفقهاء، فالمال العام ملك للمسلمين جميعاً، وليس ملكاً خاصاً لولي الأمر، وقد شرح النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا المبدأ في عبارة وجيزة بليغة في الحديث الصحيح الذي قال فيه -صلى الله عليه وسلم- (ما أعطيكم ولا أمنعكم، وإنما أنا قاسم، أضعه حيث أمرت)، وأصل متن الحديث في الصحيحين من حديث جابر ومعاوية، وهذا لفظ الإمام أحمد، وفي رواية للبخاري عن أبي هريرة (الله المعطي، وأنا القاسم) [البخاري، 3116].

فإذا كان هذا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يؤكد أنه لا يملك المال العام، وإنما وظيفته القسم والتوزيع فقط، فكيف بمن يخلف رسول الله من ولاة المسلمين؟! ولذلك حين تعرض الإمام ابن تيمية في كتابه السياسة الشرعية لهذا الحديث قال عنه في تعليق أخّاذ يكشف وجه الأولوية:

(فهذا رسول رب العالمين قد أخبر أنه ليس المنع والعطاء بإرادته واختياره، كما يفعل ذلك المالك الذي أبيح له التصرف في ماله) [الفتاوى، 28/268]

بمعنى أن النبي –صلى الله عليه وسلم- حين قال (إنما أنا قاسم) أراد أنه (ليس بمالك)، ولذلك يقول الإمام ابن تيمية:

(وقول النبي “إني والله لا أعطى أحداً، ولا أمنع أحداً، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت” يدل على أنه ليس بمالك للأموال) [منهاج السنة، ابن تيمية]

ولذلك لما عالج ابوالعباس ابن تيمية مسألة المنح العقارية التي يوزعها ولي الأمر على المسلمين بحسب المصلحة بيّن أن هذا ليس تبرعاً من ولي الأمر لأنه ليس ماله الشخصي، بل هذا جارٍ على مبدأ (إنما أنا قاسم) كما يقول ابن تيمية:

(وأما أراضي المسلمين فمنفعتها حق للمسلمين، وولي الأمر قاسم يقسم بينهم حقوقهم، ليس متبرعاً لهم) [الفتاوى، 28/85]

ودلالات هذا المبدأ (إنما أنا قاسم) الذي قرره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن شأناً غامضاً لم يذكره إلا ابن تيمية، بل هذا تصور عام بين فقهاء الإسلام منذ فجر  الخلافة الراشدة وانتهاءً بفقهائنا المعاصرين، وقد أشار لذلك عمربن الخطاب كثيراً، ومن ذلك قوله رضي الله عنه:

(أما والله ما أنا بأحق بهذا الفيء منكم، وما أحد منا بأحق به من أحد، وما منا أحد من المسلمين إلا وله في هذا الفيء حق، ولئن بقيت ليبلغن الراعي وهو في جبال صنعاء حقه من فيء الله) [الأموال لابن زنجويه، تحقيق فياض، ص569]

ولذلك قام الصحابي الجليل كاتب الوحي معاوية بن أبي سفيان –رضي الله عنه- في الناس خطيباً زمن خلافته وأكّد هذا المعنى كما يقول الراوي عطية بن قيس:

(خطبنا معاوية فقال: إن في بيت مالكم فضلا عن أعطيتكم ، وأنا قاسم بينكم ذلك، فإنه ليس بمالنا؛ إنما هو فيء الله الذي أفاءه عليكم) [الأموال لأبي عبيد، ت رجب، ص1/363].

واستمر هذا المعنى مشعاً حاضراً في مدونات الفقه الإسلامي في العصر الوسيط، ومن ذلك قول الإمام ابن قدامة رحمه الله في موسوعته المغني لما تعرض لباب إحياء الموات:

(وأما مال بيت المال، فإنما هو مملوك للمسلمين) [المغني، 6/184]

ويشير لذلك القرافي بعبارة أكثر حسماً ويتحدث عن ولي الأمر إذا وقف وقفاً من المال العام ونسبه لنفسه:

(فإن وقفوا وقفاً على جهات البر والمصالح العامة ونسبوه لأنفسهم، بناء على أن المال الذي في بيت المال لهم، كما يعتقده جهلة الملوك؛ بطل الوقف، بل لا يصح إلا أن يوقفوا معتقدين أن المال للمسلمين، والوقف للمسلمين، أما إن المال لهم والوقف لهم فلا، كمن وقف مال غيره على أنه له فلا يصح الوقف فكذلك ها هنا) [الفروق للقرافي، ف 115، ص2/687]

