كيف تصل للحقيقة ؟

ade77 kamalalmarzouki

كيف تصل للحقيقة ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

أوّلا : أسأل الله تعالى أن يعينك على الصّبر لقراءة كامل المقال، وإنّي لأعدك أن تستفيد إن شاء الله تعالى، فأعنّي على نفسك .

ثانيا: أغلب من يشكون من عدم تمييز الحقيقة لا يبحثون عنها أصلا للأسباب الّتي سبق وأن بيّنتها هنا :

وبعضهم يعرفها ولا ينتفع بها للأسباب الّتي بيّنتها هنا :

ثالثا: أمّا وكدي هنا فهو بيان ما يعين الباحث بحقّ عنها على الوصول إليها :

اعلم وفّقني الله وإيّاك لمراضيه أنّه لا يرتفع عنك الإثم إلّا بأصلين جليلين :

1- قصد الحقّ .

2- وبذل الجهد في الوصول إليه .

فكلّ ما قصدت فيه الحقّ لا شيء غيره وبذلت وسعك في الوصول إليه فإنّك قد فعلت ما هو فرضك وامتنع تأثيمك وإن لم تصب الحقّ في نفس الأمر .

ولقصدك للحقّ علامات ينبغي عليك أن تعرفها في نفسك فإن لم تجدها فالبدار البدار لعلاجها لعلّك تنجو، وهي :

أ- التّجرّد للحقّ :

::::::::::::::::::

ويكون بأمور :

1- حرّيّة الفِكْر : وهو أن تملك الشّجاعة الكاملة للتّفكير في كلّ شيء ، ووضع كلّ فكرة مهما كانت عندك من المسلّمات فوق مائدة البحث والنّظر، فإن كنت وصلت فيها إلى اليقين فلن تقدر الشّبهة ولا الظّنون على مقاومة يقينك، وإن كانت غير ذلك امتلكت من الشّجاعة ما يجعلك تبحث عن الحقّ دون رضا بنصف حلّ ووهم المطلق .

” وما كان لنفس أن تؤمن إلّا بإذن الله ويجعل الرّجس على الّذين لا يعقلون * قل انظروا ماذا في السّماوات والأرض وما تغني الآيات والنّذر عن قوم لا يؤمنون “

2- التّحرّر من أغلال السّلطان الجمعيّ: فالجمهور له سلطان خطير جدّا على آرائنا وأفكارنا مهما ظننّا تحرّرنا الفكريّ، ولأجل ذلك السّلطان الخطير نبّه الله تبارك وتعالى نبيّه إلى فتنته فقال : ” ولولا أن ثبّتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ” ، هذا وهو أكمل النّاس عقلا وأبعدهم عن أن يؤثّر فيه مثل ذلك .

وخبّر الله تعالى عن حال المستضعفين فكريّا من التّابعين من أهل النّار في تخاصمهم وهم يقولون لمتبوعيهم : ” وقال الّذين استضعفوا للّذين استكبروا بل مكر اللّيل والنّهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا ” .

وأرشدنا للطّريقة المثلى للتّخلّص من سطوة الجماهير وهي الاعتزال للتّفكّر بأنفسنا أو بمشورة واحد فقط نحاوره ونتدبّر معه فلا يكون أثره إلّا أثر السّائل الدّافع أو المجيب الدّاعم، ” قل إنّما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثمّ تتفكّروا ” .

3- الإنصاف : وليس عبثا أن يقول فيه أهل العلم إنّه حلّة الأشراف ، ولا لغوا أن ينبّهوا لكون المتّصفين به هم أقلّ الأصناف، فإنّ القادرين عليه قليل، والمتّصفين به قلّة ممّن تخلّقوا بأخلاق القرآن السّنيّة العليّة .

وقد علّمنا ربّنا الإنصاف من أنفسنا وأن لا يعمينا النّظر في العيوب عن البصر بالمحاسن، ولا ينسينا وقوع البلايا شكر النّعم .

” ليسوا سواء من أهل الكتاب أمّة قائمة يتلون آيات الله آناء اللّيل وهم يسجدون ” .

وقال ربّنا جلّ وعزّ : ” ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤدّه إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤدّه إليك إلّا ما دمت عليه قائما ” . 

وقال ربّنا تبارك وتعالى : ” لتجدنّ أشدّ النّاس عداوة للّذين آمنوا اليهود والّذين أشركوا ولتجدنّ أقربهم مودّة للّذين آمنوا الّذين قالوا إنّا نصارى ” .

وقال ربّنا تعالى : ” منكم من يريد الدّنيا ومنكم من يريد الآخرة ” 

وقال ربّنا سبحانه : ” أولمّا أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنّى هذا قل هو من عند أنفسكم “

4- عدم احتكار الحقّ : ولا يكون هذا إلّا من جهّال العوامّ أو عوامّ العلماء ممّن لا يفرّقون بين القطعيّات والمظنونات والمحكمات والمتشابهات في العلم، ولا يفرّقون بين شرع منزّل وشرع مأوّل وشرع مبدّل، ولا يميزون اجتهادا تتفاوت فيه الأنظار وتختلف فيه الفهوم من وحي لا يكون فيه إلّا التّسليم والتّعظيم، فترى قطعا في مواطن الظّنّ وولاء وبراء يعقد على الاختيارات الفقهيّة الظنّيّة، وأيمانا منعقدة على ما كان يقول فيه الأئمّة : ” إن نظنّ إلّا ظنّا وما نحن بمستيقنين ” 

والقرآن جاء ليرفعنا عن هذه الغوغائيّة والدّغمائيّة ليعلّم نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم المؤيّد بالوحي الّذي يأتيه خبر السّماء أن يقول للكفّار في موضع ليس أحق منه بالقطع واليمين المغلّظة على أنّ الحقّ معه لا يفارقه : ” وإنّا أو إيّاكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ” !