وفي زمننا هذا يقول أهم مرجعية فقهية معاصرة وهوالعلامة ابن عثيمين رحمه الله:

(وغاية ما عند الحكومة أن توزع بيت المال على المستحقين، فمثلا: هذا مدرس فله ما يليق بعمله، وهذا مؤذن فله ما يليق بعمله، وهكذا، يعني ليس من الحكومة في هذا إلا التوزيع والتنظيم، أما أنت فلك حق، وكل من عمل عملاً متعدياً في المسلمين فله حق من بيت المال) [الممتع، 10/56]

حسناً .. ماهي النتائج السلبية التي انبنت على هذا التصور الخاطئ؟ أعني تصور أن المال العام هو ملك شخصي خاص لولي الأمر.

انبنى على هذا التصور أن بعض ولاة الأمور توهم أن له أن يأخذ من هذا المال ماشاء، وأن يقتطع ويُقطِع من العقارات ماشاء، وأنه حين يصرف للناس من المال العام شيئاً فإنما يتفضل به عليهم، لأنه في نظره ماله الشخصي الذي كرمه الله به على أساس الولاية، وهذا خطأ مخالف لمبدأ (إنما أنا قاسم) الذي قرره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ووضحه فقهاء المسلمين، وسيأتي مزيد توضيح لهذا الوهم عند بعض الولاة.

ومما انبنى على هذا التصور الخاطئ –أيضاً- أن بعض الأفراد في المجتمع المسلم صار لا يمانع من الاستيلاء على شئ من المال العام من وزارة أو مستشفى أو بلدية أومدرسة أوغيرها، والحجة التي يتذرعون بها يلخصونها في قولهم: أن هذا مال ولي الأمر، وولي الأمر لم ينصفنا، فيحق لنا أن نأخذ من ماله. فانظر كيف آل هذا التصور إلى هذه النتائج الفظيعة!

ولذلك تجد بعض الناس ممن يحمل في نفسه نقمة على الوضع السياسي تجده مندفعاً في الاستحواذ على شئ من المال العام ما أمكنه ذلك، بل لازلت أتذكر أنني قابلت وأنا فتى يافع شاباً يكبرني ببضع سنوات، فقال لي بلجة عامية (أي فلوس تقدر تاخذها من الدولة لا تتردد لأنهم ماكلينك أصلاً) وهذا ناشئ من تصور أن هذه الأموال العامة هي أموال خاصة لولي الأمر، ولذلك يريد أن يظفر بحق يرى أن ولي الأمر غبنه فيه، وهذا خطأ شنيع، فهذه الأموال العامة هي أموال المسلمين، فإن أخذت منها هللة واحدة صارت ذمتك معلقةٌ بالمسلمين جميعاً.

وقد أشار فقيه الدنيا في زمنه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله إلى هذه الظاهرة، ووضح خطورة الأمر لأن الذمة تتعلق بالمسلمين جميعاً، حيث يقول الشيخ رحمه الله:

(خلافاً لمن قال: إن بيت المال حلال، اكذب على الدولة، اسرق من العمل، اعمل ما شئت، فليس هذا حراما، والسبب أنه بيت مال المسلمين، فنقول: بيت مال المسلمين أعظم من ملك واحد معين؛ وذلك لأن سرقته خيانة لكل مسلم، بخلاف سرقة أو خيانة رجل معين فإنه بإمكانك أن تتحلل منه وتسلم) [الممتع، 14/354]

بل إن بعض الناس اعتاد أن يبرر غاراته على المال العام بقوله (يارجال هذي فلوس الدولة!) واتضح لي بعد مناقشات مع هذا الصنف من الناس أنه يقصد بمفهوم “الدولة” هنا ليس المفهوم المتعارف عليه بأنها ممثل عن المجتمع المسلم، بل يقصد بمفهوم “الدولة” أشخاص الولاة أعيانهم، فالدولة في نظر هؤلاء كيان خارجي مستقل عن المجتمع يمثل أفراداً بأعيانهم!

ومن استوعب جيداً قول رسول الله –صلى الله عليه وسلم- (إنما أنا قاسم)، وما وضحه فقهاء الإسلام تأسيساً على هذا المبدأ؛ استبان له خطأ الصحافة الليبرالية في تعبيرها أحياناً عن بعض القرارات بعبارة (مكرمة ملكية)، فهذه العبارة فيها تفصيل: فإن كان ولي الأمر بنى مستشفى أو جامعة أو مركزاً للبحث العلمي أونحو ذلك، من ماله الشخصي الخاص؛ فهذه لا شك مكرمة يستحق بها ولي الأمر الإشادة والتنويه، فقد روى ابوداود بسند جيد عن أبي هريرة أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال ( لايشكر الله من لا يشكر الناس)، وشكر المموّلين للأعمال الخيرية فيه مصلحة عظيمة بتشجيعهم وتشجيع نظرائهم على الخير.

ولكن إن كان هذا المستشفى أو الجامعة أو الطريق أونحوه إنما بناه ولي الأمر بالمال العام للمسلمين؛ فهذه لا يليق بالناس أن يقال لهم هذه مكرمة عليكم بينما هي في الحقيقة من أموالهم أصلاً، فهذا فيه إساءة مزدوجة لولي الأمر وللناس، ولكن الصحافة الليبرالية لا تبالي بمشاعر المجتمع، لأنها مؤسسات بنيت على الوصولية وتزوير الوعي، ولازلنا نطمح باستصدار توجيه للإعلام الليبرالي للكف عن استعمال هذه العبارة المؤذية لمشاعر الناس.

على أية حال .. هذا المبدأ العظيم (إنما أنا قاسم) الذي أسسه رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يرتّب التزامين، التزام على ولي الأمر بأن لا يستعمل المال العام كممتلكات شخصية، والتزام على الأفراد برعاية حرمة (المال العام) وتغليظ الاعتداء عليه لأنه متعلق بذمة المسلمين جميعاً، وليس مالاً لأعيان فقط.

وبالجملة فمن أراد أن يعرف شدة حضور (المال العام) في الفقه الإسلامي عامةً، وفي فقه عمر بن الخطاب خاصةً؛ فليقرأ الكتاب الجليل (الأموال) للإمام أبي عبيد رحمه الله، وأما كتاب ابن زنجويه بنفس الاسم (الأموال) فهوكالمستخرج على كتاب أبي عبيد مع بعض الإضافات الطفيفة، وقد أشار لذلك الكتاني، بل لو قال قائلٌ إن سياسات إدارة المال العام -موارده ومصارفه- في الإسلام أسس شطرها الأعظم ابوحفص عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- لما أبعد، والمراد أن من تأمل في كتاب الأموال للإمام أبي عبيد وكيف يتباحث أئمة السلف في التفاصيل الفقهية لإدارة (المال العام) استوعب منزلة هذا المال في دين الله، وشدة عناية أهل السنة به.

-هلاّ جلس في بيت أبيه ليهدى إليه؟

جمهور الولاة والمسؤولين والموظفين العموميين ما إن يتسنمون مناصبهم حتى تأتي إليهم هدايا مباشرة أو منافع أوتسهيلات في إدارات أخرى، هذه المنافع لا تأتي في صورة “رشوة” مباشرة وحادة الوضوح، بل تأتي في صورة هدية و (فزعة) و تأتي أحياناً مغلفة بلغة الحب والمودة ورغبة التواصل!

خذ مثلاً بعض النماذج الشائعة:

هذا مزارع يأتي للمسؤول بصناديق التمر الفاخر كل عام، وهذا مستثمر يُدخِل المسؤول شريكاً معهم في تجارتهم بقرضٍ يقرضونه إياه فإذا أتت الأرباح أخذوا قرضهم وأعطوه الربح وهو لم يحرك ساكناً، وهذا مسؤول تمنحه شركة التقسيط تسهيلات خاصة بتقليص هامش الأرباح إلى نسبة معدومة، وهذا مسؤول يأتيه بعض مستثمري العقار ويقولون نريدك أن تدخل معنا في عمولة بيع بعض العقارات الفلانية وبعد مدة ينزل في رصيده مبلغ العمولة (السعي) وهو لا صلة له أصلاً بالصفقة، وهذا مسؤول أتته منحة عقارية كغيره من المسلمين لكن يقدم له البعض خدمة بتطبيق المنحة في موقع عقاري باهظ الثمن فتصبح قيمة منحته تساوي عشرة أضعاف منحة نظرائه، وهكذا صور كثيرة للهدايا التي تقدم لشاغلي الوظائف ذات الحساسية، ويبتلى بها خصوصاً أمثال وكلاء الوزارات والقضاة وكتاب العدل وعمداء شؤون القبول والتسجيل بالجامعات ونحوهم.