فاعرف ما لقياس الأولى ههنا من حقّ يعظم له عجبك، وافهم ترشد للتّواضع للحقّ إذا تبيّن .

5- الإيمان بقوّة الحقّ : وهذا ما يكون لك حافزا ودافعا على إيثار الحقّ على الخلق، لعلمك أنّه مهما بدا ضعيفا أو مغلوبا فإنّه لا شكّ غالب، فحتّى لو نازعتك نفسك للتّعلّق بمطمع فإنّك تعلم أنّه لن يبقى إلّا الحقّ، وأنّك مهما اخترت سواه فإنّك لا شكّ مهزوم مدحور مغلوب إن عاجلا أو آجلا، فلا يبقى دون الحقّ شيء هو إليك قريب ولا حبيب .

” بل نقذف بالحقّ على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ” 

” وما خلقنا السّماوات والأرض وما بينهما إلّا بالحقّ ” 

” أولم يتفكّروا في أنفسهم ما خلق الله السّماوات والأرض وما بينهما إلّا بالحقّ وأجل مسمّى “

6- ترك التّنميط: فالبشر يتفاوتون ويختلفون وإن جمعهم لون أو نمط واحد فيما تظنّه وتحسبه، بل الرّجل الواحد لا يمكن حصره في نمط واحد نفسيّ ولا عقليّ ولا انفعاليّ، وما التّنميط إلّا عجز أو كسل عن التّفكير يستعمله العجزة الكسالى للإعراض عن المَقول إلى القائل والحكم بأقصر طريق باستعمال تسميم البئر ولعن المصدر الأصليّ، بدل التّطويل اللّازم للنّظر في مقالته وتحليلها وتمييز صوابها الّذي لا بدّ كائن من خطئها الّذي لا ينجو منه بشر .

7- تقديم العقل عند الحكم على العاطفة: فدرجة حرارة المعتقد ليست دليلا على صحّته، والحماسة والصّراخ قد تكون دليل الألم لا دليل الصّواب، وقد علّمنا ربّنا جلّ وعلا هذا في محكم الكتاب فقال تعالى : ” يا أيّها الّذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنّكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتّقوى ” .

8- اتّهام النّفس: فهي أمّارة بالسّوّ إلّا ما رحم ربّي، وهي داعية للهوى والشّحّ، ولا يأمن هوى نفسه إلّا من فيه خصلة نفاق أو آمنٌ من مكر الله، فالنّفس داعية إلى الظّلم فلا تعدل إلّا حين تأطرها على الحقّ أطْرا، وقد بيّن لنا ربّنا جلّ جلاله ذلك ونهانا عن اتّباع الهوى في مواضع أقربها لما نحن بصدده قوله تعالى ” فلا تتّبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإنّ الله كان بما تعملون خبيرا “

والظّلم من شيم النّفوس فإن تجد *** ذا عفّة فلعلّة لا يظلم

وعلامات بذل الجهد يمكن إجمالها في الآتي :

ب- اتّساع المدارك :

:::::::::::::::::::::::

وتكون بأمور:

1- الشّجاعة في سماع المخالف: فصاحب الحقّ لا يخشى السّماع وإنّما يخشاه المبطلون الأفّاكون الأفّاقون الكذّابون .

والّذين يخشون على باطلهم يستعملون خطّة تشويه المخالف لصرف النّاس عن الاستماع إليه :

” وقال الّذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلّكم تغلبون ” 

وهو أسلوب قديم قدم الإنسان نفيه : قال ربّنا تعالى حاكيا عن نوح عليه وعلى نبيّنا الصّلاة والسّلام : ” وإنّي كلّما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصرّوا واستكبروا استكبارا” 

وأمّا ما علّمناه ربّنا تعالى فهو صرف النّظر عن القائل والاهتمام بالقول، والسّماع لكلّ قول واختيار أحسنه ثقة منّا في كون الحقّ هو الغالب وهو الأحسن ” الّذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه ” .

وبقدر ما يتّسع صدرك للسّماع من كلّ أحد تزيد قدرتك على الإنصاف وعلى التّحرّر في الفكر وعلى التّحرّر من أغلال التّسلّط الجمعيّ ( للجماعة والحركة والمذهب والعرق والوطن والقبيلة والحزب …)، وتتّسع مداركك فيقلّ جدّا احتكارك للصّواب، ويزداد إيمانك بقوّة الحقّ الذّاتيّة .

فيا لله ما أهمّ هذا لو تفطّنت إلى خطره!

2- البحث الحقيقيّ عن أقوى ما عند المخالف من حجّة لأنّك لا تسلبه ابتداء حقّه في أن يكون مصيبا، والوقوف بين الأقوال المتناقضة والمتضادّة فضلا عن المختلفة وقوف القاضي لا وقوف الخصم .

3- النّظر العلويّ الشّامل المتتبّع لجميع الاحتمالات والبعد عن الاختزال والنّظر الضّيّق الجزئيّ، وهذا ما يعرّفك على الحقّ المتوسّط بين طرفي الغلوّ، وإلّا لم تأمن أن تواقع غلوّا أقرب من غلوّ تظنّه حقّا متوسّطا، فالحقّ وسط بين باطلين وأمّا الوسط بين حقّ وباطل فهو باطل .

ربّ يسّر وأعن!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملاحظة : الاستشهادات والاستدلالات تمّ اختيارها بعناية شديدة وبعد إعمال نظر، فتدبّر وتأمّل يرحمك الله!

2015

اترك ردّاً

ستة + خمسة =