وهذا لون من ألوان الفساد في المال العام لأنه استغلال للسلطة، لكن الإشكال الجوهري في كل صور الفساد هذه أنها تأتي في صورة هدية وتسهيلات و(فزعة) الخ، حسناً ما الضابط الذي يكشف ذلك؟ الضابط الذي يكشف ذلك بينه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حديث ابن اللتبية الشهير في الصحيحين حين بعثه النبي –صلى الله عليه وسلم- لجمع صدقات بني سليم، تأمل معي الضابط الذي أشار إليه رسول الله:

(عن أبى حميد الساعدى قال: استعمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجلا من الأسد يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدى لي، قال فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: “ما بال عامل أبعثه فيقول هذا لكم وهذا أهدى لي، أفلا قعد فى بيت أبيه أو فى بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا؟) [البخاري 2597، مسلم 4843]

لعلك لاحظت المبدأ الذي أسسه النبي –صلى الله عليه وسلم- لفرز صور إستغلال السلطة والتربّح من الوظيفة، وهذا المبدأ هو (هلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر هل يهدى إليه أم لا؟)، ويشرح ابن قدامة -رحمه الله- الأساس الذي بنى عليه رسول الله هذا الضابط فيقول:

(لأن حدوث الهدية عند حدوث الولاية؛ يدل على أنها من أجلها) [المغني، لابن قدامة]

ومن وجه آخر يوضح ابن تيمية هذا الضابط النبوي والسبب الذي يدعوا الناس لفعل ذلك مع المسؤولين فيقول:

(فإن كان الرجل بحيث لو نزع عن تلك الولاية أهدي له تلك الهدية؛ لم تكن الولاية هي الداعية للناس إلى عطيته، وإلا فالمقصود بالعطية إنما هي ولايته، إما ليكرمهم فيها، أو ليخفف عنهم، أو يقدمهم على غيرهم، أو نحو ذلك) [الكبرى، 6/157]

الكثير من المسؤولين يسأل دوماً: متي تكون الخدمة والتسهيلات التي أتلقاها جائزة ومتى تكون محرمة؟ والجواب ميسور جداً، طبِّق فقط قاعدة النبي –صلى الله عليه وسلم- (هلا جلس في بيت أبيه فينظر أيهدى إليه أم لا؟) بمعنى كلما واجهت تسهيلات أوخدمات فاسأل نفسك: هل كنت ستتلقاها لو لم تكن تحتل هذا المنصب؟ فإن كان الجواب نعم فهي خدمة مشروعة، وإن الجواب لا فهي خدمة محرمة.

وهذه القاعدة النبوية أدهشت بلغاء الأصوليين في طريقة صياغتها، ففي كتابه الساحر بدائع الفوائد عقد ابن القيم فصلاً يذكر فيه أمثلة شرعية على طريقة تنبيه القرآن والسنة إلى “العلل الشرعية” وأوصافها وتأثيرها على الأحكام، وأن ما في النصوص الشرعية من دقائق العقول بأجمع الكلام وأوجزه ما هو أعظم من كلام الأصوليين، ومن الأمثلة التي ذكرها ابن القيم قوله:

(وتأمل قوله في قصة ابن اللتبية “أفلا جلس في بيت ابيه وأمه وقال هذا أهدى لي” كيف يجد تحت هذه الكلمة الشريفة أن الدوران يفيد العلية، والأصولي ربما كد خاطره حتى قرر ذلك بعد الجهد، فدلت هذه الكلمة النبوية على أن الهدية لما دارت مع العمل وجوداً وعدماً كان العمل سببها وعلتها، لأنه لو جلس في بيت أبيه وأمه لانتفت الهدية، وإنما وجدت بالعمل فهو علتها) [بدائع الفوائد، ابن القيم]

وحديث ابن اللتبية هو الأصل الشرعي في تنظيم قاعدة (استغلال النفوذ)، وفي هذا الحديث من الفقه ووسائل معالجة سوء استعمال السلطة مبادئ غزيرة، وسنذكر بعض الأمثلة:

منها: تجريم استغلال النفوذ والاسترباح من الوظيفة ومنع أي صورة من صور المحاباة للولاة والمسؤولين تحت أي غطاء كهدية ونحوها.

ومنها: الضابط الذي يميز هل المنفعة والتسهيلات التي استفادها المسؤول من الناس جائزة أم لا؟ وهو ضابط “لوكان في غير الولاية فهل سيصله هذا النفع أم لا؟”.

ومنها: أن الأموال المتحصلة من الهدايا التي للولاة لا ترجع إلى المهدي، بل تذهب للمال العام، لأن النبي لم يرجعها للمهدين بل أخذها للمال العام، وهذا الإجراء النبوي بناءً على قاعدة المعاملة بنقيض المقصود، وقد أشار الفقهاء لهذه المسألة.

ومنها: محاسبة الولاة بعد الانتهاء من أعمالهم فقد نص الحديث على “المحاسبة” كما في رواية البخاري:

(عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأسد، على صدقات بني سليم، يدعى ابن اللتبية فلما جاء حاسبه) [البخاري، 1500]

ومنها: أن محاسبة الولاة والوزراء والمسؤولين لا تعني أبداً إساءة الظن فيهم ولا الطعن في أمانتهم، ولكنه “إجراء عدلي” يخضع له الجميع لضمان سلامة إدارة المال العام، فإن ابن اللتبية صحابي أمين، ومع ذلك حاسبه -صلى الله عليه وسلم- قال ابن القيم تعليقاً على أن أمانة المسؤول لا تمنع محاسبته:

(للحاكم أن يحاسبه ويسأله عن وجوه ذلك، ولا يمنعه من محاسبته كونه أميناً، فإن النبي -صلى الله عليه و سلم- حاسب عماله كما ثبت في صحيح البخاري أنه بعث ابن اللتبية عاملا على الصدقة فلما جاء حاسبه) [إغاثة اللهفان، ابن القيم ].

ومنها: أنه لا مانع أن تكون المحاسبة المالية للولاة والمسؤولين علنية، ففي نص حديث أبي حميد الساعدي في البخاري ومسلم أن النبي صعد المنبر وحاسب وعاتب والي الأموال ابن اللتبية رضي الله عنه، ولم يحاسبه أو يعاتبه بشكل سري أوفي غرفة خاصة، كما يقول الراوي:

(فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ما بال عامل أبعثه فيقول هذا لكم وهذا أهدى لي..) [البخاري 6979 ، مسلم 4843]

ولا يزال في حديث ابن اللتبية الكثير من مبادئ وقواعد محاسبة الولاة وضبط استعمال السلطة وحماية المال العام وكبح استغلال النفوذ، وهي بحاجة لتفقه خاص، وليس هذا محل بسطها.

والحقيقة أن حديث ابن اللتبية أثّر على الفقهاء جوهرياً في النظر لسلوك صاحب السلطة، سأنقل هذا الحوار الطريف بين الشيخ ابن عثيمين رحمه الله وأحد تلاميذه في منزل الشيخ رحمه الله عام 1420هـ:

(-السائل: هل يجوز الهدية من الموظف لرئيسه؟

-الشيخ: الهدية من الموظف لرئيسه لا تجوز؛ لأنك كما تعلم حديث عبد الله بن اللتبية..، هذا الرئيس لولا أنه رئيس هل ستعطيه؟ لا تعطيه، إذاً لا تعطه.

-السائل: ولو كان قلماً؟

-الشيخ: ولو سواكاً!

-السائل: وإن كان من باب الدعوة؟

-الشيخ: لا، هذا ليس من باب الدعوة، الدعوة اذهب للمسجد، لأن الهدية تجذب الإنسان غصباً عليه، إذا أهديت للرئيس تريد في المستقبل يحابيك، ويتغاضى عن تقصيرك، ويرخص لك في وقت ليس فيه ترخيص، الهدية تجبر الإنسان أنه يحابي صاحبه) [لقاء الباب المفتوح، ل225].

-اكتبا كل مالٍ لكما:

بناء الوازع الإيماني والوعي الأخلاقي والنظم العقابية في المجتمع حول المال العام لا شك أن له دوراً جوهرياً في صيانة المال العام، لكن ذلك كله لا يكفي، بل لابد –أيضاً- من وسائل وإجراءات (وقائية) تحفظ المسؤول مسبقاً من الوقوع في جريمة استغلال السلطة والاثراء من المال العام، ومن أهم هذه الآليات الوقائية آلية أسسها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وهي إفصاح شاغلي المناصب القيادية عن ثروتهم وممتلكاتهم، أو إعلان الذمة المالية، فإذا أصبحت ثروتهم تحت الضوء امتنع عليهم مضاعفة ثروتهم بعد تولي المنصب.

روى الإمام أحمد في فضائل الصحابة عن نافع أن بعض الولاة طلبوا زيادة رواتبهم في عهد أبي بكر، فلما ولي عمر كتب إليهم إجراءات جديدة، يقول نافع:

(لما ولي عمر كتب إليهم –أي إلى معاوية وعمرو بن العاص وخالد بن الوليد- : “إن رضيتم بالرزق الأول وإلا فاعتزلوا عملنا”، قال : فأما معاوية وعمرو فرضيا، وأما خالد فاعتزل، قال: فكتب إليهما عمر: “أن اكتبا لي كل مالٍ هو لكما”، ففعلا، قال: فجعل لا يقدر لهما بعد على مالٍ إلا أخذه فجعله في بيت المال) [فضائل الصحابة، للإمام أحمد، دار ابن الجوزي، ص 358].

وهذا أثر بإسناد جيد إلى نافع راوي القصة، وغاية ما يتخوف فيه هو تردد جرير بن حازم الحافظ حيث رواه مرةً عن نافع مباشرة، ومرة عن يعلى عن نافع، وهذا لا يضر لعدة قرائن؛ منها أن الواسطة صحيحة أعني يعلى بن حكيم، ولأن جرير ثبت سماعه من نافع، ولأن من روى عن جرير ولده وهب، ووهب ضبط حديث والده الذي قبل الاختلاط وبعده، حتى أنه حجبه عن الرواية حين اختلط كما نص على ذلك ابن مهدي، فالأرجح أن الحديث بادخال الواسطة يعلى لأنها الرواية الأقدم زمناً فهي أبعد عن اختلاط جرير المتأخر، وعلى كلٍ فهو صحيح الإسناد إلى نافع.

وهذا الأثر العمري العظيم في غاية الأهمية في تأسيس مبدأ إفصاح المسؤول عن ثروته قبل توليه منصبه، أي إعلان الذمة المالية، وكونه مبدأ مبكر في تاريخ الإسلام، حيث أرسل عمر لاثنين من المسؤولين يقول لهما (اكتبا لي كل مالٍ لكما)، وهذه مطالبة صريحة بالافصاح عن الوضع المالي للمسؤول، بل إن عمركان يأخذ ما زاد في ثروة المسؤول ويرسله للمال العام.

-من أين لك هذا؟

يتصور كثير من المسؤولين أنه لا مبرر لمساءلته عن ثروته بعد توليه منصباً رفيعاً، ويعتقدون أن هذا إجراء بلا مبرر شرعي يجيز ذلك، والحقيقة أن هذا تصور خاطئ، بل إن مبدأ (من أين لك هذا؟) قرره رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي حميد الساعدي عند ابن خزيمة وفيه قوله صلى الله عليه وسلم عن بعض عماله:

(فإن سئل: “من أين لك هذا؟” قال: أهدي لي، فهلا إن كان صادقاً أهدى له وهو في بيت أبيه أو أمه) [خزيمة، 2382]

وقد كان عمر بن الخطاب يسأل عماله كثيراً عن مصادر ثروتهم بعد الولاية، تطبيقاً لمبدأ (من أين لك هذا؟) الذي أسسه رسول الله، والآثار عن عمر كثيرة في هذا الباب.

-انتفاء الحد لا يعني انتفاء التجريم والتعزير:

بعض العامة البسطاء تسربت إليه معلومة فقهية ففهمها بشكل خاطئ، وهي أن السرقة من المال العام (بيت مال المسلمين) لا حد فيها في الشريعة، لأن لكل مسلمٍ نصيب في بيت المال، فصار هذا شبهة في درأ الحد (مذهب الجمهور)، فتوهم بعض العامة بناءً على ذلك أن انعدام الحد يعني أنه حلال وأن لا عقوبة فيه!

ومن الطريف أن هذا التصور الساذج ليس مقتصراً على بسطاء العامة؛ بل تدحرج فيه من يسمونهم “كبار” المفكرين العرب، ومنهم نصر ابوزيد (توفي في يوليو 2010)، حيث يقول ساخراً بفقهاء الإسلام:

(وثمة شرط آخر أشد خطورة وهو “ألا يكون للسارق في المال المسروق نصيب”، أي أن يكون المال مملوكاً ملكية خاصة للمسروق منه، وبديهي أن هذا الشرط لا يتوافر في بيت مال المسلمين أو الخزانة العامة، فكل من يستولي على بعض هذا المال العام -أو كله- لا يقام عليه الحد، لأن له نصيباً فيه فليس خالصاً للغير، وهكذا ينحصر مجال تطبيق حد السرقة على النصابين وصغار اللصوص، وهذا هو الإسلام الذي يطرحه الخطاب الديني على الناس، ويبشرهم بأنه قادر على حل مشكلات الواقع) [نقد الخطاب الديني، ابوزيد، 88].

فنصر ابوزيد يتصور ذات التصور الذي لدى بعض الجهال ممن لم يسعفهم الوقت للتعلم، وهو أن انتفاء الحد بالشبهة يعني انتفاء التجريم والتعزير، ويقتضي إباحة السرقة من المال العام!

فالجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة) يرون أن السارق من بيت المال لا قطع عليه، وإنما فيه التعزير المناسب، ويحتجون بقاعدة درء الحدود بالشبهات وللسارق من  بيت المال شبهة ملك، ويحتجون -أيضاً- بحديث العبد الذي سرق من المغنم –وهومال عام- فلم يقطعه النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال (مال الله سرق بعضه بعضاً) [ابن ماجة، 2590]، ولكن الحديث في الحقيقة ضعيف فيه جبارة وحجاج بن تميم كلاهما ضعيفان، وقال عنه البيهقي في السنن الكبرى (وهذا إسناد فيه ضعف)، واحتجوا –أيضاً- بآثار عن الصحابة عمر وعثمان وعلي وغيرهم، وليس هذا محل إيرادها وما قيل فيها.

وأما القول الآخر فهو قول الإمام مالك وبعض السلف ورأو أن السارق من بيت المال عليه قطع، لعموم آية (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة، 38]. ولا مخصص لها.

ومن الفقهاء من حاول التوسط بين القولين، ومنهم الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- فرأى أنه لا إطلاق في القطع في السرقة من بيت المال، بل بحسب قوة شبهة الملك، فقد يكون السارق قد أخذ حقوقه من بيت المال ولم يعد له فيه شبهة ملك فعليه القطع، وقد يكون لم يستوفها فهذه شبهة ملك تدرأ الحد، فصار المعتبر هو قوة شبهة الملك، كما يقول الشيخ ابن عثيمين:

(الخلاصة في مسألة السرقة من بيت المال: أن الأصل فيها القطع، حتى توجد شبهة بينة، وهي إما فقره، أو قيامه بمصلحة من مصالح المسلمين) [الشرح الممتع، 14/355]

وبالجملة فسواء على مذهب الإمام مالك الذي يرى في سرقة المال العام القطع، أو في مذهب الجمهور الذين يرون درأ الحد وثبوت التعزير؛ ففي الحالين لم يرتفع التجريم ولا العقوبة، وفي هذا إيضاح لخطأ التصور لدى بعض الجهال، ولدى نصر ابوزيد وأمثاله.

ومما يدل أن نصر ابوزيد لم يفهم المسألة الفقهية أصلاً قوله في خلاصة هذا النقد (وهكذا ينحصر مجال تطبيق حد السرقة على النصابين وصغار اللصوص) فانظر كيف يتوهم أن هذا القول الفقهي يفضي لحماية كبار اللصوص وتطبيق الحد على صغار اللصوص، بينما الواقع هو عكس ذلك، فإن صغار اللصوص هم الفقراء وهم أكثر احتمالاً لأن يكون لهم شبهة ملك في بيت المال، وسرقتهم لا تتعدى حقهم في أكثر الأحوال، فيدرأ عنهم الحد بهذه الشبهة، بخلاف كبار اللصوص فهم أثرياء ويغلب أن لا تكون لهم شبهة ملك في بيت المال، ولو فرض أن لهم شبهة ملك فإن سرقتهم الكبيرة تتجاوز مقدار ما يملكونه قطعاً، فتنتفي الشبهة الدارئة للحد، فصار هذا القول الفقهي يفضي لتطبيق الحد على كبار اللصوص دون الصغار، وليس العكس كما يتوهم ابوزيد.

فتأمل كيف يستنتج نصر ابوزيد من هذا الحكم الفقهي ما هو نقيض المقصود وستدرك حينها وجاهة الرأي الذي يرى أهمية تكثيف الدعوة الإسلامية لقضية استعمال (العقل)، وأن ينشر الدعاة بين الشباب أهمية تحريك العقل والعقلانية، فكثير من هؤلاء الذين يسمون أنفسهم مفكرين يعانون من أنيميا حادة في القدرات العقلية، وشواهد ذلك تفوق الحصر وفيها أمثلة طريفة كثيرة.

والحقيقة أن تهكم نصر ابوزيد بالفقهاء لا يثير استغراباً كبيراً، لأن الرجل كان لديه مشكلة مع القرآن نفسه، فضلاً عن الفقهاء، فكان يعلن أن القرآن بشري لا إلهي، وأن الغيبيات في القرآن أساطير، ولذلك رفع عليه مجموعة من المحتسبين في مصر دعوى لدى المحكمة بثبوت ردته ووجوب التفريق بينه وبين زوجته ابتهال يونس، فقررت المحكمة ردته فعلاً والتفريق بينه وبين زوجته، فرفع نصر ابوزيد طعناً في الحكم لدى محكمة النقض، فرفضت محكمة النقض طعن نصر ابوزيد وأيدت حكم المحكمة بردته! كما تقول محكمة النقض في نص حكمها:

(وحيث إن هذا النعي مردود، بما سلف بيانه، من أن المطعون ضده الأول –أي نصر ابوزيد- قد أفصح بمؤلفاته عما يعد من الكفر الصريح، وأن استتابة المرتد مستحبة وغير واجبة على الراجح في المذهب الحنفي، وأن أثر هذه الاستتابة يتعلق بتوقيع حده الردة ولا يؤثر في القضاء بالفرقة التي تقع على الفور بمجرد الردة بين المرتد وزوجه، وأن الحكم المطعون فيه قد انتهى إلى قضاء صحيح) [محكمة النقض المصرية، الطعن رقم 478 لسنة 65 ق أحوال شخصية].

ونصر ابوزيد أنكر أن يكون القرآن من الله متذرعاً بأن ذلك يمنعنا من فهم القرآن ويصبح وكأن الله يكلم نفسه! كما يقول ابوزيد:

(إن القول بإلهية النصوص، والإصرار على طبيعتها الإلهية؛ يستلزم أن البشر عاجزون بمناهجهم عن فهمها..، وهكذا تتحول النصوص الدينية إلى نصوص مستغلقة على فهم الإنسان العادي، وهكذا يبدو وكأن الله يكلم نفسه ويناجي ذاته..، وإذا كنا هنا نتبنى القول ببشرية النصوص الدينية؛ فإن هذا التبني لا يقوم على أساس نفعي آيديولوجي) [نقد الخطاب الديني، ابوزيد، 206].

بل بلغ التوقح بنصر ابوزيد أنه كان يقول أن غيبيات القرآن (عن الله والملائكة الخ) خرافات وأساطير، كما يقول:

(تتحدث كثير من آيات القرآن عن الله بوصفه ملِكاً، له عرش وكرسي وجنود، وتتحدث عن القلم واللوح..، وكلها تساهم إذا فُهِمت فهماً حرفياً في تشكيل صورة أسطورية) [نقد الخطاب الديني، ابوزيد، 207].

أرأيت مستوى هذا الانحطاط في التعامل مع القرآن باعتباره لا ينسب لله، وأن الغيبيات التي فيه أساطير؟ ياليتك إذن ترى كيف احتفت صحافتنا الليبرالية المحلية بهذا المتعدي على كتاب الله، لقد أقاموا له رقصة تلميع تتمعر منها قلوب المؤمنين، وليس هذا موضع  إيراد شواهد الصحافة الليبرالية المحلية، لكن خذ مثالاً واحداً فقط:

(لا يحضر نصر حامد أبو زيد في ذاكرتي بوصفه مفكراً عربياً لامعاً وحسب، وإنما إنساناً ومثقفاً وشجاعاً من طراز فريد) [صحيفة الرياض، 8 يوليو 2010].

وهكذا تجد صحافتنا الليبرالية المحلية تروِّج لكل من يتعدى على القرآن، في الوقت الذي تترصد فيه للعلماء الربانيين لتشويه صورتهم الاجتماعية، هل هذه صحافة تعبر عن بلاد الحرمين وجزيرة الاسلام ومنطلق دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب؟! ألم يحق الوقت لاجتثاث هذه الفئة الضالة التي تتربع على إدارة المؤسسة الإعلامية الليبرالية نصرةً لكتاب الله وحميةً للقرآن؟!

أتدري أين موضع الطرافة فعلاً؟ حين تتأمل في كتابات من يخدعون أنفسهم بتسمية ذواتهم (المفكرين العرب) وتجدهم لعقود تلو عقود وهم يتمدحون بأنهم سيأتون بالنظريات الجديدة التي لم يأت بها الأوائل، فإذا طالعت كتاباتهم وجدتهم يتبنون أن القرآن فيه (أساطير) كما كان يقول ذلك أركون (الفكر الإسلامي قراءة علمية، ص84) ، وكما يقوله نصر ابوزيد (نقد الخطاب الديني، ص207) ، وغيرهم، فبالله عليكم اين الجدّة هاهنا؟ هذه عينها نظرية مشركي قريش قبل خمسة عشر قرناً! كما حكى الله مقالتهم فقال:

(حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) [الأنعام، 25]

(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)[الأنفال، 31]

(وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الفرقان، 5]

1 2 3الصفحة التالية
اضغط هنا لقراءة الموضوع

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

13 − خمسة =